القاعدة السّادسة والخمسون [الوصف الغالب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الوصف: هو الصّفة المميّزة للشّيء عن غيره.
والمراد بمخرج الغالب: أي يكون العمل بهذه الصّفة ووجودها يغلب على النّاس بحسب عادتهم ويكثر أخذهم بها.
فبناء على ذلك لا يكون ذكر الوصف المبني على عادة النّاس الغالبة حجّة في الأحكام الشّرعيّة، أي لا يبنى على وجود هذا الوصف حكم شرعي بل الحكم يبنى على السّبب والعلّة الموجبة ولو لم يوجد ذلك الوصف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في قوله تعالى عند ذكر المحرّمات من النّساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٢). فالمحرّمة هي الرّبيبة من المرأة التى دخل بها الزّوج، والوصف هو قوله تعالى:
стр. 5042
﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ فعند الجمهور أنّ هذا الوصف خرج مخرج الغالب، فالرّبيبة سواء أكانت في حجر زوج أمّها أو في غير حجره هي محرّمة عليه على التأبيد ما دام قد دخل بأمّها. وليست هذه الصّفة شرطاً في التّحريم (١).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢). فلا يجوز قتل الأولاد مطلقاً سواء خشي الإملاق أو لم يخشه.
ومنها: قوله ﷺ : "أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل" (٣). وهو يدلّ بمفهومه على أنّ الولي إذا أذن لها أنّه يجوز عقدها، ولكن كلّ مَن لم يجز أن تزوّج المرأة نفسها يمنعون ذلك، ولو أذن لها الولي.
стр. 5043
القاعدة السّابعة والخمسون [الوصف المنضبط وغير المنضبط، المظنّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوصف الذي هو معتبر في الحكم إن أمكن انضباطه لا يعدل عنه إلى غيره، وإن كان غير منضبط أقيمت مظنّته مقامه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
للأوصاف اعتبار في الحكم، فإذا كان الوصف المراد منضبطاً واضحاً لا لبس فيه فيجب رعايته، والعمل بمقتضاه، ولا يعدل عنه إلى غيره؛ لأنّه مقصود بالحكم. ولكن إن كان الوصف المراد غير منضبط وغير متّضح تماماً مع قيام الدّليل على إرادته تقام مظنّته مقامهُ. ويراد بمظنّة الشّيء الحال الذى يغلب على الظّنّ وجود الوصف فيه. أو ما يكون دالاً عليه ويغلب على الظّنّ وجوده ووقوعه بوجوده ووقوعه. كالنّوم مظنّة الحدث. لكن بشرط أن يكون الوصف متوقعاً مع المظنّة، فلو قطعنا بعدمه عند المظنّة، فلا يترتب على المظنّة حكم. كوجود الإكراه المعدم للرضا مع صدور الصّيغة أو الفعل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رؤية الهلال شرط ووصف معتبر في وجوب الصّوم أو الفطر،
стр. 5044
فلا يعدل عنه إلى مظنّة؛ لأنّ الرّؤية أو إتمام الشّهر ثلاثين وصف منضبط.
ومنها: غروب الشّمس وزوالها، وطلوع الفجر أوصاف معتبر في وجوب الصّلوات، فلا يعدل عنها إلى مظنّتها.
ومنها: السّكر في الخمر، وصف معتبر في الحكم.
ومن الأوصاف غير المنضبطة:
المشقّة سبب للقصر، وهي غير منضبطة، فأقيم السّفر مقامها في جواز القصر والفطر ومدّة المسح.
ومنها: التقاء الختانين أقيم مقام الإنزال في وجوب الغسل لعدم انضباط الإنزال؛ لأنّ أمر خفي.
ومنها: البلوغ أقيم مقام تمام العقل لوجوب التّكليف؛ لانضباط البلوغ بعلاماته بخلاف العقل وانضباطه.
стр. 5045
القاعدة الثّامنة والخمسون [وصف الشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
وصف الشّرط كالشّرط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان معنى الوصف ومعنى الشّرط.
فهذه القاعدة تفيد أنّ وصف الشّرط الجزائي المقيّد به يأخذ حكم الشّرط، فهو قائم مقامه في الاعتبار والاعتداد وبناء الحكم عليه. وذلك لأنّ الشّرط إذا وقع وقع الجزاء فكذلك وصفه. وأيضاً إذا وجد الشّرط بدون وصفه المقيّد به لم يقع الجزاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: إن دخلت الدّار راكبة فأنت طالق. فدخلت ماشية لم تطلق.
لعدم تحقّق وصف الشّرط.
ومنها: إذا قال: إن كَلَّمت عبدي هذا وأنا غاضب فهو حرّ. فكلّمه غير غضبان فلا يعتق، لعدم تحقّق وصف الشّرط وهو الغضب.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال لزوجته: أنت طالق أمس. فإنّها تطلق للحال؛ لأنّ الوصف قد سبق وجوده.
стр. 5046
القواعد التّاسعة والخمسون والسّتّون والحادية والثّانية والسّتّون [الوصف في الحاضر والغائب]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الوصف في الحاضر لغو، وفي الغائب معتبر (١).
وفي لفظ: الوصف في المعين غير معتبر (٢).
وفي لفظ: الوصف في غير المعين معتبر، وفي المعين غير معتبر (٣).
وفي لفظ: الوصف المعتاد معتبر في الغائب لا في العين (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
المراد بالوصف في هذه القواعد: هو الوصف المتعارف المعتاد، وهو الوصف الذي يعرِّف الموصوف ويوضّحه، لا وصف الشّرط السّابق ذكره؛ لأنّ وصف الشّرط يعتبر في الحاضر أيضاً.
فالوصف المتعارف الذي يعرِّف الموصوف يسقط اعتباره عند
стр. 5047
وجود الموصوف حاضراً؛ لأنّ حضور الموصوف والإشارة إليه أقوى وأوضح من الوصف وأبلغ في إفادة التّعريف؛ لأنّها تقطع الاشتراك في الحاضر بشرط أن يكون المشار إليه من جنس المسمّى والاختلاف في الوصف فقط.
ولكن الغائب حيث لا يمكن الإشارة إليه فلا يعرف إلا بوصفه الذي يعرِّفه ويوضّحه فاعتبر فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أراد البائع بيع سيّارة حمراء حاضرة في المجلس فقال في إيجابه: أبيعك هذه السّيّارة السوداء وأشار إليها، وقيل المشتري، صحّ البيع، ولغا وصف السّوداء.
أمّا لو باع سيّارة غائبة بيضاء وقال: أبيعك سيّارتي السّوداء - وهو يريد البيضاء - لا ينعقد البيع.
ومنها: لو حلف لا يكلّم هذا الشّابّ فكلّمه شيخاً حنث، أمّا لو حلف لا يكلّم شابّاً - منكراً - وكلّم شيخاً لم يحنث.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد:
إذا قال: أبيعك هذا العبد، وأشار إلى أَمَة، فلا ينعقد البيع لاختلاف الجنس. ولا معتبر بالإشارة، فالعبرة هنا للتّسمية دون الإشارة لاختلاف الجنسين.
ومنها: إذا قال: أبيعك هذه الجوهرة. فإذا هي زجاج لا ينعقد البيع كذلك.
стр. 5048
القاعدتان الثّالثة والرّابعة والسّتّون [الوصف المقصود]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الوصف يستحقّ باستحقاق الأصل (١).
وفي لفظ: الوصف يقابله شيء من الثّمن إذا كان مقصوداً بالتّناول (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بالوصف في هاتين القاعدتين: ما يكون تابعاً للشّيء غير منفصل عنه، إذا حصل فيه يزيده حسناً، وإن كان في نفسه - في بعض الأشياء جوهراً - أى قائماً بذاته - كذراع من ثوب وبناء من دار.
ومفاد القاعدتين: أنّ الوصف باعتباره تابعاً لأصله الموصوف فهو مستحقّ باستحقاق أصله - أي هو حقّ لصاحب الأصل - وعلى ذلك يقابله شيء من ثمن أصله إذا كان مقصوداً من العقد مرغوباً فيه، من حيث إنّ الأوصاف المقصودة تزيد الموصوف حسناً وزيادة في الثّمن.
стр. 5049
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
اشترى كتاباً مجلّداً. فجاءه البائع بكتاب غير مجلّد، فله حقّ الرّدّ؛ لأنّ التّجليد وصف مطلوب مرغوب يزيد الكتاب حسناً ويقابله جزء من الثّمن.
ومنها: مطلق البيع يقتضي سلامة المعقود عليه، ووجود العيب يثبت للمشتري حقّ الرّدّ، فالبائع المدّعي البراءة من العيب يريد إسقاط حقّ المشتري - بعد ما ظهر سببه - فلا يقبل إلا بحجّة, لأنّ العيب فوات وصف مرغوب في المعقود عليه.
стр. 5050
القواعد الخامسة والسّادسة والسّابعة والثّامنة والسّتّون [الوصيّة وأحكامها]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الوصيّة أخت الميراث (١).
وفي لفظ: الوصيّة تحتمل التّعليق بالشّرط (٢).
وفي لفظ: الوصيّة استخلاف بعد انقطاع ولاية الموصي (٣).
وفي لفظ: الوصيّة للمجهول لا تصحّ (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تشتمل على بعض أحكام الوصيّة، وتفيد أنّ الوصيّة نوعان: وصيّة في المال، ووصيّة في الولاية.
فالقاعدتان الأوليان تخصّان الوصية في المال.
والقاعدة الثّالثة تخصّ الوصيّة بالولاية. والقاعدة الرّابعة تفيد أنّه لا تجوز الوصيّة للمجهول غير المعروف.
فالقاعدة الأولى تفيد أنّ الوصيّة تشبه الميراث من حيث إنّها تثبت في كلّ المال إذا أجاز الورثة. وأن الموصى به يخرج عن ملك
стр. 5051
الموصي ويدخل في ملك الموصَى له بمجرّد وفاة الموصي. كما يدخل الميراث في ملك الورثة بوفاة المورث.
والقاعدة الثّانية تفيد أنّ الوصية مما يحتمل التّعليق بالشّرط - أي ربط حصولها بحصول شرط اشترطه الموصي؛ لأنّها إثبات خلافة بعد الموت، والتّعليق بالشّرط يليق بها.
والقاعدة الثّالثة تفيد أنّ الوصيّة هي استخلاف بعد وفاة الموصي وانقطاع ولايته. وبخاصّة الوصيّة على الأيتام أو الصّغار وهي الوصيّة في الولاية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أوصى بثلث ماله لرجل. دخل في الوصيّة جميع ذلك من جميع ماله.
ومنها: إذا أوقف أرضاً وخاف أن يبطل بعض القضاة وقفه، فله أن يكتب في صكّ الوقف، وإن أبطله قاضٍ أو غيره بوجه من الوجوه فهذه الأرض بأصلها وجميع ما فيها وصيّة من مال فلان تباع فيتصدّق بثمنها على مَن سمّينا في كتابنا.
ومنها: أنّ الوصي يتصرّف في مال الموصي وذرّيته بما فيه مصلحة لهم، كما لو كان الموصي حيّاً؛ لأنّ الوصي خليفة الموصي في ماله وذرّيته.
ومنها: إذا أوصى بشيء من ماله إلى هيان بن بيان. لا تصحّ الوصيّة لأنّه مجهول.
стр. 5052
القاعدتان التّاسعة والسّتّون والسّبعون [الوطء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الوطء لا يخلو من عَقْرٍ أو عقوبة (١).
وفي لفظ: الوطء المحرّم لعارض هل يستتبع تحريم مقدماته أم لا (٢)؟
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
الوطء: أي الجماع، للوطء في الشّرع أحكام متعدّدة، ولقد اعتنى به الشّرع غاية العناية لمكانة الوطء في الحياة، وكونه أساس بقاء النّسل والمجتمعات والبشريّة جمعاء. ولذلك وحرصاً من الشّارع الحكيم على سلامة الأمّة والمجتمعات من الآفات الاجتماعيّة والصّحيّة والخلقيّة، حدّد اتّصال الذّكور بالإناث - أي الرّجال بالنّساء - بطريقتين لا ثالث لهما: هما الزّواج الصّحيح بالعقد الصّحيح. وملك اليمين بالطّريق الشّرعي. وما عدا ذلك فهو اتّصال محرّم.
وعلى ذلك بنيت القاعدة الأولى وقاعدة سبقت ضمن قواعد حرف "لا" ولفظها: (لا يخلو الوطء بغير ملك اليمين عن مهر أو حدّ)، فإنّ اتّصال أي رجل بأي امرأة لا يخلو من أن يكون اتّصالاً حلالاً مباحاً
стр. 5053
يوجب المهر، أو لا يوجب مهراً - وهو ملك اليمين، ولا عقوبة. وإمّا أن يكون اتّصالاً حراماً ممنوعاً يوجب الحدّ والعقوبة: الجلد أو الرّجم.
وأمّا القاعدة الثّانية: فموضوعها استفهام عن حكم مقدّمات الوطء إذا حرَّمه الشّارع لعارض أي لسبب طارئ على أصل الحل، فهل تعتبر هذه المقدمات لذلك الوطء حراماً كحرمة الوطء أو حلالاً. وهل تحريم الوطء لذلك العارض يحرم مقدّماته أولاً؟.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا تزوّج رجل امرأة زواجاً شرعيّاً وجب عليه مهرها، فإذا كان المهر معيّناً متّفقاً عليه وجب عليه أداؤه معجّلاً أو مؤجّلاً، وإذا لم يكن المهر معيّناً ودخل بها فلها مهر مثلها.
ومنها: إذا نكح رجل امرأة حراماً بزنا - فعليه الحدّ جلد مئة إن كان بكراً، أو الرّجم إن كان ثيباً محصناً، وعليها بمثله إن كانت مطاوعة.
ومنها: إذا كانت زوجته حائضاً أو نفساء حَرُم عليه وطؤها بالنّصّ، ولكن يجوز فعل مقدّماته، وكذلك إذا كانت صائمة أو هو صائم في رمضان فيحرم الجماع، ولكن إباحة دواعيه ومقدّماته لمن كان يأمن على نفسه.
أمّا العوارض المانعة من الجماع للزّوجة فهي: الحيض والنّفاس، والصّوم الواجب، وضيق وقت الصّلاة، والاعتكاف
стр. 5054
والإحرام، والإيلاء والظّهار قبل التّكفير. وعدّة وطء الشّبهة.
فإذا حرم الوطء في الاعتكاف والإحرام مطلقاً والظّهار والاستبراء، وما عدا ذلك ففيه خلاف (١).
ومنها: الأمَة المشتراة إذا ملكت بعقد محرّم فيحرم سائر أنواع الاستمتاع بها.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
الذّمّيّة إذا نكحها ذمّيّ بغير مهر ثم أسلما - وكان في دينهم جواز النّكاح بغير مهر فلا مهر لها.
ومنها: نكح صبي بالغة حرّة بغير إذن وليّه ووطئها طائعة فلا حدّ ولا مهر.
стр. 5055
القاعدة الحادية والسّبعون [الوعد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوعد يحرم الخلف فيه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الخاء تحت الرّقم ٢٥ بلفظ (الخلف في الوعد حرام). من أدلّة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) والوعد عقد. وقوله تعالى مادحاً إسماعيل ﵊: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ (٣).
والحديث: "آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" (٤) فالوعد هل يجب الوفاء به ويحرم إخلافه إطلاقاً،
стр. 5056
كما يحرم نكث العهد، أو أن في المسألة تفصيلاً؟
لكن قالوا: إنّ الوعد يجب الوفاء به في مسألتين:
الأولى: إذا كان الوعد بصيغة التّعليق؛ لأنّ المواعيد باكتساب صورة التّعليق تكون لازمة، كما سبق بيانه ضمن قواعد حرف الميم تحت الرّقم ٦٩٦.
والثّانية: في بيع الوفاء، فيجب الوفاء في ذلك. وبيع الوفاء: هو أن يقول البائع للمشتري: بعث منك هذا العين بمالك عليّ من الدّين، على أنّي متى قضيت الدّين فهو لي (١). فهذا يجب الوفاء به. فإذا قضى البائع الدّين وجب على المشتري ردّ العين لصاحبها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: إذا فعلت ما أشرت به عليك فَلَك عندي كذا.
ومنها: بيع الوفاء كما سبق ذكره.
стр. 5057
القاعدة الثّانية والسّبعون [الوفاء والغدر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوفاء بالأمان والتّحرّز عن الغدر واجب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق لهذه القاعدة مثال ضمن قواعد حرف التّاء تحت الرّقم ٤٦.
فالوفاء بالأمان واجب على المسلمين حيث أمر الله رسوله والمؤمنين بالوفاء بالعهود والعقود، والأمان عهد وعقد، ولذلك لا يجوز العذر بعد الأمان.
وإذا كان ولا بدّ من نقض العهد لأمر يخاف منه على المسلمين فعلى الإمام أن ينبذ للمعاهدين عهدهم. قبل إعلان الحرب عليهم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وادع الإمام قوماً من أهل الحرب سنة على مال دفعوه إليه، فذلك جائز، ولكن إذا نظر الإمام فرأى في هذه الموادعة شراً على المسلمين فيجب عليه أن يردّ عليهم ما أُخِذ منهم، وينبذ إليهم عهدهم قبل أن يقاتلهم.
стр. 5058
القاعدة الثّالثة والسّبعون [الوفاء بالشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوفاء بالشّرط واجب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
كما أنّ الوفاء بالأمان والوعد واجب، فكذلك الوفاء بالشّرط الذي يشترطه الإنسان على نفسه واجب، ويحرم النّكث به؛ لأنّ المشروط له الشّرط لم يوافق على هذا الشّرط إلا لمصلحة له فيه، واعتماداً على صدق الشّارط على الوفاء بذلك الشّرط، فإذا لم يكن وفاء كان خيانة وغدراً، والمسلم منهي عن الخيانة والغدر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد أسير في أيدي المسلمين فقال: تؤمنوني على أن أدلَّكم على أمر ما، على أنني إن لم أف كنت ذمّة لكم. فهو كما قال. وإذا لم يف بالشّرط فهو ذمّة لا يجوز لهم أن يقتلوه أو يسترقّوه.
ومنها: إذا قال المحاصَرون: آمنونا حتى نفتح لكم الحصن فتدخلون على أن تعرضوا علينا الإسلام فنسلم، ثم أبوا أن يسلموا فهم آمنون، وعلى المسلمين أن يخرجوا من حصنهم حتى يعودوا ممتنعين
стр. 5059
كما كانوا، ثم ينبذون إليهم.
ومنها: إذا تزوّج رجل امرأة على أن لا يخرجها من دارها (١). فيجب عليه الوفاء بهذا الشّرط، إلا إذا رضيت أن تخرج معه وأسقطت الشّرط.
ومنها: إذا اشترى سلعة واشترط على البائع إيصالها لمحلّه، فعلى البائع الوفاء بهذا الشّرط.
стр. 5060
القاعدة الرّابعة والسّبعون [الوفاء بالعهد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوفاء بالعهد واجب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لهذه القاعدة صلة بما سبقها من قواعد، تفيد وجوب الوفاء بالوعد والعقد، فما الفرق بين الوعد والعهد؟
الوعد: قال ابن فارس ﵀ (٢): الواو والعين والدّال كلمة صحيحة تدلّ على ترجية بقول. يقال: وعدته أعده وعداً. ويكون ذلك بخير وشر.
فالوعد إذن قول يرجى من ورائه خير أو شر (٣).
العهد: قال ابن فارس أيضاً: العين والهاء والدّال دالّ على معنى
стр. 5061
واحد وهو: الاحتفاظ بالشّيء وإحداث العهد به (١).
والعهد: الموثق، وجمعه عهود، فالعهد إذن هو الميثاق (٢).
فالعهد أشدّ من الوعد، فإذا كان الوفاء بالوعد واجب فإنّ الوفاء بالعهد أوجب. قال : ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ (٥) إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالوفاء بالعهد والذّامّة لمن لا يوفون بعهدهم. وقد مدح الله المؤمنين لوفائهم بعهودهم، وذمّ المشركين والمنافقين واليهود لنقضهم العهود.
فالوفاء بالعهد واجب شرعي وخُلُقي، ومن لا يفي بعهده لا يوثق به، ولا يصدق فيما يقول.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من نذر لله صوماً أو صلاة أو حجّاً فيجب عليه الوفاء
стр. 5062
بنذره؛ لأنّه بنذره عاهد الله سبحانه عهداً فيجب عليه الوفاء به. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١). وذمّ من ترك الوفاء بالعهد بقوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ (٢) الآية.
ومنها: إذا عاهد المسلمون المشركين عهداً فيجب عليهم أن يتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم، ولا يجوز لهم أن يغدروا، أو ينقضوا العهد بدون إنذار. كما سبق بيانه.
стр. 5063
القاعدة الخامسة والسّبعون [وقائع الأعيان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
وقائع الأعيان إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال فسقط بها الاستدلال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
وقائع الأعيان: جمع واقعة، وهي المسألة الحادثة المستفسر عن حكمها، وهي تخصّ شخصاً بعينه أو جماعة بعينها.
فالوقائع التي كان رسول الله ﷺ يسأل عن حكمها، وترك ﵊ الاستفسار والاستفصال فيها، وذكر الحكم بناء على ما أورده السّائل، يدلّ ذلك على أنّ هذه الواقعة مجملة أي مبهمة، فلا يصحّ أن يستدلّ بها على مسألة أخرى تشبهها يمكن أن تحتمل حكمها أو لا تحتمله.
ملحوظات: الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ، بل الذي يقدح هو الاحتمال المساوي أو المقارب، وإن كلام صاحب الشّرع إذا كان محتملاً احتمالين على السّواء صار مجملاً لأنّه ليس حمله على أحدهما أولى من الآخر.
ومنها: إنّ قضايا الأعيان إذا نقلت إلينا ونقل حكم الشّارع فيها،
стр. 5064
واحتمل عندنا وقوعها على أحد الوجهين أو الوجوه، ولم ينقل إلينا على أي الوجهين أو الوجوه وقع الأمر فيها، فإنّ مثل هذا يثبت فيه الإجمال ويسقط به الاستدلال. وينظر من قواعد حرف الحاء القاعدة ٦١.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
روي أن زنجيّاً سقط في بئر زمزم فمات. فأمر ابن عباس ﵄ بمائها أن ينزح. استدلّ الشّافعي ﵀ أنّ نزحها لأحد أسباب:
١ - أنّ الدّم قد يكون ظهر فيها، فنزحها كان تنظيفاً لا وجوباً للدّلالة على نجاستها. واحتمل أن يكون نزحها احتياطاً لاحتمال التّغيّر، وأن يكون لاحتمال النّجاسة كما يقول الحنفيّة.
فلذلك لوجود هذه الاحتمالات لا يصحّ الاستدلال بهذا المثال على أن الماء ينجس بملاقاة النّجاسة إذا زاد عن القلّتين. كما هو رأي الحنفيّة.
ومنها: قوله ﷺ لما سئل عن الوضوء بنبيذ التّمر - "تمرة طيّبة وماء طهور"، ليس في اللفظ إلا أنّ التّمرة طاهرة طيّبة والماء طهور، فيبقى إذا جمع بين التّمرة والماء الطّهور كيف يكون الحال؟ هل يسلب الطّهوريّة، أم لم يتعرّض لذلك، فيحتمل أن يريد أن كلّ واحد منهما بقي على حاله لم يتغيّر عن وصفه، فلذلك وصفهما بما كانا عليه قبل الاجتماع، ويحتمل أنّهما تغيّرا عن حالتهما الأولى. واعترض عليه ابن الشّاط ﵀ فقال: لا يجوز على الشّارع صلوات الله وسلامه عليه أن يُسأل عن شيء ثم لا يجيب عنه،
стр. 5065
ولا يجوز عليه أن يخبر بما لا فائدة فيه .. وهو ﷺ إنّما سئل عن الوضوء بالنّبيذ، والنّبيذ اسم للماء المستنقع فيه تمر حتى تتغيّر حقيقته، أمّا قبل التّغيّر فلا يسمّى نبيذاً إلا مجازاً. فلا شكّ أنّ ظاهر الحديث أنّه أراد ﷺ أنّ أصل النّبيذ ثمرة طيّبة وماء طهور وأنّه باق على حكم الأصل من الطّيب والطّهورية.
стр. 5066
القاعدة السّادسة والسّبعون [وقت الشّيء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
وقت الشّيء هل ينزل منزلة ذلك الشّيء (١)؟
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بوقت الشّيء: الوقت المقدّر والمحدّد لوقوع وحصول ذلك الشّيء. فهل إذا وُجد الوقت المقدّر لحصول شيء ما هل يكون له حكم ذلك الشّيء الذي يقع فيه؟ أو لا يكون له حكمه؛ ولا ينزله منزلته؟ في المسألة تفصيل:
الوقت نوعان: النّوع الأوّل: أن لا يكون الوقت ركناً في المقصود، ففي هذا النوع ينزل الوقت منزلة الشّيء الذي يحصل فيه.
النّوع الثّاني: أن يكون الوقت ركناً في المقصود فلا ينزل منزلته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
١ - أمثلة النّوع الأوّل: إذا دخل الليل أفطر الصّائم، وإن لم يتناول المفطر للحديث: "إذا أقبل الليل وأدبر النّهار وغابت الشّمس فقد أفطر الصّائم" متّفق عليه.
ومنها: مضي مدّة المسح على الخف توجب النّزع وإن لم
стр. 5067
يمسح.
ومنها: إذا وهبه أو رهنه شيئاً، وأذن له في قبضه، ومضى زمن إمكانه صار كالمقبوض ولا يحتاج إلى إذن في القبض.
ومنها: إذا مضى زمان المنفعة في الإجارة بعد التّمكين استقرّت الأجرة، وإن لم تستوف المنفعة.
٢ - أمثلة النّوع الثّاني: إذا دخل وقت الرّمي لا ينزل منزلة الرّمي.
ومنها: الصّبي والعبد إذا وقفا بعرفة، ثم دفعا بعد الغروب، ثم كَمُلا - بأن بلغ الصّبي وعتق العبد - قبل الفجر لا يسقط فرضهما. خلافاً لابن سريج ﵀ (١).
стр. 5068
القاعدة السّابعة والسّبعون [الوقت في اليمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوقت في اليمين الموقت كالعمر في المطلق (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليمين: وهي الحلف بالله ، أو الحلف بالطّلاق - عند من يعتبره يميناً - إمّا أن تكون مؤقتة بوقت، أو مطلقة عن التوقيت.
وهذه القاعدة قال بها بعض العلماء وبنى عليها فيما إذا حلف بطلاق امرأته إن لم يفعل شيئاً من المستحيلات في العادة أو العقل. وحدّد لذلك وقتاً، فعنده أن الطّلاق يقع في الحال، كما لو حلف بالطّلاق على أمر مستحيل بدون توقيت فهو واقع في الحال عند الجميع.
ولكن عند جمهور الحنفيّة إنّ الطّلاق لا يقع في الموقّت إلا بعد مضي الوقت.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لزوجته: أنت طالق إذا لم تصعدي إلى السّماء. أو إذا لم تقلبي هذا الحجر ذهباً. فهي تطلق في الحال؛ لأنّ المحلوف عليه مستحيل الموضوع عادة.
стр. 5069
فإذا قال: أنت طالق إذا لم تصعدي السّماء اليوم. فعند جمهور الحنفيّة لا تطلق إلا بعد مضي اليوم. ولكن بناء على هذه القاعدة تطلق في الحال.
ومنها: إذا حلف ليشربنّ ما في هذا الكأس من ماء، وليس فيه ماء - وهو لا يعلم - فعند الجمهور لا يحنث؛ لأنّ الممتنع عادة كالممتنع حقيقة.
ولكن بناء على هذه القاعدة - وعلى رأي أبي يوسف يرحمه الله يحنث فوراً؛ لأنّ اليمين عنده على أمر مستقبل سواء كان ممكن الوقوع أم غير ممكن.
стр. 5070
القاعدة الثّامنة والسّبعون [وقف العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
وقف العقود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بوقف العقود: عدم نفوذها، وعدم جواز الانتفاع بالبدلين حتى يجيز صاحب الحقّ فيها.
فالعقد الموقوف عقد صحيح عند أكثر العلماء، ولكن يتوقّف نفوذه على إجازة وموافقة صاحب الحقّ فيه.
ولم يجز الشّافعي ﵀ في المذهب الجديد - العقد الموقوف، بل العقود عنده إمّا صحيح وإمّا باطل. وجعل العقد الموقوف ضمن العقد الباطل. وذلك كبيع الفضولي. وأمّا عند غيره من العلماء فالعقد الموقوف صحيح، ويتوقّف نفوذه على إجازة المالك أو المشتري أو صاحب الحق فيه. ولكن بشرط أن يكون للعقد مجيز في الحال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
بيع الفضولي: وهو أن يبيع إنسان شيئاً ملك غيره - كسيّارة أو أرض أو متاع - لآخر، ويحصل القبول من المشتري. فهذا عقد
стр. 5071
موقوف إن أجازه المالك للسيّارة نفذ وإلا بطل، وكون العقد موقوفاً إذا تمّ بكلامين من الفضولي والمشتري أو العاقد الآخر، ولكن لم يتبع ذلك تصرّف فعلي، فإذا سلّم الفضولي الشّيء المباع إلى المشتري، فيأخذ ذلك حكم الغصب لا البيع الموقوف. فالبيع الموقوف التّصرّف فيه تصرّف قولي لا فعلي، والتّصرّف الفعلي يدخل في حكم الغصب.
ومنها: إذا زوّج فضولي رجلاً من امرأة، وكان أحدهما غائباً، فإذا حضر وعلم، فإن أجاز العقد نفذ، وإلا بطل.
ومنها: طلق رجل امرأة رجل آخر - بغير تفويض - فإنّ طلاقها يقف على إجازة الزّوج فإن أجاز نفذ وإلا لم يقع.
ومنها: إذا باع مال أبيه على ظنّ أنّه حيّ - وإن البائع فضولي - فكان الأب ميّتاً حالة العقد، فالأصحّ صحّة البيع لمصادفته بيع ملكه. وهذا يسمّى وقف تبيين.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
غصب أموالاً ثم باعها، وتصرف في أثمانها مرّة بعد أخرى، فكلّ تصرّفاته باطلة في الأصحّ.
ومنها: باع فضولي مال صبي، فالعقد باطل؛ لأنّ الصّبي لا تصحّ إجازته.
ومنها: تصرف المفلس في شيء من أعيان ماله المحجور عليه فيه بغير إذن الغرماء. فالأصحّ البطلان؛ لأن المال تعلّق به حقّ الغرماء.
стр. 5072
القاعدة التّاسعة والسّبعون [وقف الأحكام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوقف في الأحكام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد من الوقف في الأحكام: التّوقّف فيها وعدم الحكم في المسألة لتعارض الأدلّة في نظر المجتهد، فيتوقّف عن الحكم. وهذا عند الأصوليّين كثير. ولكن عند الفقهاء قليل - حيث لا بدّ من البحث عن حكم نصِّي في المسألة المعروضة، فإن لم يكن أو لم يجد الفقيه فيها نصاً فيجتهد رأيه ولا يتوقّف؛ لأنّ من المسائل ما لا يحتمل التّوقّف، فيحكم فيها بما يغلب على ظنّه صوابه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الماء المستعمل في إزالة الأحداث. توقّف الشّافعي ﵀ في حكمه، هل هو باق على طهوريّته - كما هو الرّاجح عند مالك ﵀ أو طاهر في نفسه - كما هو عند الحنفيّة - أو غير طهور كما هو رأي آخرين. وكان التّوقّف لتعارض الأدلّة. والتّوقّف عند الشّافعي ﵀ في هذه المسألة مختلف فيه عنه. لكن المتّفق في المذهب أنّ الماء المستعمل في إزالة الأحداث - كماء الوضوء والغسل - ليس
стр. 5073
بطهور (١).
ومنها: إذا حجّ الصّبي أو العبد فإن حجّه إذا دام يكون نفلاً. لكن إذا بلغ الصّبي وعتق العبد قبل الوقوف بعرفة انقلب فرضاً.
ومنها: مسألة تعليق الطّلاق قبل النّكاح. ذكر أنّ الشّافعي ﵀ توقّف فيه، في الأمالي القديمة. ثمّ أزال التّوقّف وقال بالمنع.
стр. 5074
القواعد الثّمانون والحادية والثّانية والثّمانون [أحكام الوقف]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصيّة في اعتباره من ثلث المال (١)؛ لأنّه تبرّع.
وفي لفظ: الوقف لا يصحّ إلا على مَن يُعْرَف أو على بِرّ (٢).
وفي لفظ: الوقف يتبع فيه مقتضى كلام الواقف (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تتعلّق ببعض أحكام الأوقاف - أي الأحباس.
فأولى هذه القواعد مفادها: أنّ من أوقف أو حبَّس شيئاً من ماله حال مرض الموت - وهو المرض المتّصل بالموت وكان سبباً فيه - فإنّ هذا الوقف يأخذ حكم الوصيّة فلا يخرج إلا من ثلث المال، وما زاد عن الثّلث يتوقّف على إجازة الورثة.
стр. 5075
وثانية هذه القواعد مفادها: أنّ الوقف الجائز هو ما كان على معروف كذرّيته وأولاده أو جهة مخصوصة، أو على وجوه البر والصّدقة. أمّا إذا أوقف على مجهول غير معروف فلا يجوز ولا يصحّ - كما سبق بيانه قريباً - كما لا يجوز الوقف على وجوه شر أو سوء أو فسق.
وأمّا ثالثة هذه القواعد فمفادها: أنّ الوقف يجب حمله وتنفيذه على مقتضى كلام الواقف وإرادة المعنى المقصود لغة أو عادة أو شرعاً، فهي بمعنى القاعدة القائلة (شرط الواقف كنصّ الشّارع).
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
أوقف داراً أو أرضاً أو مزرعة، وقال في صكّ وقفها وتحبيسها: إنّها وقف على أولاده وأولادهم. فيجب حملها على الأولاد ذكرهم وأنثاهم، وأولادهم ذكوراً وإناثاً؛ لأنّ لفظ الولد يطلق على الذّكر والأنثى. لكن إذا قال: وقف على أبنائي وأولادهم، فلا يدخل البنات ولا أولادهنّ.
ومنها: إذا قال المريض: أوقفت العمارة الفلانيّة، أو المزرعة الفلانيّة على جهة من جهات البرّ، فإنّه ينظر: إن كانت تخرج من ثلث المال نفّذ الوقف كالوصيّة، وإن كانت لا تخرج من ثلث المال بطل منها ما زاد على الثّلث إلا أن يجيز الورثة.
стр. 5076
ومنها: أوقف أرضاً تكون مرعى للخنازير أو للكنيسة، فهذا وقف باطل لا يصحّ؛ لأنّ الشّرط أن يكون الوقف على جهة برّ، ورعي الخنازير والكنيسة جهة إثم لا بر. إلا إذا كان الواقف نصرانيّاً.
ومنها: إذا أوقف عمارة على ذرّيّة شخص سمّاه، وهو مجهول غير معروف فلا يصحّ الوقف. وكذلك لو وقف على رجل أو امرأة غير معيّن ولم يُسمّ.
стр. 5077
القاعدة الثّالثة والثّمانون [الوقوع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
الوقوع باللفظ لا بالقصد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالوقوع: إثبات الملفوظ به من يمين أو عقد أو غير ذلك.
فإنّ مدار الإثبات وتحمّل المسؤوليّة والنّتائج إنّما يكون بناء على الألفاظ الصّادرة عن المكلّف، لا بناء على النّيّات والقصود؛ لأنّ النّيّات والقصود قلبيّة لا اطلاع لنا عليها. والأحكام إنّما تبنى على الظّواهر لا على النّيّات.
ولذلك لمّا كان الرّضا أمراً قلبيّاً بنيت العقود على الألفاظ، وهي الإيجاب والقبول الدّالان على الرضا. إلا إذا قام الدليل على عدم الرّضا كالإكراه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل لحماً. فلفظ اللحم عام في كلّ ما يسمّى لحماً. وقيّده العرف بلحم الأنعام لأنّها التي تؤكل عادة. فإذا قال: أردت باللحم الشّحم لا يصدق.
ومنها: إذا قال لامرأته: أنت طالق. وهو يريد أن يقول:
стр. 5078
ثلاثاً. فأمسك رجل على فيه، فلم يقل شيئاً بعد ذكر الطّلاق. فهي طالق واحدة فقط؛ لأنّ الوقوع بلفظه لا بقصده. وكذلك لو مات بعد قوله أنت طالق.
ومنها: رجل له زوجتان: زينب وعمرة. فقال يا زينب فأجابته عمرة. فقال: أنت طالق ثلاثاً. طلقت التي أجابته؛ لأنّه أتبع الجواب بالإيقاع فيصير مخاطباً المجيبة. وإن قال: أردت زينب. تطلق زينب أيضاً بقصده المقرون باللفظ. ولكنّه لا يصدق في صرف الكلام عن ظاهره، فتطلق عمرة أيضاً بالظّاهر. ففي هذا المثال: أعمل الظّاهر والقصد.
стр. 5079
القاعدة الرّابعة والثّمانون [الطّلاق في الخلع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
وقوع الطّلاق في الخلع يعتمد وجوب القبول لا وجوب المقبول (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخلع: هو افتداء المرأة نفسها بمال تعطيه إلى زوجها الذي أساء عشرتها ليطلقها. فالقبول منها ومن الزّوج. والمراد بالمقبول: المال الذي خلعت نفسها به.
فإذا وافق الرّجل على الخلع وقبل به، وقبلت به المرأة، وقع الطّلاق بينه وبين زوجته وإن لم يجب المال الذي خالعته عليه.
وهذه القاعدة تصحّ أيضاً فيما هو أعمّ من الخلع. كعقد البيع أو الإيجار أو الزّواج حيث يصحّ العقد بالإيجاب والقبول، وإن لم يوجد الثّمن في عقد البيع أو الأجرة في عقد الإجارة أو المهر في عقد الزّواج. لكن للبائع أن لا يسلّم المبيع إلا إذا استوفى الثّمن، إذا كان الثّمن حالاً، وللمؤجّر أن لا يسلّم المستأجَر إلا إذا تسلَّم الأجرة، وللزّوجة ألا تسلّم نفسها إلا إذا تسلّمت مهرها المعجلّ.
стр. 5080
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كانت امرأة قد بلغت مفسدةً لمالها فاختلعت من زوجها، جاز الخلع، وقد تحقّق القبول منها ومنه. فإذا قبلت وقَبِل وقع الطّلاق لوجود الشّرط. ولم يلزمها المال؛ لأنّها محجورة عن التّصرّف لبلوغها مفسدة لمالها - وإن صار الخلع مصلحة لها - لأنّها التزمت المال لا بعوض هو مال، ولا لمنفعة ظاهرة لها في ذلك - كالصّغيرة -.
فإن كان الزّوج طلّقها تطليقة على ذلك المال فهو يملك رجعتها؛ لأنّ وقوع الطّلاق باللفظ الصّريح لا يوجب البينونة إلا عند وجوب البدل. ولم يجب البدل هنا. بخلاف ما إذا كان بلفظ الخلع، فإنّ مقتضى لفظ الخلع البينونة.