القاعدة السّابعة والعشرون [العصمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز الحاكم بالعصمة بين المسلمين وإن كان أحدهما في دار الحرب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
المسلمون معصومة دماؤهم وأموالهم وأعراضهم - إلا بحقّها - فحيثما وجد المسلم في دار الحرب أو دار الإسلام فيجب الحكم له بالعصمة في دمه وماله وعرضه، فلا يجوز سفك دمه، أو سلب أو غصب ماله، ولا انتهاك عرضه، ولو كان في دار الحرب.
ودليل هذه القاعدة قول الخليفة خامس الرّاشدين عمر بن عبد العزيز ﵀: (أجز للأسير ما فعل) ونصّ العبارة: (أجز للأسير ما صنع فهو ماله يفعل به ما يشاء) (٢) من كتابه لسليمان بن حبيب المحاربي القاضي (٣). ووجه الدّلالة: أنّ الأسير في دار الحرب
стр. 5147
ومع ذلك إذا أوصى بوصيّة أو باع أو أعتق أو طلّق من في دار الإسلام جاز كلّ ما فعله، ووقع طلاقه وعتقه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجد مسلمان في دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه، فإنّ القاتل يجب عليه الدّية في ماله إذا كان القتل عمداً، ولا يقتصّ منه لقيام الشّبهة بكونهما في دار الإباحة.
ومنها: إذا دخل مسلمان دار الحرب بأمان فعامل أحدهما صاحبه، فهذا وما لو كانت المعاملة بينهما في دار الإسلام على السّواء؛ لأنّ المسلم ملتزم بحكم الإسلام حيثما يكون.
ومنها: إذا غصب أحدهما من صاحبه مالاً، ولم يستهلكه حتى خرجا إلى دار الإسلام، فإنّ القاضي يقضي على الغاصب بردّ المغصوب.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
ما سبق ذكره: من أنّ أحدهما لو قتل صاحبه عمداً لم يجب القصاص ولكن تجب الدّية في ماله.
ومنها: إذا قتله خطأ فتجب الدّية في مال القاتل وليس على عاقلته.
ومنها: إذا ارتكب أحدهما شيئاً موجباً للحدّ كالزّنا وشرب الخمر لم يلزمه الحدّ. وما عدا هذه الثّلاثة فحال المسلم المستأمن في دار الحرب كحاله في دار الإسلام.
стр. 5148
القاعدة الثّامنة والعشرون [أدنى المفسدتين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قواعد سابقة منها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٧٥ - ٨١. وبمعناها قواعد آتية. مفادها: أنّه إذا تعارض أمام المكلّف مفسدتان أو ضرران ولا بدّ من ارتكاب أحدهما، وكانت إحدى المفسدتين أقلّ أو أدنى من الأخرى فإنّ الشّرع أباح ارتكاب الصّغرى دفعاً للمفسدة الكبرى؛ لأنّه إذا كانت الضّرورة تُوجِب ارتكاب أدنى المفسدتين، فلا ضرورة في ارتكاب الزّيادة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جاز شقّ بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين - إذا كانت حياته ترجى -.
ومنها: إذا أحاط الكفّار بالمسلمين - ولا مقاومة بهم - جاز دفع المال إليهم، كما جاز استنقاذ الأسرى منهم بالمال، إذا لم يمكن بغيره؛ لأنّ مفسدة بقاء الأسرى بأيدي الكفّار واصطلامهم للمسلمين أعظم من بذل المال.
стр. 5149
القاعدة التّاسعة والعشرون [الغرر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز في التّابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع (١).
ثانياً: سبق بيان التابع والمتبوع .
والغرر: أصله الخداع، والتّعريض للخطر، أو وجود نقص أو عيب يسير في المبيع، والغرر لا يجوز إلا إذا كان يسيراً يتسامح فيه النّاس، والغرر كالعيب يبطل الصّفقة إذا كان في الأصل.
ولكن مفاد القاعدة: أنّ التّابع يتساهل في وجود الغرر به ما لا يتساهل في أصله ومتبوعه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع شاة مع اللبن في ضرعها، فإنّ وجود اللبن في الضّرع مجهول، ولا تضرّ العقد جهالته.
ومنها: إذا باع بقرة حاملاً. فيدخل حملها تبعاً وهو مجهول.
ومنها: إذا باع داراً فإن أساسات حيطانه تدخل تبعاً في البيع ولا تضرّ جهالتها.
وهذه الأنواع الثّلاثة لا يجوز بيعها منفردة.
стр. 5150
ومنها: "من ابتاع نخلاً بعد أن يؤبّر - أي لقّحت - فثمرته للّذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" الحديث (١). لأنّه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعاً في بيع فلم يضرّ احتمال الغرر فيها.
стр. 5151
القاعدة الثّلاثون [الضّرورة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يجوز في الضّرورة ما لا يجوز في غيرها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة القائلة (الضّرورات تبيح المحظورات) تنظر ضمن قواعد حرف الضّاد رقم ١٠، ١١.
فالضّرورة هنا: المشقّة الزّائدة عن المعتاد، والتي يؤدي عدم مراعاتها إلى الهلاك أو قريباً منه. فهذه تفيد إباحة المحرم - عدا القتل والزّنا - بل قد يصبح المحرّم واجباً، فهذه الحالة تجيز ارتكاب ما لا يجوز في غيرها من الحالات.
وقد سبق ذكر أمثال لها، وهي تندرج تحت قاعدة (المشقّة تجلب التّيسير) وأدلّتها من الكتاب والسّنّة والإجماع كثيرة معروفة (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز أكل الميتة للمضطر، بل يجب عليه الأكل منها إذا غلب على ظنّه أنّه إذا لم يأكل منها يهلك.
стр. 5152
ومنها: جواز الاستقراض بالرّبا، إذا لم يجد من يقرضه بدونه - وهو مضطر إلى المال لإقامة أود حياته، أو لإجراء عمليّة ضروريّة أو دواء مضطرّ إليه، والإثم على المقرض.
стр. 5153
القاعدة الحادية والثّلاثون [أقرب الأوقات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحال بالحادث - الحدوث - على - إلى - أقرب الأوقات (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
سبق بيان هذه القاعدة والتّمثيل لها ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٣٩، وضمن قواعد حرف الحاء تحت الرّقم ٤.
وهي فرع لقاعدة (اليقين لا يزول بالشّكّ).
ومفادها: أنّه إذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر، ولا بيِّنة تحدّده - فإنّ هذا الأمر ينسب إلى أقرب الأوقات إلى الحال؛ لأنّه المتيقّن، والزّمن الأبعد مشكوك فيه، لكن إذا ثبت نسبته إلى الزّمن الأبعد فيجب العمل به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
صدمت سيّارة إنساناً فأصيب بكسور وجروح عدّة، وبقي مريضاً من أثر الصّدمة، زمناً طال أو قصر ثم مات. فإنّ موته ينسب لتلك الصّدمة، ما لم يثبت أنّه مات بسبب آخر.
стр. 5154
ومنها: إذا ادّعت الزّوجة أنّ زوجها طلّقها أثناء مرض الموت - طلاق الفارِّ - وطالبت بالإرث، وادّعى الورثة أنّه طلّقها حال صحّته، وأنّه لا حقّ لها في الإرث - ولا بيِّنة لأحدهم. فالقول للزّوجة مع يمينها؛ لأنّ الأمر الحادث المختلف في زمن وقوعه هو الطّلاق، فيجب أن يضاف للزّمن الأقرب - وهو مرض الموت - الذي تدّعيه الزّوجة.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قال شخص لغيره: قطعت يدك وأنا صغير، فقال المُقرُّ له: بل قطعتها وأنت كبير. ولا بيِّنة له - كان القول للمقرِّ مع يمينه؛ لأنّه ينفي عن نفسه الضّمان. مع أنّه تبعاً للقاعدة يكون القول للمقرّ له؛ لأنّه يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته، لكن هنا كان القول للمقرّ مع يمينه؛ لأنّه استند إلى قاعدة أخرى تقول (الأصل براءة الذّمّة) عن الضّمان وهو ينفيه عن نفسه، فكان القول قوله مع يمينه.
وهكذا في كلّ مستثنى من قاعدة إنّما استثني لأنّه تنازعه قاعدتان فيندرج تحت أقواهما وأقربه شبهاً بها.
стр. 5155
القاعدة الثّانية والثّلاثون [السّبب الظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحال بالحكم إلى السّبب الظّاهر دون ما لا يعرف (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قريبة المعنى من القاعدة السّابقة ولكنّها تتعلّق بأسباب الأحكام لا بأزمانها، فالأمر إذا حدث وكان له سبب ظاهر فإنّ الحكم يُحال عليه ويُنسب له وإن كان قد يحتمل أن يكون له سبب آخر غير معروف، ولكنّ البناء على الظّاهر ونسبة الأحكام إلى الأسباب الظّاهرة أصل في الشّرع. وينظر قواعد حرف الباء القاعدتان ٥٤، ٥٦. ومن قواعد حرف السّين القاعدة رقم ٩.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
امرأة رجل وَلَدت على فراشه، فادّعى الزّوج أنّ المولود ابنه وكذّبته المرأة أو ادّعت المرأة وكذّبها الرّجل - وهما حرّان مسلمان - وكانت قد جاءت به لستّة أشهر منذ تزوّجها. فالولد ابنه لظهور سبب ما بينهما وهو الفراش. والولد للفراش.
وكذلك لو قال الزّوج: هذا الولد من زوج كان قبلي، قالت
стр. 5156
المرأة: بل هو منك. فهو منه؛ لأنّ السّبب بينهما ظاهر. وما ادّعاه الرّجل غير معلوم، فينسب الولد له، إلا أن يلاعن.
ومنها: إذا مات رجل وكان مريضاً بالسّكر أو الضّغط أو السّرطان - أعاذنا الله وإيّاكم من كلّ سوء - فإذا ادّعى أحد الورثة أنّه مات بفعل فاعل بالسّم مثلاً أو بالتّخويف أو الخنق، فلا يصدق ما لم يُقم بيِّنة على ذلك. وإلا فإنّ الموت ينسب للسّبب الظّاهر وهو المرض.
стр. 5157
القاعدة الثّالثة والثّلاثون [الإباحة والحرمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحتاط الشّرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الشّرع الحكيم بنى أحكامه على مصالح العباد تفضّلاً منه سبحانه ورحمة. ولمّا كان التّحريم مبنيّاً على درء المفسدة ودفع الضّرر جعل الشّرع للخروج من الحرمة إلى الإباحة شروطاً وقيوداً لا يصحّ إلا بها، وذلك من باب درء المفاسد وجلب المصالح.
ولكن إذا كان الأمر يتعلّق بالخروج من الإباحة إلى التّحريم فإنّ الشّرع لم يحتط له كاحتياطه للخروج من الحرمة إلى الإباحة؛ لأنّ درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
اتّصال الرّجل بالمرأة حدّد له الشّارع الحكيم طريقان لا ثالث لهما، وهما الزواج بالعقد الصّحيح، وملك اليمين بالطّريق المشروع. واشترط الشّرع للزواج شروطاً في العاقدين وفي العقد وفي المعقود لهما.
стр. 5158
وأمّا ملك اليمين فحدّد له الشّرع طريقاً وهو السّبي عن طريق الجهاد لإعلاء كلمة الله أو الشّراء والتّملّك عمّن ثبت له الملك بالوجه الشّرعي.
وأمّا نقل الإباحة إلى الحرمة: ففي النّكاح فتح الشّرع باب التّفريق بين الزّوجين عند تعذّر العشرة بالمعروف إمّا بلفظ يطلقه الزّوج - وهو لفظ الطّلاق - وإمّا بخلع المرأة نفسها وفداءها بمال تعطيه للزّوج. وفي ملك اليمين تقع الحرمة بين السّيّد وجاريته بلفظ يفيد العتق مثل: أنت حرّة، أو أعتقتك. أو كلّ لفظ يدلّ على العتق.
ومنها: لا تحلّ المبتوتة لزوجها الأوّل إلا بعقد على رجل آخر ووطء حلال وطلاق وانقضاء عدّة من عقد الأوّل والثّاني؛ لأنّه خروج من الحرمة إلى الإباحة.
ومنها: أوقع الجمهور الطّلاق بالكنايات - وإن بعدت مع استصحاب نيّة الطّلاق - حتى أوقعه مالك ﵀ بالتّسبيح والتّهليل وجميع الألفاظ إذا قصد بها الطّلاق؛ لأنّه خروج من الحلّ إلى الحرمة، فيكفي فيه أدنى سبب.
ومنها: جواز البيع بجميع الصّيغ والأفعال الدّالة على الرضى بنقل الملك في العوضين؛ لأنّ الأصل في التّبايع الإباحة حتى تملك. بخلاف النّساء حيث الأصل فيهنّ التّحريم حتى يعقد عليهنّ بنكاح، أو بتملّك يمين.
стр. 5159
القاعدتان الرّابعة والخامسة والثّلاثون [أخف المفسدتين - الضّرر الخاصّ والعامّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
يحتمل الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العامّ (١).
يحتمل أخف المفسدتين لأجل أعظمها (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان لهما صلة قريبة بقاعدة سبقت. وإن كانت أولاهما أخصّ موضوعاً من ثانيتهما؛ فالضّرر إمّا أن يكون عامّاً يصيب مجموع الأمّة أو مجموعة أفراد، وأمّا أن يكون ضرراً خاصّاً بفرد أو أفراد معدودين، فما كان ضرراً خاصّاً فهو أخفّ المفسدتين، وما كان ضرراً عامّاً فهو أعظمهما، فإذا تقابل ضرران أحدهما عام والآخر خاصّ، ولا بدّ من ارتكاب أحد الضّررين، فيرتكب الضّرر الخاصّ دفعاً للضّرر العامّ, لأنّ الضّرر الخاصّ أخفّ المفسدتين وأهون الضّررين، والضّرر العامّ هو أعظم المفسدتين وأشدّ الضّررين.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
جواز الرّمي إلى كفار تترسوا بالمسلمين من الأسرى أو الصّبيان
стр. 5160
أو النّساء.
ومنها: جواز الحجر على المفتي الماجن والطّبيب الجاهل والمكاري المفلس.
стр. 5161
القاعدة السّادسة والثّلاثون [الابتداء والدّوام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحتمل في الدّوام ما لا يحتمل في الابتداء، وقد يحتمل في الأبتداء ما لا يحتمل في الدّوام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى الاحتمال: افتعال من العمل والمراد به هنا الجواز. أي أنّه يجوز في الاستمرار والبقاء من الأحكام ما لا يجوز في الابتداء. كما أنّه قد يجوز في ابتداء الفعل ما لا يجوز في دوامه واستمراره. فالعمل لا يبطل بما يجوز وقوعه فيه سواء في دوامه أو في ابتداءه.
وتحت هذه القاعدة أربع صور. وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة رقم ٢٩٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّورة الأولى: ممّا يمنع ابتداء الحكم ولا يمنع استمراره إذا طرأ في أثنائه: عقد الذّمّة لا يعقد مع تهمة الخيانة، ولكن لو اتّهم الذّمّيّون بعد العقد بالخيانة لم ينبذ إليهم عهدهم، بخلاف الهدنة فإنّه ينبذ
стр. 5162
فيها العهد بالتّهمة، والذّمّيّ الخائن يعاقب بحسب جرمه.
ومنها: الإِسلام يمنع ابتداء السّبي دون دوامه.
الصّورة الثّانية: ممّا لا يحتمل ابتداءً ولا استمراراً:
عقد الهدنة لا يصحّ مع من يتهمهم بالخيانة، وإذا اتّهمهم بعد العقد نبذ إليهم عهدهم.
ومنها: المنُّ بالصّدقة يحبط الثّواب إذا حصل في الابتداء أو الدّوام والانتهاء.
الصّورة الثّالثة: نكاح المحرم ابتداء لا يصحّ. لكن لو طلّق محرم زوجته أو كان طلّقها قبل إحرامه رجعيّاً يجوز له مراجعتها في حال إحرامه على أصحّ الوجهين لتنزيلها منزلته؛ لأنّ الطّلاق الرّجعي لا يقطع الزّوجيّة.
ومنها: العدّة تمنع عقد النّكاح، ولكن إذا طرأت عدّة شبهة على منكوحة لا يبطل نكاحها.
الصّورة الرّابعة: إذا أنشأ سفراً مباحاً ثم صرفه إلى معصية في ثاني الحال، الأصحّ أنّه لا يترخّص.
ومنها: وجود الحرّة مانع من ابتداء نكاح الأَمَة، وكذا القدرة على نكاح الحرّة. لكن إذا نكح أمَة حال عدم ذلك ثم أيسر أو نكح حرّة عليها لم ينفسخ نكاح الأمَة على الصّحيح.
стр. 5163
القاعدة السّابعة والثّلاثون [تحريم طلب المحرم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحرم طلب ما يحرم على المطلوب منه فعله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحرام الذي لا يجوز فعله لا يجوز طلبه، فالشّيء المحرّم فعله يحرم أيضاً طلب فعله من غيره، وقد سبق ضمن قواعد حرف الميم (ما حَرُم فعله حَرُم طلبه) تحت الرّقم ٩٢.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
صياغة الذّهب لتكون حِليّاً للرّجال - كالخاتم والفَتَخة والسّلسلة - يحرم طلب فعلها من الصّائغ؛ لأنّه يحرم عليه فعلها وصياغتها, لأنّ في صناعتها تشجيع للرّجال على لبسها، وهو محرّم عليهم.
ومنها: لا يجوز لشخص أن يستأجر آخر لقتل شخص ثالث أو ضربه؛ لأنّ قتل المعصوم وضربه يحرم على الأجير فعله.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا ادّعى دعوة صادقة فأنكر الغريم المدّعَى عليه الدّعوة، فإنّه - أي المدّعِي - يجوز أن يطلب يمينه ويحلفه، وإن كان أداء الغريم لليمين حراماً؛ لأنّه لو حلف يكون كاذباً في يمينه وذلك يحرم عليه،
стр. 5164
ولكن المدّعِي يطلب يمينه لعلّه ينكل عن اليمين فيقضى عليه أو تردّ اليمين على المدّعِي.
ومنها: الجزية يجوز طلبها من الذّمّيّ مع أنّه يحرم عليه إعطاؤها مع أنّه متمكّن من إزالة الكفر بالإسلام. فإعطاؤه إيّاها إنّما هو استمراره على الكفر وهو حرام.
стр. 5165
القاعدة الثّامنة والثّلاثون [القمار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحرم القمار إلا في دار الحرب، إذا قامر المسلم فأخذ أموالهم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القمار: من قمر الرّجُل الرّجل وقامره إذا أخذ من صاحبه شيئاً فشيئاً في اللعب (٢).
وهو أيضاً: كلّ لعب يشترط فيه أن يأخذ الغالب من المغلوب شيئاً. والقمار حرام، وهو الميسر المنهي عنه بالنّص.
ومفاد القاعدة: أنّ حرمة القمار متّفق عليها بين المسلمين عامّة وفقهاء. ولكن عند علماء الحنفية أنّ المسلم إذا قامر في دار الحرب وأخذ أموال الحربيّين عن طريق القمار - فهو حلال غير حرام؛ لأنّه إنّما أخذ أموالهم برضاهم، والذي يحرم هو أخذ أموالهم عن طريق الخيانة, لأنّه دخل دارهم مستأمناً، ولكن الحقّ - والله أعلم - أنّ المعاملة في حقّ المسلم في دار الحرب أو دار الإسلام على سواء. فما يحرم على المسلم في دار الإسلام يحرم عليه في دار الحرب.
стр. 5166
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أخذ مال المشركين في دار الحرب بأي وسيلة - إذا كان برضاهم - فهو جائز عند الحنفية - ولذلك أجازوا الرّبا بين المسلم والمشرك في دار الحرب.
وكذلك جواز مقامرتهم، وبيعهم الخمر والخنزير، لأنّ الأصل أنّ أموال الكفّار والمشركين الحربيين مباحة للمسلمين، لكن إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان فيحرم عليه خيانتهم في أعراضهم أو أموالهم أو أنفسهم، لكن إذا كان ذلك برضاً منهم فهو جائز، ويحلّ مالهم برضاهم بأي وسيلة كانت.
وحرَّم غير الحنفيّة الرّبا في دار الحرب كما هو محرّم في دار الإسلام.
стр. 5167
القاعدة التّاسعة والثّلاثون [الكذب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحرم الكذب إلا في ثلاث (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى الحديث "لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرّجل مع زوجته لترضى عنه، أو كذب في الحرب فإنّ الحرب خدعة، أو كذب في إصلاح بين الناس" (٢).
الكذب: نقيض الصّدق: وهو أن لا يطابق القولُ الواقع. والكذب من أبغض الأمور والصّفات إلى الله ، وقد ذمّ الله سبحانه الكذب في أكثر من موقع في كتابه:
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ
стр. 5168
كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ (٢). وغيرها من الآيات.
وكذلك ذمّه رسول الله ﷺ في أكثر من حديث. قال ﷺ : "يطبع المؤمن على الخلال كلّها إلا الخيانة والكذب" (٣). وقال ﷺ : "لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ، ولا يجتمع الصّدق والكذب جميعاً ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعاً" (٤) وغيرهما.
ولذلك كان الكذب من الكبائر، ومن صفات المنافقين، لكن الشّارع الحكيم أباح الكذب في مواضع ثلاثة. لكن حتى هذه المواضع قال بعضهم: ليس المقصود منها إباحة الكذب ولكن المقصود التّعريض والكناية.
стр. 5169
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا شهد شاهدان على شخص بالقتل أو السّرقة. فأقيم على المشهود عليه حدّ القتل أو القطع ثم ظهر كذب الشّاهدين، فإنّ عليهما دية القتيل واليد عدا عن تعزيرهما على شهادة الزّور.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة
الكذب للإصلاح بين الناس: "ليس الكاذب الذي يقول خيراً وينمي خيراً" (١).
ومنها: الكذب في الحرب ولأنّ الحرب خدعة.
ومنها: مع الزوجة أو الزّوج لإصلاح الأسرة وصيانتها عن الدّمار، ودوام المحبّة والاحترام بين الزّوجين.
ومنها: من كان لها خيار البلوغ - إذا رأت الدّم ليلاً - وأشهدت نهاراً. تقول الآن رأيته.
قالوا يسعها إذا قالت: اخترت نفسي - حين رأت الدّم -.
стр. 5170
القاعدة الأربعون [الفقه بكلام الشّارع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يحسن الفقه بمعرفة حدود كلام صاحب الشّرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بمعرفة حدود كلام صاحب الشّرع: الوقوف على أسرار حكمه والعمل بموجبات كلامه، من حيث العمل بأوامره ومراضيه، والبعد عن مساخطه ونواهيه.
فبمعرفة ذلك يحسن الفقه، بل هذا هو الفقه بعينه. فمن فهم مراد الله وشرعه كان الفقيه حقّ الفقيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لذمّي أبوان حربيان دخلا دار الإسلام بأمان، فإنّه لا نفقة لهما على ابنهما الذّمّيّ, لأنّهما وإن كانا في دارنا صورة فهما من أهل الحرب فعلاً، إذ يتمكّنان من الرّجوع إلى دار الحرب في أي وقت، ونفقة الأقارب بمنزلة الصّلة - ولا يثبت استحقاق الصّلة للحربي على من هو من أهل دارنا؛ وهذا لأنّ هذه الصّلة لإبقائه، وهو من أهل الحرب، فهو مستوجب للقتل غير مستوجب للبقاء.
وإذا كانت نفقة الأبوين الحربيين لا تجب على الولد الذّمّيّ، فعدم
стр. 5171
وجوبها على الولد المسلم بطريق الأولى.
ومنها: إذا كان للمسلم أب ذمّي معسر، ففي القياس لا نفقة له عليه لاختلاف الدّينين؛ لأنّ التّوارث بينهما منقطع، فكذلك استحقاق النّفقة، ولكن استحسن في حقّ الأب والأم الذّمّيين لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١). وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتركهما يموتان جوعاً. واستحقاق النّفقة فيما بين الوالد والولد بسبب الولاد وذلك متحقّق مع اختلاف الدّين بخلاف سائر الأقارب؛ لأنّ الاستحقاق بسبب الوراثة، وباختلاف الدّين ينقطع التّوارث.
ومنها: إذا ملك المسلم من يعتق عليه ولو كان كافراً فإنّه يعتق عليه عند الدّخول في ملكه بسبب تعلّقه بالمحرميّة شرعاً، ولا يختلف ذلك باختلاف الدّين.
стр. 5172
القاعدة الحادية والأربعون [أهون الشّرّين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يختار أهون الشّرّين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً مثل هذه القاعدة قريباً والتّمثيل لها.
وينظر من قواعد حرف الهمزة رقم ٧٥ - ٨١.
وقواعد حرف التّاء القاعدة ٧٥. وقواعد حرف الضّاد رقم ٢، ٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ابتلعت دجاجة شخص لؤلؤة لشخص آخر، فإنّ صاحب الدّجاجة يجبر على بيعها لصاحب اللؤلؤة؛ لأنّ ثمن الدّجاجة أو قيمتها أقلّ من ثمن اللؤلؤة.
ومنها: دينار وقع في محبرة رجل، لا يمكن إخراجه إلا بكسر المحبرة، فيجبر صاحب المحبرة على بيعها لصاحب الدّينار، إلا إذا كانت المحبرة من ذهب أو معدن ثمين ثمنها أكثر من الدّينار فيملك صاحب المحبرة الدّينار ببدله.
стр. 5173
القاعدة الثّانية والأربعون [تخصيص العموم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يخصّ العموم بالعرف والعادة والشّرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العموم والعام: هو اللفظ الدّال على شيئين فصاعداً مطلقاً (٢).
أو هو: كون اللفظ موضوعاً بالوضع الواحد لكثير غير محصور مستغرق جميع ما يصلح له (٣).
والتّخصيص والخصوص: هو إخراج بعض ما تناولته الجملة، أو هو كلّ لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد (٤).
أو هو الدّال على الواحد عيناً، كقولك زيد وعمرو (٥).
فمفاد القاعدة: أنّ اللفظ العامّ يجوز تخصيصه بأحد شيئين: إمّا بالعادة أو العرف، وإمّا بالشّرع.
стр. 5174
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف لا يأكل شواءً اختصّت يمينه باللحم المشوي دون البيض وغيره ممّا يشوى، إلا إذا نوى التّعميم.
ومنها: لو حلف لا يركب دابّة، وركب آدميّاً لا يحنث.
ومنها: لو حلف لا يأكل رأساً، لا يحنث إلا بأكل رأس يؤكل عادة.
ومنها: لو وصّى لأقربائه وأهل بيته. فهو على ما يعرف من مذهب الرّجل إن كان يعيل عمّته أو خالته، أو من كان يصله في حياته من قرابته.
ومنها: لو استأجر أجيراً يعمل له مدّة معيّنة حمل على ما جرت به العادة بالعمل فيه، من الزّمان دون غيره.
ومنها: إذا نذر صوم الدّهر لم يدخل في ذلك ما يحرم صومه من أيّام السّنة أو ما يجب صومه شرعاً كرمضان.
ومنها: لو وصّى لأقاربه لم يدخل فيهم الوارثون.
стр. 5175
القاعدة الثّالثة والأربعون [تخصيص القياس والأثر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يخصّ القياس والأثر بالعرف العامّ دون الخاصّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القياس الأصولي: (هو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما). والمراد بالأثر: الحديث والخبر.
فمفاد القاعدة: أنّ القياس والمراد به هنا - القواعد الكلّيّة العامّة لا القياس الأصولي - وكذلك الحديث والخبر إذا ورد عامّاً فإنّه يخصّ بالعرف العامّ والعادة الشّائعة دون العرف الخاصّ خلافاً لما يراه بعض الفقهاء.
والمراد بالعرف المعتبر مخصّصاً هو ما كان في زمن الرّسالة لا الأعراف المستجدّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف إنسان ألا يضع قدمه في دار فلان، فهو يحنث ولو دخلها محمولاً وبقيت قدمه خارجها؛ لأنّ المراد بوضع القدم الدّخول.
ومنها: عقد الاستصناع - وهو من بيع المعدوم - وبيع المعدوم باطل. لكن جاز لتعارف النّاس وتعاملهم به من العصر الأوّل، وهذا العرف يصلح مخصّصاً للنّصّ ويترك به القياس كجواز السّلم وغيره.
стр. 5176
القاعدة الرّابعة والأربعون [اليد الخائنة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليد إذا اتّصفت بصفة الخيانة في الابتداء استحال أن تنقلب إلى صفة الأمانة في الانتهاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
اليد: المراد بها صاحب اليد. وعبَّر باليد لأنّها أداة الأمانة أو الخيانة؛ لأنّها آلة التّصرّف. فإذا تلبّس شخص بالخيانة في ابتداء أمره، فيستحيل أن ينقلب أميناً في نهايته. فمن عرف بخيانة الأمانة مرّة فلن يأتمنه أحد مرّة أخرى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من التقط لقطة ونوى مع أوّل الالتقاط ترك التّعريف كان ضامناً؛ لأنّه يشترط التّعريف ونيّته عند أوّل الالتقاط - فمن نوى ترك التّعريف يعتبر خائناً ولم ينفعه بعد ذلك التّوبة والتّعريف، وصار ضامناً للقطة.
ومنها: المودَع لو عزم على الخيانة، ولم تتحقّق الخيانة؛ بالاستعمال أو المنع عند المطالبة بالرّدّ لم يصر بذلك خائناً ضامناً على الصّحيح؛ لأنّ أوّل أمره كان أميناً.
القاعدة الخامسة والأربعون [اليد والتّصرّف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليد توجب إثبات التصرّف، ولا توجب إثبات الملك (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد باليد: إمكانية التّصرّف بالشّيء. وعُبِّر باليد لأنّها آلة القبض والتّصرّف. كما سبق بيانه. فوضع اليد على شيء ما - عقار أو منقول - لا يثبت ذلك ولا يوجب الملك لمن هو تحت يده، ولكن يثبت القدرة على التّصرّف فيه والانتفاع به واستغلاله.
فاليد والقدرة على التّصرّف لا يدلان على الملك إلا عند ثبوت أصل الملك في تلك العين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عقار دار أو أرض في يد إنسان يسكنها أو يزرع فيها ويستغلّها، لا يكون ذلك دليلاً على أنّه المالك لما هو تحت يده؛ لأنّ إثبات الملك إنّما يكون بالبيِّنة أو الإقرار أمام القضاء. ولعلّ هذا الإنسان يكون مستأجراً لما تحت يده.
стр. 5179
ومنها: سيّارة مع شخص يسوقها، فلا يكون ذلك دليلاً على أنّه مالكها؛ لإمكان أن يكون مستأجراً لها, أو مغتصبها أو مستعيرها أو سارقها، ولا يثبت الملكيّة إلا بالأوراق الرّسميّة الخاصّة بها.
ومنها: أرض أو دار في يد إنسان ادّعى ملكيّتها، وأتى بشاهدين يشهدان له على ذلك، فإذا كانت شهادة الشّاهدين بناء على رؤيتهما واضع اليد يتصرّف في الدّار أو الأرض بالسّكنى أو الزّراعة، فلا تكون شهادتهما مقبولة على ادّعاء الملكيّة.
ومنها: لا يجوز أن يشهد بِرِقٍّ صغير لمن هو في يده يتصرّف فيه تصرّف الملاك بالملك؛ لأنّ الأصل الحرّيّة، والصّغير لا يعبّر عن نفسه.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
يجوز الشّراء من واضع اليد، ولو قال المشتري للبائع: بعني ملكك هذا - فباعه.
فإذا وجدت السّلعة مستحقّة رجع المشتري المقرّ بالملك للبائع على البائع بالثّمن؛ لأنّه إنّما أقرّ بالملك له بناء على اليد فقط.
ومنها: إذا ادّعى رقّ صبي في يده فإنّه يحكم له بالرّقّ، وهذا خلاف المثال السّابق فذاك كان شهادة، وهذه دعوى ولا معارض لها.
стр. 5180
القاعدة السّادسة والأربعون [الأدنى والأعلى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يدخل الأدنى في الأعلى، ولا يستباح الأعلى بنيّة الأدنى (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأدنى من التّصرّفات والأحوال يدخل ضمناً فيما هو أعلى أو أعمّ منه، ولكن لا يستباح الأعلى بنيّة الأدنى؛ لأنّه لا يدخل فيه كما أنّ الأعمّ لا يدخل في الأخصّ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الطّهارة من الحدث الأصغر تدخل ضمن الطّهارة من الحدث الأكبر، فالوضوء يدخل في الغسل، ولكن لا يجوز أن يتوضّأ وينوي غسل الجنابة أو الحيض. كما لا يجوز للجنب أو التي طهرت من حيضها أو نفاسها أن تصلّي بالوضوء وحده دون الغسل.
ومنها: المتيمّم إذا نوى بتيمّمه الفرض، فله أن يصلّي بهذا التّيمّم ما شاء من الفرائض والنّوافل وقراءة القرآن ومسّ المصحف واللبث في المسجد.
لكن إذا تيمّم لنافلة، فلا يصلّي بتيمّمه هذا فريضة - خلافًا لأبي
стр. 5181
حنيفة ﵀ وأبيح له قراءة القرآن ومسّ المصحف والطّواف؛ لأنّ النّافلة آكد من ذلك كلّه.
المراد بالطّواف: طواف التّطوع لا ركن العمرة والحجّ.
ومنها: إن تيمّم للطّواف أبيح له قراءة القرآن واللبث في المسجد لأنّه أعلى منهما - فإنّه صلاة - ولكن إن نوى بتيمّمه قراءة القرآن واللبث في المسجد لم يستبح له الطّواف لأنّه أعلى منهما.
стр. 5182
القاعدة السّابعة والأربعون [التّصرّف - التّبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يدخل في التّصرّف تبعاً ما لا يجوز أن يكون مقصوداً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً قاعدة بهذا المعنى وسيأتي قواعد أخرى تشبهها.
والتّصرّفات لها شروط لا تصحّ إلا بها. وموانع إذا وجد بعضها لم يصحّ التّصرّف، لكن إذا وجد التّصرّف بناء على توفّر شروطه وانتفاء موانعه، ثم وجد له تابع نقص منه بعض شروط أصله، أو وجد مانع لأصله، فلا يمنع فقد الشّرط أو وجود المانع جواز التّصرّف في التّابع؛ لأنّ ما يدخل ضمناً يجوز فيه ما لا يجوز فلِما يكون قصداً وأصلاً ومتبوعاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأصل في الموقوف أن يكون عقاراً - أي شيئاً ثابتاً غير منقول - إلا ما تعورف على وقفه من المنقولات - لكن إذا وقف ضيعة أو مزرعة ببقرها وآلاتها صحّ الوقف فيها جميعاً.
стр. 5183
ومنها: الحمل يدخل في بيع الدّابّة ولا يجوز أن يكون مقصوداً بالبيع.
ومنها: الشّرب والطّريق يدخل في بيع الأرض تبعاً، ولا يصحّ أن يباع مقصوداً.
стр. 5184
القاعدة الثّامنة والأربعون [القوي، الضّعيف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يدخل القويّ على الضّعيف ولا عكس (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الضّعيف من الأدلّة والأحكام لا يظهر أمام القويّ منها ولا يقاومه، ولذلك فإنّ القويّ لقوّته يدخل على الضّعيف، وأمّا الضّعيف فلضعفه لا يمكن دخوله على القوي ولا ظهوره معه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز إدخال الحجّ على العمرة قطعاً، ولكن لا يجوز إدخال العمرة على الحجّ في الأظهر - عند الشّافعيّة - أي أنّ مَن نوى بإحرامه العمرة وقبل طوافها نوى بإحرامه الحجّ. صحّ حجّه لكن إذا نوى بإحرامه الحجّ لا يجوز أن ينوي بعد ذلك العمرة بهذا الإحرام.
ولكن هذا فيه مخالفة لما أمر به الرّسول ﷺ في حجّة الوداع حيث أمر أصحابه رضوان الله عليهم بفسخ الحجّ إلى العمرة، فأدخل العمرة على الحجّ. لكن إذا كان واقفاً بعرفة فلا يجوز إدخال العمرة على الحجّ قطعاً.
ومنها: إذا وطئ أمَة ثم تزوّج أختها ثبت نكاحها وحرمت عليه
стр. 5185
الأمَة؛ لأنّ الوطء بفراش النّكاح أقوى من ملك اليمين. وكذلك لو تقدّم النّكاح حرم عليه الوطء بالملك لأنّه أضعف الفراشين.
ومنها: يجوز أن يقلب الفرض نفلاً، ولكن لا يجوز أن يقلب النّفل إلى فرض، فمن دخل المسجد ليصلّي فريضة فنوى منفرداً، ثم قامت جماعة في المسجد فيجوز لهذا المنفرد أن يسلّم على رأس ركعتين - من الصّلاة الرّباعيّة - ويدخل مع الجماعة، ويكون الرّكعتان له نافلة. لكن لو كان يصلّي نافلة فلا يجوز أن يقلبها إلى فريضة.