ومنها: المُحرِم ممنوع من عقد النّكاح، ومن قربان النّساء، ومن كثير من محظورات الإحرام، لكن إذا تحلّل بإتمام نسكه جاز له كلّ ما كان ممنوعاً عنه. إلا صيد الحرم، فيمنع عنه الحلال والمحرم.
стр. 5112
القاعدتان الثّامنة والتّاسعة [تكرار وتعدّد الجزاء والسّبب والشّرط]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
يتعدّد الجزاء بتعدّد سببه (١).
وفي لفظ: يتكرّر الجزاء بتكرّر الشّرط (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان وإن اختلفتا لفظاً فهما متقاربتان مفهوماً؛ من حيث إنّ سبب الجزاء يشبه الشّرط فيه، وشرط الجزاء يشبه سببه.
فإذا تعدّد سبب الجزاء أو تكرّر شرطه فإنّ الجزاء يتكرّر ويتعدّد تبعاً لسببه وشرطه؛ لأنّ الجزاء مبني على شرطه وسببه، لكن بشرط أن يُدَلّ على التّعدّد والتّكرار بلفظ يدلّ عليه كلفظ "كلّما"؛ لأنّه إذا لم يوجد لفظ يدلّ على التّكرار والتّعدّد فلا يلزم التّعدّد ولا التّكرار.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا زنا شخص بكر أكثر من مرّة فأقيم عليه حدّ الزّنا للمرّة الأولى، أقيم عليه حدّ ثان للمرّة الثّانية. وهكذا. لكن إذا لم يقم عليه الحدّ للمرّة الأولى وزنا بعدها هل يقام عليه لكلّ مرّة حدّ، أو تتداخل الحدود، فلا يقام عليه إلا حدّ واحد؟ خلاف. والأصحّ والأرجح التّداخل.
стр. 5113
ومنها: إذا قتل محرم أكثر من صيد فعليه لكلّ صيد جزاء.
ومنها: إذا قال: كلّما زرتني أكرمتك. يتكرّر الإكرام ويتعدّد بتكرّر الزّيارة وتعدّدها.
لكن إذا قال: إن زرتني أكرمتك. فلا يلزم الإكرام إلا مرّة واحدة.
ومنها: إذا قال لزوجته: كلّما قعدت عندك فأنت طالق. فقعد عندها ساعة طلقت ثلاثاً؛ لأنّ قعود السّاعة قعدات متعدّدة.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
إن استحق شخص حدوداً لله تعالى - ولم يكن فيها قتل - كالجلد والقطع مثل أن زنى - وهو بكر - وسرق وشرب الخمر مراراً. فإنّ جميعها يستوفى بغير خلاف نعلمه.
ومنها: إذا اجتمع حدود لله فيها قتل استوفي القتل وسقط سائرها عند الأكثرين، خلافاً للشّافعي ﵀ إذ قال: يستوفى جميعاً.
وإن كانت الحقوق للآدميّين استوفيت كلّها يبدأ بالأخف على سبيل الوجوب.
فإن قذف - على القول بأنّ القذف حقّ للعبد - واستحقّ القصاص، وقطع يد إنسان أو فقأ عينيه، يجلد للقذف ثم تقطع يده، وتفقأ عينه ثم يقتصّ منه.
لكن عند أبي حنيفة ﵀: يدخل ما دون القتل فيه (١).
стр. 5114
القاعدة العاشرة [الإفتاء - الوقف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يتعيّن الإفتاء بما هو الأنفع للوقف (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بحسب لفظها وصيغتها ضابط خاصّ بالوقف، إذ مفادها: أنّه يتعيّن على المفتي أن يفتي في مسائل الوقف بما هو الأنفع للوقف، إذا كان في المسألة حكمان، وكان أحدهما أكثر نفعاً للوقف من الآخر، فيتعيّن ويجب الفتوى بالأنفع.
لكن يمكن تعميم هذا الضّابط ليدخل فيه ما هو الأنفع لليتيم في ماله أيضاً، وما هو الأنفع للعامّة فيما يخصّهم إذا تعارض مع مصلحة بعض الأفراد.
وكذلك يدخل فيه مطلق الفتوى للأفراد إذا كانت الفتوى بصالح وأصلح، أو تتعارض الفتوى بما فيه مصلحة للفرد وما فيه مفسدة له، فيتعيّن الفتوى بما فيه المصلحة بشرط عدم تعارضها مع نصّ شرعي قطعي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جواز عزل ناظر الوقف المُوصَى له بالنّظر لمصلحة محقّقة يراها
стр. 5115
القاضي للوقف.
ومنها: وقف مشهور قديم لا يعرف واقفه، استولى عليه ظالم، فادعى المتولّي أنّه وقف على كذا مشهور، وشهدا كذلك. فالمختار أنّه يجوز، إذ الشّهادة على أصل الوقف بالشّهر تجوز في المختار.
ومنها: وقف على نفر استولى عليه ظالم لا يمكن أخذه منه، فادّعى الموقوف عليهم على واحد منهم أنّه باعه من هذا الظّالم وسلّمه - وهو ينكر - فلهم تحليفه؛ لأنّهم ادّعوا عليه معنى لو أقرّ به لزمه، فإذا أنكر يحلف فإذا نكل قضي عليه بقيمته، وكذا لو برهنوا - أي أتوا بالبيّنة - إذ الفتوى في غصب عقار الوقف بالضّمان نظراً للوقف. كما أنّ الفتوى في غصب منافع الوقف بالضّمان نظراً للوقف. فيُشتَرى بقيمته عقار آخر فيكون على سبيل الوقف الأوّل.
стр. 5116
القاعدة الحادية عشرة [العقد - الخيار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يتمّ العقد بموت من له الخيار - أصيلاً كان أو وكيلاً أو وصيّاً، وكذلك بموت الموكّل والغلام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الخيار: هو اشتراط الخيرة، أي ما هو خير للبائع أو المشتري.
والخيار أنواع: منها خيار المجلس يثبت للبائع والمشتري ما داما لم يتفرّقا.
ومنها: خيار الرّؤية، وخيار الشّرط، وخيار العيب، وخيار إجازة عقد الفضولي.
فمفاد هذه القاعدة: أنّ من اشترط الخيار لنفسه فمات قبل أن يبيّن أنّ خياره ساقط، وتمّ العقد بموته؛ من حيث إنّ الخيار لا يورث - عدا خيار العيب.
ولكن إذا مات من لا خيار له من المتعاقدين فالآخر على خياره إلى ثلاثة أيّام من الخيار.
وكما يتمّ العقد بموت من له الخيار يتمّ أيضاً بمضيّ مدّة الخيار - إن ضربت له مدّة - وإن لم يعلم من له الخيار لمرض أو إغماء.
стр. 5117
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تبايعا عيناً واشترطا الخيار لهما جميعاً لا يثبت حكم العقد إذ لا يخرج المبيع عن ملك البائع، ولا الثّمن عن ملك المشتري.
لكن إذا كان الخيار لأحدهما فلا يثبت حكم العقد في حقّ من له الخيار.
ومنها: إذا باع عبداً بجارية على أنّ بائع العبد بالخيار ثلاثة أيّام، فأعتق البائع العبد في الأيّام الثّلاثة، نفذ إعتاقه في قولهم جميعاً وبطل البيع؛ لأنّه أعتق ملك نفسه وإن أعتق الجارية جاز عتقها، ويكون إسقاطاً لخياره ويتمّ البيع.
ومنها: إذا قال من له الخيار: أجزت البيع وأسقطت خيارى. جاز على كلّ حال، كان صاحبه حاضراً أو غائباً؛ لأنّ العاقد الآخر لا خيار له.
стр. 5118
القاعدة الثّانية عشرة [العقود القهريّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يتوقّف الملك في العقود القهريّة على دفع الثّمن. وقد يقع بدونه مضموناً في الذّمّة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العقود القهريّة: هي تلك العقود التي لا يشترط فيها رضاء أحد المتعاقدين، إذ تقع رغماً عنه وقهراً عليه. والقهر: معناه الإجبار.
فمثل هذه العقود ضربان: أحدهما يتوقّف الملك فيه على دفع الثّمن.
والثّاني: يقع الملك فيه بدون دفع الثّمن، على أن يكون الثّمن مضموناً في ذمّة المالك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عقد الشّفعة يتمّ جبراً على البائع والمشتري، ولكن لا يتم للشّفيع إلا بدفع الثّمن، وكان عقد الشّفعة من العقود القهريّة؛ لأنّه شرع لدفع ضرر متوقّع عن الشّفيع.
ومنها: إذا أعار أو أجّر أرضاً لآخر، فبني فيها المستعير وغرس، فللمعير أن يأخذ الأرض ويتملّك البناء والغرس بالثّمن، إذا
стр. 5119
كان المستعير قد بنى وغرس بإذن المعير.
ومنها: إذا غصب أرضاً فزرع فيها زرعاً، فإنّ للمغصوب منه أن يستردّ أرضه ويأخذ الزّرع بقيمته، أو يطلب من الغاصب قلعهُ.
ومنها: إذا كان عبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه فإنّه يقوّم نصيب الآخر عليه ويتملّكه بقيمته.
ومن أمثلة النّوع الثّاني: التّملّك الاضطراري كمن اضطر إلى طعام الغير، ومنعه وقدر على أخذه، فإنّه يأخذه مضموناً سواء كان معه ثمن يدفعه في الحال أو لا؛ لأنّ ضرره لا يندفع إلا بذلك.
ومنها: إذا تبايعا داراً أو أرضاً أو سلعة ودفع المشتري الثّمن، واشترط البائع الخيار لنفسه، ثم اختار إبطال البيع فالخيار له ويطالَب بردّ الثّمن، وإن لم يعطه ماله فليس له الخيار - أي يتمّ البيع ويطالب بالمبيع.
стр. 5120
القاعدة الثّالثة عشرة [التّبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من الأحكام الشّرعيّة ما يثبت تبعاً لأحكام أخرى، وإن كان في واقع الأمر لا يثبت حكماً مستقلاً بنفسه، فهو حكم تابع مبني على حكم آخر متبوع. وذلك من باب الضرورة أو الحاجة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز شهادة النّساء في النّسب استقلالاً، لكن إذا شهدت النّساء على ولادة امرأة على فراش زوج أو سيّد. كان ذلك شهادة بثبوت نسب المولود من الزّوج أو السّيّد إلا أن ينفيه.
ومنها: إذا شهدت نسوة أنّ هذه المرأة أسقطت جنيناً بسبب ضربة من امرأة أو رجل، فإنّ هذه الشهادة توجب الغُرّة - أي ديّة الجنين - إن سقط ميّتاً، ودية أمّه إذا ماتت من الضّربة ولو سقط الجنين حياً.
ومنها: شهادة امرأة على الرّضاع تقبل - عند الحنابلة - ويترتّب عليها انفساخ النكاح.
стр. 5121
ومنها: لو حلف بالطّلاق على حديث أنّ رسول الله ﷺ ما قاله. فرواه واحد. ثبت الحديث به. ووقع الطّلاق. وإن كان الطّلاق لا يثبت بخبر واحد.
ومنها: صلاة الحاجّ عن غيره ركعتي الطّواف تحصل ضمناً وتبعاً للحجّ، وإن كانت الصّلاة لا تقبل النّيابة استقلالاً.
стр. 5122
القاعدة الرّابعة عشرة [التّبع - الأصل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يثبت التّبع بثبوت الأصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة من القواعد المتفرّعة على قاعدة (التّابع تابع) فثبوت الأصل المتبوع يستلزم ثبوت الفرع التّابع له؛ من حيث إنّ الفرع أو التّبع لا يستقلّ بنفسه، فوجوده تابع لوجود أصله، ولذلك كان ثبوته وثبوت الأحكام له تابعة لثبوت أصله ومتبوعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يثبت نسب الولد لثبوت نسب أبيه.
ومنها: إذا ثبت العقد في أصل له تابع، ثبت حكم العقد في التّابع أيضاً تبعاً لثبوته في أصله، كالبقرة الحامل يدخل حملها في عقد بيعها تبعاً لها.
ومنها: إذا اشترى المستأمن أرضاً من أرض الخراج، أو من أرض العشر فزرعها، وجب عليه فيها خراج أو عشر، ثم أخذ منه خراج رأسه وهو الجزية إذ يصبح ذمّيّاً؛ لأنّ حكم خراج الرّأس في حكم التّبع لخراج الأرض.
стр. 5123
ومنها: إن المستأمنة في دار الإسلام إذا تزوجت مسلماً أو ذمّيّاً صارت ذمّيّة، فلا تتمكّن من الرّجوع إلى دار الحرب؛ لأنّها تابعة لزوجها، فما ثبت لزوجها يثبت لها.
رابعاً: فما استثني من مسائل هذه القاعدة
يجوز عتق الجنين دون أمّه، وإن كان تبعاً لها، فيثبت له ما لا يثبت لها، وكذلك يجوز الوصيّة له دون أمّه.
стр. 5124
القاعدة الخامسة عشرة [المجهول - التّعليق بالشّرط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يثبت في المجهول ما يحتمل التّعليق بالشّرط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
من المعاملات ما يحتمل التّعليق بالشّرط، ومنها ما لا يحتمله، فما كان يحتمل التّعليق بالشّرط يجوز أن يثبت في المجهول. وأمّا ما لا يحتمل التّعليق بالشّرط فلا يثبت في المجهول. والمراد بالمجهول في القاعدة: ما لا يكون مقدّراً ولا محدّداً.
والتّعليق بالشّرط: "هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى".
وشرط صحّة التّعليق: أن يكون الشّرط معدوماً على خطر الوجود، أي كونه معدوماً حال التّعليق، ولكنّه ممكن الوجود بعد ذلك.
وأمّا إذا كان التّعليق بشيء موجود فعلاً فذلك تنجيز.
والتّعليق بالمستحيل باطل (٢).
وما يجوز تعليقه بالشّرط كالطّلاق والعتاق والحوالة والكفالة. وما عدا ذلك من التّمليكات والتّقييدات فلا يصحّ تعليقه بالشّرط، كالبيع
стр. 5125
والشّراء والهبة والصّدقة والنكاح والإقرار وغير ذلك من التّمليكات والتّقييدات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال لزوجته: إن شتمتني فأنت طالق. فقد علّق طلاقها على وجود وحصول شتمها له والشّتم الذى علّق عليه الطّلاق مجهول.
ومنها: إذ قال: إذا أعطيتني مالاً فقد خالعتك. فيجوز الخلع إذا أعطته ما يسمى مالاً. ولو كان درهماً؛ لأنّه رضي بمخالعتها بمال مطلق مجهول.
ومنها: النّسب لا يصحّ تعليقه بالشّرط، فلذلك لا يثبت في المجهول.
стр. 5126
القاعدة السّادسة عشرة [الاحتياط - المعارضة - التّرجيح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجب الأخذ بالاحتياط عند تحقّق المعارضة وانعدام التّرجيح (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إذا وجد تعارض بين أمرين، ولم يمكن التّرجيح بينهما، وجب الأخذ بالأحوط للدّين، فيقدّم الأمر الذي يكون أبعد عن المفسدة وأقرب للمصلحة، أو أنّ مفسدته أقلّ أو مصلحته أكبر من غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أسر شخص وادّعى أنّه مستأمن, وليس هناك علامة أو أمارة تدلّ على أنّه مستأمن أو غير مستأمن. ولم يقع في قلب الإمام أو القائد ترجيح أحد الجانبين فيجعل من أهلّ الذّمّة؛ لأنّ جعله من أهلّ الذّمّة أخذ بالأحوط؛ لأنّ الاحتياط أن لا يقبله ولا يجعله فيئاً لاحتمال أنّه جاء مستأمناً فعلاً، ويجب أن لا يردّه إلى مأمنه لاحتمال أنّه جاء جاسوساً أو مغيراً. فلا يبطل حكم حرمته بالمحتمل، ولا يجوز إراقة دمه أيضاً، لكن يحبس في دار الإِسلام على التّأييد - أي يكون ذمّيّاً - فإن أسلم فهو حرّ لا سبيل عليه. وإن أبى وضعت عليه الجزية.
стр. 5127
القاعدة السّابعة عشرة [البذل المجّاني]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجب البذل مجاناً بغير عوض لكلّ ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان التي لا ضرر في بذلها لتيسيره وكثرة وجوده (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تدعوا إلى التّكافل والتّعاون في المجتمع المسلم، فمن كان عنده أشياء كثيرة مُنتفع بها، ودعت حاجة غيره إلى الانتفاع بها، ولا يضرّ المالك نقصها - لكثرتها عنده ويسر وجودها عليه - فعليه بذلها وإعطاؤها للمحتاج إليها مجاناً، ما دام لا يصيبه ضرر من بذلها.
وكذلك لو كان عنده منافع، واحتاج إليها بعض إخوانه من المسلمين - ولا يضرّه إعطاؤها لهم - فوجب عليه بذلها بدون مقابل، وذلك في كلّ ما لا يجوز بيعه أو أخذ ثمنه أو أجرته، وكلّ ما تدعو الحاجة إلى إعارته بغير ضرر يعود على المعير، بل يعود عليه الأجر والثّواب من الله ، وحبّ جيرانه وإخوانه المسلمين له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الهرّ لا يجوز بيعه - على أصحّ الرّوايتين - لكن يجوز إهداؤه
стр. 5128
وإعارته لصيد الفئران.
ومنها: الماء الجاري والكلأ - أي العشب - يجب بذل الفاضل منه للمحتاج إلى الشّرب وإسقاء بهائمه وكذلك زرعه.
ومنها: وضع الخشب على جدار الجار إذا لم يضرّ. وكذلك إجراء الماء على أرضه. في إحدى الرّوايتين.
ومنها: إعارة الحلي.
ومنها: المصحف تجب عليه إعارته لمن احتاج إلى القراءة فيه، ولم يجد مصحفاً غيره.
ومنها: ضيافة المجتازين، يوجبها المذهب الحنبلي.
ومنها: منفعة الظّهر للمنقطعين في الأسفار - أي حمل المنقطعين والذين تعطلت بهم سياراتهم في الطّرق الخارجيّة.
стр. 5129
القاعدة الثّامنة عشرة [البناء على الظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجب البناء على الظّاهر ما لم يتبيّن خلافه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الظّاهر: هو الأمر الواضح الجلي، وإن كان يحتمل غيره.
فبناء الأحكام على ظاهر الأمور هو الواجب ما لم يتبيّن خلاف الظّواهر بقرائن قويّة، فما لم توجد قرينة تدلّ على خلف الظّاهر فيجب الحكم بالظّاهر دون غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تردّد اللفظ بين الحقيقة والمجاز حمل علي الحقيقة؛ لأنّ الظّاهر والرّاجح من استعمال الألفاظ استعمالها في حقائقها، إلا إذا قامت قرينة على إرادة المجاز. فإذا قال قتلت اليوم أسداً. فيجب حمله على الأسد الحقيقي وهو الحيوان الزّائر المفترس. لكن إذا قامت قرينة لفظيّة أو حاليّة كقوله: "قتلت اليوم أسداً شاكي السّلاح" فيحمل على الرّجل الشّجاع لوجود القرينة.
ومنها: إذا كان لشخص أرض بجوار نهر تشرب منه، وله بجوارها أرض أخرى غير متّصلة بالنّهر - لأنّ الأرض الأولى حائلة
стр. 5130
بين النّهر وبينها، فبحسب الظّاهر أنّ الأرض الأخرى لها حقّ الشّرب من النّهر؛ لأنّ الانتفاع بها لا يتأتى إلا بالشّرب، والظّاهر من اتّصال أراضيه بعضها ببعض أن تشرب كلّها من هذا النّهر.
стр. 5131
القاعدة التّاسعة عشرة [العوائد، الغالب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يجب الرّجوع إلى العوائد فيما كان خلقة. فإن اختلفت فالرّجوع إلى الغالب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العوائد: جمع عائدة، والمراد بها العادة المعروفة. وسميّت عائدة: لعودها وتكرارها.
فمفاد القاعدة: أنّ من كان من الأمور أصله خلقة الإنسان وتكوينه - وليس من كسبه وفعله - إنّما يكون حكمه المرجوع إليه بناء على العادة المعروفة بين النّاس، أو عادة الشّخص نفسه في ذلك الأمر، لكن إذا اختلفت العوائد أو اضطربت فإنّما يجب الرّجوع إلى الغالب وبناء الحكم عليه، والمعتمد اعتبار الشّمول والغلبة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الحيض إنّما يرجع فيه إلى عادة المرأة بعد بلوغها.
ومنها: سنّ البلوغ، إنّما يرجع فيه إلى العادة الغالبة في البلاد، من حيث إنّ البلوغ في البلاد الحارّة يختلف عنه في البلاد الباردة.
стр. 5132
القاعدة العشرون [القليل والكثير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجبر صاحب القليل للكثير (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة (يختار أهون الضّررين)، ويرتكب الضّرر الخاصّ دفعاً للضّرر العامّ.
فصاحب القليل أقلّ ضرراً من صاحب الكثير ولذلك فإنّ صاحب القليل يجبر على التّنازل لصاحب الكثير، من حيث إنّ القليل مغلوب بجانب الكثير. وليس المراد من القاعدة أنّ صاحب القليل يظلم لمصلحة صاحب الكثير، ولكن ارتكاب الضّرر الأخفّ ودفعاً للضّرر الأشدّ والأعمّ أولى مع تعويض صاحب القليل عمّا يصيبه من ضرر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المحتكر للطّعام يجبر على بيعه دفعاً للضّرر عن العامّة.
ومنها: إذا ضاق المسجد عن أن يسع المصلّين يجبر جار المسجد على بيع بيته أو أرضه لتوسعة المسجد.
ومنها: وكذلك يجبر جار الطّريق على بيع أرضه أو بيته لتوسعة الطّريق.
стр. 5133
ومنها: يجبر من عنده ماء على بيعه لمن به عطش. إذا كان الماء زائداً على حاجته.
ومنها: السّفينة إذا خشي غرقها فإنّها يرمى منها ما ثقل من المتاع جبراً على أصحابه.
стр. 5134
القاعدة الحادية والعشرون [موجبات الضّمان والقصاص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يجب الضّمان والقصاص بأربعة أشياء: اليد، والمباشرة، والتّسبب، والشّرط (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الميم تحت الرّقم ٢٤٧.
فهذه القاعدة بيان لموجبات الضّمان - أي الغرامة والتّعويض والقصاص.
فأوّل هذه الموجبات: اليد، واليد نوعان:
١ - يد غير أمينة وغير مؤتمنة وهي التي تسبّب الفوات أو التّفويت، وهي يد الغاصب والمستام والمستعير والمشترى شراء فاسداً، والأجير سواء أكان منفرداً باليد على قول - أم كان مشتركاً.
٢ - يد مؤتمنة كيد المودَع والمرتهن والشّريك والمضارب والوكيل وأشباههم، فمتى وقع التّعدّي من أحد هؤلاء صارت يده يد ضمان وغرم.
стр. 5135
وثاني هذه الموجبات: المباشرة فمن باشر إتلافاً أو قتلاً فيجب عليه ضمان ما أتلف أو قتل إذا كان متعدّياً.
وثالث هذه الموجبات: المتسبّب في الإتلاف، فإذا لم تصلح المباشرة فعلى المتسبّب ضمان ما تسبّب في إتلافه؟ لأنّ ضمان الإتلاف مبني على جبر الفائت. وضمان النّفس مبني على شفاء الغليل.
ورابع هذه الموجبات: الشّرط، والمراد به إيجاد ما يتوقّف عليه الإتلاف، وليس بمباشرة ولا تسبّب.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من غصب شيئاً وفوته على صاحبه، فعليه ضمانه وغرمه.
ومنها: من استعار شيئاً كدابّة أو سيّارة ليركبها فتلفت، فعليه غرمها وضمان قيمتها.
ومنها: إذا استودع شخص وديعة، فقصّر في حفظها حتى تلفت أو سرقت فعليه ضمانها، حتى لو تلفت بنفسها.
ومنها: إذا قتل المرتهن الرهن أو أتلفه، عليه ضمانه وسقط به دَيُنه.
ومنها: إذا انتزع شخص المغصوب من الغاصب ليردّه على مالكه فتلف في يده، فعليه ضمانها.
ومنها: إذا انتزع الصّيد ليردّه إلى الحرم فهلك في يده، فعليه الجزاء.
стр. 5136
ومنها: إذا أخذ الوديعة من يد صبي أو سكران أو مجنون - خوف هلاكها - فهلكت في يده، فعليه ضمانها كذلك.
ومنها: إذا شُهد بالزّنا على إنسان شهادة زور كاذبة فقتل بشهادتهم أو رجم الحدّ بشهادتهم، ثم ظهر كذب الشّهود وتزويرهم فإنّه يلزمهم الضّمان والقصاص.
ومنها: من أمسك إنساناً ليقتله آخر فقتله، فلا قصاص على الممسك ولا ضمان عليه - عند الشّافعيّة - ولكن يعزّر.
стр. 5137
القاعدة الثّانية والعشرون [الضّمان - الاستهلاك]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يجب الضّمان عند الاستهلاك بعد القبض (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة لها صلة بسابقها وإن كانت أخصّ منها موضوعاً؛ لأنّها تختصّ بأوّل موجبات الضّمان وهو اليد.
فإذا قبض شخص مال آخر أو استولى عليه، سواء أكان بسبب شرعي أو غير شرعي - من موجبات الضّمان - فهلك في يده، أو استهلكه وجب عليه ضمانه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اشترى طعاماً من بائع وأكله قبل تمام العقد أو بعده قبل دفع الثّمن - ولو كان الخيار للبائع أو له - فعليه ضمان ما أكل بالثّمن أو بالقيمة.
ومنها: استعار دابّة أو سيّارة ليركبها، فوقع بها حادث فتلفت. فعليه ضمانها كما سبق بيانه.
ومنها: إذا خرج عبد من الغنيمة من نصيب رجل - وكان هذا العبد قبل الأسر ملكاً لشخص مسلم - ثم إنّ مَن خرج العبد في نصيبه من الغنيمة دَبَّره - أي اشترط إعتاقه بعد موته - وجاء صاحبه الأوّل
стр. 5138
ليأخذه، فإنّه - أي المأخوذ منه أي "المدبِّر" - يُضَمِّن المدبَّر الأكثر من قيمته يوم قبضه أو يوم دبره؛ لأنّ التدبير استهلاك حكماً؛ لأنّ المدبَّر عتق، ولكن عتقاً مضافاً إلى ما بعد الموت.
стр. 5139
القاعدة الثّالثة والعشرون [المجاز - الحقيقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يجب العمل بالمجاز إذا تعذّر العمل بالحقيقة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان معنى الحقيقة والمجاز، وأنّ الأصل العمل بحقيقة اللفظ، ولا يجوز العمل بمجاز اللفظ إلا تعذّر واستحال العمل بالحقيقة، أو كانت الحقيقة مهجورة لا يعمل بها.
ومفاد هذه القاعدة: أنّ العمل بالمجاز يجب إذا استحال العمل بالحقيقة بناء على أنّ (إعمال الكلام أولى من إهماله)، إذا وجد مجال للعمل به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
إذا أوصى لأولاده وليس له إلا أولاد أولاد، فالوصيّة لهم، وإن كانوا أولاده مجازاً؛ لأنّ الولد ينسب إلى أبيه لا إلى جده.
منها: إذا لم يكن له إلا أولاد بنات - وأوصى لأولاده، أو كان مستأمناً فاستأمن لأولاده - وليس له إلا أولاد بنات - فإن أولاد البنات يدخلون في الأمان والوصيّة مجازاً عند تعذّر الحقيقة في إحدى الرّوايتين (٢).
стр. 5140
القاعدة الرّابعة والعشرون [التّرجيح - علّة الاستحقاق]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز أن يقع التّرجيح بما لا يكون علّة للاستحقاق (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّرجيح: هو إبداء زيادة قوة الدّليل على الدّليل المعارض له (٢).
والتّرجيح عند الأصوليّين له قواعده وأصوله. وإنّما يطلب التّرجيح عند تعارض دليلين ظنّيّين - لأن القطعيات لا تعارض ولا ترجيح بينهما - فيرجّح أحد الدّليلين بزيادة قوّة على الدّليل الآخر المعارض له، ويجب العمل بالرّاجح.
ومفاد هذه القاعدة: جواز ترجيح أحد الدّليلين بشيء لا يكون علّة وسبباً للاستحقاق - وهذا من التّرجيح بالقرائن - مع أنّ التّرجيح في الأقيسة إنّما يكون عن طريق العلّة. ولكن القاعدة تفيد أنّ كلّ ما أثار غلبة الظّنّ من قرينة لفظيّة أو حاليّة فهي مرجّحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا احتاج طفل إلى حضانة غير الأمّ - وكان له أخوات -
стр. 5141
فالأخت لأب وأمّ أولى من الأخت لأمّ؛ لأنّ القرابة من جهتين، والشّفقة بالقرابة، فذو القرابتين أشفق فكان بالحضانة أحقّ. وإن كانت قرابة الأمّ ليست بسبب للاستحقاق.
ومنها: الأخ لأب وأم مقدّم في العصوبة على الأخ لأب بسبب قرابة الأمّ، مع أنّ قرابة الأمّ ليست بسبب لاستحقاق العصوبة.
стр. 5142
القاعدة الخامسة والعشرون [العموم والخصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز أن يكون أوّل الآية على العموم وآخرها على الخصوص، ويجوز أن يكون أوّل الآية على الخصوص وآخرها على العموم (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الخصوص والعموم.
إذا وردت آية في أوّلها لفظ عامّ فيجوز أن يكون في آخرها لفظ خاصّ.
وكذلك إذا كانت آية أوّلها لفظ خاصّ، فيجوز أن يكون في آخرها لفظ دالّ على العموم. وقد سبق بيان هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٩٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ فهذا عامّ في
стр. 5143
كلّ نفس مخلوقة من ذكر وأنثى. ثم قال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ هذا خاصّ لأنّ التّقوى إنّما تكون على مَن عقلها وكان من أهلها من بني آدم. دون من سواهم (١).
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢). فالصّلح الأوّل بين الأزواج وهو صلح خاصّ، (والصّلح خير) أعمّ حيث يشمل الصّلح بين الأزواج وغيرهم.
стр. 5144
القاعدة السّادسة والعشرون [الحقيقة والمجاز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز الجمع في لفظ واحد بين الحقيقة والمجاز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق بيان: أنّ الأصل في الكلام الحقيقة، أي أنّ الأصل والقاعدة المستمرة في دلالة كلام المتكلّم هو المعنى الحقيقي للألفاظ. وأنّ الكلام لا يحمل على مجازه إلا عند تعذر حمله على حقيقته.
ولكن مفاد هذه القاعدة: أنّه يجوز أن يحمل كلام المتكلّم على الحقيقة والمجاز معاً.
وهذا من مسائل الخلاف بين الفقهاء.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوقف على أولاده، وله أولاد من صلبه، وأولاد أولاد. فهل يدخل أولاد أولاده ويكون لهم نصيب من الوقف؟ خلاف.
ومنها: عند الشافعي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢). قال أحمله على اللّمس باليد وعلى الجماع.
стр. 5145
ومنها: إذا حلف ليشربنّ من هذا النّهر. والشّرب من النّهر حقيقة هو من الكرع بفمه منه، والمجاز أن يأخذ بكفه أو بإناء. فأيّما فعل فقد برّ في يمينه. وإن كان على النّفي فأيّما فعل فقد حنث في يمينه.
стр. 5146
القاعدة السّابعة والعشرون [العصمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز الحاكم بالعصمة بين المسلمين وإن كان أحدهما في دار الحرب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المسلمون معصومة دماؤهم وأموالهم وأعراضهم - إلا بحقّها - فحيثما وجد المسلم في دار الحرب أو دار الإسلام فيجب الحكم له بالعصمة في دمه وماله وعرضه، فلا يجوز سفك دمه، أو سلب أو غصب ماله، ولا انتهاك عرضه، ولو كان في دار الحرب.
ودليل هذه القاعدة قول الخليفة خامس الرّاشدين عمر بن عبد العزيز ﵀: (أجز للأسير ما فعل) ونصّ العبارة: (أجز للأسير ما صنع فهو ماله يفعل به ما يشاء) (٢) من كتابه لسليمان بن حبيب المحاربي القاضي (٣). ووجه الدّلالة: أنّ الأسير في دار الحرب
стр. 5147
ومع ذلك إذا أوصى بوصيّة أو باع أو أعتق أو طلّق من في دار الإسلام جاز كلّ ما فعله، ووقع طلاقه وعتقه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد مسلمان في دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه، فإنّ القاتل يجب عليه الدّية في ماله إذا كان القتل عمداً، ولا يقتصّ منه لقيام الشّبهة بكونهما في دار الإباحة.
ومنها: إذا دخل مسلمان دار الحرب بأمان فعامل أحدهما صاحبه، فهذا وما لو كانت المعاملة بينهما في دار الإسلام على السّواء؛ لأنّ المسلم ملتزم بحكم الإسلام حيثما يكون.
ومنها: إذا غصب أحدهما من صاحبه مالاً، ولم يستهلكه حتى خرجا إلى دار الإسلام، فإنّ القاضي يقضي على الغاصب بردّ المغصوب.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
ما سبق ذكره: من أنّ أحدهما لو قتل صاحبه عمداً لم يجب القصاص ولكن تجب الدّية في ماله.
ومنها: إذا قتله خطأ فتجب الدّية في مال القاتل وليس على عاقلته.
ومنها: إذا ارتكب أحدهما شيئاً موجباً للحدّ كالزّنا وشرب الخمر لم يلزمه الحدّ. وما عدا هذه الثّلاثة فحال المسلم المستأمن في دار الحرب كحاله في دار الإسلام.
стр. 5148
القاعدة الثّامنة والعشرون [أدنى المفسدتين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قواعد سابقة منها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٧٥ - ٨١. وبمعناها قواعد آتية. مفادها: أنّه إذا تعارض أمام المكلّف مفسدتان أو ضرران ولا بدّ من ارتكاب أحدهما، وكانت إحدى المفسدتين أقلّ أو أدنى من الأخرى فإنّ الشّرع أباح ارتكاب الصّغرى دفعاً للمفسدة الكبرى؛ لأنّه إذا كانت الضّرورة تُوجِب ارتكاب أدنى المفسدتين، فلا ضرورة في ارتكاب الزّيادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جاز شقّ بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين - إذا كانت حياته ترجى -.
ومنها: إذا أحاط الكفّار بالمسلمين - ولا مقاومة بهم - جاز دفع المال إليهم، كما جاز استنقاذ الأسرى منهم بالمال، إذا لم يمكن بغيره؛ لأنّ مفسدة بقاء الأسرى بأيدي الكفّار واصطلامهم للمسلمين أعظم من بذل المال.
стр. 5149
القاعدة التّاسعة والعشرون [الغرر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز في التّابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع (١).
ثانياً: سبق بيان التابع والمتبوع .
والغرر: أصله الخداع، والتّعريض للخطر، أو وجود نقص أو عيب يسير في المبيع، والغرر لا يجوز إلا إذا كان يسيراً يتسامح فيه النّاس، والغرر كالعيب يبطل الصّفقة إذا كان في الأصل.
ولكن مفاد القاعدة: أنّ التّابع يتساهل في وجود الغرر به ما لا يتساهل في أصله ومتبوعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع شاة مع اللبن في ضرعها، فإنّ وجود اللبن في الضّرع مجهول، ولا تضرّ العقد جهالته.
ومنها: إذا باع بقرة حاملاً. فيدخل حملها تبعاً وهو مجهول.
ومنها: إذا باع داراً فإن أساسات حيطانه تدخل تبعاً في البيع ولا تضرّ جهالتها.
وهذه الأنواع الثّلاثة لا يجوز بيعها منفردة.
стр. 5150
ومنها: "من ابتاع نخلاً بعد أن يؤبّر - أي لقّحت - فثمرته للّذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" الحديث (١). لأنّه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعاً في بيع فلم يضرّ احتمال الغرر فيها.