القاعدة الرّابعة بعد المئة [النّادر - الغالب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يلحق النّادر بالغالب في الشّريعة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّادر: ما يقلّ وقوعه جداً.
والغالب: ما يكثر وقوعه.
فمن الأصول في الشّرع أنّ النّادر الحصول لا يعطى حكماً خاصّاً به، وإنّما يعطى حكم الكثير الغالب، ويلحق به. إلا ما استثني.
وقد سبق لهذه القاعدة مثيلات ضمن قواعد حرف النّون تحت الرّقم ٦، ٧، ٨.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها .
من أتت بولد لستّة أشهر ولحظتين من الوطء يلحق بالغالب قطعاً، وإن كان ذلك نادراً.
ومنها: مَن خلقت بدون بكارة لها حكم الأبكار قطعاً.
رابعاً: ممّا استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الميتة. فيه وجهان عند الشّافعيّة.
стр. 5287
أصحّهما: عدم الحنث؛ لأنّ الميتة لا تسمّى لحماً.
ومنها: الإصبع الزّائدة لا تلحق بالأصلية في الدّية قطعاً، وكذلك سائر الأعضاء الزّائدة.
стр. 5288
القاعدة الخامسة بعد المئة [مراعاة الشّروط]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يلزم مراعاة الشّرط بقدر الإمكان (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بمراعاة الشّرط: تطبيقه عملياً بحسب المتّفق عليه. والمراد بالشّرط هنا الشّرط التّقييدي لا الشّرط التّعليقي، والشّرط الجائز شرعاً.
وإنّما يلزم المحافظة على الشّرط وما يقتضيه بقدر الاستطاعة الممكنة فما زاد عن الطّاقة فلا يلزم مراعاته ولا اعتباره.
فمن اشترط شرطاً في معاملة ما فإنّما عليه تنفيذه بقدر وسعه وطاقته، وكذلك إذا كان لعبادة ما شروط لصحّتها وجوازها فإنّما يجب مراعاتها بالقدرة الممكنة. فما زاد عنها فلا اعتبار له ولا اعتداد به.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال المودِع للمودَع: أمسك الوديعة بيدك ولا تضعها ليلاً ولا نهاراً. فوضعها في بيته فهلكت. لم يضمنها؛ لأنّ ما شرطه عليه ليس في الوسع باعتبار العادة، لكن لو اشترط عليه أن لا يسافر بها. وسافر بها فهلكت فهو ضامن لمخالفته الشّرط.
стр. 5289
القاعدة السّادسة بعد المئة [النّهي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يلزم من النّهي عن الجملة النّهي عن آحادها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النّهي المقطوع به يقتضي تحريم المنهي عنه، والمنهي عنه كما يكون شيئاً واحداً يكون جملة، فإذا كان النّهي عن شيء واحد فلا يجوز إتيانه ولا فعله
وإذا كان النّهي عن الجملة فإنّ ذلك يتضمّن أيضاً النّهي عن آحاد هذه الجملة وأجزائها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: لا تشرب الخمر الّذى في هذه الزّجاجة، حَرُم عليه ما فيها فقط. لكن إذا قال: لا تشرب الخمر. حرم عليه كلّ خمر معيّن أو مبهم.
ومنها: إذا قال: حرمت الخنزير. فيلزم تحريم كلّ خنزير وكلّ أجزاء الخنزير.
ومنها: إذا قال: لا تسرق ولا تزن ولا تشرب الخمر. حَرُم عليه كلّ هذه الثّلاثة فإذا فعل واحداً منها لا يكون منتهياً.
стр. 5290
القاعدة السّابعة بعد المئة [الإقرار - والإنشاء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يملك الإقرار ما لا يملك الإنشاء (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإقرار: اعتراف بحقّ سابق.
الإنشاء: ابتداء فعل.
فلمّا كان الإقرار اعترافاً بأمر سبق وجوده، فإنّه أقوى في إثبات ما تضمّنه من ابتداء فعل قد يوجد ما يمنعه؛ لأنّ الإنشاء يحتاج إلى قدرة وحرّيّة في التّصرّف، قد لا تتوافر في حينه، بخلاف الإقرار الذي لا يمكن تغييره عمّا أقرّ به. إلا أن يوجد ما يكذّبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد أحد الدّائنين تأجيل حصّته في الدّين المشترك، وأبى الآخر لم يجز التّأجيل؛ (لأنّ الحال لا يقبل التّأجيل). لكن لو أقرّ أحدهما أنّه حين وجب الدّين وجب مؤجّلاً، صحّ إقراره؛ لأنّ في إرادته إنشاء التأجيل منعَه حقّ شريكه، وأمّا إقراره فيلزمه ويلزم خصمه أو شريكه.
стр. 5291
ومنها: إذا قال المقذوف: كنت مبطلاً في دعواي (١). سقط الحدّ عن القاذف. لكن المقذوف لا يملك العفو عن القاذف بعد وجوب الحدّ عليه.
ومنها: إذا أراد المريض - مرض الموت - إبراء غريم له عن دين فإنّه يقول: ليس لي عليه دين.
أمّا لو قال أبرأته من الدّين، فلا يصحّ إبراءه لتعلّق حقّ الورثة بالدّين.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا قالت امرأة: لا مهر لي على زوجي، ولا شيء لي عليه. أو لم يكن لي عليه مهر. الصّحيح أنّ إقرارها هذا لا يصحّ, لأنّ المهر ثابت على الزّوج.
ومنها: إذا أقرّ المريض مرض الموت بعبد لامرأته، ثم أعتقه. فإن صدَّقه الوارث يكون العبد لامرأته، فالعتق باطل؛ لأنّه أعتق ما لا يملك.
وإن كذّبه الوارث وقال: إنّ العبد ليس لامرأتك بل هو لك. فالعتق صحيح. ولكن من ثلث المال؛ لأنّ العتق في المرض وصيّة. والوصيّة من الثّلث.
стр. 5292
القاعدة الثّامنة بعد المئة [الأصل والبدل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يُملك البدل بملك الأصل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق قريباً بيان أنّ البدل له حكم المُبدل منه، وبناء على ذلك فإن مَن يملك الأصل يملك بدله عند فقده أو هلاكه، فمن اغتصب منه شيء فوجب على الغاصب ردّه، لكن إذا هلك المغصُوب أو استهلك فإنّ على الغاصب بدله، مثله أو قيمته، للمغصُوب منهُ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوكيل بالبيع إذا أبرأ المشتري من الثّمن جاز - في قول أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله - وضمن للموكّل الثّمن. وعن أبي يوسف: لا يجوز؛ لأنّ الثّمن في ذمّة المشتري ملك للموكّل - لا الوكيل - لأنّه بدل ملكه. فإبراء الوكيل تصرّف في ملك الغير على خلاف أمره.
ومنها: إذا استأجر دابّة ليركبها، فركبها وأركب معه آخر فلم تحملهما الدّابّة فهلكت تحتهما، فالمستأجر ضامن لقيمة الدّابّة للمؤجّر لأنّها بدل ملكه.
стр. 5293
القاعدة التّاسعة بعد المئة [اليمين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
اليمين أبداً تكون على النّفي (١).
وفي لفظ: اليمين لنفي التّهمة (٢).
وفي لفظ: اليمين مشروعة للنّفي في موضعها (٣).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في اليمين في الدّعوى، أن تكون في جانب المدّعى عليه، إذا لم تكن بيِّنة للمدّعي.
فباليمين ينفي المدّعى عليه ما ادّعاه عليه المدّعي. لذلك فاليمين إنّما تكون دائماً لمن يتمسّك بأصل ظاهر ينفي به دعوى المتمسّك يغير الظّاهر.
ولذلك فإنّ اليمين إنّما تكون على النّفي. وهذا عند جمهور الفقهاء.
لكن إذا قلنا: إنّ المدّعى عليه إذا نكل عن اليمين فإنّ اليمين تردّ على المدّعي، كما يقول الشّافعيّة وآخرون، فإنّ اليمين هنا تكون أيضاً على الإثبات.
стр. 5294
قال الزّركشي في المنثور: اليمين في المحكمة نوعان: يمين دفع - وهي يمين النفي - ويمين إيجاب: وهي يمين إثبات.
فيمين الإيجاب خمسة: اللعان، القسامة، ويمين إيجاب مع الشّاهد الواحد في الأموال، ويمين المدّعي إذا نكل المدّعى عليه عن اليمين. ويمين الاستظهار مع إقامة البيِّنة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
ادّعى شخص على آخر أنّه أتلف له شيئاً أو استهلكه، وطلب يمين خصمه، فإنّ المدّعى عليه يحلف أن المدّعي لا حقّ له قبله، أو أنّه لم يتلف له شيئاً أو لم يستهلك منه شيئاً.
ومنها: إذا ادّعى إنسان على آخر ديناً، فأنكر المدّعى عليه، ولا بيَّنة للمدّعي، فإنّ المدّعى عليه يحلف أنّه ليس للمدّعي أي دين عليه.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة .
ادّعى على آخر ديناً، ولم يأت إلا بشاهد واحد، وطلب يمين خصمه المدّعى عليه، فنكل عن اليمين - أي امتنع - المدّعى عليه عن الحلف. فإذا كان القاضي شافعيّاً أو ممّن يرون ردّ اليمين على المدّعي، فإنّه يردّ اليمين على المدّعي فيحلف على صدق دعواه، أو على ما ادّعاه فيحكم له القاضي بالمدّعى. وهنا كانت اليمين للإثبات لا للنّفي.
ومنها: إذا ادّعت الزّوجة البينونة، فيعرض اليمين على الزّوج فينكر وينكل، فيلزم الزّوجة الحلف على وقوع البينونة حفظاً لبعضهما من الزّنى وتوابعه من الخلوة وغيرها.
стр. 5295
القاعدة العاشرة بعد المئة [اليمين وصفة المحل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين إذا عقدت على صفة كانت صحّتها لصفة محلّها (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إنّ اليمين إذا عقدت على وصف خاصّ فإنّ هذه اليمين لا تكون صحيحة إلا بوجود تلك الصّفة، فكأنّ وجود تلك الصّفة وتحقّقها شرط في صحّة اليمين. وقد سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة تحت لفظ (الأصل) رقم ٥٠١.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لامرأته: إذا ولدت ولداً فله كذا. فولدت ولداً ميّتاً، ثم ولدت ولداً آخر حيّاً. فعند أبي حنيفة ﵀: إن المولود الحيّ يستحقّ ما وعد به؛ لأنّ المولود الذي يستحقّ الملك إنّما هو الحيّ لا الميّت، فكأنّ الحياة صارت مشروطة في يمينه أو شرطه دلالة.
ومنها: إذا حلف ليسافرنّ بالطّائرة. فلا يبرّ بيمينه ما لم يركب الطّائرة مسافراً، فلو سافر بالسّيّارة لا يبرّ ويلزمه الحنث؛ لأنّ صحّة يمينه مشروطة بركوب الطّائرة.
стр. 5296
القاعدة الحادية عشرة بعد المئة [اليمين - الحقيقة - المجاز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين إذا كانت لها حقيقة مستعملة ومجاز متعارف فالعبرة للحقيقة (١).
ثانياً: معنى هذه العبارة ومدلولها:
اليمين - كغيرها من مشتملات الألفاظ - قد تكون لها حقيقة مستعملة وقد يكون لها مجاز متعارف معاً. فالعبرة والاعتداد بالحقيقة - عند أبي حنيفة ﵀ ولا يعتدّ بمجازها؛ لأنّ الحقيقة راجحة بكونها حقيقة، وكونها مستعملة. ولكن عند صاحبيه يجوز إعمال الحقيقة والمجاز معاً. وقد سبقت هذه القاعدة ضمن قواعد حرف الهمزة بلفظ (الأصل) تحت الرّقم ٥٠٢.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف رجل لا يأكل من هذا القمح، فأكل من خبزه، فعند أبي حنيفة ﵀ لا يحنث؛ لأنّ الخبز لا يسمّى قمحاً؛ لأنّ القمح يؤكل حقيقة قضماً. وقد يؤكل مشوياً. وأمّا عند صاحبيه فيحنث لو أكل من خبز القمح لأنّه مجاز متعارف. وهذا إذا لم يكن للحالف نيَّة، فإن كان له نيَّة فيحمل عليها.
стр. 5297
القاعدة الثّانية عشرة بعد المئة [اليمين - الظاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين حجّة مَن يشهد له الظّاهر (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى قاعدة سبقت قريباً وهي أنّ اليمين إنّما تعتبر حجّة ودليلاً في الدّعاوى لمن يشهد له الأصل الظّاهر. والبيِّنة على المتمسّك بخلاف الأصل والظّاهر. وهي اليمين على النّفي التي سبق بيانها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى شخص على آخر أنّه قد أضاع وديعته أو استهلكها أو قصَّر في حفظها. وأنكر المودَع ذلك. فإذا لم يأت المودِع ببيّنة تصدّق دعواه وتشهد له، فإنّ قول المودَع مقبول مع يمينه في ردّ دعوى خصمه؛ لأنّ الظّاهر معه، وهو عدم ضمان الوديعة؛ لأنّ الأصل في الأمانات أنّها غير مضمونة، وخصمه بدعواه ضياعها يريد تضمينه، وهو ينكر الضّمان.
ومنها: إذا ادّعى ديناً على آخر، فأنكر، وطلب يمينه فهو يحلف على براءة ذمّته من الدّين، (والأصل براءة الذّمّة).
стр. 5298
القاعدة الثّالثة عشرة بعد المئة [اليمين الفاجرة - البيّنة العادلة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين الفاجرة أحقّ أن تُرَدّ من البيّنة العادلة (١). من قول أمير المؤمنين عمر ﵁.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة أثر من قول سيّدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁.
واليمين الفاجرة: هي اليمين الكاذبة الظّالمة، والفاجر هو صاحبها الحالف.
والبينة العادلة: هى الحجّة الصّحيحة القويّة، والمراد بها شهادة الشّهود العدول. فردُّ اليمين الكاذبة وعدم العمل بموجبها أولى من ردّ شهادة الشّهود العدول؛ لأنّ الشّخص قد يحلف كاذباً: ولكن الشّهود العدول لا يشهدون زوراً أو باطلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى شخص أمام القاضي أنّه غصب منه سيّارة جديدة، وادّعى الغاصب أنّها قديمة، ولم يُقِم المدّعي البيِّنة على دعواه، فوجّه القاضي اليمين على المدّعى عليه فحلف أنّها كانت قديمة. فحكم القاضي
стр. 5299
عليه بقيمة القديمة. ثم بعد ذلك جاء المدّعي بشاهدين عدلين يشهدون له أنّ السّيّارة كانت جديدة، فإنّ على القاضي أن يحكم بهذه الشّهادة ويلزم الغاصب بالفرق بين قيمة السّيّارة القديمة والجديدة، وفي ذلك ردّ يمينه لأنّه تبيّن أنّها كانت كاذبة فاجرة.
стр. 5300
القاعدة الرّابعة عشرة بعد المئة [بت اليمين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
اليمين على البتّ إلا أن يحلف على نفي فعل غيره فهو على نفي العلم (١).
وفي لفظ: اليمين في الإثبات على البتّ مطلقاً (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
المراد بالبتّ: القطع. أي يحلف على يقين ثابت إذا كان المحلوف عليه فعل نفسه أو فعل غيره، وهذا المراد بيمين الإثبات. وكذلك لو حلف على نفي فعل نفسه.
لكنّه إذا أراد الحلف على نفي فعل غيره فهو يحلف على نفي العلم، ولا يجوز له أن يحلف على العلم, لأنّ نفي فعل الغير لا يوقف عليه يقيناً لتعذّر ذلك.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا طلب منه يمين على أمر فعله أو لم يفعله، فإنّه يحلف على يقين فعله أو عدم فعله، بأن يقول: والله لقد فعلته، أو لم أفعله, لأنّه على يقين من تصرّفه وعمله. وكذلك لو طلب منه يمين على فعل
стр. 5301
غيره، فيقول: والله لقد فعله.
لكن لو طلب منه يمين على نفي فعل غيره فيقول: والله لا أعلم هل فعله أو لم يفعله.
ومنها: إذا جاء بشاهدين يشهدان له: أنّه الوريث الوحيد لمورثه وأنّه لا وارث له غيره، فإنّ الشّاهدين يحلفان أنّهما لا يعلمان له وريثاً غيره. ولا يجوز أن يحلفا ويقولا: والله ليس له وريث غيره. لاحتمال وجود وريث آخر لا يعلمان به.
стр. 5302
القاعدتان الخامسة عشرة والسّادسة عشرة بعد المئة [نيّة اليمين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
اليمين على نيّة الحالف إن كان مظلوماً. وعلى نيَّة المستحلف إن كان - أي الحالف - ظالماً (١).
وفي لفظ: اليمين على نيّة الحالف إن كان مظلوماً، وإن كان ظالماً فعلى نيَّة المستحلف (٢).
وفي لفظ: اليمين على نيَّة المستحلف، إلا إذا كانت اليمين بالطّلاق والعتاق ونحو ذلك تحت نيّة الحالف، وإذا كانت اليمين بالله وكان الحالف مظلوماً (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
القاعدتان الأوليّان من قول إبراهيم النّخعي (٤) ﵀. وهما بمعنى واحد ولفظ متقارب جداً، والقاعدة الثّالثة بمعنى القاعدتين
стр. 5303
السّابقتين لها ولكنّها أضافت شيئاً لم تتضمنّه تلكما القاعدتان وهو اليمين بالطّلاق والعتاق.
المستحلف: هو القاضي. الحالف: هو المدّعى عليه.
الأصل في يمين النّفي دفع دعوى الخصم - كما سبق بيانه - ولذلك وجب أن تكون مطابقة للدّعوى، وهذا معنى قول الرسول ﷺ : "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (١).
لكن في بعض الأحيان قد يكون المدّعى عليه مظلوماً، فإذا حلف على نيّة خصمه أو القاضي ضاع حقّه، أو أصابه ضرر فادح، وإن نكل ألزم بالمدّعى. ولذلك فتح باب التّورية في هذه الحال بأن يحلف المظلوم وينوي بحلفه أمراً آخر غير موضوع الدّعوى ليخلص له حقّه، أو يتخلّص من ظلم يصيبه.
لكن خرج عن ذلك فيما إذا كانت اليمين بطلاق أو إعتاق ففي هذه الحالة لا تصحّ التّورية ولا التّعريض بل لا بدّ أن تكون اليمين مطابقة للدّعوى تماماً ولكن على نيّة الحالف - لا المستحلف - لأنّ ما يتعلّق بالطّلاق والعتاق لا يعلم الحقّ فيه إلا الذي حلفه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لإنسان على آخر دين فجحده إيّاه، وليس للدّائن دليل أو بيّنة على دعواه ولكنّه صادق فيما يدّعيه. وخصمه جاحد، فإذا أمكن للدّائن أن يظفر بجنس حقّه فأخذ مقدار دينه، فرفع المدين الجاحد
стр. 5304
دعوى على الدّائن بأنّه سرق منه مبلغاً من المال، فأنكر الدّائن، فوجّه عليه القاضي اليمين. فله أن يحلف أنه ما سرق من مال المدّعي شيئاً؛ لأنّه في الحقيقة أخذ حقّه وماله عنده، ولحم يأخذ من مال المدّعي شيئاً. وهذه تسمى مسألة الظَّفَر.
ومنها: رجل هرب إلى دار رجل آخر - خوفاً من الأذى - فحلف صاحب الدّار أنّه لا يدري أين هو - وأراد أنّه لا يدري في أي مكان هو في الدّار - لا يحنث في يمينه، وإذا حلِّف على رؤيته، فيحلف أنّه ما راه، وينوي أنّه لم يطعنه في رئته. وهو صادق على كلّ حال.
ومنها: إذا كان الحالف شافعيّاً، وحلف أن لا شفعة عليه للجار. فيحلف على نيّته لا نيَّة المستحلف - الحاكم أو القاضي -؛ لأنّ الشّافعي ﵀ لا يرى الشّفعة للجار.
стр. 5305
القاعدة السّابعة عشرة بعد المئة [التّداعي واليمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين في التّداعي على أقوى المتداعيين (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
التّداعي: تفاعل من الدّعوى؛ لأنّها تكون بين طرفين المدّعي والمدّعَى عليه.
أقوى المتداعيين: القوّةَ هنا المراد بها التّمسّك بالأصل الأقوى والأثبت في الشّرع. وليس المراد بأقوى المتداعيين القوّة البدنية أو المادّيّة، بل القوة في الموقف بالنّسبة للدّعوى، فالمتمسّك بالأصل والظّاهر أقوى موقفاً وحجة من المتمسّك بخلاف الأصل، ولذلك كانت عليه اليمين. وهو المدّعى عليه.
ولمّا كان المدّعي يتمسّك بخلاف الأصل - ويريد إثبات ما لم يكن ثابتاً - كان أضعف المتداعيين فكان عليه البيّنة - أي الإشهاد والحجّة لإثبات دعواه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اختصم اثنان في أمر وتداعيا إلى القضاء، فإنّ القاضي يطلب
стр. 5306
من المدّعي بيّنته؛ لأنّه يريد إثبات أمر غير ثابت أصلاً، كمن يدّعي على آخر مالاً، فإنّ القاضي يطلب منه إحضار بيّنته - أي شهوده الذين يشهدون له بالحقّ على خصمه - فإن لم يأت ببيّنة تشهد له، فإنّ القاضي يوجّه اليمين على المدّعَى عليه - المنكر للدّعوى - فيحلف أنّ دعوى خصمه باطلة وأنّه ليس له عليه شيء مستحقّ.
стр. 5307
القاعدة الثّامنة عشرة بعد المئة [اليمين مع الظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين في الخصومات مع الظّاهر في جانب من كان الظّاهر معه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة بمعنى سابقتها, لأنّ من كان الظّاهر بجانبه ومعه فهو الأقوى موقفاً ولذلك كانت عليه اليمين. وعلى الخصم الأضعف موقفاً - المتمسّك بخلاف الظّاهر - البيّنة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
ادّعى شخص على آخر أنّه قد أتلف له زرعاً أو قتل له دابّة وطلب تعويض المتلف، أو قيمة الدّابّة، وأنكر المدّعى عليه الدّعوى، فطلب القاضي من المدّعي شهوده على دعواه، فلم يأت بشهود يشهدون له، فوجّه القاضي اليمين على المدّعَى عليه المنكر للضّمان، والمتمسّك بالأصل والظّاهر وهو براءة الذّمّة، فحلف، فسقطت دعوى المدّعي.
стр. 5308
القاعدتان التّاسعة عشرة والعشرون بعد المئة [اليمين وتحليل الحرام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
اليمين الكاذبة لا تحلّ الحرام (١).
وفي لفظ: اليمين الكاذبة لا ترفع الحرمة (٢).
وفي لفظ: اليمين لا تأثير لها في تغيّر الأحكام - عند الشّافعيّة (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
اليمين الكاذبة هي التي لا تطابق الواقع، ويحلف بها صاحبها وهو يعلم أنّه يكذب وهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم أو في نار جهنم نعوذ بالله منها.
ودليل هذه القواعد قوله ﷺ : "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم - هو فيها فاجر - لقي الله وهو عليه غضبان" (٤). وقوله ﷺ : "من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب له الله النار وحرّم عليه الجنّة، وإن
стр. 5309
كان قضيباً من أراك" (١).
واليمين الفاجرة هي اليمين الكاذبة التي تقتطع بها حقوق الناس وتُؤكل أموالهم، ولكنّها لا تغيّر حقيقة الأحكام، ولا تجعل الحرام حلالاً ولا الحلال حراماً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا ادّعى عليه مالاً - ولا بيّنة له - وطلب يمين خصمه، فحلف المدّعَى عليه يميناً كاذبة فلا يحلّ له المال، وإن حكم القاضي له بيمينه، لأنّ القاضي إنّما يحكم بظواهر الأمور لا ببواطنها.
ومنها: اختصما في أرض فحلف أحدهما أنّها له - وهو كاذب - فإنّ القاضي يحكم له بيمينه، ولكن لا تحلّ له الأرض، ولا يكون حكم القاضي دليلاً على الحلّ.
стр. 5310
القاعدة الحادية والعشرون بعد المئة [اليمين المنعقدة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين لا تنعقد إلا على معقود عليه، فإن لم تنعقد فلا كفّارة - عند أبي حنيفة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليمين المنعقدة: هي اليمين التي توجب الكفّارة بالحنث، وهي اليمين على أمر مستقبل ممكن الحصول يفعله أو لا يفعله، وقد عزم وعقد القلب عليه فعلاً أو تركاً.
فإن كان المحلوف عليه ممكناً في المستقبل فهي المنعقدة، وإمّا إن كان المحلوف عليه مستحيلاً فلا تنعقد اليمين وتَكون لغواً، ولا كفّارة فيها عند جمهور الفقهاء.
لكن أبا يوسف ﵀ يرى أنّ اليمين تُكَفَّر سواء كان المحلوف عليه ممكناً أم مستحيلاً، ما دام على أمر في المستقبل. وقد سبقت هذه القاعدة ضمن حرف الهمزة بلفظ (الأصل) تحت الرّقم ٥٠٣.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حلف أن لا يأكل من هذا الطّعام، فإن أكل منه حنث وعليه الكفّارة.
стр. 5311
ومنها: حلف أن يزور فلاناً غداً، فإن زاره في الغد انحلّت يمينه، وإن لم يزره في الغد حنث ووجب عليه الكفّارة.
رابعاً: مما استثني من مسائل هذه القاعدة:
إذا حلف ليشربنّ ما في هذه الكأس من الماء. فإذا هي فارغة لا ماء فيها - وهو لا يعلم - لم يحنث عند جمهور الفقهاء لعدم المعقود عليه، ولا كفّارة عليه.
وأمّا عند أبي يوسف فيحنث في الحال وعليه الكفّارة.
ومنها: إذا حلف ليقتلنّ فلاناً - فإذا هو ميّت - وهو لا يعلم. لا يحنث عند الجمهور لعدم إمكان البرّ، ويحنث عند أبي يوسف ﵀.
стр. 5312
القاعدتان الثّانية والثّالثة والعشرون بعد المئة [اليمين المردودة]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة
اليمين المردودة كالإقرار أو كالبيِّنة؟ (١)
وفي لفظ: اليمين المردودة كالبيّنة أو الإقرار في حقّ المتنازعين دون غيرهما (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
اليمين المردودة: هي اليمين التي تردّ على المدّعي عند نكول المدّعى عليه عن الحلف. وكان المدّعي قد أتى بشاهد واحد فقط. فتقوم يمين المدّعي مقام الشّاهد الآخر.
وقوّة هذه اليمين كقوّة البيّنة - أي الشّهادة - في حقّ المتنازعين - دون غيرهما, لأنّها تكون بجانب الشّاهد الواحد. وإذا حلف المدّعي مع شهادة شاهده فإنّ الحقّ المدّعى به يحكم به للمدّعي بهذه اليمين مع شاهده.
لكن العمل بهذه اليمين له شروط:
١ - أن تكون إذا أتى المدّعي بشاهد واحد ونكل المدّعى عليه عن اليمين.
٢ - أن يكون الحقّ لآدمي. فأمّا في حقوق الله تعالى فلا. فمن
стр. 5313
نكل عن الحلف أنّه لم يزن أو لم يسرق - لا يحدّ.
٣ - أنّ الحكم إنّما هو بالنّسبة للحالف والنّاكل فقط. وأمّا في حقّ ثالث فلا يتعدّى، وذلك ليخرج من نكل عن يمين نفي القتل العمد، فلا تتحمّله العاقلة، إذا حلف المستحقّ، وليس لمن نكل عن يمين نفي القتل الخطأ.
٤ - أنّه بالنّسبة للأمور التّقديريّة لا التّحقيقيّة.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا ادّعى شخص على آخر أنّه زوّجه ابنته. فأنكر الأب - ولم يكن للمدّعي بيّنة كاملة، وطلب يمين الأب. فنكل الأب عن اليمين. فردّت اليمين على المدّعي فحلف، فإنّه تسلّم له زوجته.
ومنها: إذا ادّعى شخص على القاتل أنّه قتل وليّه خطأ، ونكل الجاني عن اليمين، فحلف المدّعي، فإنّ الدّية تثبت على العاقلة - وإن كانت العاقلة غير الجاني لكنّها ليست أجنبيّة عنه.
ومنها: ادّعى على مفلس أنّه أتلف مالاً له، فأنكر، فردّت اليمين على المدّعي - قبلت وألزم المدّعى عليه بالمدّعى به.
стр. 5314
القاعدة الرّابعة والعشرون بعد المئة [اليمين والاستصحاب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين لإبقاء ما كان على ما كان، لا لإثبات ما لم يكن (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
اليمين أمام القضاء - كما سبق قريباً - إنّها للنّفي، أي هي موضوعة ومشروعة لنفي التّهمة أو الدّعوى التي يدّعيها الخصم المدّعي، ويترتّب على العمل بهذه اليمين إبقاء الأمر على ما كان عليه قبل الحلف بها، من براءة ذمّة المدّعى عليه من الدّعوى ودفع التّهمة التي كانت لأجل ذلك اليمين.
ولأنّه - كما سبق - أنّ اليمين تكون للدّفع في أصل مشروعيتها، ويترتّب على ذلك: أنّ اليمين ما دامت مشروعة للنّفي ولإبقاء ما كان على ما كان فإنّها لا تثبت للحالف شيئاً لم يكن ثابتاً من قبل؛ لأنّ إثبات ما لم يكن إنّما يكون طريقة البيّنة لا اليمين. فحاجة المدّعي للشّهود لإثبات ما لم يكن ثابتاً، واليمين ليست كذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى المودِع أنّ المودَع قد أضاع الوديعة، وحلف المودَع أنّه
стр. 5315
ما أضاعها، وإنّما سرقت من غير تفريط منه، فبيمينه سقطت دعوى المدّعي الضّمان على المودَع، لكن إذا ظهرت الوديعة بعد ذلك، أو وجدت فإنّ يمين المودَع لا تجعل له فيها حقاً، بل هي مردودة على صاحبها.
ومنها: إذا اشترى الرّجل دابّة فوجد بها عيباً. وقال للبائع: بعتني وهذا العيب فيها، وأنكر البائع - ولا بيّنة للمشتري، فعلى البائع اليمين؛ لأنّه منكر للرّدّ؛ ولأنّ مقتضى مطلق البيع اللزوم. فالمشتري يدّعي لنفسه حقّ الفسخ بسبب العيب، والبائع ينكر، فكان القول قوله مع يمينه، وتبقى الدّابّة في ملك المشتري.
стр. 5316
القاعدة الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون بعد المئة [قيد اليمين]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
اليمين مبنيّة على عرف الحالف (١).
وفي لفظ: اليمين تتقيد بها عرف من مقصود الحالف (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
سبق لهاتين القاعدتين أمثال: ضمن قواعد حرف الهمزة تحت الأرقام ٦٦٠ - ٦٦٥.
إنّ ألفاظ الأيمان التي يحلفها الناس - وإن كان الأصل في الألفاظ حقائقها - لكنّها أي الأيمان إنّما تبنى على ما يفهمه الناس من عوائدهم وأعرافهم، لا على معانيها اللغوية، إلا إذا نوى الحالف الإطلاق أو المعنى اللغوي دون العرفي.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
من حلف لا يأكل رأساً لا يحنث؟ إلا بأكل رأس تعارف الناس في بلده على أكله، كرأس الغنم. للعرف والعادة في ذلك.
стр. 5317
القاعدة السّابعة والعشرون بعد المئة [اليمين والدّعوى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
اليمين تنبني على دعوى صحيحة (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أنّ اليمين المعتدّ بها، والتي تبنى عليها أحكامها هي اليمين أمام القضاء، ولذلك فإنّ اليمين لكي يعتدّ بها أمام القضاء ويكون الحكم بموجبها يشترط لها أن تكون بناء على دعوى صحيحة، لا دعوى فاسدة أو باطلة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ادّعى على شخص مالاً مجهولاً. وطلب يمين خصمه، فإنّ القاضي لا يجيبه إلى ذلك، ولا يطلب اليمين من المدّعى عليه؛ لأنّ الدّعوى بالمجهول باطلة، فإذا فسّر المال، وبيَّن مقداره ونوعه، ولم يأت ببيّنة تثبت دعواه، وطلب يمين خصمه فهنا للقاضي أن يوجّه اليمين على المدّعى عليه؛ لأنّ الدّعوى صحيحة.
ومنها: إذا ادّعى العامل المساقي أنّ ربّ النّخل قد اتّفق معه على السّدس من الثّمر، ثم مات، وجاء غرماؤه وورثته يدّعون الزّيادة، وجاءوا بشهود، فلا تقبل شهادة الشّهود؛ لأنّ إقرار العامل بالسّدس
стр. 5318
أكذبهم فلا تقبل شهادتهم له. وإذا طلبوا يمين ربّ النّخل فلا يحلف؛ لأنّ الدّعوى غير صحيحة, لأنّ العامل بإقراره بالسّدس، قد أكذب شهوده فبطلت الدّعوى.
стр. 5319
القاعدة الثّامنة والعشرون بعد المئة [الحكم - الظّاهر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ينبني الحكم على الظّاهر ما لم يتبيّن خلافه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
سبق معنى الظّاهر: وهو الحال المؤيّدة للمقصود دلالة. وليس المراد هنا اللفظ الذي يغلب على الظّنّ فهم معنى منه مع تجويز غيره.
الأحكام إنّما تبنى على ما يفهم من دلائل الأحوال المحيطة بالمقصود، كالعرف، وحال المتكلّم، وما يدلّ على مقصوده من المعاملة. إلا إذا قامت أدلّة على أنّ الظّاهر هذا غير مقصود.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أراد شخص أن يشتري من بائع عنباً. فلا ينبغي للبائع أن يسأل المشتري لماذا يشتري العنب، لأنّ الظّاهر أنّ من يشتري العنب من آحاد الناس إنّما يشتريه ليأكله، وبخاصّة إذا كانت الكميّة معقولة بحسب العرف والعادة.
لكن إذا أراد المشتري أتى يشتري كميّة كبيرة من العنب - وهو غير تاجر في الفواكه مثلاً - وقد يظنّ أو يغلب على الظّنّ أنّه يصنعه خمراً. ففي هذه الحالة خلاف في جواز بيعه، والغالب أنّه يجوز؛
стр. 5320
لأنّه قد يريد أن يعصره ليكون خلاً، أو عصيراً لا خمراً. إلا إذا عُرِف بصناعة الخمر يقيناً، أو ظنّاً غالباً، أو قامت ضدّه شبهة قويّة. ففي هذه الحال يكره بيعه.
ومنها: بيع أحد الرّقيقين نسمة للعتق جائز - والمراد بالنّسمة الرّقيقان المنهي عن التّفريق بينهما كالأم وولدها - ولو فرّق بينهما، ولا حجّة لمن يقول: بأنّ المشتري ربّما لا يعتق؛ لأنّ الظّاهر أنّه إنّما اشتراه للعتق فجاز بيعه لذلك.
стр. 5321
القاعدة التّاسعة والعشرون بعد المئة [المجهول المعدوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ينزل المجهول منزلة المعدوم وإن كان الأصل بقاءه إذا يُئِس من الوقوف عليه أو شُقّ اعتباره (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المجهول: هو غير المعروف لجهالة اسمه أو صفته أو مكانه. فهذا المجهول ينزل منزلة المعدوم في الحكم. وإن كان الأصل في المجهول وجوده وبقاءه - لكن لمّا يُئِس من الوقوف عليه أو تعذّر اعتباره وشقّ وجوده نُزَّل منزلة المعدوم فيبنى الحكم على أنّه معدوم أصلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الزّائد على ما تجلسه المستحاضة من أقلّ الحيض أو غالبه إلى منتهى أكثره حكمه حكم المعدوم، حيث حكمنا فيها للمرأة بأحكام الطّاهرات كلّها، فإنّ مدّة الاستحاضة تطول ولا غاية لها تنتظر بخلاف الزّائد على الأقلّ في حقّ المبتدأة.
ومنها: النّفاس المشكوك في انقضائه، تقضي فيه الصّوم لأنّه لا يتكرّر.
стр. 5322
ومنها: اللقطة بعد الحول، فإنّها تُتَملّك لجهالة ربّها، وكذلك الودائع والغصُوب.
ومنها: مال من لا يعلم له وارث، فإنّه يُوضع في بيت المال كالضّائع، مع أنّه لا يخلو من بني عمّ أعلى. إذ النّاس كلّهم بنو آدم. فمن كان أسبق إلى الاجتماع مع الميّت في أب من آبائه فهو عصبته. ولكنّه مجهول، فلم يثبت له حكم، وجاز صرف المال في المصالح.
ومنها: إذا اشتبه حرام قليل بمباح كثير. فيعتبر الحرام معدوماً لقلّته وجهالته.
стр. 5323
القاعدة الثّلاثون بعد المئة [المستفيض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
ينزل المستفيض منزلة المعلوم (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المعلوم: المراد به هنا المقطوع به يقيناً، وهو المتواتر من الأخبار.
والمستفيض: هو المشهور. وهو أدنى من المعلوم، لكن لمّا كان قريباً منه فإنّه ينزل منزلته ويأخذ حكمه. كغالب الظّنّ فإنّه يأخذ حكم اليقين في الاعتبار والعمل، ولكن بشرط: أن لا يتعارض المستفيض مع مستفيض مثله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا استفاض - أي انتشر وذاع - فسق الشّاهد واشتهر بين الناس فلا حاجة للبحث والسّؤال عنه.
ومنها: قبول الشّهادة بالاستفاضة في الموت والنّسب. أي أنّه إذا استفاض واشتهر بين الناس موت شخص معروف لديهم، فلكلّ واحد يجوز أن يشهد بموته ووفاته. وكذلك إذا استفاض واشتهر بين الناس نسب شخص معروف لديهم. وغير ذلك من الأمور التي محلّها كتب الفقه العام كالوقف والنّكاح والرّضاع والإسلام.
стр. 5324
القاعدة الحادية والثلاثون بعد المئة [يوم الموت - يوم القتل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
يوم الموت لا يدخل تحت القضاء بخلاف يوم القتل (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
يوم الموت: هو اليوم الذي مات فيه الشّخص.
يوم القتل: هو اليوم الذي قتل فيه.
فإذا رفع أمر إلى القضاء له تعلّق بموت إنسان أو قتله، وكان ذكر ذلك اليوم الذي مات أو قتل له مدخل في الحكم، فإنّ اليوم الذي يكون الموت فيه لا يعتبر داخلاً، إنّما يعتبر ما قبله - واليوم الذي يدّعى فيه القتل يعتبر داخلاً.
والمراد بدخول اليوم ووقوعه تحت القضاء: بناء الحكم على دخوله أو عدم دخوله، وذلك لأنّ الموت من حيث هو موت ليس محلاً للنّزاع بخلاف القتل.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أقام شخص البيّنة على أنّ من شهدوا على إقرار أبيه في وقت
стр. 5325
كذا، كان أبوه ميّتاً في ذلك الوقت. قلا تقبل هذه الشّهادة ولا ذلك الإقرار؛ لأنّ زمان الموت لا يدخل تحت القضاء.
ومنها: إذا أقام بيّنة وشهوداً أنّ فلاناً مات يوم كذا، وادّعت المرأة نكاحاً منه بعد ذلك اليوم وبرهنت - أي أتت بالبيّنة على دعواها - أنّه تقبل دعواها ويقضى لها بالنّكاح.
أمّا إذا أقام بيّنة وشهوداً أنّ فلاناً قتل يوم كذا فبرهنت المرأة أنّ هذا المقتول نكحها بعد ذلك اليوم، لا يقبل قولها.
ومنها: إذا برهن الوارث أنّه قُتِل مورّثه في يوم كذا، فبرهن المدّعى عليه أنّ مورّثك كان مات قبل هذا بزمان. لا يسمع قوله. لكن لو برهن أنّه قتل مورثه في يوم كذا فبرهن المدّعى عليه أنّه قتله فلان قبل هذا اليوم بزمان. يكون دفعاً لدخوله تحت القضاء.