القاعدة: السابعة والسبعون بعد الثلاثمئة [تعلق الصلاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية: أن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإِمام، ومعنى تعلقها: أنها أي صلاة المقتدي - تفسد بفساد صلاة إمامة وتجوز بجوازها.
ويدل عليه قول الرسول ﷺ : "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن (١) ".
والأصل عند الإمام القرشي أبي عبد الله الشافعي ﵀: إن صلاة المقتدي غير متعلقة بصلاة الإِمام (٢).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تبين هذه القاعدة أصلاً مهماً من الأصول التي اختلفت فيها الحنفية عن الشافعية، وغيرهم: فعند الحنفية: أن صلاة المقتدي - أي المأموم - متعلقة ومرتبطة بصلاة إمامة صحة وفساداً، فإذا صحت صلاة الإمام صحت صلاة المقتدي وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المقتدي مستندين في ذلك إلي قول الرسول ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن".
وأما عند جمهور الفقهاء غير الحنفية فإن صلاة المقتدي غير متعلقة
стр. 562
بصلاة إمامه، فتصح صلاة المقتدي مع فساد صلاة إمامه.
وأساس الخلاف في هذه المسألة - إلى جانب الأخبار في تحمل الإمام - قراءةُ الفاتحة خلف الإمام حيث منعها الحنفية واعتبروا أن قراءة الإمام قراءة للمؤتم. وأوجبها الشافعي ﵀ حيث أبطل صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب من إمام ومأموم ومنفرد، وأجازها أحمد ﵀ للمأموم في رواية (١) ومنع مالك المأموم من القراءة في الجهرية، ورجح قراءتها في السرية (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اقتدى مؤتم طاهر بإمام محدث أو جنب وهو لا يشعر - أي لم يعلم يحدث إمامه - فإن صلاة المأموم باطلة عند الحنفية، صحيحة عند الآخرين (٣).
ومنها: إذا خرج المؤتم من صلاة إمامه ونوى الانفراد بنفسه فيما بقي من صلاته فإن صلاته تفسد عند الحنفية، ولا تفسد عند غيرهم.
стр. 563
القاعدة: الثامنة والسبعون بعد الثلاثمئة [الإباحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن صورة المبيح إذا وجدت منعت وجود ما يندريء بالشبهات وإن لم يبح (١).
ثانياً: معني هذه القاعدة ومدلولها:
المبيح للمحرمات قد يكون حقيقة وقد يكون صورة لا حقيقة وراءها.
والمراد بما يندريء بالشبهات: الحدود الواجبة بناءً على ارتكاب محرمات.
فتفيد هذه القاعدة أن صورة المبيح إذا وجدت في مسألة منعت وجود الحد الذي يندريء ويندفع بالشبهة وإن لم يبح في واقع الأمر، لأن وجود الصورة شبهة دارئة للحد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أبصر إنسان هلال رمضان وحده، ثم شهد عند القاضي بذلك، فرد القاضي شهادته، فهذا هل يجب عليه الصوم ويلزمه، لأنه مكلف برؤية نفسه؟.
فإذا أفطر هذا عامداً فهل عليه كفارة؟ فعند الحنفية - الذين يوجبون الكفارة بالأكل والشرب عامداً - أنه لا كفارة عليه حتى ولو جامع، لأن صورة المبيح - وهي هنا عدم قبول شهادته عند القاضي، وعدم صيام الناس لأنهم لم يروا الهلال - قد وجدت هنا، وإن لم يبح الفطر لهذا الشخص، لأنه مكلف برؤية نفسه.
стр. 564
وأما عند غير الحنفية فيلزمه صومه وعليه الكفارة إذا جامع (١) وكذلك عليه القضاء والكفارة بالأكل والشرب المتعمد عند مالك ﵁ (٢).
стр. 565
القاعدة: التاسعة والسبعون بعد الثلاثمئة [النقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل ضم النقود بعضها إلى بعض في تكميل النصاب باعتبار معنى المالية (١) ". [ضابط]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النقود وإن اختلفت أنواعها - من ذهب - أو فضة - باعتبار ماليتها يضم بعضها إلي بعض عند إرادة تكميل النصاب لأنها ثمن الأشياء وقيمها (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كان لرجل عشرة مثاقيل من الذهب ومئة درهم من الفضة فيضم أحد المالين إلى الآخر ليكمل النصاب فتجب فيه الزكاة؟
стр. 566
القاعدة: الثمانون بعد الثلاثمئة [وجوب الضمانات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الضمانات في الذمة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما بأخذ وإما بشرط، فإذا عُدِما لم تجب (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بموجبات الضمان وتعلقه بذمة المكلف الضامن، فتفيد أن ما يثبت في الذمة من ضمان الأموال لا يثبت إلا بإحدى طريقين: الطريق الأولى طريق الأخذ الفعلي للمضمون سواء كان بحق أم بغير حق، فالأخذ بحق كقبض الرهن فهو مضمون على المرتهن بالأقل من قيمته أو من الدين. والأخذ بغير حق كالغصب، فالمغصوب مضمون على الغاصب مِثلاً أو قيمة.
الطريقة الثانية: طريق الأخذ عن طريق الشرط وذلك في بعض العقود.
وعند الشافعية أسباب الضمان أربعة: عقد ويد وإتلاف وحيلولة (٢).
وعند الحنابلة: أسباب الضمان ثلاثة: عقد ويد وإتلاف (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من غصب شيئاً أو التقطه بغير أن يشهد أنه التقطه ليعرِّفه فهو ضامن لما اغتصب أو التقط، وكذلك إذا اشترى سلعة وتسلمها ولم يدفع ثمنها - لانه مؤجل - فالثمن في ذمته وهو ضامن له. وكذلك لو استأجر بيتاً أو
стр. 567
محلاً فالإجارة مضمونه عليه في الذمة حتى يؤديها وكذلك لو كفل بمال على رجل آخر.
ومنها: إذا أتلف مالاً لآخر كمن أوقد ناراً في أرضه في يوم عاصف فانتقلت النار إلى جاره فأحرقت زرعه أو بدنه فهو ضامن.
стр. 568
القاعدة: الحادية والثمانون بعد الثلاثمئة [الصلاة - انتقاض الطهارة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن طهارة المصلي متى انتقضت في خلال الصلاة بسبب سابق على الشروع في الصلاة يلزمه استقبال الصلاة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن إنتقاض طهارة المصلي إما أن تكون بسبب تالٍ على الشروع في الصلاة كسبق الحدث أو الرعاف، وإما أن تكون بسبب سابق على المشروع فيها كالمستحاضة التي تتوضأ لوقت كل صلاة فيدل هذا الضابط على أن طهارة المصلي إذا انتقضت خلال صلاته بأحد الأسباب السابقة على الصلاة أنه يجب عليه استقبال الصلاة أي استئنافها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المستحاضة التى توضأت ولبست الخفين في وقت العصر فلما صلت ركعة من العصر غربت الشمس، فبناء على هذه القاعدة تنتقض طهارة هذه المرأة وعليها تجديد الطهارة مع غسل قدميها واستقبال الصلاة، حيث إنه مع انتقاض طهارتها بغروب الشمس بطلت صلاتها كالمتيمم إذا أبصر الماء وهو في الصلاة، وفي هذه المسألة وجهان آخران عند الحنفية.
стр. 569
القاعدة: الثانية والثمانون بعد الثلاثمئة [العارض]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل عند علماء الحنفية الثلاثة رحمهم الله تعالى: أن العارض في الأحكام انتهاءً له حكم يخالف الموجود ابتداءً. وعند زُفر حكمه حكم الموجود ابتداءً (١).
وفي لفظ عند الشافعية: "كل ما لو قارن لمنع فإذا طرأ فعلى قولين (٢). وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هذه القاعدة قريبة المعنى من سابقتها فتفيد أنه إذا وقع حكم من الأحكام أو تم عقد من العقود ثم حدث عليه بعد التمام طاريء أو عرض عارض لو وجد قبل تمام الحكم أو العقد لأبطله، فهل يبطل العقد بوجود هذا العارض؟. عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة وصاحبيه - إن هذا الطاريء لا يمنع نفاذ العقد، لأن الحكم في الانتهاء يخالف الحكم في الابتداء. وأما عند زُفر بن الهذيل ﵀ فحكم الطاريء الموجود انتهاء كحكم الطاريء الموجود ابتداءً. وعند الشافعية في هذه المسألة قولان.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا باع الرجل عبداً فأبق العبد - أي هرب - بعد تمام العقد وقبل القبض فعند الأئمة الثلاثة لا يبطل البيع، وهو كذلك عند الشافعية حيث قالوا: لم ينفسخ البيع لبقاء المالية ورجاء العود (٣).
стр. 570
وأما عند زفر فيبطل البيع ويجعل العارض الموجود في الانتهاء - وهو الإباق - كالموجود لدى العقد ابتداء.
ومنها: إذا انقطع المُسلَمُ فيه بعد انقضاء أجل السلم لا ينقض عقد السلم عند الأئمة الثلاثة، وعند زفر ينقض ويجعل الانقطاع العارض في الانتهاء كالموجود لدى العقد في الابتداء. وأما عند الشافعية ففي هذه المسائل قولان.
стр. 571
القاعدة الثالثة والثمانون بعد الثلاثمئة [أصل الفرض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أصل الفرض في كل أحد ما يتمكن من أدائه (١) - بنفسه".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومثالها:
هذه القاعدة أوردها السرخسي في باب صلاة الجمعة للاستدلال على أن الأصل في صلاة الجمعة هو صلاة الظهر، فالجمعة خلف عن الظهر في ذلك اليوم والظهر أصل لها، لأنه يتمكن من أدائه بنفسه، أما الجمعة فلا يتمكن من أدائها بنفسه لأن إقامتها تحتاج إلى شرائط منها ما لا يختص بالمصلي نفسه بل بغيره كالمصر والعدد والذكورية والحرية ... إلخ وينظر القاعدة الرابعة والسبعون بعد المائة جـ ١ صـ ٣٣٩.
стр. 572
القاعدة: الرابعة والثمانون بعد الثلاثمئة [الفساد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى: أن فساد أفعال الصلاة لا يوجب فساد حرمة الصلاة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بفساد أفعال الصلاة فساد بعض الأركان أو الواجبات، بمعنى عدم إجزائها والمراد بفساد حرمة الصلاة بطلانها.
فتفيد هذه القاعدة أنه عند الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه إذا فسدت بعض أفعال الصلاة فلا يوجب ذلك فسادها كلها بل ينحصر الفساد فيما أفسده فقط، ويجوز للمصلي البناء على ما لم يفسد من أفعالها. خلافاً لمحمد بن الحسن ﵀ حيث إن فساد الأفعال عنده يوجب فساد حُرمة الصلاة، فتبطل وعليه استئناف الصلاة، وكذلك عند زُفر بن الحارث ﵀.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ترك مُصَلٍ القراءة في الأوليين من الرباعية وقرأ في الأُخريين فعند أبي حنيفة وأبي يوسف تفسد الركعتان الأوليان وتصح الركعتان الأُخريان فيبني عليهما ركعتين فتتم صلاته.
وأما عند محمَّد وزُفر فالركعتان الأُخريان غير جائزتين لفساد الأوليين، ولأن المبني على الفاسد فاسد، وعليه استئناف الصلاة. وهذا هو الأحوط لسلامة العبادة والتيقن من براءة الذمة.
стр. 573
القاعدتان: الخامسة والثمانون بعد الثلاثمئة والسادسة والثمانون بعد الثلاثمئة [التابع]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعاً وحكماً وإن كان يبطل قصداً (١) ".
وفي لفظ: "قد يثبت تبعاً ما لا يثبت مقصوداً (٢) وتأتي في حرف القاف إن شاء الله.
وفي لفظ: "يُغتفر في الشيء ضمناً ما لا يُغتفر فيه مقصوداً (٣) " وتأتي في حرف الياء إن شاء الله.
وفي لفظ: "أوائل العقود تؤكد بما لا يُؤَكد به أواخرها (٣).
وفي لفظ: "يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل (٣). وتأتي في حرف الياء إن شاء الله.
وفي لفظ: "يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها (٤). وتأتي في حرف الياء إن شاء الله تحت قاعدة التابع تابع.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
стр. 574
الشرائط الشرعية يجب توافرها جميعاً في المحل الأصلي ولكن التوابع قد يتساهل في استيفائها بعض هذه الشروط، لأنه قد يكون للشيء قصداً شروط مانعة.
وأما إذا ثبت تبعاً أو ضمناً لشيء آخر فيكون ثبوته ضرورة ثبوت متبوعه. أو ما هو في ضمنه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الجنين في بطن الذبيحة إذا كان تام الخلق وخرج ميتاً بعد ذبح أمه جاز أكله عند الأئمة الأربعة وغيرهم ﵃ لتبعيته لأمه في الذبح، لأن ذكاة أمه ذكاة له. مع أنه لا يجوز أكله بدون ذبح لو ولدته حياً أو أُخرج من بطنها بعد ذبحها وهو حي.
стр. 575
القاعدة السابعة والثمانون بعد الثلاثمئة [الاتلاف والضمان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه إذا قل المتلَف قل الضمان، وإذا كثر المتلَف كثر الضمان (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة واضحة المعنى معقولة الفحوى حيث إن من أتلف شيئاً فعليه ضمانه، قل ثمن المتلف أو كثر. ولكن إذا قل المتلف قل الضمان وإذا كثر المتلف كثر الضمان، لأن كل شيء بحسبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أتلف إنسان لآخره شجرة أو بقرة أو كتاباً فعليه ضمان ما أتلفه بأن يأتي بالمثل لما له المثيل، وبالقيمة لما لا مثيل له، ويقوِّم ذلك أهل الخبرة، وأما إذا أتلف بستاناً بكامله، أو أهلك قطيع بقر أو عدد من الكتب فإن ضمانها بحسبها لأنه لا يعقل أن يكون ضمان شجرة واحدة كضمان بستان كامل، ولا ضمان بستان كامل كضمان شجرة واحدة من نفس النوع.
стр. 576
القاعدة الثامنة والثمانون بعد الثلاثمئة [المعفو عنه]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أئمة الحنفية الثلاثة: أن القليل من الأشياء معفو عنه".
وعند زُفر لا يكون معفواً عنه (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة دفع الحرج وقطع الوسواس، حيث ترجح لدى الأئمة الثلاثة أن القليل من الأشياء كالدم والقيح والخارج من غير السبيلين معفو عنه وتصح به الصلاة وكذلك الفعل اليسير في الصلاة لا يبطلها. خلافاً لزُفر رحمه الله تعالى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا جرح إنسان ولكن لم يسل الدم عن رأس الجرح لا يوجب ذلك نقض الطهارة، وعند زُفر يوجب نقض الطهارة ولا يعفى عنه وإن كان يسيراً.
ومنها: إذا سجد في صلاة سجدة واحدة على موضع نجس ثم أعاد تلك السجدة على موضع طاهر فعند أبي يوسف ﵀ تصح صلاته وتجزيه سجدته. وأما عند زُفر فلا تجزيه السجدة وفسدت صلاته، لأن السجدة التي كانت على موضع نجس أفسدت الصلاة. وعند غير زُفر لا تفسد ولا يُعتد بها لأنه عمل يسير.
ومنها: من أعتق عن كفارة يمينه رقبة عوراء تجزيه عند جمهور الحنفية، لأن العور عيب قليل يعفى عنه، وعند زُفر لا تجزيه.
стр. 577
القاعدة: التاسعة والثمانون بعد الثلاثمئة [قول الصحابي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية أن قول الصحابي مقدم على القياس إذا لم يخالفه أحد من نظرائه لأنه لا يقال: إنه قاله من طريق القياس، لأن القياس يخالفه، ولا يجوز أن يقال: إنه قال جزافاً. فالظاهر أنه قاله سماعاً من رسول الله ﷺ .
وعند الإِمام القرشي أبي عبد الله الشافعي ﵀: القياس مقدم، لأنه لا يرى تقليد الصحابي ولا الأخذ برأيه (١) ". [أصولية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بقول الصحابي هنا: أن يُعرف عن أحد الصحابة رضوان الله عليهم قول لم ينتشر، ولم يعرف عن غيره قول يعارضه أو يخالفه.
والمراد بالقياس هنا: القاعدة الكلية، وليس القياس الأصولي.
وتفيد هذه القاعدة أن عند الحنفية قول الصحابي حجة ويقدم على القواعد العامة بشروط: أن لا يعرف عن غيره من الصحابة مخالفة له، وأن لا ينتشر بين الصحابة؟ لأنه إذا انتشر بينهم وسكتوا عنه ولم يعرف عنهم أو عن أحد منهم رضا ولا إنكار فهذا هو الإجماع السكوتي.
ومنها: أن لا يوافق هذا القول القياس - أي القاعدة الكلية - عند الأكثرين.
стр. 578
وحجة الحنفية في تقديم قول الصحابي: أن الصحابي لا يمكن أن يقول هذا القول بناء على قاعدة كلية لأنه يخالفها والقاعدة تخالفه، كما أنه لا يمكن للصحابي أن يقوله من عند نفسه لأن الصحابة رضوان الله عليهم أجل وأتقى من أن يقولوا في الدين قولاً من عند أنفسهم يخالف القواعد العامة. فإذاً يغلب على الظن - لأن إحسان الظن بالصحابة رضوان الله عليهم واجب - فيغلب على الظن أنه إنما قاله سماعاً من رسول الله ﷺ ولم يرفعه إلى رسول الله ﷺ .
وقول الصحابي بهذه الشروط وهذا الفهم حجة عند الجميع أو أكثرهم وهو قول الشافعي في القديم، وظاهر قول الشافعي في الرسالة (١): أن قول الصحابي حجة إذا انضم إليه القياس فيقدم حينئذٍ على قياس ليس معه قول صحابي. بل الظاهر من مذهب الشافعي ﵁ أنه يأخذ بقول الصحابي مطلقاً إذا لم يجد دليلاً غيره ولا يتركه ليقدم القياس عليه (٢).
فقول الدبوسي هنا إن القياس عند الشافعي مقدم على قول الصحابي غير دقيق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
وجوب الأجرة في الآبق إذا رده من مسيرة ثلاثة أيام: أخذ الحنفية فيه بقول عبد الله بن مسعود ﵁ (٣) وتركوا القياس وألزموه بالجعل، وهي أجرة على مجهول.
стр. 579
وعند الإمام الشافعي ﵁ لا تجب الأجرة، ولكن قال في الأم: ولا جُعل لأحد جاء بآبق ولا ضالة إلا أن يكون جعل له فيه فيكون له ما جُعل (١).
ومنها: وجوب الدية على من حلق لحية رجل ولم تنبت. أخذ علماء الحنفية في ذلك بقول علي ﵁ (٢) وتركوا القياس.
وعند الإِمام الشافعي ﵁: لا يجب فيها دية بل يجب فيها حكومة عدل وهو القياس وبه أخذ (٣).
стр. 580
القاعدة التسعون بعد الثلاثمئة [قول الأمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن القول قول الأمين مع اليمين من غير بينة (١) ". تحت قاعدة "الأصل براءة الذمة".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومثالها:
الأمين لا يضمن بغير تعد أو تقصير فإذا اختلف مودع - أي صاحب وديعة - وهو المؤتَمِن - مع مودَعه - أي الأمين - على رد الوديعة أو تلفها، حيث يدعي الأمين أنه رد الوديعة إلى صاحبها أو أنها تلفت عنده بغيره تعد أو تقصير منه في حفظها، وأنكر المودع ذلك ولا بينة له على عدم الرد أو على الإتلاف بالتقصير في الحفظ، فالقول قول الأمين مع يمينه بما ادعى، لأنه يريد أن ينفي عن نفسه الضمان وهو متمسك بالأصل الظاهر وهو براءة ذمته من الضمان، وكذلك حكم المستعير والمضارب والوكيل وأشباههم.
стр. 581
القاعدة: الحادية والتسعون بعد الثلاثمئة [قول القابض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن القول قول القابض في المقبوض (١) ". "مع يمينه".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالقابض هنا المشتري والمستأجر والمستعير .. إلخ. والمراد المقبوضة المبيع والعين المؤجرة، والمعارة .. إلخ.
فعند الاختلاف في السلعة المقبوضة فالقول قول القابض مع يمينه وعلى المقبض البينة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إن كان في البيع خيار للبائع أو للمشتري فجاء المشتري بالمبيع ليرده على البائع، فقال البائع ليس هذا هو الذي بعتك. فالقول قول المشتري فيه لأنه ينفرد بالفسخ بخياره - إن كان الخيار له - فيبقى ملك البائع بيده والقول في تعينه قوله أميناً كان أم ضميناً.
كذلك إذا كان المبيع غير مقبوض وأراد البائع أن يلزمه به، فقال المشتري: ليس هذا الذي بعتني. فالقول قول المشتري مع يمينه، ولا يلزمه البيع إلا أن تقوم عليه بيِّنة أنه هو المبيع فيلزمه إن لم يكن له خيار.
стр. 582
القاعدة: الثانية والتسعون بعد الثلاثمئة [الخصومات]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في باب الخصومات أن القول قول من يشهد له الظاهر (١) ".
وفي لفظ: "الأصل عند المنازعة القول قول من يشهد له الظاهر (٢) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل في الدعاوى والقاعدة المستقرة أن البينة على المدعي، وعند عدم بينة المدعي توجَّه اليمين على المدعى عليه - بناء على الحديث، "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (٣) " وهو الأصل في هذا الباب.
فإذا لم تكن بينة والتبس الأمر بين المدعي والمدعى عليه حيث يكون كل منهما مدعياً من وجه ومدعىً عليه من وجه آخر، فهنا يكون القول قول من يشهد له الظاهر مع يمينه.
والمراد بالظاهر هنا المستصحب والقاعدة المستمرة مثل "براءة الذمة" أو التمسك بالأصل أو الصفة الأصلية، أو التمسك بالوقت الأقرب وأشباه ذلك من الأصول المعمول بها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
стр. 583
إذا ادعى الأمين رد الوديعة على مودعها أو أنها تلفت عنده بغير تعد أو تقصير منه. وأنكر المودع الرد أو التلف، ولا بينة للمودع ولا الأمين فالقول هنا للأمين مع يمينه لأنه متمسك بأصل ظاهر وهو براءة ذمته من الضمان والمودع يدعي شغل ذمته، فالظاهر شاهد للأمين فيكون القول قوله.
وإن كان المتبادر أن الأمين مدع لأنه يدعي الرد أو التلف، والمودع منكر لذلك، ولكن هذا المتبادر عارضه أصل وظاهر أقوى وهو "براءة الذمة" فلذلك كان القول قول الأمين مع يمينه.
стр. 584
القاعدة: الثالثة والتسعون بعد الثلاثمئة [كراهية النذر]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أصل مالك كراهة الدخول اختياراً في عهدة يضعف الوفاء بها إيثاراً لتحقق السلامة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
مبنى الشريعة على اليسر والسماحة لا العسر والمشقة وقد فرض الله علينا فرائض لا يجوز لنا الإخلال بها ورغب ورسوله ﷺ في فعل الطاعات والإكثار من النوافل والعبادات غير المفروضات، ولكن بحسب وسع الإنسان وطاقته بحيث لا يشق على نفسه ويتعب جسمه ولذلك كره - مثلاً - صوم الدهر لما فيه من تعذيب النفس والمشقة التي قد تؤدي إلى ضعف الجسم والإخلال ببعض المفروضات، وبناءً على ذلك كره مالك ﵁ الدخول الإختياري في عبادة قد يضعف المكلف عن الوفاء بها كنذر الطاعة من صوم أو صلاة وكذلك كره نذر الإعتكاف على ظاهر الرواية.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
كره نذر الطاعة كمن نذر أن يصوم شهراً، أو يعتكف شهراً أو يحج ماشياً أو يصلي ألف ركعة. لما يترتب على ذلك من عدم الوفاء بالنذر إذا ضعف الناذر عن الوفاء بما نذره، ولما يترتب على عدم الوفاء بالمنذور من المعصية.
فإيثار للسلامة كره مالك أن يدخل الإنسان في عبادة نافلة يمكن أن يضعف عن أدائها أو إتمامها.
стр. 585
القاعدة: الرابعة والتسعون بعد الثلاثمئة [تفسير الكلام]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الكلام إذا تعقبه تفسير كانت العبرة للتفسير ويسقط اعتبار المفسَّر (١) ".
وفي لفظ: "الكلام المبهم إذا اقترن به أو تعقبه تفسير كان الحكم لذلك التفسير (٢) ". وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله تعالى.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
ما ينطق به المتكلم إما أن يكون صريحاً في بابه ولا يحتمل إلا معنىً واحداً، فهذا يحمل على معناه الواضح الصريح.
وإما أن يكون الكلام مبهماً غير متضح المعنى ثم اقترن به أو تعقبه تفسير من المتكلم وبيان، فالعبرة والاعتداد بذلك التفسير والحكم يكون بناءً عليه ولا اعتداد ولا اعتبار لمعنى آخر يحتمله اللفظ.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قال: داري لك سكنى. تكون عاريَّة (٢)، لأنه لو قال: داري لك. وسكت احتمل أنه أراد تمليكه إياها واحتمل أنه أراد سكناها فقط فحينما صرح بالسكنى كان ذلك تفسيراً لما أَبهم حينما قال: داري لك. فزال احتمال الملكية.
وكذلك إذا استأجر أجيراً ثلاثة أشهر: شهرين بدرهم وشهر بخمسة، فالشهران الأولان بدرهم والثالث بخمسة دراهم.
стр. 586
القاعدة: الخامسة والتسعون بعد الثلاثمئة [العمل]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه، إلا أن يقترن بعمله دليل يدل على أنه يعمل لغيره (١) ". عند محمَّد بن الحسن ﵀
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الراجح من أمر الناس أن الإنسان حينما يقوم بعمل ما فهو يعمل لنفسه لا لغيره، لأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة غيره، لكن إن اقترن - بعمله دليل يدل على أنه إنما يعمل لغيره اعتبر ذلك وبني الحكم عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجدنا إنساناً يحرث أرضاً أو يخيط ثوباً فإنما نحمل عمله هذا على أنه يحرث أرض نفسه ويخيط ثوباً لنفسه لكن إن قام الدليل على أن هذه الأرض لغيره من الناس وعرف هذا الشخص أنه يحرث بالأجر بنينا الحكم على ذلك لقيام الدليل.
وكذلك لو قام الدليل على أن من يخيط ثوباً مهنته الخياطة بالأجر فنعلم أنه إنما يخيط الثوب الذي يخيطه لغيره لقيام الدليل على ذلك.
стр. 587
القاعدة: السادسة والتسعون بعد الثلاثمئة [العدالة والعدد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى: أن كل إخبار لا يَلزَم القاضيَ القضاءُ بغير مخبره، ولا يتوصل إلى القضاء إلا به فالعدالة من شرطه، وليس العدد من شرطه.
كأخبار الآحاد في الأحكام، فإن القاضي إذا قضى بها على رجل بعينه في حادثة بعينها، كان قضاؤه عليه ببينة أو إقرار أو بنكول ولم يكن قضاؤه عليه بذلك الخبر. وإن كان لا يتوصل إلى القضاء بتلك الحجة إلا بهذا الخبر. خلافاً لمحمد وللشافعي إذ يشترطان العدد
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بأخبار الآحاد هنا تلك الأخبار التي لا ينقلها إلا واحد. فخبر الواحد هذا إذا كان القاضي لا يتوصل إلى القضاء إلا به ويلزم القاضي بخبره فشرطه العدالة أي عدالة المخبر - فقط. ولا يلزم تعدد المخبرين وتعليل ذلك، أن القاضي إذا قضى على شخص بعينه في حادثة بعينها إنما يكون قضاؤه بالبينة - أي الشهود أو بالإقرار أو بالنكول - وهو امتناع المدعى عليه عن اليمين - وليس قضاؤه بذلك الخبر، وإن كان القاضي لا يتوصل إلى القضاء بتلك الحجة، من بينة أو إقرار أو نكول - إلا بهذا الخبر. وأما عند الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى فالعدالة والعدد شرطان.
стр. 588
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا زكى عدل واحد شاهداً فتزكيته مقبولة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن القاضي لا يقضي بالتزكية وإنما يقضي بقول الشهود، وإن كانت شهادة الشهود ليست مقبولة إلا بعد تزكيتهم، وعند محمَّد والشافعي لا بد من أن يزكي الشاهد اثنان.
ومنها: أن ترجمة العدل الواحد مقبولة، لأن القاضي لا يقضي بترجمته إنما يقضي بقول الشهود وعند محمَّد لا بد أن يكونا اثنين.
ومنها أن شهادة القابلة على الولادة وحدها جائزة إذا كانت عدلاً، لأنه يحكم بثبوت النسب بالفراش لا بشهادتها.
والفراش ثابت قبل شهادتها، ولكن من حيث أنا نعلم الولادة بقولها جعلنا العدالة من صفتها، ومن حيث إنه لا يتعلق الحكم بشهادتها لم يشترط العدد، وقد تابع محمَّد بن الحسن في هذه المسألة أبا حنيفة، وأبا يوسف، ولكن الشافعي اعتبر العدد شرطاً في هذه المسألة وكذلك مالك (١) رحمهما الله.
وعند أحمد ﵀ كأبي حنيفة تقبل في الولادة شهادة امرأة عدل (٢)
стр. 589
القاعدة: السابعة والتسعون بعد الثلاثمئة [جهل التاريخ]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن كل أمرين ظهراً ولا يعرف التاريخ بينهما يجعل كأنهما وقعاً معاً (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة ذات أثر كبير في تقرير الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من نتائج، فإذا حدث أمران مشتركان بين اثنين أو أكثر ولا يعلم السابق منهما فالحكم الشرعي فيهما، أن يجعلا كأنهما وقعا معاً وفي وقت واحد، ولم يتقدم أحدهما على الآخر أو يتأخر عنه وتكون النتائج تبعاً لذلك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الأب والابن إذا غرقا جميعاً في سفينة أو وقع عليهما بيت ولا يعلم أيهما مات أولاً لم يرث واحد منهما صاحبه جعلا كأنهما ماتا معاً ومنها إذا كانت عائلة في سيارة وقُدِّر عليها حادث فمات جميع أفراد العائلة الزوج والزوجة والأب والأم والأولاد فهنا يحكم بأن الجمع ماتوا في لحظة واحدة فلا يرث واحد منهم الآخر وميراث كل منهم لورثته الأحياء، لأن من شروط استحقاق الميراث التحقق من حياة الوارث عند موت المورث وهذا ليس متحققاً هنا.
стр. 590
القاعدة: الثامنة والتسعون بعد الثلاثمئة [الإقرار - الإنشاء]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل أن كل تصرف يتمكن المرء من تحصيل المقصود به إنشاءً ولا تتمكن التهمة في إقراره يكون صحيحاً، ومتى لم يقدر على تحصيل مقصوده بطريق الإنشاء كان متهماً في الإقرار به فلا يصح إقراره في حق الغير، (١) ".
وفي لفظ: "من أقر بما يملك إنشاءه يكون مقبول الإقرار في حق الغير لانتفاء التهمة (٢) ". وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ: "من ملك الإنشاء ملك الإقرار ومن لا فلا. (٣). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
وفي لفظ: "من قدر على الإنشاء قدر على الإقرار (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
الإنشاء هو ابتداء الفعل والقدرة على إيقاعه وتنفيذه. والإقرار: هو الإعتراف من الإنسان بما لغيره من حق عنده.
فتفيد هذه القواعد أن الإنسان إذا أقر واعترف لآخر بشيء ما وكان في حالة يقدر بها على إنشاء هذا الفعل أو تنفيذه في الحال فيكون إقراره
стр. 591
صحيحاً لعدم التهمة، وأما إذا كان في حالة الإقرار لا يمكنه إنشاء مثل هذا الفعل فلا يكون إقراره صحيحاً، لأنه تتطرق إليه التهمه فيبطل إقراره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقر المريض في مرض الموت بحق لوارث لا يصح إقراره - عند الحنفية والحنابلة -، لأنه لا يملك في هذه الحال إنشاء مثل هذا التصرف أو تنفيذه لأنه يتهم بمحاولة تفضيل بعض الورثة على بعض، وأما إذا أقر لأجنبي فيقبل إقراره لأنه يستطيع أن ينشيء هذا الإقرار في هذه الحالة ويكون من جميع ماله لا من الثلث لأنه ليس وصية، وعند الشافعي ﵀ يقبل إقراره لأنه يمكنه إنشاؤه حالاً.
стр. 592
القاعدة: التاسعة والتسعون بعد الثلاثمئة [السريان]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية أن كل حق ثبت في الرقبة فإنه يسري إلى الحادث فيها. كالتدبير والاستيلاد - ومعنى يثبت في الرقبة: أن من ثبت عليه الحق لا يقدر على إسقاطه عن رقبته إلا برضى من له الحق في الرقبة، وكل حق يثبت في غير الرقبة لا يسري إلى الحادث فيها (١) ". خلافاً للشافعي في بعض المسائل.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالرقبة هنا: الرقيق المملوك. ذكراً كان أم أنثى، أو هي كل حيوان تعلق برقبته حق، والمراد بثبوت الحق لزومه. حيث لا يقدر من عليه الحق على إسقاطه إلا إذا رضي صاحب الحق.
فتفيد هذه القاعدة: أن الرقيق المملوك إذا ثبت فيه حق ثم حدث في هذه الرقبة حادث أو نتج عنها نتاج فإن الحق الثابت في الرقبة يسري ويمتد أثره إلى الحادث فيها فيكون الحق شاملاً للأصل والفرع.
وأما الحقوق التي تثبت في غير الرقبة فلا تسري إلى الحادث فيها ولا يمتد أثرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
عند الحنفية إذا رهن جارية فولدت أو بقرة فأنتجت فإن ولد الرهن رهن مع الأصل.
стр. 593
وعند الشافعي ﵁: لا يكون الناتج رهناً مع الأصل، بل إن كانت جارية فولدت فالولد خارج الرهن، لأن ابن الجارية إن كان من السيد الراهن فهو حر وهي أم ولد له، وإن كان من غيره فلم يقع عليه عقد الرهن (١) وكذلك كل زيادة منفصلة في المرهون.
وعند مالك ﵁: "نسل الحيوان كله رهن مع أمهاته إذا جاء بعد عقد الرهن حتى فراخ النخل (٢).
وكذلك عند أحمد ﵁ (٣). إلا إذا كانت جارية فوطئها الراهن فأولدها خرجت من الرهن وأُخذت منه قيمتها فجعلت رهناً (٤).
стр. 594
القاعدة: الأربعمئة [الزينة - الاستعمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن كل شيء كان مستعملاً في عين آخر لا للزينة بل لينتفع به باسم غير الاسم الذي أوجب به النفل لم يتناوله الاسم، وإن كان مستعملاً للزينة يتناوله الاسم، لأن الزينة صفة زائدة على ما هو المطلوب من الانتفاع بالعين (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة الأصل فيها أن تتناول ما ينفله القائد أو الإمام لبعض جنوده، فتفيد هذه القاعدة أحكام ذلك، فإذا نَفَل قائد جندياً أو جماعة من جنوده شيئاً ما - والنفل زيادة عن نصيب الجندي من الغنيمة - فإذا كان هذا الشيء المسمى مستعملاً ضمن شيء آخر للإنتفاع به ضمن ذلك الشىء الآخر لا لكي يزين به الشيء الآخر بحيث لا يطلق عليه اسم ما نفله، فلا يتناوله اسم النفل وأما إن كان ما نُفَّله مستعملاً في شيء آخر للزينة فيتناوله اسم النفل ويستحقه من نُفَّله.، لأن الزينة صفة زائدة على ما هو المطلوب من الانتفاع بالعين.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الإمام أو القائد: من أصاب - أي غنم - فضة أو ذهباً فهي له. فأصاب الجنود أبواباً فيها مسامير فضة أو ذهب - إن نزعت تفككت الأبواب لم يكن للغانم من ذلك شيء، لأن الغالب غير الفضة والذهب،
стр. 595
وهذه تُسمى أبواباً، والمسامير إنما وضعت للإنتفاع وتثبيت الأبواب فلم يتناولها اسم النفل - وهو الفضة والذهب. بخلاف ما لو أصاب سيفاً محلَّى بفضة أو ذهب فله الحلية دون السيف، وكذلك لو أصاب حلي فضة أو ذهب مرصعاً بفصوص لؤلؤ أو حجارة كريمة أخرى فله الحلي دون الفصوص لأن اسم الذهب والفضة لا يتناولها حقيقة (١).
стр. 596
القاعدة: الواحدة بعد الأربعمئة [الآصع - الصدقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية أن كل صدقة قدرتها الشريعة بالآصع فهو من الحنطة نصف صاع. خلافاً للشافعي (١).
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة بيان مذهب الحنفية في التقديرات الشرعية في الصدقات والفدى والأجزية التي فرضتها الشريعة على أربابها. فمذهب الحنفية أن مقدار كل صدقة قدرتها الشريعة بالآصع - أو الصيعان - جمع صاع - من الحنطة - أي القمح - هو نصف صاع، والصاع أربعة أمداد (٢) والمد (٣) حفنة بكفي الرجل المُعتدل، أو ما يُعادل رطلاً وثلثاً عند أهل الحجاز ورطلين عند أهل العراق والصاع بالميزان الحالي يساوي ٢٧٥١ غراماً قمحاً (٤).
وعند مالك والشافعي وأحمد ﵃ صاع من بر. وكلّ استند إلى دليل من حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
صدقة الفطر عند الحنفية يجزيء فيها نصف صاع من البر وهو مذهب ابن الزبير ومعاوية ﵄، وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي سلمة وسعيد ابن جبير ﵏، وهو اختيار الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.
стр. 597
وأما عند مالك والشافعي وأحمد ﵃، فلا يجزيء إلا صاع من البر كالشعير والتمر والزبيب والأقط.
ومنها: أن الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصوم يفطر ويفدي عن نفسه كل يوم نصف صاع من بر عند الحنفية، وأما عند غيرهم فلا يجزيء إلا صاع من بر.
стр. 598
القاعدة: الثانية بعد الأربعمئة [بناء الصلاة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن كل صلاتين لا يجوز بناء إحداهما على الأخرى في حق المنفرد لا يجوز بناء إحداهما على الأخرى في حق إمامه.
وكل صلاتين يجوز بناء إحداهما على الأخرى في حق المنفرد يجوز بناء إحداهما على الآخرى في حق الإمامة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بناء صلاة على الأخرى، أن يدخل صلاة بنيَّة ثم في أثناء الصلاة يقلب النيَّة لصلاة أخرى غير الأولى، فتفيد هذه القاعدة: أن ما جاز في حق المنفرد من بناء صلاة على أخرى جائز في حق الإِمام وما لم يجز في حق المنفرد لا يجوز في حق الإمام.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دخل إنسان في صلاة الظهر يوم الجمعة منفرداً ثم دخل المسجد جماعة تصح بهم الجمعة وصلوا خلف هذا المنفرد فلا يجوز في هذه الحال أن يقلب هذا المصلي نيَّته ليجعل صلاته للجمعة بدل الظهر. وكذلك هو في حق الإمام فلو صلى إمام بجماعة لا تصح بهم الجمعة صلاة الظهر يوم الجمعة ثم دخل المسجد جماعة تصح بهم الجمعة فلا يجوز للإمام أن يقلب نيَّته ليجعل صلاته للجمعة بدل الظهر.
стр. 599
وأما إذا كانت الصلاتان يجوز بناء إحداهما على الأخرى في حق المنفرد فيجوز كذلك في حق الإمام مثل صلاة الحضر مع صلاة السفر، فإذا دخل إنسان مسافر صلاة بنية القصر فله أثناء الصلاة قلب هذه النية وإتمام صلاته كصلاة الحاضر منفرداً كان أم إماماً.
وهذه القاعدة لا خلاف فيها فيما رأيت:
ومنها: أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز عند الحنفية، لأن بناء الفرض على تحريمه النفل لم يجز في حالة الانفراد فكذلك لا يجوز بناء الفرض على تحريمه النفل في حالة الاقتداء.
وعند الشافعي ﵁ يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، وعند أحمد ﵁ روايتان (١).
وكذلك اقتداء من ينوي فريضة بمن نوى فريضة غيرها.
стр. 600
القاعدة: الثالثة بعد الأربعمئة [الطواف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن كل طواف مستحق عليه في وقت بجهة فأداؤه يقع عن تلك الجهة وإن نوى جهة أخرى (١) ". [ضابط]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذا الضابط يفيد أنه إذا استحق على محرم طواف في وقت معين لجهة معيَّنة ولكنه عند الأداء نوى جهة أخرى فإن طوافه هذا يقع عن تلك الجهة المعينة أولاً ولا يقع عن الجهة الأخرى.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من أحرم بعمرة وحين قدم مكة طاف وسعى لحجته، ثم وقف بعرفة فلم يُجعل طوافه وسعيه رفضاً لعمرته بل إن طوافه وسعيه يكون للعمرة دون الحج لأنها المستحقة عليه فلا يعتبر تغيير نيته فسخاً لعمرته، ثم عليه طواف يوم النحر أي طواف الزيارة ويسعى بين الصفا والمروة، ويصير قارناً (٢).