قراءة القرآن، لكن لا يمسّ المصحف. بخلاف المسلم لا يجوز له المكث في المسجد جنباً ولا يجوز له قراءة القرآن.
ومنها: نكاح الكافر الأمَةَ لا يشترط فيه الشّروط التي تشترط في المسلم.
ومنها: ردّ الخمر المغصوبة منه عليه، إذا غصبها مسلم، فإذا أتلفها المسلم عليه ضمانها, لأنّها مال في حقّ الكافر.
ومنها: إذا زنى الكافر ثم أسلم لا يقام عليه حدّ الزّنا؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله من حقوق الله تعالى، لكن حقوق العباد تستوفى منه ولا تسقط ولو أسلم.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة .
إذا قتل الذّمّيّ ذمّيّاً عمداً ثم أسلم، لم يسقط القصاص، ولو قتل خطأ أو حلف وحنث، أو ظاهر، ثم أسلم لم تسقط الكفّارة عنه على الصّحيح، بخلاف الزّكاة فإنّها تسقط.
стр. 5252
القاعدة السّادسة والثّمانون [معاملة العاقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في المعاملة مع العاقد ما لا يغتفر مع غيره (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالعاقد: المشتري أو المستأجر، أو المالك أو البائع أو المؤجر.
ففي المعاملات قد يتساهل مع العاقد لنفسه ما لا يتساهل مع غيره ممّن يكون له نوع علاقة بالمعاملة، ولكنّه ليس عاقداً لنفسه، أو غير مالك لما يتصرّف فيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أجَّر المالك داراً أو دكّاناً أو أرضاً، لا يجوز له بعد تمام العقد أن يؤجّرها لآخر طيلة مدّة العقد أو لمدّة مستقبلة. لكن يجوز للمستأجر ذلك؛ لأنّ التّسليم ممكن، والاستيفاء متّصل. لكن بشرط أن تكون الإجارة الجديدة ضمن مدّة الإجارة الأولى، وأيضاً أن لا يكون قد اشترط عليه المالك المؤجّر عدم تأجيرها لغيره.
ومنها: إذا كان لرجل نخيل فاتّفق مع عامل على سقيه - وهي ما يسمّى بعقد المساقاة - فإذا كان بين النّخيل بياض يسقى بسقي
стр. 5253
النّخيل، فأراد المالك أن يعقد عقد مخابرة في ذلك البياض، فلا يجوز إلا للعامل في المساقاة؛ لأنّ الجميع يحصل لواحد، كما لو جمع بينهما في صفقة واحدة.
ومنها: يجوز بيع الدّار المستأجرة للمستأجر قطعاً، وفي بيعها لغيره خلاف.
стр. 5254
القاعدة السّابعة والثّمانون [الوسائل والمقاصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الوسائل: كما سبق بيانه جمع وسيلة، ومعناها: الطّرق التي تؤدّي إلى المقصود، كالسّعي إلى الجمعة فهو وسيلة تؤدي إلى الصّلاة.
ولمّا كانت الوسائل أخفض رتبة من المقاصد فيتسامح ويتساهل في إيجادها ما لا يتسامح أو يتساهل في المقاصد.
المقاصد: جمع مقصد، وهو الهدف والغاية المطلوب أداؤها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجوز توقيت الكفالة بالنّفس؛ لأنّ الكفالة بالنّفس التزام بالوسيلة، بخلاف ضمان المال فلا يجوز توقيته.
ومنها: الطّهارة وسيلة للصّلاة، فمن لم يجد ما يتطهّر به من ماء أو تراب، صلّى على حاله، ولا إعادة عليه في الرّاجح.
ومنها: الإحرام وسيلة لأداء النّسك، فمن لم يجد الإزار يلبس السّراويل. ومن لم يجد إلا الخفّين يلبسهما.
ومنها: قبول شهادة المرأة في الولادة على فراش الزّوج، وهي وسيلة لإثبات نسب المولود من أبيه، مع أنّ شهادة المرأة في النّسب غير مقبولة.
стр. 5255
القاعدة الثّامنة والثّمانون [علّة الحكم وحكمته]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يفرق بين علّة الحكم وحكمته، فإنّ علّته موجبة وحكمته غير موجبة (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة فقهيّة أصوليّة من أصول الإمام أبي الحسن الكرخي.
فعلّة الحكم: هي سببه التي نشأ عنها الحكم. وترتّب على وجودها. والعلّة عند الأصوليّين: هي الجامع الذي يجمع بين الأصل والفرع. وهي الوصف الظّاهر المنضبط الذي يكون مظنة وجود الحكم.
وأمّا حكمة الحكم: فهي علّة العلّة، وهي الوصف الذي شرع الحكم لأجله، وهي غالباً ما تكون غير منضبطة، فلذلك فهي غير موجبة للحكم بخلاف العلّة.
فالمشقّة مع السّفر أو المرض هي علّة العلّة، وهي حكمة الحكم الذي شرع الحكم لأجلها، وهي غير منضبطة إذ تختلف بين إنسان وآخر وظرف آخر وحال وأخرى. ولكن العلّة الظّاهرة التي بني عليها الحكم هي السّفر أو المرض لانضباطهما. وقد سبقت هذه القاعدة ضمن
стр. 5256
قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٩٦.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ملك إنسان جارية وجب عليه استبراؤها - أي لا يجوز له وطؤها حتى تحيض حيضة - والعلّة هي استحداث ملك الواطئ بملك اليمين. وحكمته صيانة النّسب والتّحرّز عن اختلاط المياه.
ولكن لمّا كانت الحكمة غير موجبة، ومع ذلك لا يجب الاستبراء إذا اشترى جارية بكراً أو جارية كان يملكها امرأة أو صبي مع التّيقّن بفراغ الرّحم. فعدم الحكمة لم يوجب عدم الوجوب لما وجد الملك الحادث.
стр. 5257
القاعدة التّاسعة والثّمانون [العلم الظّاهر واليقيني]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يفرق بين العلم إذا ثبت ظاهراً وبينه إذا ثبت يقيناً (١). أصوليّة فقهيّة
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة كسابقها من أصول الإمام أبي الحسن الكرخي، وينظر من قواعد حرف الهمزة القاعدة ٤٩٧.
العلم إمّا ظاهر وإمّا يقيني. فالظّاهر - كما سبق أكثر من مرّة - هو ما فيه احتمال، ولكن اليقيني هو القطعي الذي لا احتمال آخر فيه.
ولذلك وجب التّفريق بينهما فيما يترتّب على كلّ منهما من أحكام. ومن هنا فرَّق الحنفيّة بين الفرض والواجب. فالفرض ما ثبت بدليل قطعي يقيني لا شبهة فيه كمطلق القراءة في الصّلاة، والواجب ما ثبت بدليل ظنّي فيه شبهة كخصوص قراءة الفاتحة فيها. فما ثبت يقيناً يجب العمل به واعتقاده، وما ثبت ظاهراً يجب العمل به ولم يجب اعتقاده. وهذا هو أساس التّفريق بين الفرض والواجب عند الحنفيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصّلوات الخمس وجبت يقيناً، فيجب العمل بها واعتقادها.
стр. 5258
ومنها: الوتر ثبت ظاهراً فيجب العمل به، وإن لم يجب اعتقاده.
ومنها: مسح الرّأس وجب يقيناً، لكن كون الأذنين من الرّأس عُلِم ظاهراً فلم يجز إقامة فرض المسح بها، أي دون مسح الرّأس.
ومنها: كون الحطيم - أي حجر إسماعيل ﵇ من البيت - أي الكعبة علم ظاهراً فلم يجز التّوجّه إليه في الصّلاة مع استدبار البيت، وقد ثبت فرضية التّوجّه إلى البيت يقيناً.
ومنها: إذا قضى القاضي بشيء، ثم علم أنّه أخطأ بدليل ظاهر ليس بمتيقّن، لم ينقض قضاؤه، لكن إذا ظهر خطأ بدليل متيقّن من نصّ أو إجماع نقض قضاؤه.
стр. 5259
القاعدة التّسعون [فساد أصل العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يفرق بين الفساد إذا دخل في أصل العقد وبينه إذا دخل في علقة من علائقه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة كسابقتيها من أصول الإِمام أبي الحسن الكرخي ﵀، وتنظر ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الرّقم ٤٩٨.
ومفادها: أنّ الفساد إذا وجد في العقد ينظر إن كان هذا الفساد قد دخل في أصل العقد أو في شيء له تعلّق بالعقد، فإن كان الفساد قد دخل في أصل العقد، فله حكم وهو: بطلان العقد من أصله، ولا يعود العقد صحيحاً إذا أزيل سبب فساده، بل لا بدّ من استئناف العقد وتجديده.
وأمّا إن دخل الفساد في عُلقة من علائقه فله حكم آخر، وهو صحّة العقد إذا رفع وأزيل سبب الفساد، ولا يحتاج إلى استئناف العقد ولا تجديده.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى سيّارة أو دابة أو عقاراً أو أي شيء آخر بمبلغ من المال زائداً ميتة أو خمراً، فإنّ العقد يبطل؛ لأنّ الثّمن من أصل العقد،
стр. 5260
وقد فسد بالجمع بين ما يحلّ ويحرم، فلو أخرجا منه الميته أو الخمر لم يصحّ العقد بل يجب عليهما تجديده واستئنافه.
لكن إذا اشترى شيئاً بأجل مجهول، فسد البيع لجهالة الأجل، فلو أعلما الأجل بعد ذلك صحّ العقد، ولم يحتج إلى تجديد.
стр. 5261
القاعدة الحادية والتّسعون [الإخبار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة
يفرق في الإخبار بين الأصل والفرع (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإخبار: هو نقل خبر من شخص لآخر. وهو مصدر أخبر يخبر.
وأما الأخبار: فهو جمع خبر، وهو قول يحتمل الصّدق والكذب لذاته.
فمفاد القاعدة: أنّه يجب التّفريق في الإخبار بين مَن يُخبر بأصل وبين من يخبر بفرع. فإخبار بالفرع ملزم، وأمّا الإخبار بالأصل فهو غير ملزم إلا بدليل راجح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخبرت امرأة بالرّضاع بين زوجين، فلا يجب التّفريق بينهما بقولها، ولكن إذا أخبرت بأنّه طلّقها أو خالعها، فيفرق بينهما بقولها:
ففي هذا المثال ثبت الفرع وهو الطّلاق أو الخلع، ولم يثبت الأصل وهو الرّضاع.
стр. 5262
القاعدة الثّانية والتّسعون [الذّمّيّ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقام على الذّمّيّ كلّ حدّ، إلا حدّ الشّرب. عند أبي يوسف ﵀ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الذّمّيّ: هو الكافر الذي رضي بحكم الإسلام ودفع الجزية مع بقائه على دينه يهوديّاً كان أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً.
وأهل الذّمّة أمرنا بتركهم وما يدينون إذا رضوا بدفع الجزية.
فما كان في دينهم مباحاً أو حلالاً فجائز لهم فعله أو تناوله، وإن كان محرّماً في الإسلام.
فالخمر مباح عندهم، فإذا شرب الذّمّيّ أو سكر فلا يقام عليه حدّ الشّرب، ولا تراق عليه الخمر، خلافاً للمسلم. لكنّه ما عدا حدّ الخمر فإنّه يقام عليهم إذا ارتكبوا ما يوجبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يقام على الذّمّيّ حدّ الزنا إذا زنى بكراً كان أم محصناً، بدليل أنّ الرّسول ﷺ أقام حدّ الزّنى ورجم اليهوديّين
стр. 5263
الزّانيين، ولأنّ الزّنى محرم في كلّ دين.
ومنها: يقام على الذّمّيّ حدّ القذف إذا قذف مسلماً.
ومنها: يقام على الذّمّيّ حدّ السّرقة إذا سرق وهكذا.
стр. 5264
القاعدة الثّالثة والتّسعون [قول الأمناء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقبل قول الأمناء في التّلف والرّدّ (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأمناء: جمع أمين، وهو كلّ من عُرِف بحفظ الأمانة وصدق المعاملة، ولم يعرف عليه خيانة، لا في قليل ولا كثير.
الأمين أصلاً غير ضامن كالمضارب والمودَع وأشباههما.
فإذا ادّعى الأمين تلف الأمانة أو هلاكها أو ضياعها بغير تعدّ منه أو تقصير في حفظها أو في العمل المنوط به فيها، أو إذا ادّعى ردّها إلى صاحبها، وأنكر صاحبها الرّدّ، فإنّ القول في ذلك كلّه قول الأمين مع يمينه؛ لأنّه ينكر الضّمان الذي يدّعيه صاحبها عليه، ولأنّ الأصل في ذمّة الأمين البراءة من الضّمان.
ولما قد سبق أنّ الأمانات غير مضمونة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى المودَع أنّ الأمانة أو الوديعة التي عنده قد سرقت أو تلفت بعارض كالحريق أو الغرق، وادّعى المودع تعمّده إتلافها أو التّقصير في حفظها - ولا بيّنة له - فإنّ القول قول الأمين مع يمينه؛ لأنّه يدفع
стр. 5265
عن نفسه ضمان الوديعة وغرمها لو ثبت عليه إتلافها أو إضاعتها.
ومنها: ادّعى ربّ المال على المضارب أنّ رأس المال قد ربح، وادّعى المضارب أنّه لم يربح. فالقول قول المضارب مع يمينه؛ لأنّ الأصل عدم الرّبح، وهو أمين على رأس المال، وأمّا في ردّ رأس المال على صاحبه ففيه وجهان.
ومنها: إذا طالب المودِع - أي صاحب الوديعة - وديعته من أمينه، فادّعى الأمين ردّها عليه، ولا بيَّنة لصاحب الوديعة على عدم الرّدّ، فإنّ القول قول الأمين مع يمينه في ردّها، في القول المشهور.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
وصي اليتيم لا يقبل قوله في ردّ مال اليتيم إليه إلا ببيّنة؛ لأنّ ذلك ثابت بنصّ القرآن الكريم وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) وحمل بعضهم كلّ أمانة على ذلك.
стр. 5266
القاعدة الرّابعة والتّسعون [قول المترجم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقبل قول المترجم مطلقاً (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المترجم: اسم فاعل من ترجم. أي نقل معنى لغة إلى لغة أخرى. أو فسّر كلامه بلسان آخر (٢).
والنّقل من لسان إلى لسان - أي من لغة إلى لغة أخرى - أمر معروف وتبنى عليه الأحكام لمن لا يعرفون اللسان المنقول منه إلى المنقول إليه. ولذلك كان قول المترجم مقبولاً بدون قيد - أي في كلّ شيء الحدود وغيرها - لكن بشرط أن يكون المترجم عدلاً؛ لأنّ الفاسق غير مأمون.
ودليل هذه القاعدة: أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت ﵁ أن يتعلّم كتاب يهود حتى يقرأ له كتبهم، وما يتكلّمون به بلسانهم، وحتى لا يتكلّموا بينهم بما فيه ضرر على الإسلام والمسلمين، على اعتبار أنّ المسلمين لا يعرفون لسانهم (٣).
стр. 5267
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان المتّهم أو المدّعي لا يعرف اللسان العربي فإنّ القاضي يأتي له بمترجم ينقل عنه دفاعه أو دعواه.
ومنها: ترجمة الكتب النّافعة المؤلّفة بلغة غير الّلغة العربيّة - وبخاصّة فيما يتعلّق بالأمور الدّنيويّة والمكتشفات الحديثة والتّقدّم العلمي فيجب على المسلمين الذين يعرفون تلك اللغات التي ألِّفت الكتب فيها بلغة غير العربيّة أن يترجموها إلى اللغة العربية ليستفاد منها.
стр. 5268
القاعدة الخامسة والتّسعون [الولاية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقدم في كلّ ولاية - كلّ موطن - من هو أقوم بمصالحها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة أصل عظيم يجب أن يبني عليه كلّ مسؤول الشّروط التي يجب أن تتوافر في كلّ من يريد توليته ولاية، أو يسند إليه عملاً صغر أو كبر ممّا يتعلّق بمصالح الناس، وإلا كان غاشّاً لهم.
ودليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعيّة يموت وهو غاشّ رعيّته إلا حرّم الله عليه الجنّة" (٢).
وقوله ﷺ : "ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم وينصح لهم - كنصحه وجهده لنفسه - إلا لم يدخل معهم الجنّة" (٣).
وأي غشّ أكبر ممّن يولي على الناس من لا يصلح للولاية -
стр. 5269
لصلة خاصّة بالمولَّى - فيقع في الظّلم والفساد وضرر العباد.
ولذلك يجب أن يقدّم في كلّ موطن وكلّ ولاية أو وظيفة عامّة أو عمل يتّصل بالناس من هو أقوم وأقدر وأعرف بمصالح هذا العمل وهذه الولاية وهذه التبعة؛ لأنّ الموَلّى إنّما هو عامل للناس وليس سيّداً عليهم ولا هو عامل لنفسه أو لمن ولاه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يجب أن يكون مَن يولّى على الأمّة ولاية عامّة: ملكاً أو رئيساً أو زعيماً أقدر الناس على إحقاق الحقّ وإبطال الباطل ونشر العدل والمرحمة بين الناس وأعرف الناس بمصالح الرّعيّة.
ومنها: القضاء منصب عظيم الخطر، فلا يجوز أن يولاه إلا من هو قادر عليه محيط بالفقه وعادات الناس مع التّقوى والورع والخشية من الله والقوّة على الحقّ.
ومنها: وليّ المرأة يجب أن يكون من عصبتها لا من ذوي أرحامها؛ لأنّ العصبة أقوى وأعرف بمصلحة المرأة من ذوي أرحامها. ولذلك يقدم ابن المرأة على غيره من عصبتها حتى مع وجود الأب. لكن إذا لم يوجد أحد من عصبتها فلها أن تولي أمرها أحد أرحامها الأقرب فالأقرب.
ومنها: يقدّم في الحروب من هو أعرف بمكايد الحروب وسياسة الجند والجيوش.
стр. 5270
ومنها: أن تقدّم المرأة في الحضانة على الرّجال لوفور شفقتها وصبرها.
ومنها: أن يولّى على أرباب كلّ مهنة واحد منهم ممّن هو أقدر على إدارتهم وأعرف بمصالحهم.
стр. 5271
القاعدة السّادسة والتّسعون [البيّنة - يمين المدّعي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقضى بالبيّنة من غير احتياج إلى يمين المدّعي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البيّنة: هي الشّهود، وهي الأصل في الإثبات في جانب المدّعي, لأنّ المدّعي متمسّك بخلاف الأصل، ولذلك كان عليه البيّنة لإثبات مدَّعاه.
وإذا وجدت البيّنة فلا يلزم يمين المدّعى عليه ولا المدّعي؛ لأنّ اليمين يحتاج إليها عند عدم البيِّنة مع إنكار المدّعى عليه.
وقد ينكر المدّعى عليه ويأبى حلف اليمين فتردّ اليمين على المدّعي - عند الشّافعيّة وقول عند الحنابلة -.
لكن من المتّفق عليه أنّ اليمين لا تجتمع مع البيّنة. إلا استثناءً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى شخص على آخر أنّه أتلف له شيئاً أو استهلكه، وطالبه بالضّمان والغرم، وأقام على ذلك شهوداً. فإنّ القاضي يحكم له بما ادّعى - إذا كان الشّهود عدولاً - ولا يقبل يمين المدّعى عليه إذا أنكر
стр. 5272
وطلب أن يحلف.
ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر بأنّه قتل وليَّه عمداً، ويطالب بالقصاص، وجاء بالشّهود الذين شهدوا له بصدق دعواه. فإذا عدِّلت البيّنة وثبتت عدالة الشّهود فإنّ القاضي يحكم بوجوب القصاص من القاتل المدّعَى عليه، ولا يحتّاج مع البيّنة إلى يمين.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة على أحد الوجهين:
أن يقيم شخص البيّنة على شخص مفلس بدين له، وغرماء المفلس الآخرون يجحدون دين هذا الشّخص، والمفلس يصدقه. فإنّ القاضي يحلِّف هذا الشّخص أنّ له على المفلس ما شهدت به الشّهود. فهنا اجتمعت البيّنة واليمين.
ومنها: أن يقيم البيّنة على السّفيه المحجور على تصرّف ما، ويصدّقه المحجور، ويكذّبه وليّه، فهنا أيضاً يحلف على مضمون شهادة الشّهود.
وأربع مسائل أخرى شبيهة بهاتين المسألتين، من حيث إنّ القاضي يستحلف المدّعي من غير سؤال الخصم.
وقال الزّركشي (١). وهذا على أحد الوجهين والمرجّح خلافه.
стр. 5273
القاعدة السّابعة والتّسعون [البدل والمبدل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقوم البدل مقام المبدل ويسدّ مسدّه، ويبنى حكمه على حكم مبدله (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
البدل والمُبدل منه مصطلحان ففهيّان، فالمبدل منه هو الأصل الذي بني عليه الحكم، كالماء للطّهارة. والبدل هو ما يؤتى به عند فقد الأصل أو عدم القدرة على استعماله، كالتّراب عند فقد الماء لإقامة الطّهارة وإباحة ما يباح بالماء.
فالبدل في مقام المُبدل منه في أحكامه، فهو سادّ مسدّ أصله ومبدله.
لكن هل للبدل كلّ أحكام المُبدل منه، أو أنّ البدل يقصر عن المُبدل منه في ذلك؟ خلاف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التّراب بدل عن الماء عند فقده، أو عند عدم القدرة على استعماله، فهو يسدّ مسدّ الماء في التّيمّم، ويجوز به ما يجوز بالماء من الصّلاة وقراءة القرآن ومسّ المصحف والطّواف، وكلّ ما يحتاج
стр. 5274
إلى الطّهارة.
ولكنّه لا يأخذ كلّ أحكام الماء - عند بعضهم - حيث لا يجوز عنده التّيمّم قبل دخول وقت الصّلاة بخلاف الماء، ومن تيمّم ليصلّي نافلة لا يجوز أن يصلّي بتيمّمه هذا فريضة، وهكذا، ممَّا خالف فيه حكم التّيمّم حكم الماء.
ومنها: إذا مسح على الخفّ ثم خلعه، فإنّه يجزئه غسل قدميه - على إحدى الرّوايتين؛ لأنّ المسح كمل الوضوء وأتمه، وقام مقام غسل الرّجلين إلى حين الخلع، فإذا وجد الخلع وتعقّبه غسل القدمين فالوضوء متواصل. وفي المسألة خلاف.
ومنها: إذا حضر الجمعة أربعون رجلاً من أهل وجوبها ثم تبدلوا في أثناء الخطبة أو الصّلاة بمثلهم انعقدت الجمعة وتمّت بهم.
ومنها: إذا بدّل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من الآنية، جاز؛ لأنّ ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت.
стр. 5275
القاعدة الثّامنة والتّسعون [لإذن، وما يقوم مقام الإذن]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يقوم ما يدلّ على الإذن مقامه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق مثل هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الدّال القاعدة رقم ٣٢.
الإذن: هو السّماح لآخر بفعل شيء أو تناوله، وما يقوم مقام الإذن ممّا يدلّ عليه يكون حكمه مثله. كدلالة الحال والإشارة والسّكوت في بعض الأحيان.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أتى بالطّعام ووضعه بين يدي الضّيف، ولم يتكلّم، فإنّه يجوز للضّيف أن يأكل؛ لأنّ وضع الطّعام بين يديه دليل على السّماح له بالأكل والإذن فيه، بدلالة الحال.
ومنها: دخل دار صديقه وجلس في غرفة الجلوس، فوجد أمامه أو بجواره كتباً فتناول بعضها وقرأ فيها، جاز ذلك له؛ لأنّ دخوله في الغرفة بإذن المضيف يتضمّن إباحة القراءة في الكتب الموضوعة فيها، إلا إذا منعه من ذلك صراحة.
стр. 5276
القاعدة التّاسعة والتّسعون [اليقين - الإقرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليقين شرط في الإقرار (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليقين: أي القطع وعدم الاحتمال شرط في صحّة الإقرار ونفوذه، فما لم يبن الإقرار على اليقين لا يعتدّ به. وهذا أصل من أصول الإمام الشّافعي ﵀، حيث قال: (أصل ما أبني عليه الإقرار أنّي استعمل اليقين وأطرح الشّك ولا أستعمل الغلبة).
وقال ﵀: ولا يجوز عندي أن ألزم أحداً إقراراً إلا بيِّن المعنى، فإذا احتمل ما أقرّ به معنيين ألزمته الأقلّ؛ لأنّ الأقلّ هو المتيقّن، وجعلت القول قوله، ولا ألزمه إلا ظاهر ما أقرّ به بيِّناً (٢). وينظر من قواعد حرف الهمزة الرقمان ٢٧٧ - ٢٧٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقرّ أنّه قد وهبه شيئاً وملّكه إيّاه، لم يكن مقرّاً بالقبض؛ لأنّه ربّما اعتقد أنّ الهبة لا تتوقّف على القبض.
стр. 5277
ومنها: إذا أقرّ لحمل أو مسجد وأطلق، ففيه قولان: - أي الصّحّة يحمل إقراره على الجهة الممكنة في حقّه كالهبة والوقف. والقول الآخر: عدم الصّحّة لعدم أهليّة المُقرِّ له لاستحقاق الحقّ المقرَّ به.
стр. 5278
القاعدة المتمّمة للمئة [اليقين - الشّكّ]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
اليقين لا يزول إلا بيقين مثله (١).
وفي لفظ: اليقين لايزول - لا يزال - بالشّكّ (٢).
وفي لفظ: اليقين لا يرفع - لا يترك - بالشّكّ (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة من القواعد الكلّيّة الكبرى، المتّفق على معناها ومدلولها.
اليقين في اللغة: مِن يَقِين الماء في الحوض، بمعنى استقرّ فيه.
واليقين: هو طمأنينة القلب على حقيقة الشّيء. ومن معانيه القطع.
والشّكّ في اللغة: مطلق التّردّد، أو هو التّردّد بين النّقيضين دون ترجيح لأحدهما، وعند الفقهاء: تردّد الفعل بين الوقوع وعدمه - وهو قريب من المعنى اللغوي -.
стр. 5279
وعند الأصوليين: هو استواء طرفي الشّيء. وهو الوقوف بين شيئين حيث لا يميل القلب لأحدهما، فإن ترجّح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظنّ، فإن طرحه فهو غالب الظّنّ وهو بمنزلة اليقين، وإن لم يترجّح فهو وهم.
ومعنى القاعدة الفقهي: أنّه إذا ثبت أمر من الأمور ثبوتاً يقينياً قطعيّاً - وجوداً أو عدماً - ثم وقع الشّكّ في وجود ما يزيله، يبقى المتيقّن هو المعتبر إلى أن يتحقّق السّبب المزيل (١).
وهذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو أكثره (٢). كما أنّه يندرج تحت هذه القاعدة عدد كبير من القواعد الكلّيّة الفرعيّة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ثبت دين على شخص وشككنا في أدائه، فهو باق؛ لأنّ اليقين هو انشغال ذمّة المدين بالدّين.
ومنها: إذا ادّعى شخص على آخر ديناً، وأنكر المدّعى عليه، فإنّ القول قوله مع يمينه؛ لأنّ الأصل براءة الذّمة عن الدّين. والبراءة متيقّنة وإشغال الذّمّة مشكوك فيه فلا بدّ من إقامة البيّنة عليه، فما لم يقم المدّعي البيّنة على دعواه، فيكون القول قول المدّعى عليه مع يمينه لأنّه متمسّك بالأصل المتيقّن.
стр. 5280
القاعدة الحادية بعد المئة [اليقين - الظّنّ - الشّكّ - المظنّة - الحقيقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليقين مقدّم على الظّنّ، والظّنّ مقدّم على الشّكّ، والمظنّة لا يعتبر معها وجود الحقيقة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها .
هذه في الواقع ثلاث قواعد، لكن القاعدتان الأوليان مترابطتان ثانيتهما تكمّل أولهما، وثالثتهما لها معنى آخر غير معنى الأوليين وتعطينا حكماً لا ارتباط له بهما.
سبق بيان معنى اليقين في القاعدة السّابقة.
ولمّا كان اليقين هو أقوى المدركات العقليّة كان مقدّماً عليها، فهو أقوى من الظّنّ الذي هو إدراك الجانب الرّاجح دون المرجوح. والظّنّ بهذا الاعتبار أقوى من الشّكّ الذي هو التّردّد بين شيئين مستويي الطّرفين.
أمّا المظنّة فهي اسم مصدر أو مكان أو زمان للشّيء المظنون، وعند الفقهاء والأصوليّين أنّ مظنّة الشّيء تقوم مقامه عند عدم التّيقّن منه. وهذا نوع ارتباط هذه القاعدة بالقاعدتين الأوليين.
فالمظنّة إذا قامت مقام حقيقة الشّيء في الاعتبار فلا يعتبر معها
стр. 5281
وجود الحقيقة أو عدمها، فالحكم يدور مع مظنّة الشّيء؛ لأنّ حقيقة الشّيء - في الأصل - غير منضبطة وغير متيقّنة، ولكي يبنى الحكم على قاعدة مستقرّة وعلّة منضبطة لا ينظر إلى حقيقة الشّيء الذي قامت مظنّته مقامه، وينظر القاعدة ٤٣٥ من قواعد حرف الميم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رأينا رجلاً بيده سكّين يقطر منه الدّم، وبجانبه قتيل غارق في دمه، فإنّا نحكم على حامل السّكين أنّه هو القاتل. ولا نلتفت لاحتمال أن يكون القاتل غيره.
ومنها: إذا توضّأ إنسان أو تطهّر، ومضى على طهوره بضع ساعات، ثم شكّ في النّاقض، فإنّه يبني على غلبة ظنّه أنّه ما وجد ناقض.
ومنها: السّفر مظنّة المشقّة فلذلك أقيم مقامها في جواز القصر والجمع والفطر، وهو العلّة الظّاهرة، ولا يعتبر وجود المشقّة في السّفر أو عدم وجودها.
ومنها: النّوم ناقض للوضوء، لكن ليس بنفسه بل لأنّه مظنّة وجود الحدث، لحديث: "العين وكاء السّه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (١).
فمن نام - وقد تيقّن أنّه لم يتلبس بناقض، فيجب عليه الوضوء لقيام النّوم مقام حقيقة النّاقض.
стр. 5282
القاعدة الثّانية بعد المئة [هدايا المشركين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يكره لأمير الجيش أن يقبل هدايا المشركين، فإن قبلها فليجعلها فيئاً للمسلمين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
دليل هذه القاعدة قوله ﷺ : "هدايا الأمراء غلول" (٢).
وهذه القاعدة من قول محمَّد بن الحسن ﵀، وهي تطبيق لحديث رسول الله ﷺ ، وهي إن كانت ذات موضوع خاصّ لكن مفادها أعمّ من موضوعها. فكراهة قبول الهدايا للمسؤولين تشمل ما يهديه المسلمون والمشركون، لكن نصّت القاعدة على هدايا المشركين لأنّها تخصّ قائد وأمير الجيش الذي يجاهد المشركين.
وإلا فإن أمير الجيش أو قائده أو أي ولي أمر أو موظف عامّ أو مسؤول، لا يجوز أن يقبل هديّة في أثناء ولايته أو وظيفته لما فيها من الشّبهة في التّأثير على المهدى إليه، لكن إن قبل المسؤول الهديّة فإنّ
стр. 5283
عليه أن يضعها في بيت مال المسلمين، ولا يخصّ بها نفسه ولا أهله، لأنّه إنّما أهديت إليه - ليس لشخصه المعيّن أو نسبه، وإنّما أهديت إليه لولايته، وما كان للولاية فهو من مال المسلمين العام، فيضمّ إلى المال العام، ولا يجوز له أن يخصّ بها نفسه دون المسلمين وإلا كان غالاًّ غاشّاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عندما يزور شخص ما له مكانته في بلده يزور بلداً آخر، فإنّه يحمل إلى رئيس تلك البلد أو إلى من يزوره من الموظفين العامين هدايا يقدّمها له - وجرى العرف الدّولي على قبول تلك الهدايا، وإهداء المهدي هدايا مقابله - فهذه الهدايا لا يجوز أن يستأثر بها المسؤول المزور أو المضيف، وإنّما عليه أن يضعها في بيت مال المسلمين.
ومنها: الموظّف في دائرة ما لا يجوز له أن يقبل هديّة من أي شخص له علاقة عمل بوظيفته أو له شأن بدائرته، وإلا كان غالاً. إلا إذا كان الشّخص المهدي قد اعتاد أن يهديه قبل أن يتولّى وظيفته لقرابة بينهما أو صداقة قديمة.
стр. 5284
القاعدة الثّالثة بعد المئة [خطأ القاضي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يكون خطأ القاضي في بيت المال لا عليه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاضي عامل للمسلمين، وليس عاملاً لنفسه، ولذلك إذا وقع منه خطأ غير متعمّد في الحكم في قضيّة من القضايا، وترتّب على حكمه الخطأ إتلاف نفس أو مال، ثم تبيّن الخطأ فإنّ الضّمان إنّما يكون على بيت مال المسلمين، وليس على القاضي، إلا إذا تبيّن أنّ القاضي قد أخطأ في حكمه متعمّداً فإنّ الضّمان عليه.
وينظر قواعد حرف الخاء القاعدة رقم ١٩.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
رُفع إلى قاض سارق وشهد عليه شهود بالسّرقة، فقضى القاضي وحكم بقطع يده، وبعد تنفيذ الحكم تبيّن أن الشّهود فسقة أو عبيد أو كذبة، فإنّ ضمان قطع يد السّارق يكون على بيت المال، وإذا تبيّن أنّ شهود الزّور تعمّدوا الكذب فإنّ الضّمان عليهم إذا تعمدوا الكذب.
стр. 5285
ومنها: شهدوا على رجل محصن بالزّنا، فرجمه القاضي، ثمّ تبّين أنّ الشّهود عبيد، فديّة الذي رُجم في بيت المال، لأنّه خطأ القاضي.
стр. 5286
القاعدة الرّابعة بعد المئة [النّادر - الغالب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يلحق النّادر بالغالب في الشّريعة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّادر: ما يقلّ وقوعه جداً.
والغالب: ما يكثر وقوعه.
فمن الأصول في الشّرع أنّ النّادر الحصول لا يعطى حكماً خاصّاً به، وإنّما يعطى حكم الكثير الغالب، ويلحق به. إلا ما استثني.
وقد سبق لهذه القاعدة مثيلات ضمن قواعد حرف النّون تحت الرّقم ٦، ٧، ٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من أتت بولد لستّة أشهر ولحظتين من الوطء يلحق بالغالب قطعاً، وإن كان ذلك نادراً.
ومنها: مَن خلقت بدون بكارة لها حكم الأبكار قطعاً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الميتة. فيه وجهان عند الشّافعيّة.
стр. 5287
أصحّهما: عدم الحنث؛ لأنّ الميتة لا تسمّى لحماً.
ومنها: الإصبع الزّائدة لا تلحق بالأصلية في الدّية قطعاً، وكذلك سائر الأعضاء الزّائدة.
стр. 5288
القاعدة الخامسة بعد المئة [مراعاة الشّروط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يلزم مراعاة الشّرط بقدر الإمكان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بمراعاة الشّرط: تطبيقه عملياً بحسب المتّفق عليه. والمراد بالشّرط هنا الشّرط التّقييدي لا الشّرط التّعليقي، والشّرط الجائز شرعاً.
وإنّما يلزم المحافظة على الشّرط وما يقتضيه بقدر الاستطاعة الممكنة فما زاد عن الطّاقة فلا يلزم مراعاته ولا اعتباره.
فمن اشترط شرطاً في معاملة ما فإنّما عليه تنفيذه بقدر وسعه وطاقته، وكذلك إذا كان لعبادة ما شروط لصحّتها وجوازها فإنّما يجب مراعاتها بالقدرة الممكنة. فما زاد عنها فلا اعتبار له ولا اعتداد به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال المودِع للمودَع: أمسك الوديعة بيدك ولا تضعها ليلاً ولا نهاراً. فوضعها في بيته فهلكت. لم يضمنها؛ لأنّ ما شرطه عليه ليس في الوسع باعتبار العادة، لكن لو اشترط عليه أن لا يسافر بها. وسافر بها فهلكت فهو ضامن لمخالفته الشّرط.
стр. 5289
القاعدة السّادسة بعد المئة [النّهي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يلزم من النّهي عن الجملة النّهي عن آحادها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّهي المقطوع به يقتضي تحريم المنهي عنه، والمنهي عنه كما يكون شيئاً واحداً يكون جملة، فإذا كان النّهي عن شيء واحد فلا يجوز إتيانه ولا فعله
وإذا كان النّهي عن الجملة فإنّ ذلك يتضمّن أيضاً النّهي عن آحاد هذه الجملة وأجزائها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لا تشرب الخمر الّذى في هذه الزّجاجة، حَرُم عليه ما فيها فقط. لكن إذا قال: لا تشرب الخمر. حرم عليه كلّ خمر معيّن أو مبهم.
ومنها: إذا قال: حرمت الخنزير. فيلزم تحريم كلّ خنزير وكلّ أجزاء الخنزير.
ومنها: إذا قال: لا تسرق ولا تزن ولا تشرب الخمر. حَرُم عليه كلّ هذه الثّلاثة فإذا فعل واحداً منها لا يكون منتهياً.
стр. 5290
القاعدة السّابعة بعد المئة [الإقرار - والإنشاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يملك الإقرار ما لا يملك الإنشاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار: اعتراف بحقّ سابق.
الإنشاء: ابتداء فعل.
فلمّا كان الإقرار اعترافاً بأمر سبق وجوده، فإنّه أقوى في إثبات ما تضمّنه من ابتداء فعل قد يوجد ما يمنعه؛ لأنّ الإنشاء يحتاج إلى قدرة وحرّيّة في التّصرّف، قد لا تتوافر في حينه، بخلاف الإقرار الذي لا يمكن تغييره عمّا أقرّ به. إلا أن يوجد ما يكذّبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد أحد الدّائنين تأجيل حصّته في الدّين المشترك، وأبى الآخر لم يجز التّأجيل؛ (لأنّ الحال لا يقبل التّأجيل). لكن لو أقرّ أحدهما أنّه حين وجب الدّين وجب مؤجّلاً، صحّ إقراره؛ لأنّ في إرادته إنشاء التأجيل منعَه حقّ شريكه، وأمّا إقراره فيلزمه ويلزم خصمه أو شريكه.