← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14596

موسوعة القواعد الفقهية

محمد صدقي آل بورنو

Полный текст (5 326 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

ومنها: أوقف أرضاً تكون مرعى للخنازير أو للكنيسة، فهذا وقف باطل لا يصحّ؛ لأنّ الشّرط أن يكون الوقف على جهة برّ، ورعي الخنازير والكنيسة جهة إثم لا بر. إلا إذا كان الواقف نصرانيّاً. ومنها: إذا أوقف عمارة على ذرّيّة شخص سمّاه، وهو مجهول غير معروف فلا يصحّ الوقف. وكذلك لو وقف على رجل أو امرأة غير معيّن ولم يُسمّ.

стр. 5077

القاعدة الثّالثة والثّمانون [الوقوع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوقوع باللفظ لا بالقصد (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المراد بالوقوع: إثبات الملفوظ به من يمين أو عقد أو غير ذلك. فإنّ مدار الإثبات وتحمّل المسؤوليّة والنّتائج إنّما يكون بناء على الألفاظ الصّادرة عن المكلّف، لا بناء على النّيّات والقصود؛ لأنّ النّيّات والقصود قلبيّة لا اطلاع لنا عليها. والأحكام إنّما تبنى على الظّواهر لا على النّيّات. ولذلك لمّا كان الرّضا أمراً قلبيّاً بنيت العقود على الألفاظ، وهي الإيجاب والقبول الدّالان على الرضا. إلا إذا قام الدليل على عدم الرّضا كالإكراه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا حلف لا يأكل لحماً. فلفظ اللحم عام في كلّ ما يسمّى لحماً. وقيّده العرف بلحم الأنعام لأنّها التي تؤكل عادة. فإذا قال: أردت باللحم الشّحم لا يصدق. ومنها: إذا قال لامرأته: أنت طالق. وهو يريد أن يقول:

стр. 5078

ثلاثاً. فأمسك رجل على فيه، فلم يقل شيئاً بعد ذكر الطّلاق. فهي طالق واحدة فقط؛ لأنّ الوقوع بلفظه لا بقصده. وكذلك لو مات بعد قوله أنت طالق. ومنها: رجل له زوجتان: زينب وعمرة. فقال يا زينب فأجابته عمرة. فقال: أنت طالق ثلاثاً. طلقت التي أجابته؛ لأنّه أتبع الجواب بالإيقاع فيصير مخاطباً المجيبة. وإن قال: أردت زينب. تطلق زينب أيضاً بقصده المقرون باللفظ. ولكنّه لا يصدق في صرف الكلام عن ظاهره، فتطلق عمرة أيضاً بالظّاهر. ففي هذا المثال: أعمل الظّاهر والقصد.

стр. 5079

القاعدة الرّابعة والثّمانون [الطّلاق في الخلع] أولاً: لفظ ورود القاعدة: وقوع الطّلاق في الخلع يعتمد وجوب القبول لا وجوب المقبول (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الخلع: هو افتداء المرأة نفسها بمال تعطيه إلى زوجها الذي أساء عشرتها ليطلقها. فالقبول منها ومن الزّوج. والمراد بالمقبول: المال الذي خلعت نفسها به. فإذا وافق الرّجل على الخلع وقبل به، وقبلت به المرأة، وقع الطّلاق بينه وبين زوجته وإن لم يجب المال الذي خالعته عليه. وهذه القاعدة تصحّ أيضاً فيما هو أعمّ من الخلع. كعقد البيع أو الإيجار أو الزّواج حيث يصحّ العقد بالإيجاب والقبول، وإن لم يوجد الثّمن في عقد البيع أو الأجرة في عقد الإجارة أو المهر في عقد الزّواج. لكن للبائع أن لا يسلّم المبيع إلا إذا استوفى الثّمن، إذا كان الثّمن حالاً، وللمؤجّر أن لا يسلّم المستأجَر إلا إذا تسلَّم الأجرة، وللزّوجة ألا تسلّم نفسها إلا إذا تسلّمت مهرها المعجلّ.

стр. 5080

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا كانت امرأة قد بلغت مفسدةً لمالها فاختلعت من زوجها، جاز الخلع، وقد تحقّق القبول منها ومنه. فإذا قبلت وقَبِل وقع الطّلاق لوجود الشّرط. ولم يلزمها المال؛ لأنّها محجورة عن التّصرّف لبلوغها مفسدة لمالها - وإن صار الخلع مصلحة لها - لأنّها التزمت المال لا بعوض هو مال، ولا لمنفعة ظاهرة لها في ذلك - كالصّغيرة -. فإن كان الزّوج طلّقها تطليقة على ذلك المال فهو يملك رجعتها؛ لأنّ وقوع الطّلاق باللفظ الصّريح لا يوجب البينونة إلا عند وجوب البدل. ولم يجب البدل هنا. بخلاف ما إذا كان بلفظ الخلع، فإنّ مقتضى لفظ الخلع البينونة.

стр. 5081

القاعدة الخامسة والثّمانون [الوكيل بالعقد] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الوكيل بالعقد فيما هو من حقوق العقد ينزل منزلة العاقد لنفسه (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: عند الحنفيّة أنّ مَن وكّل بإجراء عقد - كالبيع والإجارة - فإنّ هذا الوكيل ينزل ويعامل - فيما هو من حقوق العقد - كالاستلام والتّسليم والخيار والرّدّ بالعيب - الخ - معاملة العاقد لنفسه، ولا يرجع في ذلك إلى الموكِّل. وينظر من قواعد حرف العين القاعدة رقم ١١. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا اشترى وكيل داراً لرجل غائب فللشفيع أن يأخذها من الوكيل المشتري بالشّفعة؛ لأنّها في يده، وهو نائب عن الموكِّل فيها. ومنها: إذا وكِّل في بيع سيّارة، فباعها، ثم ظهرت مستحقّة، فإنّ المشتري يعود على الوكيل بما دفع. ومنها: إذا اشترى وكيل دابّة ثم ظهر بها عيب يوجب الرّدّ، فإنّ الوكيل هو المطالَب بالرّدّ قبل أن يسلمّها للموكَّل لأنّها في يده. ومنها: إذا وكَّله ببيع أرضه أو عمارته - كمكتب عقاري - فباعها، ثم استقال العقد من المشتري، فتنفذ الإقالة على الوكيل خاصّة.

стр. 5082

القاعدة السّادسة والثّمانون [الولاء] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الولاء بمنزلة النّسب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الولاء: مصدر والى يوالي ولاءً وموالاة، والمراد به هنا: ولاء المعتَق، وهو عصوبة سببها زوال الملك عن الرّقيق بالحرّيّة، وهو الإنعام بالحرّيّة على الرّقيق ذكراً كان أو أنثى. وأصل "الولاء" من النّصرة، ومن معانيه: الملك والقرب والقرابة والمحبّة (٢). دليل هذه القاعدة: قوله ﷺ : "الولاء لُحمة كلُحمة النّسب" - أي وصلة كوصلة النّسب - وفي رواية بزيادة "لا يباع ولا يوهب" (٣). فالولاء بمنزلة النّسب لا يحول ولا يزول ولا يسقط بعد ثبوته، ويورث به كما يورث بالنّسب، فيكون العبد المحرّر مولى للسّيّد

стр. 5083

المعتِق. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مات عبد لشخص - وكان هذا الشّخص قد حرّره وأعتقه - وليس لهذا الميّت وارث فإنّما يرثه معتِقُه؛ لأنّه عصبته. ومنها: إذا مات المعتِق ورث وارثه ولاء معتَقِه كما يرث ماله. ومنها: إذا أقرّ رجل بمولى أعتقه. يصحّ ذلك لكن بشرط أن يصدقه المعتَق - بدون منازع - لأنّه يحمله على نفسه في ذلك، لكن إذا كان له مولى آخر معروف فلا يصحّ إقراره لأنّه مكذَّبٌ في هذا الإقرار شرعاً. ومنها: إذا جنى المعتَق جناية - كقتل خطأ - فإنّ الدّيّة على عاقلة المولى المعتِق.

стр. 5084

القاعدتان السّابعة والثّامنة والثّمانون [الولاية بالوصاية] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الولاية بسبب الوصاية لا تحتمل التجزؤ (١). وفي لفظ: الولاية بالوصاية لا تتجزأ (٢). وفي لفظ: الولاية لا تتحمّل التجزئة (٣). وفي لفظ: الولاية بطريق الوصيّة لا تقبل التّمييز في الأنواع (٤). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الوِلاية بالكسر والفتح: النّصرة والمحبّة. وكل مَن وَلي أمر أحد فهو وليُّه. ومفاد هذه القواعد: أنّ من أوصى شخصاً ليكون وليّاً على ماله بعد وفاته - فهو وليّ في كلّ شيء من أنواع ماله؛ لأنّ الولاية إذا كانت عن طريق الوصيّة فهي لا تقبل التّجزئة، ولا تقبل التّمييز في الأنواع؛ لأنّ الوصيّة إلى الغير إثبات الخلافة له. والولاية لازمة بعد

стр. 5085

موت الموصى فلا يجوز للوصي الخروج منها. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: وصي على صغير باع داراً - للصّغير فيها شركاء وورثة كبار - جاز بيع الوصي في جميع الدّار؛ لأنّه إذا ثبتت الوصاية في بعض الدّار ثبتت في كلّها، وفي بيع الكلّ منفعة لجميع الورثة. وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وأمّا عند صاحبيه رحمهما الله فليس له أن يبيع حصّة الكبار وإنّما يبيع حصّة الصّغير فقط. ورأي الصّاحبين في هذه المسألة أحقّ أن يعمل به درأً للنّزاع. ومنها: إذا أوصى لشخص بالولاية على ماله دون أهله جاز ذلك عند الشّافعي ﵀؛ لأنّ الولاية عنده تقبل التّخصيص والتّمييز خلافاً للحنفيّة. ورأي الشّافعي ﵀ في هذه المسألة أرجح إن شاء الله: لأنّ الإنسان قد يكون له مهارة في رعاية المال وتنميته، وليس له مهارة في رعاية الأهل والأولاد. وأيضاً لأنّ الإيصاء مشروع لحاجة الموصي، وهو أعلم بحاجته، فربّما يكون التّفريط أو القصور من الوصى في نوع دون نوع. وربّما يؤتمن هذا الوصي على نوع دون نوع، أو يعرف هدايته في نوع من التّصرّف دون نوع. ومنها: إذا أوصى بماله المعيَّن إلى رجل، وبتقاضي الدّيون إلى آخر - فعند أبي حنيفة وأبي يوسف - هما وصيّان في العين والدّين جميعاً. وعند محمد ﵀ كلّ واحد منهما وصيّ فيما سمّي له خاصّة، وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً، وهذا قريب من رأي

стр. 5086

الشّافعي ﵀. وهو المعمول به في زمننا هذا. ومنها: إذا أوصى ببعض ولده وميراثهم إلى رجل، وببقيّة ولده وميراثهم إلى آخر، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى هما وصيّان في جميع المال والولد استحساناً؛ لأنّ ولاية الموصي كانت ثابتة في الكلّ، فالوصيّان يقومان مقامه بعد موته في جميع ذلك.

стр. 5087

القاعدة التّاسعة والثّمانون [ولاية البيان] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ولاية البيان تستفاد بولاية الإنشاء (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: البيان: التّفسير. الإنشاء: القدرة على التّصرّف. من له ولاية الإنشاء - أي القدرة على التّصرّف ابتداءً - كان له ولاية بيان وتفسير تصرّفه - سواء كان تصرّفه قوليّاً أو فعليّاً -؛ لأنّ البيان مستفاد من القدرة على الإنشاء والتّصرّف، باعتبار أنّ من تصرّف في أمر ما كانت له القدرة على بيان وتفسير ما تصرّف فيه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا طلّق رجل إحدى نسائه - وله أكثر من زوجة - ولم يعيِّن المطلّقة، فيجب عليه أن يعتزل جميع نسائه حتى يبيّن المطلّقة منهنّ. ومنها: إذا أعتق إحدى جواريه - بغير عينها، أو عيَّنها ونسيها - فلا يجوز أن يبيع إحداهنّ أو يطأها حتى يبيّن المعتَقة منهنّ. والعلّة في المنع: أنّه إذا أراد أن يبيع إحداهنّ فربّما تكون هي المعتقة، فيبيع حرة وذلك غير جائز. وكذلك إذا أراد أن يطأ إحداهنّ فربّما يقع على المعتقة وهي لا تحلّ له بغير عقد.

стр. 5088

ومنها: إذا قال لزوجتيه إحداكما علي كظهر أمّي. أو إحداكما طالق. فعليه أن يوقع ذلك على إحداهما، وعليه بيان مَن طلق أو ظاهر. ومنها: إذا كتب إنسان كتاباً أو رسالة أو بحثاً، ثمّ وجد فيه عبارة غامضة، فعلى كاتب الكتاب أو الرّسالة أو البحث أن يبيّن المقصود من تلك العبارة ويفسّرها.

стр. 5089

القاعدة التّسعون [الولاية الخاصّة] أولاً: لفظ ورود القاعدة: الولاية الخاصّة أولى - أقوى - من الولاية العامّة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: سبق قربياً بيان معنى الولاية. والولاية نوعان: ولاية عامّة، وهي ولاية الإمام والقاضي. وولاية خاصّة: وهي أربع مراتب: الأولى: ولاية الأب والجدّ، وهي ولاية شرعيّة، وهي أقوي الولايات؛ لأنّها ولاية في المال والنّفس. وكانت هذه الولاية شرعيّة بمعنى أنّ الشّارع فوّض لهما التّصرّف في مال الولد لوفور شفقتهما، وذلك وصف ذاتي لهما، فلو عزلا أنفسهما لم ينعزلا بالإجماع؛ لأنّ المقتضي للولاية الأبوّة والجدودة، وهي موجودة مستمرّة لا يقدح العزل فيها. لكن إن امتنعا من التّصرّف تصرّف القاضي. ودونها ولاية العصبة وهي: ولاية في النّكاح خاصّة عند عدم الأب أو الجد، أو ولاية الأب فيمن طرأ سفهها وهي كبيرة. الثّانية: ولاية الوصي، وهي ولاية في المال فقط، أو فيه وفي

стр. 5090

الولد والذّرّيّة، أو في الذّرّيّة خاصّة، كما سبق قريباً. على الخلاف. الثّالثة: ناظر الوقف يشبه الوصي من جهة كون ولايته ثابتة بالتّفويض، ويشبه الأب من جهة أنّه ليس لغيره تسلّط على عزله. الرّابعة: الوكيل من حيث إنّ تصرّفه مستفاد من الإذن. وهي أضعف الولايات. ووجه كون الولاية الخاصّة أَقوي أو أولى من الولاية العامّة؛ أنّ القاضي أو الإمام لا يتصرّف مع وجود الولي الخاصّ وأهليّته. ومن دلائل قوّة الولي الخاص: أنّ له حقّ استيفاء القصاص والعفو عن الدّية مجاناً. وليس للإمام العفو مجاناً. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: لا يملك القاضي التّصرّف في مال اليتيم مع وجود وصيّة، ولو كان نصبه القاضي. ومنها: أنّ القاضي لا يملك عزل القيِّم على الوقف - المعيَّن من قبل الواقف - إلا عند ظهور الخيانة منه. كما أنّه - أي القاضي - لا يملك التّصرّف في الوقف مع وجود ناظر ولو من قِبَله. ومنها: أنّ السّلطان لا يزوّج الصّغيرة، ولكن يزوّجها أبوها أو جدّها.

стр. 5091

القاعدة الحادية والتّسعون [ولاية الحفظ] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ولاية الحفظ تثبت لمن يثبت له ولاية التّصرّف (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: ولاية الحفظ: المراد بها ولاية يقصد بها حفظ المال، دون التّصرّف فيه. وهي ولاية أدنى من ولاية التّصرّف، ولذلك تثبت لمن تثبت له ولاية التّصرّف لا العكس. أي من ولي لحفظ شيء لا يكون ذلك ولاية تجيز تصرّفه بما حفظه. ولذلك فولي الحفظ لا يكون ضامناً لما يحفظه؛ لأنّه أمين، وذلك إذا لم يقصر في حفظه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: مَن أودع وديعة ليحتفظ بها عنده حتى يأتي ربّها، فليس له التّصرّف فيها بغير إذن صاحبها، وإلا كان خائناً. فلو تصرّف بها بغير إذن صاحبها كان ضامناً. أمّا إذا لم يتصرّف بها فضاعت أو احترقت أو سرقت - بدون تعدّ ولا تقصير منه - فإنه غير ضامن لها؛ لأنّ الأمانات لا تكون مضمونة إلا عند التّجهيل كما سبق بيانه.

стр. 5092

ومنها: استحسن أبو حنيفة ﵀ أنّ يبيع الأب عروض ابنه البالغ الغائب - خلافاً لصاحبيه - قياساً على غير الابن - وذلك لأنّ بيع العروض من باب الحفظ، فإنّ العروض يخشى عليه من الهلاك، وحفظ الثّمن أيسر، كالوصي في حقّ الوارث الكبير الغائب. وبعد البيع فللأب أن يأخذ منه مقدار نفقته، بخلاف بيع العقار فلا يجوز.

стр. 5093

القاعدتان الثّانية والثّالثة والتّسعون [أحكام الولد] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: الولد وما يتعلّق به من مباحث ومسائل (١). الولد يتبع خير الأبوين ديناً في حكم النّكاح والذّبيحة (٢). ويتبع الأمّ في الرّقّ والحرّيّة، ويتبع الأمّ المكاتبة (٣). الولد في الرّق والحرّيّة يتبع الأم إلا في مسألتين (٤). ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها: الولد: هو كلّ مَن وُلِد ونتج من أبوين إنساناً كان أو حيواناً. فالشّرع لعموم ولايته وعنايته شرع لكلّ مخلوق حكماً أو أحكاماً تخصّه، إمّا لبقاء نوعه وحفظ حياته، وإمّا لما ينوبه ويحيط ويتّصل به.

стр. 5094

فالقاعدة الأولى قاعدة عامّة تعمّ وتشمل كلّ مولود إنساناً كان أو حيواناً. والقواعد الأخرى تخصّ الولد من بني آدم ذكراً كان أو أنثى حرّاً كان أو رقيقاً. ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها: المولود من الحيوانات من أبوين مأكولين، فهو مأكول أيضاً - أي مباح أكله، حلال ذبيحته أو صيده. ومنها: إذا كان أحد أبويه غير مأكول اللحم حَرُم أكله لغلبة الحظر والتّحريم على الإباحة، ولأنّ حلّ الذّبيحة يشترط فيه حلّ ذبيحة الأبوين. ومنها: في المناكحة والزّواج لا بدّ أن يكون الأبوان ممّن يحلّ نكاحهما، فالمتولّد بين كتابي ووثني لا يحلّ، إن كانت الأم هى الكتابيّة قطعاً. وأمّا إذا كان الأب هو الكتابي فخلاف. ومنها: في الزّكاة: فالمتولد بين الغنم والظّباء لا تجب فيه الزّكاة؛ لأنّ الشّرط أن يكون الأبوان زكويين، وكذلك تمتنع التّضحية به، ولا جزاء فيه إذا صيد. ومنها: إنّ البغل لا سهم له في الغنيمة؛ لأنّه متولّد بين الفرس والحمار، كما أنّه لا يحلّ أكله. ومنها: أنّ الولد من بني آدم يتبع خير الأبوين ديناً في حكم النّكاح والذّبيحة - عند الحنفيّة - وعند الشّافعيّة يتبع أخسّهما حرمة في الذّبح والنّكاح.

стр. 5095

ومنها: أنّ الولد يتبع الأمّ في الرّقّ والحرّيّة، فهو رقيق إذا كانت أمّه رقيقة، وهو حرّ إن كانت أمّه حرّة - وهذا عند الجميع - وولد المكاتبة تابع لأمّه. ومنها: أنّ الولاء عليه يكون لموالي الأب. ومنها: النّسب وتوابعه حيث ينسب لأبيه، ويستحقّ ما يستحقّه أبوه. ومنها: مهر المثل يعتبر بنساء عصبة الأب. ومنها: ولد الأمة الموقوفة هل يكون ملكاً للموقوف عليه كالثّمرة؟ أو يكون وقفاً معها؟ على وجهين عند الحنابلة، أشهرهما أنّه وقف معها؛ لأنّه جزء منها. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القواعد: إنّ ولد الرّقيقة من سيّدها الذي يملكها حرٌّ تبعاً لأبيه. ومنها: أنّه يتبع أباه في مقدار الجزية, لأنّ المرأة لا جزية عليها. ومنها: تبعيّة الولد في مقدار ديّته مختلف فيها عند الشّافعيّة، لكن الرّاجح أنّه يتبع أغلظهما ديّة. ومنها: أنّ الأمة إذا نكحت حراً وغرَّت زوجها بالحرّيّة فإنّ الولد حرّ، وإن كانت الأمَة مملوكة. وكذلك إذا وطئ جارية يظنّها زوجته الحرّة فإنّ ابنها منه ينعقد حراً.

стр. 5096

ومنها: إذا نكح مسلم حربيّة ثم سبيت بعد حملها منه، لم يتبعها الولد في الرّقّ وإن كان مجتناً - أي حملاً في بطن أمّه - لأنّه مسلم حكماً تبعاً لأبيه. والمسلم لا يجري عليه الرّقّ ابتداءً. ومنها: ولد الولد هل يدخل في مسمّى الولد عند الإطلاق؟ هذا ضربان: أحدهما أن يدخل في مسمّاه مع وجود الولد وعدمه وذلك في المحرّمات وفي النّكاح كالبنات وحلائل الأبناء وامتناع القصاص بين الأب وولده، وامتناع قطعه في السّرقة من مال ولده ووالده. وثانيهما: أن يدخل فيه عند عدم الولد لا مع وجوده، وذلك في الميراث، يرث ولد الولد جدهم مع فقد أبيهم كما يرثون أباهم. ولو كان الأب موجوداً لم يرثوه. ومنها: ولاية النّكاح يليها الجد بعد الأب مقدّماً على الابن، وكذلك ولاية المال والحضانة والرّجوع في الهبة، والاستئذان في الجهاد. خلافاً للحنابلة. ومنها: الوقف على الولد لا يدخل فيه ولد الولد في الأصحّ مع وجوده، لكن إن لم يكن إلا أولاد أولاد تعيّنوا مستحقين للوقف قطعاً.

стр. 5097

قواعد حرف الياء وعدد قواعده ١٣١ قاعدة

стр. 5098

القاعدة الأولى [العبادة - الاحتياط] أولاً: لفظ ورود القاعدة: يؤخذ في العبادة بالاحتياط (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الاحتياط في اللغة: هو الحفظ. وفي الاصطلاح: حفظ النّفس عن الوقوع في المآثم (٢). قال الرّاغب الأصفهاني (٣): الاحتياط: استعمال ما فيه الحياطة - أي الحفظ - (٤). والاحتياط: افتعال. وهو طلب الأحظ والأخذ بأوثق الوجوه (٥). فالعبادة الأصل فيها الأخذ بالأحوط والأوثق في الدّين لإبراء الذّمّة؛ من حيث إن إشغال الذّمّة بالعبادة المطلوبة متيقّن، ولا تبرأ الذّمّة من ذلك إلا بأداء صحيح متيقّن، لذلك وجب الأخذ بالأحوط.

стр. 5099

ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا شك إنسان في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً، فالاحتياط أن يبني على ما استيقن - وهو الثّلاث - ويأتي برابعة ويسجد للسّهو، كما أمر رسول الله ﷺ . ومنها: إذا شكّ في عدد الأشواط في الطّواف أو السّعي بنى على الأقلّ؛ لأنّه الأحوط. ومنها: إذا شكّ في طهارته، هل تطهّر للصّلاة أو لم يتطهّر. فالاحتياط التّطَهّر. ومنها: إذا خرج الجيش من المدينة يريدون الحرب، والمسافة بين مدينتهم ودار الحرب دون اليومين - ولا يدرون أين يريد القائد - فعليهم إتمام الصّلاة أخذاً بالاحتياط. وطريق الاحتياط البناء على المتيقّن دون المحتمل.

стр. 5100

القاعدة الثّانية [أكل الأموال بالباطل] أولاً: لفظ ورود القاعدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) (٢). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه آية من كتاب الله الكريم ترسم للمؤمنين طريق الهدى في الحصول على المال، فتنهى المؤمنين أن يحصلوا على المال بطريق غير شرعي، وعبَّرت بالأكل للأموال؛ لأنّ ما يؤكل إنّما يحصل في الغالب بالمال، ولأنّ المقصود الأهم لتحصيل المال هو الأكل وسدّ الجوع. والمراد بالباطل: ما لا يعتدّ به، ولا يفيد شيئاً، وما لا يكون صحيحاً بأصله. فكلّ معاملة غير صحيحة، وكلّ جحود للمال، وكلّ مخاصمة في المال بالباطل والكذب والتّزوير والرّشوة أمام الحاكم كلّها باطلة محرّمة وفاعلها آثم، وحتى لو حكم الحاكم بها، فإنّ حكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرّم الحلال.

стр. 5101

فما لم يبح الشّرع أخذه من مالكه بإحدى طرق الإباحة فهو مأكول بالباطل، وإن طابت به نفس مالكه كالرّبا والرّشوة. ينظر تفسير فتح القدير جـ ١ ص ١٨٨، ٤٥٦. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها . الصّلح عن إنكار لا يجوز - عند الشّافعي ﵀ لأنّه من أكل أموال النّاس بالباطل. ومنها: من استدان وجحد الدّين، فهو من أكل أموال النّاس بالباطل. ومنها: من شهد شهادة زور أو حلف يمين فجور على مال، فلا يحل أكله؛ لأنّ ذلك من أكل أموال النّاس بالباطل. ومنها: من قبل رشوة راشٍ - ولو كانت برضا الرّاشي - فهو من أكل أموال الناس بالباطل. ومنها: مهر البغي - أي الزّانية - وحلوان الكاهن، وثمن الخمر والخنزير، كلّه من أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 5102

القاعدة الثّالثة [الاستحقاق - السبب] أولاً: لفظ ورود القاعدة يبقى الاستحقاق ببقاء السبب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الاستحقاق: استفعال من الحق، فمن حُقّ له شيء فهو استحقاقه؛ أي ما يستحقّه الإنسان ويصل إليه بطريق حقّ لا باطل كالإرث مثلاً. فمن استحقّ شيئاً بسبب فإنّ ما يستحقّه يبقى مستحقّاً له ما بقي سبب استحقاقه. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: يستحقّ كلّ من الزّوجين الميراث من زوجه ما بقيت الزّوجيّة بينهما إلى الموت. فإذا وقعت الفرقة بينهما بأي طريق انقطع استحقاق أحدهما من الآخر. ومنها: الزّوجة تستحقّ النّفقة على زوجها ما دامت الزّوجيّة قائمة بينهما. ومنها: الوارث بالقرابة يبقى له استحقاق للميراث ما بقي سبب التّوريث إلا أن يطرأ مانع، كاختلاف الدّين أو القتل.

стр. 5103

ومنها: إن نفقة المعتدة واجبة على الزّوج طيلة مدّة العدّة, فإذا تطاولت العدّة بالمرأة - إذا كانت العدة بالأقراء أو الحمل - فالنّفقة لها واجبة حتى تنقضي العدّة بالحيض أو الأشهر - عند الإياس -؛ لأنّ سبب الاستحقاق قائم. ومنها: الذي يطالب بخراج رأسه ما دام على دينه، فإذا أسلم وعليه خراج رأسه لم يطالب بشيء منه لزوال السّبب قبل الاستيفاء. ومنها: إذا اعتدت المطلّقة الرّجعيّة فطالت مدّهَ حيضها - ولو أكثر من سنة - ثم ماتت فإن زوجها المطلِّق يرثها؛ لأنّ الطّلاق الرّجعي لا يقطع الزّوجيّة قطعاً كاملاً؛ لأنّ للزّوج أن يراجعها في العدّة بغير رضاها. وبدون عقد أو مهر جديد.

стр. 5104

القاعدة الرّابعة [الحلّ ورفع الحرج] أولاً: لفظ ورود القاعدة: يبنى الأمر على الحلّ ورفع الحرج فيما لا يستيقن فيه تحريم (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها . هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة: (الأصل في الأشياء الحِلُّ). فأيما أمر لا يستيقن فيه تحريم بدليل قطعي لا احتمال فيه. فإنّ الأصل فيه الحلّ والإباحة، ويبنى على رفع الحرج والإثم, لأنّ التّحريم لا يثبت إلا بدليل قطعي مستيقن، كالواجب لا يثبت إلا بدليل قطعي مستيقن. كذلك. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا وجد نوع من المأكولات أو المشروبات لا نصَّ فيه بتحريم أو تحليل، وليس مسكراً ولا مخدّراً ولا مفتّراً، ولا يحتوى على شيء فيه شبهة تحريم ولا ضرر فيه، فإنّ تناوله مباح، ولا إثم على آكله أو شاربه. ومنها: إذا وجدت معاملة حديثة خالية من شبهة الرّبا، وليس

стр. 5105

فيها غرر ولا جهالة فهي معاملة مباحة حلال ولا إثم على من تعامل بها. ومنها: إذا وجدت امرأة محرّمة برضاع أو نسب بين نساء غير محصورات جاز الزّواج منهنّ. ومنها: لو علم رجل أنّ لإنسان عليه ديناً والتبس عليه عين ذلك الرّجل، وخفى عليه شخصه، فمن ادّعى من آحاد النّاس - مع دوام الخفاء والالتباس - أنّه مستحقّ للدّين، لم يجب على المدّعى عليه أداء الدّين إليه، ولو حلف لا يلزمه تسليم شيء إليه.

стр. 5106

القاعدة الخامسة [الاستحقاق] أولاً: لفظ ورود القاعدة: يبنى حكم الاستحقاق ثبوتاً وبقاءً على ما يحتاج إليه خاصّة (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: إذا ثبت لإنسان استحقاق بسبب فإنّ بقاء هذا الاستحقاق مرتبط ببقاء السّبب - كما سبق بيانه قريباً - ولكن إنّما يبقى الاستحقاق أيضاً مقيّداً بمقدار الحاجة التي بني عليها الاستحقاق، فإنّ الزّيادة عن الحاجة لما يستحقّ لا أثر لها في ثبوت الاستحقاق وبقائه، وإنّما المؤثر هو ما نقص عن الحاجة، وما زاد عن الحاجة فإنّه يبطل الاستحقاق، كما يبطله زوال السّبب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: إذا شهد أربعة شهود في قضية غير الزّنا، وحكم بها حاكم. أو لم يحكم، ثم رجع شاهدان، فإنّ القاضي لا يُمنع من القضاء بالشّهادة لبقاء نصابها، ولا ينقض حكمه برجوع من رجع؛ لأنّ الحاجة إنّما تمّت بوجود وبقاء شاهدين. ولا يجب شيء من الضّمان على الرّاجعين. ومنها: إذا دخل مجاهد دار الحرب بأفراس عدّة، ثم باعها كلّها

стр. 5107

إلا واحدة، فلا يحرم سهم الفارس؛ لأنّه متمكّن من القتال على الفرس؛ ولأنّ ما زاد عن الواحد فضل وهو غير محتاج إليه. ومنها: لو شهد خمسة على رجل أو امرأة بالزّنا، وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع أحد الشّهود عن الشّهادة، فلا يبطل الحكم وحكم الحاكم بشهادة الباقين لتمام النّصاب بعد رجوع من رجع. ولا يحد الرّاجع حدّ القذف لثبوت تهمة الزّنا بالشّهود الباقين.

стр. 5108

القاعدة السّادسة [الضّرر الخاصّ والعام] أولاً: لفظ ورود القاعدة: يتحمّل الضّرر الخاصّ ضرر عام (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: الضّرر الخاص: هو ما يصيب فرداً أو أفراداً منحصرين. الضّرر العام: هو ضرر يصيب مجموع الأمّة، أو عدداً من النّاس غير منحصر. وتدخل هذه القاعدة تحت قاعدة (اختيار أهون الضّررين)، وكلاهما متفرّعة على القاعدة الكبرى (لا ضرر ولا ضرار). وتعتبر قاعدتنا هذه قيداً لقاعدة (الضرر لا يزال بمثله). أو استثناء منها. فالشّرع إنّما جاء ليحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم، فكلّ ما يؤدّي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرّة يجب إزالتها. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: جواز الرّمي إلى كفار تترّسوا بالمسلمين - من الأسرى أو الصّبيان أو النّساء -.

стр. 5109

ومنها: جواز الحجر على المفتي الماجن حرصاً على دين الناس. ومنها: الحجر على الطبيب المزور الجاهل حرصاً على أرواح الناس. ومنها: الحجر على المكاري المفلس حرصاً على أموال الناس وأوقاتهم. ومنها: جواز التّسعير على الباعة - في بعض الأحوال - دفعاً لضررهم عن العامّة. ومنها: منع اتّخاذ حانوت طبخ في سوق باعة القماش والتّجار؛ دفعاً لضرر الحريق عن الآخرين.

стр. 5110

القاعدة السّابعة [المانع، الموجب] أولاً: لفظ ورود القاعدة: يتخلف الحكم لمانع، وعند ارتفاعه يعمل الموجِب (١). ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: المانع عند الأصوليّين والفقهاء: (هو الوصف الظّاهر المنضبط الذي يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته). فوجود المانع يمنع حكم السّبب؛ لأنّه سمّي مانعاً لمنعه وجود الحكم مع وجود سبب الحكم. فالسّبب يتخلّف حكمه عند وجود المانع. لكن إذا زال المانع وارتفع وجب العمل بمقتضى السّبب. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: الحيض مانع من الصّلاة والصّوم، لكن إذا ارتفع الحيض وزال، وجبت الصّلاة والصّوم على من كانت حائضاً ثم طهرت. ومثلها النّفساء. ومنها: يجب الحجر على السّفيه والصّغير. فإذا زال السّفه، وكبر الصّغير راشداً سُلِّم لكلّ منهما ماله وزال الحجر عنهما.

стр. 5111

ومنها: المُحرِم ممنوع من عقد النّكاح، ومن قربان النّساء، ومن كثير من محظورات الإحرام، لكن إذا تحلّل بإتمام نسكه جاز له كلّ ما كان ممنوعاً عنه. إلا صيد الحرم، فيمنع عنه الحلال والمحرم.

стр. 5112

القاعدتان الثّامنة والتّاسعة [تكرار وتعدّد الجزاء والسّبب والشّرط] أولاً: ألفاظ ورود القاعدة: يتعدّد الجزاء بتعدّد سببه (١). وفي لفظ: يتكرّر الجزاء بتكرّر الشّرط (٢). ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما: هاتان القاعدتان وإن اختلفتا لفظاً فهما متقاربتان مفهوماً؛ من حيث إنّ سبب الجزاء يشبه الشّرط فيه، وشرط الجزاء يشبه سببه. فإذا تعدّد سبب الجزاء أو تكرّر شرطه فإنّ الجزاء يتكرّر ويتعدّد تبعاً لسببه وشرطه؛ لأنّ الجزاء مبني على شرطه وسببه، لكن بشرط أن يُدَلّ على التّعدّد والتّكرار بلفظ يدلّ عليه كلفظ "كلّما"؛ لأنّه إذا لم يوجد لفظ يدلّ على التّكرار والتّعدّد فلا يلزم التّعدّد ولا التّكرار. ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما: إذا زنا شخص بكر أكثر من مرّة فأقيم عليه حدّ الزّنا للمرّة الأولى، أقيم عليه حدّ ثان للمرّة الثّانية. وهكذا. لكن إذا لم يقم عليه الحدّ للمرّة الأولى وزنا بعدها هل يقام عليه لكلّ مرّة حدّ، أو تتداخل الحدود، فلا يقام عليه إلا حدّ واحد؟ خلاف. والأصحّ والأرجح التّداخل.

стр. 5113

ومنها: إذا قتل محرم أكثر من صيد فعليه لكلّ صيد جزاء. ومنها: إذا قال: كلّما زرتني أكرمتك. يتكرّر الإكرام ويتعدّد بتكرّر الزّيارة وتعدّدها. لكن إذا قال: إن زرتني أكرمتك. فلا يلزم الإكرام إلا مرّة واحدة. ومنها: إذا قال لزوجته: كلّما قعدت عندك فأنت طالق. فقعد عندها ساعة طلقت ثلاثاً؛ لأنّ قعود السّاعة قعدات متعدّدة. رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين: إن استحق شخص حدوداً لله تعالى - ولم يكن فيها قتل - كالجلد والقطع مثل أن زنى - وهو بكر - وسرق وشرب الخمر مراراً. فإنّ جميعها يستوفى بغير خلاف نعلمه. ومنها: إذا اجتمع حدود لله فيها قتل استوفي القتل وسقط سائرها عند الأكثرين، خلافاً للشّافعي ﵀ إذ قال: يستوفى جميعاً. وإن كانت الحقوق للآدميّين استوفيت كلّها يبدأ بالأخف على سبيل الوجوب. فإن قذف - على القول بأنّ القذف حقّ للعبد - واستحقّ القصاص، وقطع يد إنسان أو فقأ عينيه، يجلد للقذف ثم تقطع يده، وتفقأ عينه ثم يقتصّ منه. لكن عند أبي حنيفة ﵀: يدخل ما دون القتل فيه (١).

стр. 5114

القاعدة العاشرة [الإفتاء - الوقف] أولاً: لفظ ورود القاعدة: يتعيّن الإفتاء بما هو الأنفع للوقف (١) ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها: هذه القاعدة بحسب لفظها وصيغتها ضابط خاصّ بالوقف، إذ مفادها: أنّه يتعيّن على المفتي أن يفتي في مسائل الوقف بما هو الأنفع للوقف، إذا كان في المسألة حكمان، وكان أحدهما أكثر نفعاً للوقف من الآخر، فيتعيّن ويجب الفتوى بالأنفع. لكن يمكن تعميم هذا الضّابط ليدخل فيه ما هو الأنفع لليتيم في ماله أيضاً، وما هو الأنفع للعامّة فيما يخصّهم إذا تعارض مع مصلحة بعض الأفراد. وكذلك يدخل فيه مطلق الفتوى للأفراد إذا كانت الفتوى بصالح وأصلح، أو تتعارض الفتوى بما فيه مصلحة للفرد وما فيه مفسدة له، فيتعيّن الفتوى بما فيه المصلحة بشرط عدم تعارضها مع نصّ شرعي قطعي. ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: جواز عزل ناظر الوقف المُوصَى له بالنّظر لمصلحة محقّقة يراها

стр. 5115

القاضي للوقف. ومنها: وقف مشهور قديم لا يعرف واقفه، استولى عليه ظالم، فادعى المتولّي أنّه وقف على كذا مشهور، وشهدا كذلك. فالمختار أنّه يجوز، إذ الشّهادة على أصل الوقف بالشّهر تجوز في المختار. ومنها: وقف على نفر استولى عليه ظالم لا يمكن أخذه منه، فادّعى الموقوف عليهم على واحد منهم أنّه باعه من هذا الظّالم وسلّمه - وهو ينكر - فلهم تحليفه؛ لأنّهم ادّعوا عليه معنى لو أقرّ به لزمه، فإذا أنكر يحلف فإذا نكل قضي عليه بقيمته، وكذا لو برهنوا - أي أتوا بالبيّنة - إذ الفتوى في غصب عقار الوقف بالضّمان نظراً للوقف. كما أنّ الفتوى في غصب منافع الوقف بالضّمان نظراً للوقف. فيُشتَرى بقيمته عقار آخر فيكون على سبيل الوقف الأوّل.
следующие страницы →