← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

ومنها: صوم رمضان إذا أفطر المكلّف لمرض أو سفر أو حيض أو نفاس، فيجب القضاء عند زوال الأعذار بعد رمضان. ومنها: إذا وجب على إنسان زكاة مال فلم يؤدّها في سنتها، فعليه أداؤها مع السّنة التّالية؛ لأنّها أصبحت ديناً في ذمّته لا يسقط إلا بالإخراج. ومنها: إذا ثبت في ذمّة إنسان دَين بمبلغ من المال لشخص آخر، وحان وقت أدائه فلم يؤدّه أو جحده وأنكره، فإنّ تأخيره عن الأداء أو جحوده وإنكاره للدّين لا يسقط الواجب الثّابت في ذمّته. لكن إذا أبرأه الدّائن عن دينه سقط عنه وجوب أدائه. ومنها: إذا جحد المودَع الوديعة، فإنّ جحوده لا يبرئ ذمّته من وجوب أدائها أو قيمتها إلى المودِع.

стр. 5007

القاعدة الخامسة والثّلاثون [الوجوب والحرمة ضدّان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب الشّيء يتضمّن حرمة ضدّه (١). أصوليّة ففهيّة ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه قاعدة أصوليّة فقهيّة، فالواجب حكمه وجوب فعله لما يترتّب على فعله الثّواب، ولا يجوز تركه؛ لأنّ تركه ضدّ ويترتّب على ذلك العقاب والإثم، وضدّ الواجب الحرام. وبناء على ذلك فإنّ الشّيء إذا وجب في ذمّة المكلّف حَرُم عليه ضدّه، وامتنع فعل ذلك الضدّ؛ لأنّ المسلم يحرم عليه جر الإثم إلى نفسه، والوقوع فيما يوجب عقوبته، ولأنّ فعل الضدّ مفوّت للواجب المأمور بأدائه، ولأنّ الامتناع عن الضّدّ من لوازم وجوب الفعل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: وجوب فعل الصّلاة يتضمّن حرمة ضدّها، وهو تركها وعدم فعلها. ومنها: وجوب الصّدق يتضمّن حرمة الكذب. ومنها: وجوب أداء الشّهادة يتضمّن حرمة إنكارها.

стр. 5008

القاعدة السّادسة والثّلاثون [الضّمان - العصمة - التّقويم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب الضّمان باعتبار العصمة والتّقويم في المحلّ، أمّا وجوب ردّ العين فلا يستدعي العصمة والتّقويم في المحلّ (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: معنى وجوب الضّمان: وجوب الغرامة. والعصمة: امتناع يد الغير عنه وخلوصه لمالكه. فوجوب الغرامة مترتّب على عصمة المال المضمون، وكونه متقوّماً: أي ذا قيمة. وذلك في كلّ مال أُتْلِف أو استهلك. ولكن وجوب ردّ العين - عند وجودها وبقائها - لا يستلزم العصمة ولا التّقويم في المحل؛ لأنّه ما دامت العين قائمة فيجب ردّها إلى صاحبها سواء كان مالكاً لها أم غير مالك، وسواء كانت العين متقوّمة أم غير متقوّمة - أي لا قيمة لها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا غنم المشركون مالاً من المسلمين، ثم أسلموا قبل أن يحرزوه بدار الكفر، فيؤمرون بردّه لأصحابه، أمّا لو أسلموا بعد

стр. 5009

الإحراز بدارهم فلا يردونه. ومنها: إذا غصب غاصب متاعاً أو طعاماً أو مالاً، فاستهلكه أو أتلفه على صاحبه فيجب عليه ضمانه. إن مثليّاً فبمثله، أو قيمياً فبقيمته. ومنها: إذا غصب مسلم من مسلم خمراً، أمِر بردّها عليه إذا كانت قائمة بعينها. أمّا إذا أريقت فلا ضمان عليه، لأنّ الخمر غير متقوّمة بالنّسبة للمسلم، وكذلك لو غصب منه خنزيراً فمات. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا غصب شخص من آخر شيئاً في دار الكفر، ثم خرج الغاصب والمغصوب منه إلى دارنا - وهما أو أحدهما مسلم أو ذمّي أو مستأمن - فخاصم المغصوب منه الغاصب في ذلك، لم يكن له عليه سبيل، ولم يحكم القاضي بينهما بشيء؛ لأنّ حكم المسلمين أنّ إحراز مال أهل الحرب سبب تامّ للملك؛ ولأنّهما لم يلتزما حكم الإسلام حيث جَرَت هذه المعاملة بينهما في دار الحرب، لكن إذا كانا مسلمين يؤمر الغاصب بردّ المغصوب؛ لأنّ المسلم ملتزم بحكم الإسلام حيثما كان.

стр. 5010

القاعدة السّابعة والثّلاثون [القضاء والإتمام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب القضاء ينبني على وجوب الإتمام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: القضاء: هو فعل العبادة خارج وقتها المحدّد والمقدّر لها من الشّارع - وما ليس له وقت مقدّر ومحدّد للأداء - فإنّ فعله يعتبر أداء في أي وقت كان. وقضاء الفائت إنّما يجب إذا وجب على المكلّف إتمام الواجب في وقته المقدّر له شرعاً. فأمّا إذا لم يجب عليه إتمامه في وقته المقدّر له شرعاً. فلا يجب القضاء - بناء على مفهوم هذه القاعدة - وذلك إذا كان الفعل الذي أوجبه المكلّف على نفسه أو وجب عليه لا يمكن فعله في وقته المحدّد لوجود مانع شرعي من الإتمام. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رجل أصبح صائماً يوم الفطر، ثم أفطر. فلا قضاء عليه - عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنّه لم يجب عليه الإتمام بعد الشّروع؛ لأنّ فيه معصية. ومنها: إذا شرع في صلاة في الوقت المكروه، ثم انصرف

стр. 5011

عنها فلا قضاء عليه أيضاً؛ لأنّ الصّلاة في الوقت المكروه لا تلزم بالشّروع فيها. ومنها: إذا قالت امرأة: لله عليّ أن أصوم يوم حيضي. فلا شيء عليها؛ لأنّ الحيض ينافي أداء الصّوم، فلا يصحّ الالتزام. فلذلك لا يصحّ القضاء أيضاً.

стр. 5012

القاعدة الثّامنة والثّلاثون [المحرَز والحرز] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب القطع بسرقة المُحرَز بسرقة الحرز (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: حدّ السّرقة قطع اليد من الكوع، وإنّما يجب الحدّ إذا بلغ المسروق نصاباً وكان المسروق محرزاً في حرز مثله. وحرز كلّ شيء بحسبه. فما معنى الحرز؟ الحرز: هو المكان الذي يحفظ ويصان فيه الشّيء. والمُحْرَز: هو المال المحفوظ المصون في الحرز. والحرز إنّما جعل ليحفظ المحروز عن أيدي السّراق واللصوص. فمفاد القاعدة: أنّ قطع اليد في السّرقة إنّما يجب عند سرقة المال المُحرَز في الحرز، لا سرقة الحرز نفسه. لكن إذا كان الحرز نفيساً يبلغ ثمنه النّصاب وتتطلّع إليه النّفوس ويمكن سرقته، فتقطع به اليد أيضاً. وموضوع القاعدة خاصّ بحرز خاصّ كما سيتّضح عند التّمثيل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا سرق سارق خيمة إنسان منصوبة ظاهرة. فلا قطع فيها؛

стр. 5013

لأنّها ظاهرة، ولم يحرزها صاحبها. لكن إذا كانت الخيمة ملفوفة، وعندها صاحبها - ولو كان نائماً - فسرقها سارق يقطع؛ لأنّه سرق مالاً محرزاً بصاحبه. ومنها: إذا سرق ثمراً في رؤوس النّخل، أو حنطة لم تحصد، لم يقطع؛ لأنّه ليس بمُحرز، إنّما يحرز إذا جُذّ وجمع في الجرين أو وضع في بيت. ومنها: إن سرق جوالقاً - الكيس - من ظهر الدّابّة مع ما في الجوالق، لم يقطع؛ لأنّه ظاهر غير محرز، أمّا إذا شقّ الجوالق وسرق ما فيه قطع؛ لأنّه سرق مالاً محرزاً. ومنها: إذا كانت سيّارة واقفة أمام بيت صاحبها، فجاء سارق وفتحها وكسر زجاجها وسرق ما فيها فيجب عليه القطع، لأنّه سرق من حرز. لكن لو أخذ السّيّارة بما فيها فهل يجب عليه القطع أو لا يجب. أقول وبالله التّوفيق: إذا كانت السّيّارة مفتوحة وفيها مفتاحها، فلا قطع على آخذها لأنّها ليست محرزة. لكن إذا كانت السّيّارة مغلقة فكسر السّارق بابها وأشغلها بغير مفتاحها أو حمّلها على حاملة للسّيارات فهو سارق ويقطع لأنّ إغلاق السّيّارة وعدم وجود مفتاح تشغيلها يعتبر حرزاً لها. ووجود السّيّارة في الشّوارع وأمام البيوت من مشكلات العصر. كالدّواب المربوطة على أبواب أصحابها.

стр. 5014

القاعدة التّاسعة والثّلاثون [الوجوب واللفظ المحتمل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب لا يحصل باللفظ المحتمل (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّ الوجوب لا يثبت ولا يحصل إلا بخطاب ونصّ قطعي، ولا يثبت بلفظ مشكوك فيه، أو فيه احتمال؛ لأنّ وجود الاحتمال مؤدّ إلى الشّكّ في الوجوب، والوجوب لا يثبت بالشّكّ. وقد سبق بيان أنّ (الواجبات لا تثبت احتياطاً بالشّكّ). ينظر القاعدة الثّانية. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال شخص: إن فعلت كذا فأنا أحجّ بفلان. فحنث - أي فعل ما حلف على عدم فعله - فإن كان نوى فأنا أحجّ وهو معنا، فعليه أن يحجّ وليس عليه أن يحجّ به. وإن نوى أن يحجّجه فعليه أن يحجّجه كما نوى. وإن لم يكن له نيّة فعليه أن يحجّ وليس عليه أن يحجّج فلاناً؛ لأنّ لفظه في حقّ فلان محتمل. أمّا إذا قال: فعليَّ أن أحجّج فلاناً. فهذا محكم صريح غير محتمل؛ لأنّه تصريح بالالتزام بإحجاج فلان، وذلك صحيح بالنّذر.

стр. 5015

القاعدة الأربعون [الوجوب والنّسيان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب لا يسقطه النّسيان (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: النّسيان: ضدّ التّذكّر. وهو غياب صور الشّيء عن الذّهن، أو هو ترك الشّيء عن ذهول وغفلة، ولقد سبق بيان أحكام النّسيان ضمن قواعد حرف النّون تحت الرّقم ٢٨. فإذا نسي الإنسان عملاً واجباً، فإنّ نسيانه هذا لا يسقط وجوب الواجب، وإنّما يسقط الإثم عن عدم الفعل حالة النّسيان. وعلى النّاسي أن يفعل ما وجب عليه عند تذكّره. ودليل سقوط الإثم عن النّاسي الحديث: "رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه" وقد سبق تخريج الحديث. ودليل عدم سقوط الواجب بالنّسيان قوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ (٢). وقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليؤدّها إذا ذكرها" وقد سبق تخريج الحديث كذلك.

стр. 5016

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن نسي صلاة ثم تذكّرها فيجب عليه أداؤها إذا تذكّرها قبل خروج وقتها، أو قضاؤها إذا تذكّرها بعد خروج وقتها. ومنها: إذا نسي شخص ما عليه من زكاة، أو دين، ثم ذكره، فيجب عليه إخراج الزّكاة المنسيّة، وأداء الدّين لصاحبه. ومنها: إذا نسي كفّارة عليه، فعليه إخراجها عند تذكّرها، ولا يسقطها النّسيان، لكن إن مات وهي عليه، أو عليه واجب آخر نسيه، فلا إثم عليه.

стр. 5017

القاعدة الحادية والأربعون [الوجوب والقضاء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب المال بقضاء القاضي (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّ ما وجب شرعاً لا يحتاج إلى الحكم أو القضاء لإثباته، لكن هذه القاعدة - وإن كان ظاهرها معارضة القاعدة السّابقة - لكن موضوعها ومجالها مختلف. وهي وإن كانت تتعلّق بالنّفقات التي تجب على الإنسان شرعاً، ولكنّها تختصّ بجانب منها وهو متى تجب هذه النّفقة وتثبت في ذمّة المنفق وتصبح ديناً عليه إذا لم يؤدّها في وقتها. فعند الحنفيّة: إنّ النّفقة الواجبة إذا لم يؤدّها مَن تجب عليه في وقتها - تسقط المطالبة بها - ولا تصبح ديناً في ذمّة من تجب عليه إلا بأحد أمرين: الأمر الأوّل: - وهو موضوع القاعدة - أنّ القاضي إذا فرض نفقة للزّوجة - أي حدّد مقدارها - على زوجها أو لمن يجب عليه إعالته، أنّه في هذه الحال إذا لم ينفق عند الحاجة كما أمره القاضي وتخلّف عن الإنفاق، أنّ هذه النّفقة تصبح ديناً في ذمّته يجب عليه أداؤه. والأمر الثّاني: أنّها تجب إذا اصطلحا على مقدار النّفقة، فتجب

стр. 5018

حينئذ - أي تصبح ديناً في الذّمّة عند عدم الإنفاق. ولا يسقط بمرور الزّمن. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رفعت زوجة أمرها إلى القضاء بأنّ زوجها لا ينفق عليها. ففرض لها القاضي النّفقة وقدّرها على الزّوج، ففي هذه الحال يجب على الزّوج أداء المفروض، وإذا لم يؤدّه يكون ديناً في ذمّته يجب عليه أداؤه، ولا يسقط عنه بمرور الزّمن، ويجوز حبسه إذا لم يؤدّه. ومنها: لو أنّ رجلاً من أهل البادية من أهل الإبل جنى جناية، فلم يقض بها حتى انتقلوا إلى أهل المدينة وصاروا من أهلها، وتركوا البادية والإبل، ثم رفع الأمر إلى القضاء فإنّ القاضي يقضي عليهم بالمال لا بالإبل؛ لأنّهم عند القضاء ما كان لهم إبل. لكن إذا كان القاضي قضى عليهم بمئة من الإبل، ثم صاروا من أهل المدن، أُخِذوا بالإبل، أو بقيمتها قَلّت القيمة أو كثرت؛ لأنّ الإبل تعيّنت ديّة بقضاء القاضي. ومنها: لو أنّ ذمّيّاً أسلم ووالى رجلاً، ثم جنى جناية خطأ. فلم يقض بها القاضي على العاقلة بشيء حتى أبرأ أولياء المجني عليه الجاني من الجناية. فيجوز للجاني - في هذه الحالة - أن يتحوّل بولائه عن الذي والاه، لأنّ بإبرائه سقط موجب الجناية - ولم يجب شيء على الذي والاه - لكن لو كان الإبراء بعد ما قضى القاضي على العاقلة بالدّيّة، لم يكن له أن يتحوّل بولائه؛ لأنّ قضاء القاضي بوجوب الدّيّة على العاقلة تؤكّد الولاية.

стр. 5019

القاعدة الثّانية والأربعون [الوجوب والشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب المشروط بشرط ينتفي عند انتفاء ذلك الشّرط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الشّرط - كما سبق بيانه - (هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه). فبناء على ذلك إذا وجب على المكلّف شيء مشروط بشرط، ثم انتفى هذا الشّرط وعُدم، كان ذلك انتفاءً للوجوب وإعداماً له. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: التّكليف مشروط بوجود العقل، فإذا جنّ المكلّف سقط عنه التّكليف، لعدم وجود شرطه. ومنها: وجوب أداء الزّكاة مشروط بحولان الحول، فإذا لم يحل الحول لم تجب الزّكاة في ذمّة المكلّف. ومنها: نفقة الزّوجة على زوجها مشروطة بنكاحها، فإذا فارقها سقطت النّفقة. ومنها: الحجّ مشروط بالاستطاعة، فإن وجدت وجب الحجّ، وإن عدمت انتفى وجوبه.

стр. 5020

القاعدة الثّالثة والأربعون [الوجوب من غير علم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب من غير علم بالموجَب ومن غير استمكان من الإحاطة به محال (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّ الوجوب لا يثبت بالشّك ولا باللفظ المحتمل، فبالأولى أن لا يثبت مع عدم العلم بالموجَب - أي الأمر الذي يُظنّ وجوبه - ومع عدم الإحاطة به - أي اليقين بإيجابه - لأنّ ذلك من المحال - أي من التّكليف بالمستحيل - لأنّه إذا لم يعلم الواجب ولم يتحقّق منه، ومن تفاصيله وكيفيّة أدائه، فلا يجب؛ لأنّه يكون تكليفاً بالمحال. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجد جماعة في بادية بعيدة، أو أسلم نفر في بلاد الكفر، ولم يعلموا بما افترض الله عليهم، فلا يجب عليهم شيء. ولا يكونوا آثمين ما لم يعلموا، كما لا يجب عليهم قضاء ما فاتهم قبل العلم. ومنها: إذا قيل: قد فرض الله عليكم "صلاة" أو "زكاة" أو "صياماً" ولم يعلموا ما الصّلاة وما الزّكاة وما الصّيام، أو علموا

стр. 5021

المعنى اللغوي ولم يعلموا ما المراد بالصّلاة وكيفيّة الأداء وكذلك ما يتعلّق بالزّكاة والصّيام. فإنّه ليس عليهم شيء إذا لم يفعلوا، لأنّ التّكليف بمجرّد اللفظ المطلق دون بيان تكليفٌ بالمستحيل.

стр. 5022

القاعدة الرّابعة والأربعون [الوجوب والتّحريم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب يتضمّن تحريم التّرك (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق قريباً مثل هذه القاعدة بلفظ: (وجوب الشّيء يتضمّن حرمة ضدّه). فلتنظر هناك تحت الرّقم ٣٥. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: وجوب قطع يد السّارق - عند ثبوت سرقته - يتضمّن تحريم ترك ذلك. ومنها: وجوب إقامة الحدّ على مستحقّه يتضمّن تحريم العفو عنه.

стр. 5023

القاعدة الخامسة والأربعون [الوجوب والخطاب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب ينبني على الخطاب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوجوب إنّما يتحقّق ويكون ملزماً بناءً على وجود الخطاب الشّرعي الدّال على طلب الفعل من المكلّفين طلباً جازماً. فما لم يوجب خطاب شرعي قطعي يفيد الوجوب بدون احتمال فلا يجب على المكلّفين الفعل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: ثبت وجوب الصّلاة والزّكاة بقوله تعالى في أكثر من آية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). ومنها: ثبت وجوب الحجّ بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). ومنها: ثبت وجوب الجهاد ومحاربة المشركين بقوله تعالى:

стр. 5024

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ (١). وبقوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) الخ الآيات الآمرة بالجهاد والحاثّة عليه. ومنها: زكاة الفطر يؤدّيها الولى عن نفسه، وعن الصّغير - وإن كان له مال - لأنّ الصّغير غير مخاطب؛ لأنّه ليس أهلاً للعبادة، وزكاة الفطر إنّما تجب على الولي وعلى مَن يمونه ويلي عليه، بالنّصّ، حتى لو كان له مال.

стр. 5025

القاعدة السّادسة والأربعون [وجوب الوسائل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجوب الوسائل تبع لوجوب المقاصد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوسائل والمقاصد: اصطلاحان مختلفان، فمقاصد الشّرع: ما قصد الشّارع من المكلّف فعله، وطلبه منه، أو أمره بتركه ونهاه عن فعله. والوسائل جمع وسيلة: وهي الطّريقة التي توصل إلى المقصود. فإن كان المقصود مشروعاً. كانت وسيلة مشروعة، ولا يجوز أن يؤدّى المشروع بوسيلة محرّمة. وإن كان المقصود محرّماً، كانت وسيلة محرّمة، فالوسائل التي توصل إلى المقاصد تأخذ حكم مقاصدها، فما كان واجباً كانت وسيلته واجبة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الصّلاة واجبة فالوسيلة لأدائها واجبة كذلك، كالسّعي إلى المساجد واجب. ومنها: الصّيام واجب فوسيلته التى تؤدّي إليه واجبة. كرؤية هلال رمضان، واجبة وجوباً كفائياً؛ لأنّ الرّؤية وسيلة إلى معرفة

стр. 5026

دخول الشّهر. ومنها: الحجّ واجب ووسيلة الوصول إلى البيت الحرام واجبة. ومنها: الزّنا محرّم، فكلّ وسيلة تؤدّي إلى الوقوع فيه محرّمة، كتكشّف النّساء واختلاط الرّجال بالنّساء. ومنها: الرّبا حرام، فكلّ وسيلة تؤدّي إلى الوقوع فيه حرام.

стр. 5027

القاعدة السّابعة والأربعون [الوجوب والرّكنيّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوجوب يثبت بخبر الواحد والرّكنيّة إنّما تثبت بما يوجب علم اليقين (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان أنّ الواجب - عند الحنفيّة - هو ما ثبت بدليل ظنّي فيه شبهة، والمراد بذلك خبر الواحد، ففي هذه القاعدة تصريح بذلك وهو أنّ الواجب لمّا كان أقلّ رتبة من الرّكن والفرض نظراً إلى دليله، فهو يثبت بالدّليل الظّنّي - أي خبر الآحاد - بخلاف الرّكن أو الفرض فإنّه لا يثبت إلا بما يوجب علم اليقين: وهو الآية الصّريحة والخبر المتواتر. وهو المراد بقولهم: (الفرض لا يثبت إلا بدليل قطعي لا شبهة فيه). ولذلك لم يثبت عند الحنفيّة فرضيّة أو ركنيّة أشياء اعتبرها غيرهم فروضاً أو أركاناً بناءً على هذا التّفريق بين الفرض والواجب كما سبق قريباً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: قراءة القرآن في الصّلاة - على الإطلاق - متّفق على فرضيتها، فمن صلّى ولم يقرأ شيئاً في صلاته مع قدرته على ذلك فصلاته باطلة

стр. 5028

باتّفاق. لكن قراءة الفاتحة بخصوصها هل هي فرض في الصّلاة فمن لم يقرأ بها كانت صلاته باطلة، سواء أكان إماماً أم منفرداً أم مأموماً؟ خلاف. فعند الشّافعيّة قراءة الفاتحة بخصوصها فرض في كلّ صلاة لظاهر الأحاديث الواردة في ذلك. وعند الحنابلة هي ركن في حقّ الإِمام والمنفرد دون المأموم (١). وأمّا عند الحنفيّة فقراءة الفاتحة واجبة وليست فرضاً أو ركناً؛ لأنّه ثبتت قراءتها بخبر الآحاد. وخبر الآحاد لا يوجب القطع - أو علم اليقين - بل الظّنّ، ويوجب العمل دون العلم - أي اليقيني -. ومنها: الطّهارة في الطّواف واجبة عند الحنفيّة، وليست شرطاً لصحّة الطّواف، كما هو رأي آخرين، بناء على أنّ الطّهارة في الطّواف لم يرد في إيجابها - أي فرضها أو شرطيتها - نصّ صريح، فالله أمر بالطّواف مطلقاً بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ (٢). والطّهارة إنّما ثبتت بقول الواحد الذي يوجب العمل دون العلم، والواجب يجبر بالدّم عند تركه، من حيث إنّ الدّم يقوم مقام الواجب في باب الحجّ.

стр. 5029

القاعدة الثّامنة والأربعون [السّبب الشّرعي والتّخيير] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجود السّبب الشّرعي سالماً عن المعارض من غير تخيير يترتّب عليه مسبَّبُه، ومع التّخيير لا يترتّب عليه مسبَّبه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: السّبب الشّرعي: المراد به الموجب للحكم الشّرعي كالوقت للصّلاة. فإذا وجد الموجِب لحكم شرعي ولم يك ثمَّة معارض له، وكان الحكم لا تخيير فيه؛ بل كان الموجَب شيئاً واحداً، فإنّه يجب ترتّب المسبّب على سببه. ولكن إذا وجد تخيير في الموجّب فإنّه لا يترتّب على السّبب الشّرعي نتيجته ومسبَّبه - ولو وجد السّبب الشّرعي سالماً عن المعارض -؛ وذلك لأنّ التّصرّف بالتّخيير مع العذر في الأخير يقوم مقام العذر في الجميع، فكذلك آخر الوقت بالنّسبة للصّلاة. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رؤية الهلال سبب لوجوب الصّوم والفطر - فإذا وجد سالماً عن

стр. 5030

المعارض - كالحيض - مثلاً - وجب الصّوم، فهنا وجد السّبب الشّرعي من غير تخيير في الحكم. ومنها: دخول وقت الصّلاة. إذا كان المكلّف سالماً عمّا يمنع الصّلاة - كالحيض مثلاً - ودخل وقت الصّلاة - لم تجب الصّلاة في أوّل الوقت وجوباً مضيَّقاً. فإذا حاضت المرأة آخر الوقت لم تجب عليها الصّلاة - ولا يجوز لها أداؤها، كما لا يجب عليها قضاؤها عند المالكيّة لهذه القاعدة. وإن وجبت عليها ويجب عليها قضاؤها عند الشّافعيّة والحنابلة؛ لأنّ بدخول الوقت ترتّب عليها الصّلاة في ذمّتها. ومنها: إذا وجب على إنسان عتق رقبة في كفّارة - وعنده رقاب عدّة - فتصرّف فيها إلا واحدة فماتت أو تعيّبت سقط عنه الأمر بالعتق، وجاز له الانتقال إلى الصّيام إذا كانت كفّارة القتل الخطأ مثلاً. وما ذلك إلا لوجود التّخيير في الابتداء. ومنها: إذا كان لإنسان عدّة ثياب للسّترة في الصّلاة، فله أن يتصرّف فيها عدا الواحد منها، فإذا وهب أو باع، وأبقى واحداً منها فاحترق ولم يجد غيره، فله أن يصلّي عرياناً من غير إثم، ويسقط التّكليف - بالسّترة - بالكلّيّة.

стр. 5031

القاعدة التّاسعة والأربعون [صفة الماليّة والتّقوّم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجود صفة الماليّة والتّقوّم في شيء ممّا هو المقصود يجعل كوجوده في الكلّ للحاجة إلى ذلك (١). عند مالك ﵀. ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: من المعاملات الجارية بين الناس ما يكون الحكم الشّرعي فيها تابعاً لعادة النّاس الجارية بينهم إذا لم يكن في تلك العادة مخالفة صريحة للشّرع. فإذا وجدت صفة الماليّة والتّقوّم - أي وجد شيء له قيمة ماليّة - ممّا كان مقصوداً بالمعاملة فحينئذ يجعل وجود بعضه كوجود كلِّه للحاجة إلى ذلك، لكن بشرط أن يبدو صلاح ما ظهر للأكل - أي حين يطيب أكله. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى ثمراً ممّا يخرج متتابعاً كالتّين والباذنجان والفلفل والطّماطم والخيار، وكلّ أنواع الخضروات فذلك جائز عند الجميع للحاجة، لكن بشرط أن يكون ما ظهر قد نضج وطاب أكله، حيث يجعل الموجود الخارج أصلاً وما لم يخرج يجعل تبعاً؛ لتعامل الناس.

стр. 5032

القاعدة الخمسون [وجود العيب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجود العيب في الشّيء لا يجعله في حكم جنس آخر (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الأجناس إنّما تختلف باختلاف حقائقها، لكن إذا وجد عيب في شيء ما، فإنّ هذا العيب لا يخرج هذا الشّيء عن جنسه المنسوب إليه. ولا يجعل له حكم كجنس آخر؛ لأنه - وإن وجد فيه عيب فإنّ حقيقته لم تتغيّر، ولذلك لا يعتبر جنساً آخر. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى سيّارة ثم ظهر فيها عيب يوجب الرّد، فإنّ وجود ذلك العيب لا يخرج السّيّارة عن كونها سيّارة، ولا يمكن أن يجعلها قارباً، أو عربة حصان - مثلاً -. ومنها: إذا كان رأس مال السلم دراهم فوجدت زيوفاً ورضي بها المسلم إليه جاز العقد مع وجود هذا العيب؛ لأنّ الدّراهم الزّائفة من جنس الدّراهم. ومنها: إذا اشترى بطيخاً ثم ظهر أنّه أبيض، فلا يخرجه ذلك عن كونه بطيخاً، وإن لم يكن أحمر.

стр. 5033

القاعدة الحادية والخمسون [المسمّى والمستثنى] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وجود المسمّى دون المستثنى هو الموجِب، فلا يجب إلا بوجوده (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المستثنى والمستثنى منه اصطلاحان: أحدهما أصل، وهو المستثنى منه، وثانيهما فرع له متّصل به اتّصال إخراج لا إدخال، وهو المستثنى. فإذا وجد المستثنى منه وهو المسمّى، فيكون الحكم تابعاً له، ويكون المستثنى منه هو الموجِب للحكم دون المستثنى. ولذلك فلا يجب الحكم إلا بوجود المستثنى منه لأنّه الأصل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال رجل: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة دراهم، أو سوى ثلاثة دراهم، فما في يدي صدقة. فإذا في يده خمسة دراهم. قال: لا يجب عليه أن يتصدّق بشيء منها؛ لأنّ شرط حنثه وجود المسمّى دون المستثنى. والمستثنى دراهم، وما بقي من الخمسة درهمان لا يستحقان اسم الدّراهم - بناء على أنّ أقلّ ما يطلق عليه الجمع

стр. 5034

ثلاثة. فإن كان في يده أكثر من خمسة دراهم تصدّق بالجميع لوجود الشّرط، وهو كون ما في يده دراهم. لكن لو قال: إن كان في يدي من الدّراهم سوى ثلاثة دراهم أو إلا ثلاثة: فعليه أن يتصدّق بالكلّ؛ لأنّ مِن هنا لإبانة الجنس. ومثلها لو قال: إن كان في يدي دراهم أكثر من ثلاثة فهي صدقة، وفي يده خمسة أو أكثر تصدّق بها. ومنها: إن قال: مالي دراهم إلا ألف، وله أَلف درهم ودرهم، فإنّه يحنث في القضاء، ولكن إن قال: مالي دراهم إلا هذه الألف، لم يحنث حتى يكون له ألف وثلاثة.

стр. 5035

القاعدة الثّانية والخمسون [الوراثة والولاية] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوراثة نوع ولاية (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوراثة: مصدر ورث إرثاً ووراثة، وهي خلافة الميّت في ماله الذي كان له حال حياته. ولمّا كانت الوراثة ناتجة عن أسباب هي: الفريضة، العصوبة، والقرابة. فهي نوع من أنواع الولاية على المال؛ لأنّ الوارث يرث مال الميّت بعد موته، ويتصرّف فيه، فهو يخلف المورِّث ملكاً وتصرفاً، والوراثة هى الخلافة في التّصرّفات. وتصرّفات الوارث هي: تصرّف بما يلزم الميّت من تجهيز وغيره، ثمّ تصرّفه كتصرّف الميّت فيه حال حياته؛ لأنّه بالوراثة أصبح مال الوارث، إذ انقطعت عنه ولاية المورّث لموته. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يلزم الوارث أن يؤدّي من مال الميّت ديونه، وينفذ وصاياه. فهو في ذلك قائم مقام الميت في ذلك. وهذا نوع من الولاية. ومنها: أنّ الوارث ينفق على الحمل من مال مورثه، فهذا أيضاً

стр. 5036

نوع ولاية. ومنها: جعل الحنفيّة ولاية تزويج المرأة لابنها - لأنّه عصبتها - فإن امتنع من تزويجها حكم القاضي عليه بالعَضْل فيزوجها بنفسه كما في سائر الأولياء. وهذا متّفق عليه إذا لم يكن لها أب. فإن كان لها أب فعند أبي حنيفة وأبي يوسف تكون الولاية للابن؛ لأنّه مقدّم في العصوبة، وعند محمَّد ﵀ تكون الولاية للأب؛ لأنّ الأب ينظر لها عادة، والابن ينظر لنفسه لا لها. فكان الأب مقدّماً في الولاية.

стр. 5037

القاعدتان الثّالثة والرابعة والخمسون [الوسائل] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الوسائل أخفض رتبة من المقاصد (١). وفي لفظ: الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: الوسائل: جمع وسيلة وهي الطّريقة الموصلة إلى المقصود. والمقاصد: جمع مقصد، وهو الغاية والهدف من التّصرّف. فالمقاصد هي الأصول، والوسائل أتباع. ودائماً رتبة المقاصد أعلى من رتبة الوسائل، بناءً على أنّ الأصل أقوى من الفرع، والمتبوع أقوى من التّابع. ولمّا كانت الوسائل تبعاً للمقاصد في الحاجة إليها فهي تابعة للمقاصد في أحكامها مطلقاً، وذلك في الوسائل الشّرعيّة. وقد سبق قريباً بيان أنّ المقصد إذا كان واجباً كانت وسيلته واجبة تبعاً له، ولكن ليس في درجة وجوب المقصد. وإذا كان المقصد حراماً كانت وسيلة الوصول إليه محرّمة كذلك ولكن ليس في درجة حرمة المقصد. وينظر القاعدة رقم ٤٦.

стр. 5038

ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: صلاة الجمعة واجبة على الذّكر الحرّ الصّحيح المقيم البالغ. فبناء على ذلك كان السّعي لها واجباً. لكن من لم يصل الجمعة - وهو قادر عليها - إنّما يحاسب على تركها لا على السّعي لها. ومنها: الزّنا حرام. فمن ارتكب الزّنا يعاقب على فعل الزّنا. ولا يعاقب على المشي إلى الزّانية أو إلى المكان الذي زنا فيه. ومنها: إذا شككنا في الطّهارة - فعند مالك ﵀ يجب التّطهّر؛ لأنّ الطّهارة وسيلة إلى الصّلاة وشرط، والصّلاة مقصودة، فكانت العناية بها وإلغاء المشكوك فيه - وهو الطّهارة - أولى من رعاية الطّهارة وإلغاء الحدث الواقع لها، كما هو مذهب الآخرين.

стр. 5039

القاعدة الخامسة والخمسون [وسيلة المحرم] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وسيلة المحرم قد تكون غير محرّمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة لها صلة بالقاعدتين السّابقتين، وكأنّها استثناء منهما، من حيث إنّ الوسائل إذا كانت تتبع المقاصد في أحكامها فإنّ وسيلة المحرم يجب أن تكون محرّمة، - كما سبق بيانه أنّ المقاصد الشّرعيّة تتبعها وسائلها في أحكامها على الإطلاق، بخلاف المقاصد العاديّة ووسائلها. ولكن هذه القاعدة تفيد أنّه يجوز أن تكون وسيلة المحرم غير محرّمة، ولكن ذلك بالنّظر إلى مقصد آخر يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً، فتكون الوسيلة ذات وجهين مختلفين، أو ينظر إليها من ناحيتين مختلفتين، ولذلك فهي من وجه وناحية محرّمة، ولكنّها من وجه آخر وناحية أخرى تكون غير محرّمة، فيرجّح جانب عدم التّحريم لما فيه من مصلحة راجحة على المفسدة المرجوحة.

стр. 5040

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: التّوسّل إلى فداء أسرى المسلمين بدفع المال إلى الكفّار - ودفع المال إلى الكفّار محرّم، لكن لمّا كان وسيلة إلى مصلحة عظيمة وهي فداء الأسرى المسلمين كان واجباً. ومنها: دفع مال لرجل ليأكله حراماً حتى لا يزني بامرأة، إذا عجز الدّافع عن دفع الفاجر عنها إلا بذلك. وهذا واجب. ومنها: دفع المال إلى المرتشي المانع للحقّ، فهو يأكله حراماً، والدّافع لا إثم عليه؛ لأنّه دفع المال للوصول إلى حقّه. كمن دفع مالاً لظالم يريد أن يأخذ مال يتيم، يدفعه به عن أخذ مال اليتيم كلّه.

стр. 5041

القاعدة السّادسة والخمسون [الوصف الغالب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجّة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الوصف: هو الصّفة المميّزة للشّيء عن غيره. والمراد بمخرج الغالب: أي يكون العمل بهذه الصّفة ووجودها يغلب على النّاس بحسب عادتهم ويكثر أخذهم بها. فبناء على ذلك لا يكون ذكر الوصف المبني على عادة النّاس الغالبة حجّة في الأحكام الشّرعيّة، أي لا يبنى على وجود هذا الوصف حكم شرعي بل الحكم يبنى على السّبب والعلّة الموجبة ولو لم يوجد ذلك الوصف. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: في قوله تعالى عند ذكر المحرّمات من النّساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٢). فالمحرّمة هي الرّبيبة من المرأة التى دخل بها الزّوج، والوصف هو قوله تعالى:

стр. 5042

﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ فعند الجمهور أنّ هذا الوصف خرج مخرج الغالب، فالرّبيبة سواء أكانت في حجر زوج أمّها أو في غير حجره هي محرّمة عليه على التأبيد ما دام قد دخل بأمّها. وليست هذه الصّفة شرطاً في التّحريم (١). ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢). فلا يجوز قتل الأولاد مطلقاً سواء خشي الإملاق أو لم يخشه. ومنها: قوله ﷺ : "أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل" (٣). وهو يدلّ بمفهومه على أنّ الولي إذا أذن لها أنّه يجوز عقدها، ولكن كلّ مَن لم يجز أن تزوّج المرأة نفسها يمنعون ذلك، ولو أذن لها الولي.

стр. 5043

القاعدة السّابعة والخمسون [الوصف المنضبط وغير المنضبط، المظنّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوصف الذي هو معتبر في الحكم إن أمكن انضباطه لا يعدل عنه إلى غيره، وإن كان غير منضبط أقيمت مظنّته مقامه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: للأوصاف اعتبار في الحكم، فإذا كان الوصف المراد منضبطاً واضحاً لا لبس فيه فيجب رعايته، والعمل بمقتضاه، ولا يعدل عنه إلى غيره؛ لأنّه مقصود بالحكم. ولكن إن كان الوصف المراد غير منضبط وغير متّضح تماماً مع قيام الدّليل على إرادته تقام مظنّته مقامهُ. ويراد بمظنّة الشّيء الحال الذى يغلب على الظّنّ وجود الوصف فيه. أو ما يكون دالاً عليه ويغلب على الظّنّ وجوده ووقوعه بوجوده ووقوعه. كالنّوم مظنّة الحدث. لكن بشرط أن يكون الوصف متوقعاً مع المظنّة، فلو قطعنا بعدمه عند المظنّة، فلا يترتب على المظنّة حكم. كوجود الإكراه المعدم للرضا مع صدور الصّيغة أو الفعل. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: رؤية الهلال شرط ووصف معتبر في وجوب الصّوم أو الفطر،

стр. 5044

فلا يعدل عنه إلى مظنّة؛ لأنّ الرّؤية أو إتمام الشّهر ثلاثين وصف منضبط. ومنها: غروب الشّمس وزوالها، وطلوع الفجر أوصاف معتبر في وجوب الصّلوات، فلا يعدل عنها إلى مظنّتها. ومنها: السّكر في الخمر، وصف معتبر في الحكم. ومن الأوصاف غير المنضبطة: المشقّة سبب للقصر، وهي غير منضبطة، فأقيم السّفر مقامها في جواز القصر والفطر ومدّة المسح. ومنها: التقاء الختانين أقيم مقام الإنزال في وجوب الغسل لعدم انضباط الإنزال؛ لأنّ أمر خفي. ومنها: البلوغ أقيم مقام تمام العقل لوجوب التّكليف؛ لانضباط البلوغ بعلاماته بخلاف العقل وانضباطه.

стр. 5045

القاعدة الثّامنة والخمسون [وصف الشّرط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وصف الشّرط كالشّرط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق بيان معنى الوصف ومعنى الشّرط. فهذه القاعدة تفيد أنّ وصف الشّرط الجزائي المقيّد به يأخذ حكم الشّرط، فهو قائم مقامه في الاعتبار والاعتداد وبناء الحكم عليه. وذلك لأنّ الشّرط إذا وقع وقع الجزاء فكذلك وصفه. وأيضاً إذا وجد الشّرط بدون وصفه المقيّد به لم يقع الجزاء. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا قال لزوجته: إن دخلت الدّار راكبة فأنت طالق. فدخلت ماشية لم تطلق. لعدم تحقّق وصف الشّرط. ومنها: إذا قال: إن كَلَّمت عبدي هذا وأنا غاضب فهو حرّ. فكلّمه غير غضبان فلا يعتق، لعدم تحقّق وصف الشّرط وهو الغضب. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة: إذا قال لزوجته: أنت طالق أمس. فإنّها تطلق للحال؛ لأنّ الوصف قد سبق وجوده.
следующие страницы →