القاعدة الرّابعة والسّتّون [سقوط الفرع - تحت قاعدة التّابع تابع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يسقط الفرع بسقوط الأصل (١). أو إذا سقط الأصل (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفرع التّابع لأصله، فإذا سقط الأصل أو هلك فإنّ فرعه يسقط ويهلك، وإذا برئ الأصيل برئ الفرع والكفيل. كالشّجرة إذا اجتثّ أصلها سقط فرعها.
وقد سبق لهذه أمثال: ينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدتان ١١٦، ١١٧. ومن قواعد حرف التّاء القاعدة ١٦. ومن قواعد حرف الفاء القاعدة ١٦، ١٧.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من فاته الحجّ لعدم تمكّنه من الوقوف بعرفة - وهو ركن الحجّ الأعظم - فعليه أن يتحلّل بأفعال العمرة فقط. وليس عليه رمي ولا مبيت.
ومنها: إذا أبرأ الدّائن مدينه - وكان لهذا المدين كفيل - فببراءة
стр. 5217
المدين الأصيل يبرأ الكفيل والضّامن.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا ضمن شخص ألف دينار عن شخص آخر، وأقرّ الضّامن بالضّمان - ولكن برهن المضمون على الأداء قبل ضمان الكفيل. فإنّ الأصيل يبرأ دون الكفيل؛ لأنّ الكفيل مؤاخذ بإقراره. فللدّائن حقّ مطالبته بما ضمن.
ومنها: إذا أحال الكفيلُ الطالبَ على مديونه - وهو المكفول - وشرط براءة نفسه خاصّة، برئ دون الأصيل.
стр. 5218
القاعدة الخامسة والسّتّون [سقوط الواجب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يسقط الواجب بالعجز (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى القاعدة التي سبقت في قواعد حرف "لا" تحت الرّقم ٧٤. ولفظها: (لا واجب مع عجزاً أو ضرورة)؛ لأنّ الأصل في أداء الواجبات وفعلها هو القدرة عليها. بدليل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢).
وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣).
ففعل الأوامر مقيّد بالاستطاعة، فإذا ثبت العجز وعدم القدرة أو الضّرورة، فيسقط الواجب وينتقل المطلوب إلى البدل الأخف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من عجز عن الطّهارة بالماء لفقده أو لعدم القدرة على استعماله، انتقل الواجب إلى التّيمّم.
стр. 5219
ومنها: من عجز عن القيام في الصّلاة صلّى قاعداً، أو مضطجعاً أو على جنب أو يومئ إيماءً.
ومنها: من دخل المسجد والصّلاة قائمة ولم يجد فرجة في الصّفّ، فليصلّ خلف الصّفّ ولو منفرداً وصلاته صحيحة مع الجماعة. لأنّ الواجب وهو الوقوف في الصّفّ معجوز عنه.
стр. 5220
القاعدة السّادسة والسّتّون [الكثير واليسير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليسير في الزّمن الكثير كثير. والكثير في الزمن اليسير يسير (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلّق ببعض الأفعال في الصّلاة والحجّ.
فالفعل إذا كان يسيراً - أي قليلاً - ولكن استمرّ أو تكرّر زمناً كثيراً فهو كثير غير معفوّ عنه؛ نظراً إلى زمان وقوعه، ويترتّب عليه بطلان العمل. ولكن إذا كان الفعل كثيراً، ولكن في زمن يسير أو قليل ولم يتكرّر فهو فعل يسير معفوّ عنه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كُشف جزء من عورة مصلٍ واستمرّ معه أكثر من ركعة بطلت صلاته إذا كان يعلم بالكشف.
ولكن إذا سقط إزاره - وهو في الصّلاة - فكشفت عورته، ولكن بمجرّد إحساسه بسقوط إزاره تناوله وستر عورته فصلاته صحيحة.
ومنها: إذا غطّى المحرم رأسه كلّه أو جزءاً منه كالنّصف واستمرّ زمناً وهو عالم به ذاكر لإحرامه - وجب عليه الجزاء. لكن إذا غطّاه جاهلاً أو ساهياً ثم انتبه أو نبِّه فكشفه حالاً فلا شيء عليه.
стр. 5221
القاعدة السّابعة والسّتّون [تعديل العلانية وتعديل السّر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يشترط في تعديل العلانية ما يشترط في الشّهادة، ولا يشترط ذلك في تعديل السّرّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّعديل: هو تزكية الشّاهد ووصفه بالعدالة التي توجب قبول شهادته. وهو اشتهار الشّاهد بالتّقوى والورع والبعد عن ارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصّغائر. والتّعديل نوعان: تعديل علانية وتعديل سر، وفي تعديل العلانية: يشترط في المزكّي ما يشترط في الشّاهد الّذي تُقبل شهادته، ولذلك قالوا: لا يصحّ تعديل من لا تجوز شهادته له: فلا يعدل الأب ابنه ولا الابن أباه ولا الزّوج زوجته.
وكلّ موطن يعود فيه على الشّاهد مغنم أو يُدفع عنه مغرماً لا تجوز شهادته فيه وكذلك لا يجوز تعديله بهذا السّبب.
وهذا كلّه في تعديل وتزكية العلانية. لكن في تعديل السّرّ - وهو النّوع الثّاني من أنواع التّعديل - لا يشترط فيه ذلك.
والقاضي لا يجوز قضاؤه لمن لا تجوز شهادته له.
стр. 5222
القاعدة الثّامنة والسّتّون [ضمان غير المحجور]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يصحّ ضمان كلّ جائز التّصرّف في ماله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الضّمان: من ضمن يضمن إذا كفل. فالضّامن هو الكفيل، والضّمان هو الكفالة (٢). فالضّامن للمال يشترط فيه القدرة على أداء المضمون أو المكفول.
ومفاد القاعدة: أنّ الضّمان يصحّ من كلّ مكلّف جائز التّصرف في ماله، سواء كان رجلاً أو امرأة (٣). ليخرج المحجور لسفه فلا يصحّ ضمانه، لأنّه غير جائز التّصرّف في ماله، وكذلك المجنون. لكن المحجور لفلس يصحّ ضمانه ويتبع بعد يسره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كفل وضمن زيد عن عمرو دينه - وزيد جائز التّصرّف في ماله، فضمانه صحيح، ويجب عليه الوفاء بالتزامه إذا لم يدفع المضمونُ الدّين.
стр. 5223
ومنها: إذا ضمن شخص للمشتري قيمة ما يحدث في المبيع من بناء أو غرس، إذا ظهر المبيع مستحقّاً، فالضّمان صحيح، فإذا استحقّ المبيع رجع المشتري على الضّامن بقيمة ما تلف أو نقص.
стр. 5224
القاعدة التّاسعة والسّتّون [صحّة العقد، التّبع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يصحّ العقد في الشّيء تبعاً، وإن كان لا يجوز مقصوداً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة سبق لها أمثلة، فإنّ العقد أو التّصرّف في شيء لا يصحّ إذا فقد هذا العقد أو التّصرّف بعض شرائط الصّحّة، وذلك بشرط أن يكون هذا الشّيء مقصوداً بالعقد أو التّصرّف.
لكن إذا كان فقد بعض الشّرائط في تابع للمقصود فإنّ العقد يصحّ؛ لأنّ ما لا يصحّ مقصوداً قد يصحّ تبعاً, لأنّ التّابع لا يشترط فيه ما يشترط في أصله ومتبوعه. وينظر من قواعد حرف القاف القاعدة رقم ٢٤.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوقف لا يجوز في منقول غير متعارف، لكن إذا كان ضمن ما يصحّ وقفه جاز، - كوقف مزرعة بأبقارها وآلتها - فيصحّ وقف البقرة والآلات ضمن وقف المزرعة.
ومنها: يجوز بيع البقرة أو الشّاة أو النّاقة الحامل فيدخل جنينها
стр. 5225
في البيع تبعاً وإن كان لا يجوز مقصوداً.
ومنها: جواز أكل الجنين تامّ الخلق إذا مات في بطن المذكاة - شاة أو بقرة أو ناقة - ولا يحتاج إلى تزكية.
ومنها: جواز المزارعة ضمن عقد المعاملة - عند من لا يجيز المزارعة مقصودة.
المعاملة: هي عقد على العناية بالنّخيل بنصيب محدّد للعامل.
المزارعة: هي أن تكون الأرض من شخص والعمل من شخص آخر. والبذور والآلات من أحدهما على أن يكون النّاتج شركة بينهما بحسب ما يتّفقان عليه.
стр. 5226
القاعدة السّبعون [الحكم - الشّرط - العلّة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
يضاف الحاكم إلى الشّرط عند تعذّر الإضافة إلى العلّة - أي السّبب (١).
وفي لفظ: يضاف الحكم إلى الشّرط عند عدم صلاحيّة العلّة لذلك (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أنّ الحكم يضاف وينسب إلى علّته وسببه، لكن في بعض الأحيان لا تصلح العلّة لبناء الحكم عليها، فعند ذلك يجب إضافة الحكم إلى شرطه دون علّته وسببه، وذلك عن طريق المجاز. ينظر من قواعد حرف الحاء القاعدة ١٠٦.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حفر في الطّريق العام حفرة بإذن ووضع عليها حواجز وعلامات، فجاء شخص ورفع الحواجز أو العلامات، فسقط في الحفرة إنسان أو دابّة. فالضّمان على الرّافع لا على الحافر. فالحافر علّة والرّافع شرط. فوجب الضّمان على الرّافع.
стр. 5227
ومنها: غصب حنطة فزرعها، فيضاف الإنبات إلى فعل الزّارع لأنّه شرط للإنبات، وإلا فإنّ سبب الإنبات هو التّربة وما فيها من رطوبة وغذاء للبذرة، وهذا لا يصلح لإضافة الحكم إليه؛ لأنّه مسخّر بتقدير الله ، لا اختيار فيه للرّطوبة وغيرها من عوامل الإنبات.
стр. 5228
القاعدة الحادية والسّبعون [الفاعل - الآمر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبراً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالفعل هنا: الفعل الضّارّ الذي صدر على وجه التّعدّي.
والمراد بالآمر: هو كلّ مَن يصدر منه أمر لغيره ليفعل شيئاً بدون إلزام أو إكراه، أي أنّ الأمر هنا مجرّد طلب غير ملزم، لكن إن كان بإلزام أو إكراه فإنّ الضّمان على المكرِه المجبِر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا طلب شخص من آخر أن يحرق هذه السّيّارة الواقفة. فأحرقها المأمور، فهو ضامن لها: والآمر لا يضمن لأنّه لم يجبره على ذلك.
لكن إذا قال: أحرق سيّارتي هذه. فأحرقها فهو غير ضامن.
ومنها: إذا قال شخص لآخر: اركب هذه السّيّارة وسُقها، أو ادخل هذا البيت واهدم هذا الحائط. ففعل المأمور ما طلب منه، كان ضامناً.
لكن إذا قال الآمر: اركب سيّارتي هذه وأشغلها أو حرّكها من
стр. 5229
مكانها فتلفت، فإذا هي لغير الآمر. ففي هذه الحال الآمر هو الضّامن؛ لأنّه غرَّ المأمور بقوله سيّارتي أو داري.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا كان الآمر سلطاناً فإنّ أمره إكراه.
ومنها: إذا كان الآمر أباً فأمر ابنه الصّغير أو حتى الكبير بإتلاف مال للغير، فالأب الآمر ضامن. وكذلك لو كان الآمر سيّداً والمأمور عبداً فالضّمان على السّيّد لا العبد.
стр. 5230
القاعدة الثّانية والسّبعون [المقصود - الظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يعتبر في الدّعاوى مقصود الخصمين في المنازعة دون الظّاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٥٠.
ومفادها: أنّ المعتبر والمعتدّ به في الدّعاوى وما يبنى عليه حكم القاضي هو ما يقصده الخصمان، وما ينويانه، ولا يبنى الحكم على ظاهر الدّعوى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى مدَّعٍ أمام القاضي أنّ هذا الشّخص أتلف عليه مالاً له، وأنكر المدّعَى عليه. فالمدّعِي مقصوده من الدّعوى إثبات الضّمان على المدّعَى عليه لا مجرّد الإخبار بتلف ماله. والمدّعَى عليه مقصوده من إنكاره دفع الضّمان عن نفسه، لا مجرّد نفيه للإتلاف.
стр. 5231
القاعدة الثّالثة والسّبعون [القصاص - التّساوي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يعتبر في القصاص التّساوي بين الجاني والمجني عليه في الطّرفين والواسطة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القصاص: معناه المماثلة، أي أن يوقع بالجاني متل ما جنى، النّفس بالنّفس، والجرح بالجرح.
فالقصاص إنّما يجوز إذا كان التّساوي بين الجاني والمجني عليه في الدّين والحرّيّة والولادة لأنّ المراد بالمماثلة: التّساوي في حياة الأنفس وصفاتها المعتبرة شرعاً. فيقتل المفضول بالفاضل. ولا يقتل مسلم بكافر - حربيّاً كان أو ذمّيّاً - خلافا للحنفيّة في الذّمّيّ - ويقتل الذّمّيّ والمعاهد بالمسلم، ويقتل الذّمّيّ بالذّمّيّ وإن اختلفت ملّتهما، وشروط استيفاء القصاص:
١ - أن يكون القتل عمداً محضاً.
٢ - أن يكون القاتل مكلّفاً - فلا يقتصّ من صغير ولا مجنون - وأن يكون ملتزماً بأحكام الإسلام.
٣ - أن يكون المقتول أو القتيل معصوم الدّم بالإسلام أو الجزية أو
стр. 5232
الأمان. وهذا شرط وجوب القصاص له (١).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
قَتَل شخصاً ظنّه حربيّاً، فإذا هو مسلم، فعليه القصاص.
ومنها: ضرب مريضاً ضرباً يقتل المريض دون الصّحيح، فمات منه، فإن علم مرضه فعليه القصاص قطعاً، وكذا إن جهلهُ على الصّحيح.
ومنها: عالم ديِّن - أي ذو دِين - قتل جاهلاً أو فاسقاً عمداً، فإنّه يقتل به قصاصاً.
ومنها: قتل عظيم من العظماء رجلاً فقيراً حقيراً عمداً، فإنّه يقتل به قصاصاً.
ومنها: قتل امرأة مسلمة عمداً عدواناً فيقتل بها قصاصاً.
стр. 5233
القاعدة الرّابعة والسّبعون [الوصف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يعتبر الوصف في غير المعيَّن، ولا يعتبر في المعيَّن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الوصف والنّسبة والتّسمية كلّها ألفاظ تدلّ على بيان الشّيء المراد بيعه أو تأجيره بذكر ما يميّزه عن غيره.
فذكر ما يميّز الشّيء عن غيره إنّما يعتبر ويُبنى عليه الحكم في الشّيء غير الحاضر المعيَّن بالإشارة إليه، أي إنّما يعتبر في الشّيء الغائب غير الموجود تحت النّظر، أو في مجلس العقد. لكنّ الشّيء الحاضر المرئي المشار إليه فإنّ الإشارة هي المعتمدة في الحكم، والقدرة على النّظر ومشاهدة الحاضر، وقد سبق مثل هذه القاعدة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استأمن مشرك على أن يدلّ على رئيس الحصن وقائده - الذي هرب من الحصين - فلمّا نزل المستأمن وجد أن المسلمين قد أسروا كذلك البطريق أو الرّئيس أو القائد. فإنّ المستأمن يكون آمناً لا سبيل عليه، لأنّه التزم الدّلالة على شخص معلوم بعينه أو بنسبه وقد دلّ عليه.
стр. 5234
ومنها: إذا حلف لا أكلّم هذا الشّابّ فكلّمه بعد ما شاخ حنث في يمينه، أمّا لو قال: لا أكلّم شاباً، فكلّم شيخاً وقت يمينه لا يحنث.
ومنها: لو حلف لايأكل خبز ذرة - مثلاً - فهو يحنث إذا أكل خبز ذرة في أي وقت كان. لكن لو قال: لا آكل هذا الخبز - لخبز ذرة حاضر - فلا يحنث لو أكل خبز ذرة غير المشار إليه.
стр. 5235
القاعدة الخامسة والسّبعون [اليسار والإعسار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يعتبر اليسار والإعسار في زمن الوجوب (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليسار: الغنى والسّهولة.
والإعسار: الفقر والشّدّة.
فغنى الشّخص أو فقره الذي تُبنى عليه الأحكام - وبخاصّة في باب الكفّارات والجزاءات والنّفقات - هو ما كان في زمن وجوب الحكم وتعلّقه في ذمّة المكلّف، لا في زمن أدائه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف يميناً على شيء يفعله أو لا يفعله، ثم حنث في يمينه فيجب عليه كفّارة يمين، فإن كان حين الحنث غنيّاً فيجب عليه عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. وإن كان حين الحنث فقيراً - لا يقدر على أحد الثّلاثة - فالواجب عليه صيام ثلاثة أيّام. ولكن إذا افتقر الغني أو اغتنى الفقير قبل التّكفير فيجب عليه التّكفير بما يناسب حالته الحاضرة.
ومنها: إذا فرض عليه القاضي نفقة لزوجته، أو من تجب عليه
стр. 5236
نفقتهم - وكان حين فرض القاضي غنيّاً موسراً - فعليه نفقة الأغنياء الموسرين، حتى لو لم يدفع النّفقة حين ذلك ثم أعسر وافتقر فتبقى النّفقة الواجبة ديناً في ذمّته لحين يساره.
ومنها: من كان متمتّعاً ووجب عليه هدي، فإن كان موسراً وقت الوجوب، وجب عليه الهدي، وإن كان معسراً انتقل الواجب إلى صيام عشرة أيّام، ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجع.
ومنها: من فاته الحجّ وهو محرم، فإنّ الهدي يلزمه - في أصحّ الرّوايتين عن أحمد ﵀ وهو هدي كهدي التّمتّع، فإن كان معسراً فعليه صيام عشرة أيّام.
стр. 5237
القاعدة السّادسة والسّبعون [الاستصحاب والظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يعمل في الأشياء باستصحاب الأصل. وفي أشياء بالظّاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل والظّاهر: اصطلاحان أصوليّان فقهيّان، وقد سبق بيان معناهما أكثر من مرّة، ففي أكثر الأشياء يعتبر العمل بالأصل هو الواجب؛ لأنّ الأصل هو المتيقّن، وما عداه مشكوك فيه.
وفي أشياء أخرى يعمل بالظّاهر. وهو ما يحتمل أمرين أحدهما أرجح من الآخر لقرائن احتفت به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى شخص على آخر ديناً، أو أنّه اغتصب منه شيئاً، أو أتلفه، ولم يأت ببيّنة على دعواه, وأنكر الآخر الدّعوى، فهنا المدّعي يريد بدعواه تضمين خصمه ما ادّعاه، والمدّعى عليه ينكر دعواه؛ لأنّه يدفع الضّمان عن نفسه.
ولمّا كان الأصل هو براءة الذّمّة وخلوّها من وجوب شيء أو استحقاقه فإنّ المنكر توجَّه عليه اليمين، وأنّه لا حقَّ لخصمه عليه أو أنّه
стр. 5238
لم يستدن منه شيئاً أو لم يغصب منه شيئاً أو لم يتلف له شيئاً، فإن حلف فقد برئ.
ومنها: إذا اختصم اثنان في دابّة وأحدهما راكبها، والآخر متمسّك بذنبها - مثلاً - وجاء كلّ منهما ببيّنة على مدّعاه، فإنّ الظّاهر أنّ الدّابة ملك لراكبها لوجود يده عليها بخلاف خصمه.
ومنها: إذا اختصم اثنان في ملكيّة دار، وأحدهما ساكن فيها، فإنّ بيّنة السّاكن تقدّم على بيّنة غيره لأنّ الظّاهر معه.
ومنها: رجل ادّعى دابّة في يد آخر وأنّها دابّته اشتراها من فلان ونتجت عنده، وادّعى ذو اليد أنّها دابّته اشتراها من شخص آخر سمّاه وأنّها نتجت عنده وأقام كلّ منهما بيّنة على مدَّعاه، فإنّه يقضي بالدّابة لصاحب اليد.
стр. 5239
القاعدة السّابعة والسّبعون [الانفراد والاجتماع]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر عند الانفراد ما لا يغتفر عند الاجتماع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالانفراد هنا: انفراد الفعل أو انفراد النّيّة - أي أن يكون كلّ منهما واحداً لا تعدّد فيه، - أي أن يفعل شيئاً أو ينوي شيئاً واحداً -.
والمراد بالاجتماع: تعدّد الفعل أو تعدّد النّيّة.
فإذا كان الفعل أو المنوي واحداً لا يؤثّر ذلك في إبقاء ما كان على ما كان. لكن إذا تعدّد الفعل أو النّيَّة فإنّ ذلك يؤثّر في تغيير الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
غسل نجاسة في ثوبه أو بدنه، فإذا بقي اللون والرّائحة، فإنّه يضرّ - بمعنى أنّ النّجاسة باقية فلا يجوز له الصّلاة معها. لكن إذا بقي اللون وحده أو الرّائحة وحدها لا يضرّ ذلك. كما في قوله ﷺ : "ولا يضرك أثره" (٢). أي دم الحيض.
ومنها: إذا نوى القارئ في صلاته قطع الفاتحة - أي عدم إتمامها - ولم يسكت، لم تبطل صلاته وكذلك لو سكت أثنائها ولم ينو
стр. 5240
قطعها. وأمّا إن سكت أثنائها ونوى القطع بطلت. عند من يرون ركنيّة قراءة الفاتحة في الصّلاة.
ومنها: إذا أخرج الوديعة ونوى التّصرّف فيها ضمن. لو انفرد أحدهما - الإخراج وحده، أو النّيّة وحدها - لم يضر.
ومنها: إذا اجتمع الدّفّ والشبّابة حَرُم اتّفاقاً، ولكن إذا انفرد أحدهما فهو موضع خلاف.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا أبدل في الظّهار لفظ الأم، أو لفظ الظّهر. فقال: أنت كيد أمي. هذا من صريح الظّهار - كما قال السّيوطي في الأشباه ص ٣٠٤، وروضة الطّالبين جـ ٦ ص ٢٣٨. والاعتناء ص ٩٠٥. وكذا لو قال: أنت كظهر أختي. قال في المنثور: هذا لم يضر.
لكن قال في الاعتناء ص ٩٠٥ - ٩٠٦، وروضة الطّالبين جـ ٦ ص ٢٧٣ - ٢٤٠، هذا ظهار في جديد الشّافعي، وقال ص ٢٤٠: محرّمات النّسب كالبنات والأخوات والعمّات والخالات، وبنات الأخت، فإذا شبّه زوجته بظهر واحد منهنّ فقولان: الجديد وأحد قولي القديم: إنّه ظهار والثّاني: لا؛ للعدول عن المعهود.
وقال في المنثور - وهو محلّ الاستثناء - إذا قال أنت كيد أختي حيث أبدلهما معاً فليس ظهاراً قطعاً. ففى هذا المثال اغتفر في الاجتماع ما لم يغتفر في الانفراد.
стр. 5241
القاعدتان الثّامنة والسّبعون والتّاسعة والسّبعون [الاغتفار - الافتقار]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
يغتفر في الانتهاء - أو الدّوام - ما لا يغتفر في الابتداء (١).
وفي لفظ مقابل: يفتقر في الابتداء ما لا يفتقر في الانتهاء (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
وردت أمثال هاتين القاعدتين بألفاظ مختلفة تارة بلفظ (يغتفر في الابتداء) وتارة بلفظ (يفتقر). والافتقار معناه: الاحتياج: بحيث لا يتمّ الفعل إلا بوجود ما يفتقر إليه ويحتاجه. والاغتفار معناه: التّسامح، بحيث يتمّ الفعل بدون بعض شروطه.
فإذا قلنا: يفتقر في الابتداء ما لا يفتقر في الانتهاء أو البقاء أو الدّوام، فهي بمعنى قولنا: يغتفر في الانتهاء ما لا يغتفر في الابتداء.
وقد سبق لهاتين القاعدتين مثيلات.
فمفاد القاعدة الأولى: أنّه يغتفر ويتسامح في الانتهاء ما لا
стр. 5242
يغتفر ولا يسامح في الابتداء.
ومفاد القاعدة الثانية: أنّه لا يغتفر ولا يتسامح في الابتداء ما قد يغتفر ويتسامح في الانتهاء والدّوام والاستمرار.
والاغتفار والتّسامح إنّما يكون لأسباب توجب ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
الشّيوع في الهبة يمنع من صحّة الهبة ابتداءً؛ لأنّه يشترط في تمام الهبة القبض، والقبض في المشاع غير صحيح. لكن لو طرأ الشّيوع في القبض صحّت الهبة، وذلك كأن يهبه أرضاً أو داراً ثم يظهر مستحقّ لجزء منها.
ومنها: إذا جامع الصّائم فسد صومه. ولكن إذا كان مجامعاً وطلع عليه الفجر فنزع في الحال لم يفسد صومه.
ومنها: إذا أحرم وهو مجامع - في وجه ينعقد الإحرام صحيحاً، لكن لو استمرّ فسد نسكه وعليه البدنة، والقضاء، والمضي في فاسدة (١). وهذا المثال مفروض يتعذّر وجوده في الواقع. وفي هذا المثال اغتفر في الابتداء. لكن لو جامع وهو محرم فسد نسكه.
ومنها: نكاح الأمَةِ جائز عند الحاجة، لكن لو ملكها حَرُم عليه دوام النّكاح، ولهذا ينفسخ نكاحه؛ لأنّ ملك اليمين لا يجامع عقد النّكاح.
стр. 5243
ومنها: إذا حضر القتال زَمِن - أي مريض مرضاً مزمناً - أو أعمى لم يسهم لهم، لكن لو حضر صحيحاً ثمّ عَرَض له ذلك في الحرب لم يبطل حقّه من السّهم في الأصحّ (١).
لكن أقول وبالله التّوفيق: إن كان هذا الزّمِن أو الأعمى له رأي ومكيدة في الحرب فيجب أن يسهم له؛ لأنّ الرّأي والمكيدة الصّائبة في الحرب تعمل ما لا يعمل المقاتل. وقديماً قيل:
الرّأي قبل شجاعة الشّجعان ... هو أوّل وهي المحل الثاني.
ومنها: إذا اعترفت المرأة بأنّها معتدّة. فتمنع من الزّواج حتى تنتهي عدّتها - إذا كان العقد على غير الزّوج المطلق - وهذا في البينونة الصّغرى -. أمّا لو تزوجت ثم ادّعت أنّ عدّتها لم تنته فإنّه لا يلتفت إلى قولها، ويكون القول قول الزّوج.
ومنها: المعتدّة إذا عقد عليها بطل نكاحها, لكن لو طرأت عليها عدّهَ بعد النّكاح - كما لو وُطِئت بشبهة - أو اغتصبت - لا يبطل نكاحها.
ومنها: أنّ الزّوجة لا تملك حطّ المهر عن الزّوج في ابتداء العقد، فلو عقدت مع الزّوج النّكاح على أن لا مهر لها لم يصحّ الحطّ - وصحّ العقد - ووجب لها مهر المثل. لكن لو حطّت المهر عن الزّوج بعد العقد صحّ حطّها وبرئ الزّوج من المهر.
стр. 5244
ومنها: لو عقد المتبايعان البيع ابتداء بلا ثمن فسد البيع - لأنّ الثّمن من أركان العقد - أمّا لو تعاقدا بثمن ثمّ حطّ البائع عن المشتري الثّمن صحّ حطّه ولا يفسد البيع, لأنّه يكون ابتداء تبرّع من البائع.
رابعاً: مما استثني من مسائل هاتين القاعدتين:
لو فوّض طلاق امرأته لعاقل فجنّ فطلّق لم يقع الطّلاق، لكن لو فوّض إليه وهو مجنون فطلّق وقع.
ومنها: الفاسق يجوز توليته القضاء ابتداءً - عند عدم وجود العدل - لكن لو ولّي عدلاً ففسق يستحقّ العزل - على قول.
ففي هذين المثاليين اغتفر في الابتداء ما لم يغتفر في البقاء.
стр. 5245
القواعد الثّمانون والحادية والثّانية والثّمانون [الاغتفار في التّوابع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
يغتفر ما في التّوابع ما لم يغتفر في غيرها (١).
وفي لفظ: يغتفر في الثّواني ما لا يغتفر في الأوائل (٢).
وفي لفظ: يغتفر في الشّيء إذا كان تابعاً ما لا يغتفر إذا كان مقصوداً (٣).
وفي لفظ: يغتفر في الشّيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً - أو مقصوداً (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد باختلاف ألفاظها تدلّ على معنى متقارب، فالتّوابع أو الثّواني هي الأشياء التي تدخل ضمن غيرها فتكون متابعة لما تضمنها في أحكامه، لكن لا تفرد هي بحكم، وإنّما يحكم عليها بحكم متبوعها
стр. 5246
المقصود بالعقد.
لكن قد يستثنى من وجوب اتّباعها لمتبوعها في الأحكام أنّه قد يتسامح في بعض الشّروط ما لا يمكن أن يتسامح فيه مع الأصل المتبوع؛ لأنّ التّوابع تأتي ضمناً غير مقصودة بالعقد نصّاً. وهذه القواعد تدخل تحت قاعدة (التّابع تابع) وقد سبق لها أمثال.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أعتق أحد الشّريكين حصّته من العبد المشترك، ثم اشترى حصّة شريكه السّاكت، فإنّه لا يصحّ. ولا يملك السّاكت نقل ملكه إلى أحد، لكن إذا أدَّى المعتق الضّمان لشريكه السّاكت ملك العبد، واغتفر التّمليك والتّملك؛ لأنّه وُجد ضمناً وتبعاً.
ومنها: القاضي إذا استخلَفَ - مع أنّ الإمام لم يفوض له الاستخلاف - لم يَجُز، ومع هذا لو حكم خليفته - وهو يصلح أن يكون قاضياً وأجاز القاضي أحكامه تجوز.
ومنها: الوكيل بالبيع لا يملك التّوكيل به، ولكنّه يملك إجازة بيع الفضولي.
ومنها: سجود التّلاوة في الصّلاة يجوز على الرّاحلة قطعاً، تبعاً للصّلاة، لكن خارج الصّلاة فيه خلاف.
ومنها: لا يثبت النّسب بشهادة النّساء، لكن لو شهدن بالولادة على الفراش ثبت النّسب تبعاً.
стр. 5247
القاعدة الثّالثة والثّمانون [العقود الضّمنيّة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في العقود الضّمنيّة ما لا يغتفر في الاستقلال (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة قريبة المعنى من سابقتها. ولكنّها تختصّ بالعقود دون غيرها، فالعقود منها عقود مستقلّة لا تصحّ إلا باستيفاء أركانها وشروطها، ومنها عقود تقع ضمناً لعقود أخرى مستوفاة، فهذه العقود الضّمنيّة تصحّ ولو لم تستوف شروطها؛ لأنّها وقعت ضمناً وتبعاً، فتسوهل فيها.
وهذه القاعدة أيضاً تندرج تحت قاعدة (التّابع تابع) ولكنّها تمثّل جانباً ممّا استثني منها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: اعتق عبدك عني بألف. فيقدّر دخوله في ملكه بالشّراء قبل العتق عليه، ويغتفر الإيجاب والقبول.
وإذا قال: أعتق عبدك إذا جاء الغد على كذا. ففعل. صحّ وإن كان ذلك متضمّناً للتّمليك. ومع أنّ تعليق التّمليك لا يجوز لكن اغتفر ذلك لأنّه جاء ضمناً.
стр. 5248
القاعدة الرّابعة والثّمانون [الفسوخ - العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في الفسوخ ما لا يغتفر في ابتداء العقود (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الفسوخ: جمع فسخ، وهو مصدر، معناه: رفع حكم العقد. أو هو رفع العقد من حينه أو من أصله، وقلب كلّ من العوضين إلى دافعه (٢).
الانفساخ: انقلاب كلّ من العوضين إلى دافعه.
فالفسوخ ورفع العقود يتسامح فيها ما لا يتسامح في ابتداء العقود نفسها، فما يغتفر في الفسوخ ولا يغتفر في العقود:
١ - الفسخ لا يحتاج إلى قبول، بخلاف العقود فلا بدّ فيها من القبول.
٢ - الفسوخ تقبل التّعليقات دون العقود.
٣ - الفسوخ لا يدخل فيها خيار، بخلاف العقود.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز توكيل الكافر في طلاق المسلمة، ولا يجوز توكيله في
стр. 5249
العقد عليها.
ومنها: إذا باع الكافر عبداً مسلماً بثوب أو دابّة، ثم وجد المشتري به عيباً يوجب الرّدّ، فله - أي للكافر - استرداد العبد في الأصحّ - ولكن لا يجوز شراء الكافر للعبد المسلم ابتداءً.
стр. 5250
القاعدة الخامسة والثّمانون [معاملة الكفار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في معاملة الكفّار ما لا يغتفر في غيرها تأليفاً لهم على الإسلام (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
لم يذكر صاحب المنثور سوى عنوان هذه القاعدة.
ولكن مفادها: أنّ الإسلام تساهل في معاملة الكفّار - في حال السّلم أو كانوا ذمّة أو مستأمنين - ما لم يتساهل في معاملة المسلمين تأليفاً لهم على الإسلام وترغيباً لهم فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تناكح الكفّار نكاحاً فاسداً - كنكاح بغير ولي، أو بغير شهود، أو بغير مهر، أو مهرها خمراً أو خنزيراً، فإذا أسلموا بقوا على حكم نكاحهم. هذا بالنّسبة لليهود والنّصارى. لكن إذا كان مجوسي أسلم - وهو متزوّج أمّه أو أخته - يفرق بينهما.
ومنها: إذا تبايعوا وتقابضوا فاسداً، ثم أسلموا، سلم لهم بيعهم وشراؤهم.
ومنها: لا يمنع الكافر الجنب من المكث في المسجد، ولا من
стр. 5251
قراءة القرآن، لكن لا يمسّ المصحف. بخلاف المسلم لا يجوز له المكث في المسجد جنباً ولا يجوز له قراءة القرآن.
ومنها: نكاح الكافر الأمَةَ لا يشترط فيه الشّروط التي تشترط في المسلم.
ومنها: ردّ الخمر المغصوبة منه عليه، إذا غصبها مسلم، فإذا أتلفها المسلم عليه ضمانها, لأنّها مال في حقّ الكافر.
ومنها: إذا زنى الكافر ثم أسلم لا يقام عليه حدّ الزّنا؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله من حقوق الله تعالى، لكن حقوق العباد تستوفى منه ولا تسقط ولو أسلم.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة .
إذا قتل الذّمّيّ ذمّيّاً عمداً ثم أسلم، لم يسقط القصاص، ولو قتل خطأ أو حلف وحنث، أو ظاهر، ثم أسلم لم تسقط الكفّارة عنه على الصّحيح، بخلاف الزّكاة فإنّها تسقط.
стр. 5252
القاعدة السّادسة والثّمانون [معاملة العاقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في المعاملة مع العاقد ما لا يغتفر مع غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعاقد: المشتري أو المستأجر، أو المالك أو البائع أو المؤجر.
ففي المعاملات قد يتساهل مع العاقد لنفسه ما لا يتساهل مع غيره ممّن يكون له نوع علاقة بالمعاملة، ولكنّه ليس عاقداً لنفسه، أو غير مالك لما يتصرّف فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أجَّر المالك داراً أو دكّاناً أو أرضاً، لا يجوز له بعد تمام العقد أن يؤجّرها لآخر طيلة مدّة العقد أو لمدّة مستقبلة. لكن يجوز للمستأجر ذلك؛ لأنّ التّسليم ممكن، والاستيفاء متّصل. لكن بشرط أن تكون الإجارة الجديدة ضمن مدّة الإجارة الأولى، وأيضاً أن لا يكون قد اشترط عليه المالك المؤجّر عدم تأجيرها لغيره.
ومنها: إذا كان لرجل نخيل فاتّفق مع عامل على سقيه - وهي ما يسمّى بعقد المساقاة - فإذا كان بين النّخيل بياض يسقى بسقي
стр. 5253
النّخيل، فأراد المالك أن يعقد عقد مخابرة في ذلك البياض، فلا يجوز إلا للعامل في المساقاة؛ لأنّ الجميع يحصل لواحد، كما لو جمع بينهما في صفقة واحدة.
ومنها: يجوز بيع الدّار المستأجرة للمستأجر قطعاً، وفي بيعها لغيره خلاف.
стр. 5254
القاعدة السّابعة والثّمانون [الوسائل والمقاصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الوسائل: كما سبق بيانه جمع وسيلة، ومعناها: الطّرق التي تؤدّي إلى المقصود، كالسّعي إلى الجمعة فهو وسيلة تؤدي إلى الصّلاة.
ولمّا كانت الوسائل أخفض رتبة من المقاصد فيتسامح ويتساهل في إيجادها ما لا يتسامح أو يتساهل في المقاصد.
المقاصد: جمع مقصد، وهو الهدف والغاية المطلوب أداؤها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز توقيت الكفالة بالنّفس؛ لأنّ الكفالة بالنّفس التزام بالوسيلة، بخلاف ضمان المال فلا يجوز توقيته.
ومنها: الطّهارة وسيلة للصّلاة، فمن لم يجد ما يتطهّر به من ماء أو تراب، صلّى على حاله، ولا إعادة عليه في الرّاجح.
ومنها: الإحرام وسيلة لأداء النّسك، فمن لم يجد الإزار يلبس السّراويل. ومن لم يجد إلا الخفّين يلبسهما.
ومنها: قبول شهادة المرأة في الولادة على فراش الزّوج، وهي وسيلة لإثبات نسب المولود من أبيه، مع أنّ شهادة المرأة في النّسب غير مقبولة.
стр. 5255
القاعدة الثّامنة والثّمانون [علّة الحكم وحكمته]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يفرق بين علّة الحكم وحكمته، فإنّ علّته موجبة وحكمته غير موجبة (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة فقهيّة أصوليّة من أصول الإمام أبي الحسن الكرخي.
فعلّة الحكم: هي سببه التي نشأ عنها الحكم. وترتّب على وجودها. والعلّة عند الأصوليّين: هي الجامع الذي يجمع بين الأصل والفرع. وهي الوصف الظّاهر المنضبط الذي يكون مظنة وجود الحكم.
وأمّا حكمة الحكم: فهي علّة العلّة، وهي الوصف الذي شرع الحكم لأجله، وهي غالباً ما تكون غير منضبطة، فلذلك فهي غير موجبة للحكم بخلاف العلّة.
فالمشقّة مع السّفر أو المرض هي علّة العلّة، وهي حكمة الحكم الذي شرع الحكم لأجلها، وهي غير منضبطة إذ تختلف بين إنسان وآخر وظرف آخر وحال وأخرى. ولكن العلّة الظّاهرة التي بني عليها الحكم هي السّفر أو المرض لانضباطهما. وقد سبقت هذه القاعدة ضمن