← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

القاعدة الثّالثة عشرة [واجب النّذر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب بالنّذر هل يلحق بالواجب بالشّرع أو بالمندوب؟ فيه خلاف (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق مثال لهذه القاعدة ضمن قواعد حرف النون تحت الرّقم ١٦. وكذلك ضمن قواعد حرف التّاء الرّقم ٢٢٠. فلتنظر هناك.

стр. 4972

القاعدة الرّابعة عشرة [الواجب الشّرعي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب شرعاً لا يحتاج إلى القضاء (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالواجب شرعاً: ما أوجبه الشّرع على المكلّف ابتداءً. فما كان كذلك لا يلزم لثبوته في ذمّة المكلّف الحكم والقضاء به؛ لأنّه لازم بنفسه بإلزام الشّرع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجد بيع فاسد لفقده شرطاً من شروط الصّحّة فإنّ الواجب شرعاً فسخ هذا البيع، ولا يلزم الرّجوع للقضاء لإثبات فسخه، إلا إذا ادّعى أحدهما صحّة البيع لا فساده. ومنها: ثبوت خيار العتق لا يحتاج للقضاء؛ لأنّه شرع لدفع ضرر جلي، وهو زيادة الملك عليها. فاعتبر - أي خيار العتق - دفعاً، والدّفع لا يحتاج للقضاء. ومنها: الفرقة بالإيلاء وبالرّدّة وبتباين الدّارين، وبملك أحد الزّوجين صاحبه، وبالنّكاح الفاسد، كلّها لا تحتاج إلى القضاء لفسخها.

стр. 4973

ومنها: النّفقات الشّرعيّة الواجبة كالنّفقة على الأولاد الصّغار أو العاجزين، وعلى الأبوين، والزّوجة، كلّها نفقات لا تحتاج للقضاء لإثباتها، ولكن قد تحتاج للقضاء لتقديرها عند الاختلاف. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة، فلا يلزم إلا بالقضاء: الفرقة بالجُبّ والعنّة وبخيار البلوغ، وبعدم الكفاءة، وبنقصان المهر، وبإباء الزّوج عن الإِسلام، وباللعان. فهذه كلّها لا يثبت الفسخ بها إلا بالقضاء.

стр. 4974

القاعدة الخامسة عشرة [الواجب الكفائي] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب على الكفاية واجب على الكلّ ويسقط بفعل البعض (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الواجب من حيث المخاطَب به ينقسم إلى قسمين: واجب عيني، المخاطب به كلّ فرد فرد من المكلّفين كالصّلاة. وواجب كفائي المخاطَب به المجموع، وهو كلّ مهم ديني يراد به حصوله، ولا يقصد به عين من يتولاّه (٢). والمطلوب في الواجب العيني طاعة المكلّف وقيامه بما وجب عليه بحيث لا تبرأ ذمّته إلا بفعله بنفسه، ولا يصحّ أن يقوم غيره بأداء المطلوب - إذا كان المطلوب واجباً بدنيّاً؛ لأنّ المقصود من إيجابه إظهار العبوديّة والخضوع لله المعبود. ولكن إذا كان الواجب المطلوب ماليّاً فيجوز فيه الاستنابة والتّوكيل.

стр. 4975

وأمّا الواجب الكفائي: فالمطلوب فيه أداء الفعل بقطع النّظر عمَّن يقوم به، فالمخاطَب به مجموع المكلّفين، ومَن يقوم به فرد أو أفراد، فإذا فعله بعض المكلّفين سقطت المطالبة به عن الباقين، وسقط الإثم عنهم وأثيب مَن قام به. ولكن إن لم يقم به أحد أثم الجميع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ، واجبات عينيّة يخاطب بها كلّ مكلّف بعينه، ولا يجوز الاستنابة فيها - إلا في الحجّ عند الضّرورة، أو تفرقة زكاة. ومنها: القضاء واجب على الكفاية. فإذا قام به بعض المكلّفين، وسدَّت بهم الحاجة سقطت المطالبة به عن الباقين. ومنها: الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المكلّفين من المجاهدين وسدَّت بهم الحاجة سقطت المطالبة به عن الباقين، إلا إذا دَهَم العدو فيكون فرض عين على كلّ مكلّف قادر. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا تعيّن أحد للقضاء - مثلاً - ولم يوجد غيره يسدّ مسدّه، أصبح هذا الواجب عينيّاً عليه، بحيث يأثم إذا لم يلي القضاء. ومنها: إذا دهم الكفّار أرض الإسلام، أو جانب من أرض الإسلام - ولم يستطع أهل تلك النّاحية صدّهم - أصبح الجهاد فرض عين على كلّ قادر من تلك النّاية ثم الأقرب فالأقرب حتى يعمّ الوجوب أرض الإِسلام كلّها.

стр. 4976

القواعد السّادسة والسّابعة والثّامنة عشرة [ترك الواجب] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الواجب لا يترك إلا لواجب. وفي لفظ: الواجب لا يترك لسُنَّة (١). وفي لفظ: الواجب لا يترك إلا إلى الأبدال (٢). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: سبق قريب من معنى هذه القواعد ضمن قواعد حرف الجيم تحت الرّقم ٣٥. ومن ضمن قواعد حرف الميم تحت الرّقم ١١٨. القاعدتان الأوليّان تدلاّن على أنّ الواجب لا يجوز تركه دون فعله إلا لواجب مثله، وأنّه لا يجوز تركه لِسُنَّة أو مندوب أو مستحبّ؛ لأنّ الفرض والواجب أفضل من النّفل كما سبق بيانه. والقاعدة الثّالثة: قريبة المعنى من سابقتيها، ولكنّها لم تُشِر إلى الأبدال هل هي واجبات أو سنن، فكانت أعمّ دلالة من حيث ألفاظها، ولكن القاعدتين الأوليّين يخصّصانها بأنّه لا يجوز ترك الواجب إلا لواجب مثله، ولكن المحقّق لقواعد الإشراف لم يشر إلى ذلك مع الأسف.

стр. 4977

ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: قطع اليد في السّرقة لو لم يجب لكان حراماً. ومنها: وجوب أكل الميتة للمضطر. ومنها: الختان لو لم يجب لكان حراماً، لما فيه من قطع عضو، وكشف العورة والنّظر إليها وإمساكها. وهذه الأمثلة التي ذكرها السّيوطي ليس فيها ترك واجب لواجب، بل ترك حرام لواجب. ومنها: وجوب القصر في الصّلاة بالنّسبة للمسافر عند بعض المالكيّة. قطع الصّلاة لإنقاذ إنسان أوشك على الغرق واجب، فجاز ترك الصّلاة الواجبة لإنقاذ حياة إنسان. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد: النّظر إلى المخطوبة لا يجب، ولو لم يشرع لم يجز، وهذا ترك الحرام للجائز المشروع. ومنها: قتل الحيّة في الصّلاة لا يجب، ولو لم يشرع لكان مبطلاً للصّلاة لما فيه من الحركة الكثيرة والانشغال. فهو جائز ومستحبّ. وليس واجباً.

стр. 4978

القاعدتان التّاسعة عشرة والعشرون [الواجب والسّلامة] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الواجب لا يتقيّد بوصف السّلامة، والمباح يتقيّد (١). وفي لفظ: الواجب لا يجامع الضّمان (١). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: المراد بالواجب: ما أوجب الشّرع إيقاعه من العقوبات، فلو سرت العقوبة الواجبة وأتت على نفس الجاني، فلا ضمان على الفاعل؛ لأنّه فعل واجباً، لكن بشرط أن لا يكون قد تجاوز المعتاد. ولكن إذا كانت العقوبة أو الفعل مباحاً - أي جائزاً أن يفعل أو لا يفعل، فسرى أثر الفعل إلى النّفس فيجب الضّمان؛ لأنّ ما كان مباحاً أو جائزاً يشترط فيه سلامة العاقبة. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا قطع القاضي أو بأمره يد سارق فسرى القطع إلى النّفس، فلا ضمان على القاضي؛ لأنّه فعل واجباً. ومنها: إذا وجب التّعزير على شخص فَعُزِّر - ولم يجاوز المعتاد - فمات المعذَّر، فلا ضمان كذلك، لأنّ القطع والتّعزير واجب إقامته على القاضي، والواجب لا يجامع الضّمان.

стр. 4979

ومنها: إذا فصد إنساناً فسرى الفصد إلى النّفس - ولم يجاوز المعتاد - فلا ضمان عليه لوجوبه بعقد الفصد. كالطّبيب إذا قام بعمليّة جراحيّة لمريض فمات المريض فلا ضمان على الطّبيب، لرضاء المريض بإجراء العمليّة. وقيام الطّبيب بإجراء العمليّة على الوجه المعتاد علميّاً دون تقصير. ومنها: إذا قطع المقطوع يده يد قاطعه، فسَرَت. ضمن الدية؛ لأنّه فعل مباحاً أو جائزاً؛ لأنّ له أن يعفو بدون شيء أو بالأرش. ومنها: إذا عزر زوجته بالضّرب متجاوزاً للحدّ ضمن ديتها. ومنها: المرور في الطّريق مقيّد أيضاً بشرط السّلامة. ومنها: ضرب التّأديب مقيّد بشرط السّلامة لكونه مباحاً، وأمّا ضرب التّعليم فلا يتقيّد بشرط السّلامة لكونه واجباً. وكلّ ذلك محلّه في الضّرب المعتاد. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: من وطئ زوجته فأفضاها، أو ماتت، فلا ضمان عليه مع كونه مباحاً؛ لأنّ الوطء قد أُخِذ موجبه وهو المهر فلم يجب به آخر. ولكن لو وطئ أجنبيّة فأفضاها أو ماتت وجب عليه الدّيّة كاملة في ماله. ومنها: حفر بئراً في برّيَّة في غير ممرّ النّاس لم يضمن ما وقع فيها.

стр. 4980

القاعدة الحادية والعشرون [الواجب والفَرض والعوض] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الواجب لا يجوز أخذ العوض عنه (١). وفي لفظ سبق: الفرض لا يؤخذ عليه عوض (٢). وينظر من قواعد حرف الفاء القاعدة ١٣. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بمعنى قاعدة سبقت ضمن قواعد حرف "لا" تحت الرّقم ٩٩. ومفادها: أنّ ما يجب على المكلّف فعله لا يجوز له أن يأخذ عنه عوضاً أو أجراً ليفعله أو ليسقط عنه؛ لأنّ الواجب يجب فعله على المكلّف قطعاً، والتّكليف والوجوب الشّرعي ينافي الضمان والعوض، ولا يسقط الواجب عن المكلّف إلا بعذر مشروع. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يجوز الاستئجار على الجهاد؛ لأنّه إذا حضر الصّف تعيّن عليه، هذا حينما كان المجاهدون يخرجون بأنفسهم وأسلحتهم ولهم أربعة أخماس الغنائم، كما كان لهم العطاء، وكانوا غير متفرّغين للجهاد

стр. 4981

غالباً. ولكن اليوم الجيوش تجيّشها الدّولة وهي تتكفّل بأسلحتهم ودوابّهم وكلّ ما يحتاجونه من عدّة الحرب، وهم متفرّغون لهذا فلذلك لهم أخذ الرّواتب من الدّولة لقاء تفرّغهم لمهامهم المنوطة بهم. ومنها: مَن تعيَّن عليه قبول الوديعة، فلا يجوز أخذ أجرة الحفظ؛ لتعيّنه عليه. ومنها: إذا قال: مَن دلَّني على مالي فله كذا، فدلّه مَن المال في يده، لم يستحقّ شيئاً؛ لأنّ ذلك واجب عليه بالشّرع، فلا يجوز أخذ العوض عنه، بخلاف الرّدّ. ومنها: إذا خلَّص مشرفاً على الهلاك بالوقوع في الماء أو النّار، لا تثبت له أجرة المثل. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: على الأمّ إرضاع ولدها اللبأ، ولها أخذ الأجرة عليه. عند الشّافعيّة. ومنها: بذل الطّعام في المخمصة واجب، وله أخذ العوض عنه. ومنها: إذا أصدقها تعليم القرآن - وهو متعيّن لتعليمها، فالأصحّ الصّحّة. ومنها: أرباب الحِرَف - إذا تَعَيَّنت عليهم - يعملون بالأجرة، كما يجب على العالم تعليم الفاتحة للجاهل بأجرة.

стр. 4982

القاعدة الثّانية والعشرون [المقدّر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب المقدّر إذا أتِي به وزِيد عليه هل يتّصف الكلّ بالوجوب، أو الواجب المقدّر والزّائد سنّة؟ وجهان (١). وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٦٠. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق قريباً مثل هذه القاعدة تحت الرّقم ٥، ٦، ٩، ١٠ من قواعد هذا الحرف. وقد بُيِّن ما فيها ووضّحت بالأمثلة، فلتنظر هناك.

стр. 4983

القاعدة الثّالثة والعشرون [الواجب المقيّد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب المقيّد بوصف شرعاً لا يتأدّى بدونه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا كان الواجب المطلوب فعله مقيّداً بصفة خاصّة، فلا تبرأ ذمّة المكلّف إلا أتى به وأدّاه على صفته المشروعة والمطلوبة. فلو أدّاه على غير صفته وقيده لم يجزئه وعليه إعادته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: صوم كفّارة اليمين لا يجزئ عند الحنفيّة إلا متتابعاً. بناءً على القراءة غير المتواترة؛ لأنّ الحنفيّة يوجبون العمل بالقراءة الشّاذة. ومنها: كفّارة القتل الخطأ والظّهار يجب إعتاق رقبة مؤمنة، فلو أعتق رقبة غير مؤمنة لم تجزئ باتّفاق. ومنها: صيام شهرين متتابعين في كفّارة القتل الخطأ والظّهار - إذا لم يجد الرّقبة - فلا يجزئه إذا صام ستّين يوماً متفرّقة، فلو أفطر يوماً خلال شهرين بعذر أو بغير عذر فعليه استقبال الصّيام لفوات صفة التّتابع بفطره، لكن إذا كان المكفّر امرأة فلا يقطع تتابع صيامها حيضها حيث تتمّ ستّين يوماً بعد إسقاط أيّام الحيض. ومنها: الأضحية لا تجوز إلا بالصّفات المقيّدة بها.

стр. 4984

القاعدة الرّابعة والعشرون [الواجب الموقّت] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب الموقّت لا يجوز إخراجه قبل وقته إلا بدليل (١) منفصل. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الواجب من حيث وقته نوعان: نوع موقّت لوقت فلا تعمر ذمّة المكلّف به إلا بدخول وقته إذا استوفى شروطه، إلا إذا وُجد دليل منفصل يجيز إخراجه قبل وقته الموقّت له. ونوع غير موقّت بوقت فهذا يجب أداؤه إذا تحقّق ووجد شرطه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الزّكاة تجب إذا بلغ المال نصاباً وحال عليه الحول. لكن هل يجوز إخراجها قبل حولان الحول؟ قد ثبت بدليل منفصل أنّ النّبي ﷺ استسلف عمّه العبّاس بن عبد المطّلب ﵁ زكاة عامين. رواه أحمد وأبو داود رحمهما الله. فعلى ذلك يجوز إخراج الزّكاة قبل حلول الحول بشرط وجود النّصاب. وعند المالكيّة أقوال عدّة في هذه المسألة: حيث لا يجيزون التّعجيل إلا لمدّة يسيرة (٢).

стр. 4985

ومنها: زكاة الفطر هل يجوز إخراجها قبل الفطر، لا خلاف في جواز تقديمها على يوم الفطر، ولكن الخلاف في مدّة التّقديم. فعند الحنفيّة يجوز تعجيلها قبل دخول رمضان (١). وعند المالكيّة يجوز إخراجها بل يوجبون إخراجها إمّا بغروب الشّمس ليلة العيد أو بطلوع الفجر يومه - خلاف. كما أنّهم يجيزون تقديمها عن ذلك بيوم أو يومين على الأكثر، وهذا مذهب الحنابلة أيضاً (٢). وعند الشّافعي ﵀ يجوز تقديمها من أوّل رمضان (٣).

стр. 4986

القاعدة الخامسة والعشرون [التّعريف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب من التّعريف في كلّ محلّ القدر المتيسّر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد من التّعريف: ما يراد تعريفه بذكر أوصافه أو حدوده، فما يراد تعريفه لا يلزم تعريفه بكلّ صفاته وأوصافه وحدوده والاستقصاء في ذلك. إنّما اللازم في كلّ ما يراد تعريفه هو ما تيسّر من الأوصاف بحيث يمكن تمييزه عن غيره. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اختصم رجلان في دابّة، أو في عَرَض من العروض كائناً ما كان، وهو قائم بعينه، فإنّ القاضي لا يسمع من واحد منهما البيّنة والدّعوى حتى يحضرا ذلك الّذى اختصما فيه؛ لأنّ إعلام المدّعَى - أي تبيينه - شرط لصحّة الدّعوى والشّهادة. وتمام الإعلام بالإشارة إلى العين، وإحضار ما ينقل كبقرة أو ثوب أو ما أشبه ذلك. ومنها: إذا كان المدّعَى لا يمكن نقله كعقار - مثلاً - فيقام ذكر الحدود في الدّعوى والشّهادة مقام الإشارة إلى العين؛ لأنّه هو المتيسّر. ومنها: إذا كان إنسان غائب أو ميّت، وادّعي عليه، أو لزم

стр. 4987

ذكره بشهادة، فيكتفى بذكر اسمه واسم أبيه ولقبه ونسبه. وفي هذا الزّمن يلزم ذكر جنسيّته وبلده أيضاً. ومنها: إذا كان العين المدّعى مستهلكاً فيتعذّر إحضاره، فيقام ذكر الوصف والقيمة مقام الإشارة إلى العين في صحّة الدّعوى والشّهادة، كدعوى أكل طعام أو إتلاف مال وما أشبه.

стр. 4988

القاعدة السّادسة والعشرون [الواجب والفرض] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواجب والفرض مترادفان. إلا في الحجّ (١). أصوليّة فقهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الواجب والفرض سبق تعريفهما أكثر من مرّة، ولكن الخلاف بين الحنفيّة وغيرهم هو: هل الواجب هو عين الفرض، أو غيره؟ فعند الحنفيّة إنّ الواجب غير الفرض من حيث؛ إنّ الفرض عندهم هو ما ثبت بدليل مقطوع به لا شبهة فيه. والواجب ما ثبت بدليل ظنّي فيه شبهة. فالتّفريق عندهم بناءً على الدّليل المثبت، فإذا كان الدّليل قطعيّاً لا شبهة فيه - والمقصود الدّليل من الكتاب والسّنّة المتواترة - فهذا ما يثبت به يسمّى الفرض. وإذا كان الدّليل المثبت ظنّيّاً فيه شبهة - والمراد به ما كان من أخبار الآحاد - فهذا ما يثبت به يسمّى عندهم الواجب. وإن كان قد يطلق لفظ الواجب على الفرض. وأمّا عند غير الحنفيّة: أي المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: فإنّ الفرض هو عين الواجب، فهما لفظان مترادفان يدلاّن على شيء واحد. ولكن مع ذلك وجد عندهم ما هو واجب غير فرض في مسائل في

стр. 4989

الحجّ والصّلاة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ١ - في الحجّ: الواجب - في الحجّ - هو ما يجبر بدم، ولا يتوقّف التّحلّل عليه ولا الصّحّة والفرض خلافه، وذلك كالإحرام من الميقات، والرّمي، وهذان متّفق عليهما. وممّا صحّ فيه الوجوب: المبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، وطواف الوداع، وهذه كلّها تجبر بدم. وممّا صحّ فيه الوجوب عند الحنابلة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، وطواف الوداع (١)، فهذه كلّها تجبر بدم عند الإخلال بها. ٢ - وفي الصّلاة عند الشّافعيّة: السّنن التى تجبر بسجود السّهو ونحوها: التّشهّد الأوّل والجلوس له - القنوت في الصّبح، وكذلك في الوتر. القيام للقنوت، الصّلاة على النّبيّ ﷺ في التّشهّد الأوّل - عند من يراها - والصّلاة على آل النّبي ﷺ في التّشهّد الأخير (٢).

стр. 4990

القاعدة السّابعة والعشرون: [العاقد من الجانبين] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الواحد لا يتولّى طرفي العقد - أو - لا يتولّى العقد من الجانبين (١). وفي لفظ: الواحد في المعاوضات الماليّة لا يصلح عاقداً من الجانبين (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق لهذه القاعدة أمثال: ينظر قواعد حرف "لا" تحت الرّقم ٨٥. وقواعد حرف الهاء تحت الرّقم ٥٧ - ٥٩. وقد شرحت وبيِّن معناها وأمثلتها: وكون الواحد لا يتولّى طرفي العقد أمر متّفق عليه بين المذاهب؛ لأنّه إذا كان قابضاً لنفسه احتاط لها، وإذا كان مقبّضاً وجب عليه وفاء الحقّ من غير زيادة، فلمّا تخالف الفرضان، والطّباع لا تنضبط امتنع الجمع (٣).

стр. 4991

وكأنّ الحنفيّة من خلال نصّ القاعدة الثّانية، وما مثلوا به للمستثنى يحصرون عدم جواز اتّحاد القابض والمقبّض في المعاوضات الماليّة فقط. ثالثاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الأب إذا اشترى مال ولده الصّغير لنفسه، أو يبيع ماله من ولده، فإنّه يكتفى بلفظ واحد. وكذلك إذا زوّج حفيده من حفيدته، وهو وليّهما. ومنها: الوصي إذا باع ماله من يتيم، أو يشتري مال اليتيم لنفسه، وكان ذلك خيراً لليتيم. ومنها: العبد يشتري نفسه من مولاه بأمر المولى.

стр. 4992

القاعدة الثّامنة والعشرون [النّائب عن العامّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواحد ينوب عن العامّة في المطالبة بحقّهم، لا في إسقاط حقّهم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: دليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم" (٢) الحديث. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا مال حائط على الطّريق، أو مالت عمارة، فكلّ واحد من المسلمين له الحقّ في مطالبة مالك الحائط أو العمارة بإزالتها، وإذا سقطت بعد ذلك وقتلت أحداً تحتها، أو أتلفت شيئاً فالمالك ضامن. لكن إذا طلب ذلك الواحد تأخير الهدم أو الإزالة، أو أبرأ صاحبها عن الضّمان لم يصح ذلك منه ولا من غيره. ومنها: إذا مال حائط على دار قوم فأشهدوا عليه فهو ضامن لما أصاب الحائط منهم أو من غيرهم؛ لأنّه بِميل الحائط شغل هواء ملكهم

стр. 4993

فتكون المطالبة بالتّفريغ لهم، ولكن إذا أبرا مالك الدّار صاحب الحائط عن الضّمان أو أخّره صحّ ذلك منه؛ لأنّه يتصرّف في ملك نفسه بالإسقاط والتّأخير. ومنها: إذا مال حائط - بعضه إلى الطّريق وبعضه إلى دار إنسان فتقدّم إليه صاحب الدّار بأن يهدم حائطه وإلا كان ضامناً وأشهد عليه. فإذا سقط المائل إلى الطّريق أو المائل إلى الدّار فهو ضامن له، لأنّه حائط واحد، فإذا أشهد على بعضه فقد أشهد على جميعه. ومنها: إذا تقدّم أحد المسلمين إلى ولي الأمر أو الحاكم أو القاضي في دفع مظلمة عن نفسه - ومجموعة من النّاس مثله، فيجب على ولي الأمر أو الحاكم أن يدفع هذه المظلمة - عند تحقّقها - عن ذلك الشّخص وعمّن هو في مثل حاله، ولا يجوز أن يقال لذلك الواحد تكلّم عن نفسك فقط ولا شأن لك بغيرك؛ لأنّ هذا مخالف لهدي الإِسلام ومخالف لنصّ الحديث دليل القاعدة.

стр. 4994

القاعدة التّاسعة والعشرون [الوارث وما يجب على المورث] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوارث لا يلزمه من الحقوق التي على مورثه إلا ما أمكن دفعه من تركته (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوارث: هو خليفة المورّث في ماله. ويجب على الوارث - بهذه الخلافة - أداء الحقوق الواجبة على مورثه إذا مات ولم يؤدّها. لكن ما هي الحقوق التي يجب على الوارث أداؤها؟ الحقوق نوعان: حقوق دينية، وحقوق دنيوية. فالحقوق الدّينيّة كالصّلاة والصّيام والحجّ والزّكاة. فهذه ليس على الوارث أداؤها، إلا ما أوصى به المورّث من حجّ عنه أو أداء زكاة لم يؤدّها. وأمّا الصّلاة والصّيام فلا يؤدّيان عنه، وإن أجاز بعضهم الصّيام عنه. وأمّا الحقوق الدّنيويّة: فمنها حقوق ماليّة وحقوق غير ماليّة. فما كان من حقّ مالي تسعه تركة المورث المتوفّى فهو ما يلزم الوارث أداؤه من تلك التّركة، ولا يجوز التّصرف بالتركة بالقسمة قبل

стр. 4995

أداء ما عليها من حقوق. وأمّا ما كان من حقّ غير مالي فلا يجب على الوارث أداؤه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كان على المورّث دين معروف لشخص أو جهة معلومة وتسعه التّركة، كان على الوارث أداء ذلك الدّين قبل كلّ شيء، بعد تجهيز الميّت ودفنه. ومنها: إذا كان للميّت وصايا تخرج من ثلت تركته، كان على الوارث الوفاء بها. وأمّا ما زادت عن الثّلث؛ فإن أجازها الورثة نفذت فيما زاد، وإلا لا تزيد على الثّلث. ومنها: إذا استأجر شخص أجيراً بعمل كمزارعة أو مساقاة أو أي عمل كبناء عمارة أو هندسة مشروع أو غير ذلك من الأعمال، فمات الأجير أو العامل قبل تمام العمل، فلا يجب على وارثه القيام بإتمام ذلك العمل، وعلى الحاكم أن يستأجر من التّركة من يعمل العمل، فإن لم تكن له تركة، أو تعذّر الاستئجار منها، فلربّ العمل الفسخ؛ لأنّه تعذّر استيفاء المعقود عليه فيثبت الفسخ.

стр. 4996

القاعدة الثّلاثون [الوازع الطّبعي] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الوازع الطّبعي مغنِ عن الإيجاب الشّرعي (١). وفي لفظ: الوازع الطّبعي أقوى من الوازع الشّرعي (٢). وفي لفظ سبق: داعية الطبع تجزئ عن تكليف الشّرع (٣). وينظر من قواعد حرف الدّال القاعدة ٤. وفي لفظ سبق: ما يعاف في العادات يكره في العبادات (٤). تنظر في قواعد حرف الميم تحت الرّقم ٢٢٠. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوازع: من وزع يَزَع إذا منع. فالوازع: المانع. الطّبعي: أي الخِلقي المركوز في النّفس من أصل الخِلقة والفطرة. فما يكرهه الإنسان ويمتنع عنه بدافع ذاتي فطري طبعي يغني

стр. 4997

ويجزئ عن تكليف الشّرع بالانتهاء عنه، أي أنّ الشّرع يمنع المكلّف عن بعض الأشياء المكروهة شرعاً بالدّافع والمانع الذّاتي للإنسان عن قربان هذه الأشياء لما يحسّه في نفسه وطبعه من كراهتها والاشمئزاز منها ومن فعلها. ولكن هذا في الواقع ليس على إطلاقه، إنّما يعمل به ذوي الفطر السّليمة والأخلاق المستقيمة والطّبائع المتينة، وطباع النّاس ونفوسهم تتفاوت في الحبّ والكره، فما يكرهه قوم يحبّه آخرون، وما يراه بعض الناس من القاذورات يراه آخرون من المشتهيات والطّيبات، كتعطّر الهندوس - مثلاً - ببول البقر، وشربهم بول الإنسان للتّداوى. ولذلك كان لا بدّ من أمر الشّارع ونهيه، أمره بما فيه مصلحة المكلّفين ونهيه عمّا فيه مضرّتهم ومفسدتهم. وبخاصة في هذا الزّمان الذي انتكست فيه الفطر وارتكست الأخلاق، فأصبح كثير من الناس يرون ما ليس حسناً حسناً، حتى رأينا من يأكل عذرة الإنسان وغائطه من غير مجاعة ولا مسغبة ونعوذ بالله من انتكاس الفِطَر وارتكاس الأخلاق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لم يرتّب الشّارع على شرب البول والدّم وأكل العذرة والقيء حدّاً أو عقوبة، اكتفاء بنفرة الطّباع عنها - ولقد وجد في هذا الزّمن من يشرب الدّم والبول ويأكل العذرة، من غير المسلمين. ولكن الخمر والزّنا والسّرقة نهى عنها الشّارع ووضع لها العقوبة الرّادعة لقيام

стр. 4998

بواعثها. ومنها: إقرار الفاسق وغيره على نفسه مقبول؛ لأنّ الطّبع يردعه عن الكذب فيما يضرّ بنفسه أو ماله أو عرضه. ومنها: عدم اشتراط العدالة في ولاية النّكاح - عند كثير من الشّافعيّة -؛ لأن الوازع الطّبعي يزعه عن التّقصير في حقّ المولَّى عليه. ومنها: عدم وجوب الحدّ في وطء الميتة - وهو الأصحّ عند الشّافعيّة - قالوا: لأنّه ممّا ينفر عنه الطّبع، ولكن أقول والله أعلم: أنّ مَن يفعل ذلك يجب تعزيره بأقصى درجات التّعزير، لفعله وانتهاكه حرمة الميتة وعدم اعتباره واتّعاظه بالموت. ولو قلنا: بوجوب الحدّ لم يكن ذلك مستبعداً. ومنها: الصّلاة في المراحيض. لا تجوز - ولو لم يرد فيها نصّ - لكراهة النّفوس والطّباع ذلك.

стр. 4999

القاعدة الحادية والثّلاثون [ما قبل السّبب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الواقع قبل السّبب من جميع الأحكام لا يعتدّ به (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأحكام الشّرعيّة لها أسباب بنيت عليها، فكانت مسبَّبة لتلك الأسباب، والأصل والقاعدة العامّة: أنّ المسبَّب مبني على السّبب وناشئ عنه، فالسّبب أوَّلاً ثم المسبَّب، ولذلك إذا وجد حكم واقع قبل سببه فهو باطل وملغي ولا يعتدّ به. وبيان ذلك: ١ - العبادات على قسمين: بدنيّة وماليّة، والبدنيّة نوعان: مؤقّتة وغير مؤقّتة، فالمؤقّتة لا يجوز تقديم شيء منها قبل وقته - بلا خلاف، إلا الصّلاة بنيّة الجمع. وأمّا غير المؤقّتة كالصّيام في الكفّارات وقضاء رمضان والفوائت، فلا يجوز تقديم شيء منها على سببه. ٢ - إنّ من العبادات ما يكون له سبب واحد، فلا يجوز تقديمه على سببه قطعاً، ومنها ما يكون له سببان، أو شرط وسبب، فهذا يجوز تقديمه على أحد سببيه، أو بعد سببه وقبل تحقّق شرطه، كالزّكاة.

стр. 5000

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الأضحية لا يجوز تقديمها قبل يوم النّحر. ومنها: لا يجوز الحكم بالقصاص قبل وجود القتل المتعمّد. ومنها: المعدن والرّكاز لا يجوز تقديم زكاتهما قبل الحصول قطعاً. ومنها: إذا غاب زوج المرأة عنها عشر سنين ثم طلّقها بعد العشر وهو غائب عنها، فإنّها تستأنف العدّة - أي أنّها تعتدّ بعد علمها بالطّلاق -؛ لأنّ تلك المدّة المتقدّمة - وإن دلَّت على براءة الرّحم، غير أنّها وقعت قبل السّبب وهو الطّلاق. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: الزّكاة يجوز تقديمها على شرطها، وهو الحول، ولا يجوز قبل ملك النّصاب قطعاً. ومنها: الصّلاة بنيّة الجمع يجوز تقديم إحداهما قبل وقتها، وتكون الصّلاة أداءً باتّفاق. ومنها: فعل الحجّ والعمرة قبل الاستطاعة فإنّه يسقط به فرض الإسلام قطعاً، وهذا ممّا جاز فعله بعد وجود سببه، وقبل تحقّق شرطه. ومنها: يجوز صيام كفارة الحنث بعد اليمين وقبل الحنث. ومنها: زكاة الفطر يجوز تقديمها في جميع رمضان عند الشّافعيّة، أو قبل يوم أو يومين من الفطر عند الجميع.

стр. 5001

القاعدة الثّانية والثّلاثون [وجوب الأجر] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب الأجر باعتبار تقبّل العمل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأجر: هو ثمن منفعة العمل. فلا يجب أجر العامل ويترتّب في ذمّة صاحب العمل إلا باعتبار تقبّل العامل للعمل ووفائه به، وأدائه له بحسب الاتّفاق. فإذا لم يتقبّل العامل العمل، أو لم يف به، فلا يجب الأجر على صاحب العمل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا استأجر شخص رجلين يحملان له طعاماً من مكان إلى آخر، فحمله كلّه أحدهما - وهما شريكان في العمل - فالأجر بينهما؛ لأنّ الشّريكين يكون أحدهما وكيلاً عن الآخر ونائباً عنه. وإن لم يكونا شريكين في العمل فللعامل نصف الأجر في نصف الطّعام؛ لأنّه إنّما قبل حمل نصف الطّعام بنصف الأجر وقد حمله، ولا أجر له في النّصف الآخر؛ لأنه كان في الحمل ضامناً للنّصف الآخر، بمنزلة أجنبي آخر لو حمله؛ ولأنّه غير نائب عن الآخر هنا.

стр. 5002

ومنها: إذا استأجر شخصاً ليحمل له متاعاً من مكان معلوم إلى آخر معلوم كان العقد جائزاً، وإن لم يعيِّن طريقة الحمل. فإذا أوصل المتاع إلى المكان المقصود فله الأجر كاملاً. ومنها: إذا استأجر رجلاً ليذهب إلى مكان كذا فيجيء بأهله كلّهم - وهم خمسة مثلاً - فذهب وجاء بهم، فله الأجر المسمّى كلّه؛ لأنّه استؤجر على عمل معلوم ببدل معلوم. وقد أوفى العمل المشروط عليه بكماله. وأمّا إذا ذهب فلم يأت بهم كلّهم، فله أجر ذهابه وله الأجر بحساب من جاء بهم معه. وإن لم يأت بأحد منهم لهلاكهم - مثلاً - أو امتناعهم عن المجيء معه، فله أجر ذهابه فقط. ولكن أقول والله أعلم: إنه إذا لم يأت بهم كلّهم لامتناعهم عن المجيء معه أنّ له الأجر كاملاً؛ لأنّ عدم مجيئهم معه بسبب منهم لا منه.

стр. 5003

القاعدة الثّالثة والثّلاثون [الوجوب وشرطه] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب إذا ثبت عند وجود شرطه فإنّما يحال به على سببه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوجوب: مصدر وجب يجب وجوباً، والمراد به: الواجب والمفروض، وهو ما ثبت ثبوتاً قطعيّاً لا تردّد فيه. وكلّ واجب لا بدّ له من سبب يبنى عليه وشرط يثبت عند وجوده، فإذا وجد شرط الواجب وتحقّق فيثبت الواجب في ذمّة المكلّف ويطالب به. ولا يقال: إنّ هذا الواجب إنّما وجب لهذا الشّرط؛ لأنّ الشّروط ليست أسباباً ولا عللاً للوجوب وإنّما يكون الوجوب مترتّباً على وجود سببه، فالسّبب هو متعلَّق الوجوب، والشّرط إنّما يدلّ على ثبوت الواجب في ذمّة المكلّف ومطالبته بأدائه. (والواجبات تضاف لأسبابها) لا لشروطها. وقد سبق مثال لهذه القاعدة ضمن قواعد حرف التّاء تحت الرّقم ٢١. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا تطهّر المصلّي وتوجّه إلى القبلة، فلا يقال: وجبت عليه الصّلاة بطهارته وتوجّهه إلى القبلة، إنّما تجب الصّلاة بدخول وقتها بناء

стр. 5004

على خطاب الشّارع وأمره بأدائها. ومنها: ثبوت وجوب الزّكاة عند حولان الحول، وهو شرط لوجوبها وتعلّقها في ذمّة المكلّف ومطالبته بأدائها - وسبب وجوبها ملك النّصاب، فالسّبب موجب والشّرط موجب لكن جهة الإيجاب مختلفة. ومنها: إذا بلغ الصّبي بعد دخول الوقت، أو أسلم الكافر، فإنّ الصّلاة تجب عليهما، إذ ثبت وجوبها عند وجود شرطها وهو الإسلام والبلوغ، وإنّما وجبت عليهما بدخول وقتها. ومنها: إنّما يجب القصاص بإزهاق الرّوح، وشرطه أن يكون القتل عمداً عدواناً من مكافئ غير والد، وأن يكون القتيل معصوم الدّم.

стр. 5005

القاعدة الرّابعة والثّلاثون [الحقّ لا يفوت ولا يبطل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: وجوب الحقّ لا يفوت بالتّأخير. وفي لفظ سبق: الحقّ متى ثبت لا يبطل بالتّأخير ولا بالكتمان. وينظر من قواعد الحاء القاعدة ٤٤. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الحقّ إذا وجب ثبت في ذمَّة من وجب عليه، فيجب عليه أداؤه في وقته - إن كان مؤقّتاً - فإذا أخّره عن وقته فلا يسقط الوجوب بتأخيره، فالواجب إذا ثبت لا يسقط إلا بالأداء، أو القضاء، أو الإبراء إذا كان الواجب ماليّاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجب على المكلّف صلاة - بدخول وقتها - فأخّرها بنوم أو نسيان حتى خرج وقتها - فعليه قضاؤها إذا استيقظ أو ذكرها. لأنّ الواجب الدّيني لا يسقط إلا بالأداء أو القضاء. ومنها: إذا استطاع المكلّف الحجّ وأخّره بعد الاستطاعة فيجب عليه أداؤه في عام قابل، إلا إذا فقد الاستطاعة بعد ذلك، وهو آثم على التّأخير - عند من يقولون: إنّ أداء الحجّ على الفور عند تحقّق الاستطاعة.

стр. 5006

ومنها: صوم رمضان إذا أفطر المكلّف لمرض أو سفر أو حيض أو نفاس، فيجب القضاء عند زوال الأعذار بعد رمضان. ومنها: إذا وجب على إنسان زكاة مال فلم يؤدّها في سنتها، فعليه أداؤها مع السّنة التّالية؛ لأنّها أصبحت ديناً في ذمّته لا يسقط إلا بالإخراج. ومنها: إذا ثبت في ذمّة إنسان دَين بمبلغ من المال لشخص آخر، وحان وقت أدائه فلم يؤدّه أو جحده وأنكره، فإنّ تأخيره عن الأداء أو جحوده وإنكاره للدّين لا يسقط الواجب الثّابت في ذمّته. لكن إذا أبرأه الدّائن عن دينه سقط عنه وجوب أدائه. ومنها: إذا جحد المودَع الوديعة، فإنّ جحوده لا يبرئ ذمّته من وجوب أدائها أو قيمتها إلى المودِع.

стр. 5007

القاعدة الخامسة والثّلاثون [الوجوب والحرمة ضدّان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب الشّيء يتضمّن حرمة ضدّه (١). أصوليّة ففهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه قاعدة أصوليّة فقهيّة، فالواجب حكمه وجوب فعله لما يترتّب على فعله الثّواب، ولا يجوز تركه؛ لأنّ تركه ضدّ ويترتّب على ذلك العقاب والإثم، وضدّ الواجب الحرام. وبناء على ذلك فإنّ الشّيء إذا وجب في ذمّة المكلّف حَرُم عليه ضدّه، وامتنع فعل ذلك الضدّ؛ لأنّ المسلم يحرم عليه جر الإثم إلى نفسه، والوقوع فيما يوجب عقوبته، ولأنّ فعل الضدّ مفوّت للواجب المأمور بأدائه، ولأنّ الامتناع عن الضّدّ من لوازم وجوب الفعل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: وجوب فعل الصّلاة يتضمّن حرمة ضدّها، وهو تركها وعدم فعلها. ومنها: وجوب الصّدق يتضمّن حرمة الكذب. ومنها: وجوب أداء الشّهادة يتضمّن حرمة إنكارها.

стр. 5008

القاعدة السّادسة والثّلاثون [الضّمان - العصمة - التّقويم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب الضّمان باعتبار العصمة والتّقويم في المحلّ، أمّا وجوب ردّ العين فلا يستدعي العصمة والتّقويم في المحلّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: معنى وجوب الضّمان: وجوب الغرامة. والعصمة: امتناع يد الغير عنه وخلوصه لمالكه. فوجوب الغرامة مترتّب على عصمة المال المضمون، وكونه متقوّماً: أي ذا قيمة. وذلك في كلّ مال أُتْلِف أو استهلك. ولكن وجوب ردّ العين - عند وجودها وبقائها - لا يستلزم العصمة ولا التّقويم في المحل؛ لأنّه ما دامت العين قائمة فيجب ردّها إلى صاحبها سواء كان مالكاً لها أم غير مالك، وسواء كانت العين متقوّمة أم غير متقوّمة - أي لا قيمة لها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا غنم المشركون مالاً من المسلمين، ثم أسلموا قبل أن يحرزوه بدار الكفر، فيؤمرون بردّه لأصحابه، أمّا لو أسلموا بعد

стр. 5009

الإحراز بدارهم فلا يردونه. ومنها: إذا غصب غاصب متاعاً أو طعاماً أو مالاً، فاستهلكه أو أتلفه على صاحبه فيجب عليه ضمانه. إن مثليّاً فبمثله، أو قيمياً فبقيمته. ومنها: إذا غصب مسلم من مسلم خمراً، أمِر بردّها عليه إذا كانت قائمة بعينها. أمّا إذا أريقت فلا ضمان عليه، لأنّ الخمر غير متقوّمة بالنّسبة للمسلم، وكذلك لو غصب منه خنزيراً فمات. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا غصب شخص من آخر شيئاً في دار الكفر، ثم خرج الغاصب والمغصوب منه إلى دارنا - وهما أو أحدهما مسلم أو ذمّي أو مستأمن - فخاصم المغصوب منه الغاصب في ذلك، لم يكن له عليه سبيل، ولم يحكم القاضي بينهما بشيء؛ لأنّ حكم المسلمين أنّ إحراز مال أهل الحرب سبب تامّ للملك؛ ولأنّهما لم يلتزما حكم الإسلام حيث جَرَت هذه المعاملة بينهما في دار الحرب، لكن إذا كانا مسلمين يؤمر الغاصب بردّ المغصوب؛ لأنّ المسلم ملتزم بحكم الإسلام حيثما كان.

стр. 5010

القاعدة السّابعة والثّلاثون [القضاء والإتمام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب القضاء ينبني على وجوب الإتمام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القضاء: هو فعل العبادة خارج وقتها المحدّد والمقدّر لها من الشّارع - وما ليس له وقت مقدّر ومحدّد للأداء - فإنّ فعله يعتبر أداء في أي وقت كان. وقضاء الفائت إنّما يجب إذا وجب على المكلّف إتمام الواجب في وقته المقدّر له شرعاً. فأمّا إذا لم يجب عليه إتمامه في وقته المقدّر له شرعاً. فلا يجب القضاء - بناء على مفهوم هذه القاعدة - وذلك إذا كان الفعل الذي أوجبه المكلّف على نفسه أو وجب عليه لا يمكن فعله في وقته المحدّد لوجود مانع شرعي من الإتمام. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل أصبح صائماً يوم الفطر، ثم أفطر. فلا قضاء عليه - عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنّه لم يجب عليه الإتمام بعد الشّروع؛ لأنّ فيه معصية. ومنها: إذا شرع في صلاة في الوقت المكروه، ثم انصرف
следующие страницы →