القاعدة: الثامنة والسبعون بعد الأربعمئة [الصدقة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية أن من وجبت عليه الصدقة إذا تصدق على وجه يستوفي به مراد النص منه أجزأه عما وجب عليه، وعند الشافعي ﵀ لا يجزيه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه المسألة تشير إلى مسألة من مسائل الخلاف المشهورة بين الحنفية وغيرهم وهي مسألة: هل تجزيء القيمة فيما فرضه الله أو رسوله ﷺ نصاً؟ وهل النظر إلى مراد النص وعلته، أو لفظه ونصه، فعند الحنفية يجوز الأمران، الأخذ بظاهر النص أو الأخذ بمراد النص وعلته؟.
أما عند الشافعي ﵁ فالنظر إلى النص وظاهره لا إلى علته ومراده.
وهو كذلك عند الإمام أحمد بن حنبل (٢) ومشهور مذهب مالك ابن أنس ﵄ (٣).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وجبت الزكاة في الدراهم - الذهب أو الفضة - فأدَّى بدلها حنطة أو غيرها جاز عند الحنفية, لأن مراد النص سد خلة الفقير ودفع حاجته وقد حصل، وكذلك في صدقة الفطر وكفارة اليمين وكل صدقة
стр. 702
وجبت بإيجاب الله تعالى أو وجبت بإيجاب العبد على نفسه، فإنه يجزيه أن يعطي القيمة عند الحنفية.
وأما عند الشافعي وأحمد ﵄ فلا يجوز ذلك قولاً واحداً.
стр. 703
القاعدة: التاسعة والسبعون بعد الأربعمئة [قضاء الصوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند جمهور الحنفية: أن من وصل الغذاء إلى جوفه في حال لا يوصف بالنسيان لصومه كان عليه القضاء. خلافاً للشافعي (١)
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
عند الحنفية كما تشير هذه القاعدة - أن من وصل الغذاء - من طعام أو شراب إلى جوفه - من غير نسيان لصومه - بل عن طريق الخطأ أو الجهل أو الإكراه عليه القضاء خلافاً للشافعي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا تسحر الإنسان على ظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو طالع. قالوا: إن عليه القضاء لوصول المفطر إلى جوفه في وقت الإمساك. ولكن هذا معارض بقاعدة معمول بها عند الحنفية وغيرهم ذكرها ابن نجيم وغيره وهي قاعدة - "الأصل بقاء ما كان على ما كان" ومثلوا لها بقولهم: أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح صومه, لأن الأصل بقاء الليل. وحمل وجوب القضاء على ما إذا غلب على ظنه طلوع الفجر فأكل ثم ظهر إنه أكل بعده قضى (٢).
ومنها: النائم إذا صب الماء في حلقه كان عليه القضاء عند الحنفية غير زفر. وعند الشافعي لا قضاء عليه.
стр. 704
القاعدة: الثمانون بعد الأربعمئة [العقد الموقوف]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن الموجود في حالة التوقف كالموجود في أصله (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق ببعض أحكام العقد الموقوف وتفيد أن الموجود في حال توقف العقد أو حصول أمر في حالة التوقف، فعند إلاجازة يعتبر كأنه موجود في أصل العقد؛ لأن صحة العقد الموقوف لا تعتبر من تاريخ الإجازة وإنما يعتبر العقد صحيحاً من وقت عقد الفضولي. وهذا معنى قولهم: كالوكالة السابقة، أي في التصرف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع فضولي سلعة كبقرة ثم ولدت قبل إجازة المالك ثم أجاز المالك البيع فإن زوائد البيع تكون من حق المشتري كما لو جرى العقد والإذن عليها ابتداءً.
стр. 705
القاعدة: الحادية والثمانون بعد الأربعمئة [ميراث ذوي الأرحام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي يوسف ﵀ أن ميراث ذوي الأرحام مأخوذ من حكم العصبة في جميع الأحكام. وعند محمَّد ﵀ يعتبر بالعصبة في بعض الأحكام، ويعتبر في بعضها بالعمة والخالة. وعند أهل التنزيل ميراث ذوي الأرحام مأخوذ من ميراث العمة والخالة في جميع الأحكام (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تتعلق بميراث ذوي الأرحام، وحكم توريثهم وبم يلحقون!
فهل حكمهم في التوريث حكم العصبة في جميع الأحكام، أو في بعضها، أو حكمهم حكم العمة والخالة؟ خلاف بين أصحاب أبي حنيفة.
فمن هم ذوو الأرحام؟ هم القرابة غير العصبة، والعصبة هم قرابة الرجل لأبيه - وعصبة الرجل هو الذكر الذي يدلي إلى الميت - أي يتوصل به عن طريق الذكور (٢).
وأهل التنزيل: هم الفرضيون الذين ينزلون ذوي الأرحام منازل أصولهم التي بها يتصلون بالميت.
стр. 706
فعند أبي يوسف وهو مذهب أبي حنيفة يرثون على ترتيب العصبات، وعند محمَّد اعتبرهم بالعصبة في بعض الأحكام وفي بعضها بالعمة والخالة.
وعند أهل التنزيل ينزلون كل فريق منهم منزلة الوارث الذي يدلي به. وهو مذهب أحمد بن حنبل ﵁.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ترك بنت بنت وبنت أخ فبنت البنت أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، لأن اعتبارها بالعصبة، والإرث بالعصوبة إذا علق بجهة فتعتبر تلك الجهة ولا تسقط، فبنت البنت مثل ابن الابن فهو أولى من ابن الأخ وكذلك بنت البنت أولى من بنت الأخ.
وعند أهل التنزيل بنت الأخ أولى لأن عندهم ميراث ذوي الأرحام معتبر بالعمة والخالة ثم بعدُ ذلك في أحدهما ينقل الميراث إلى الأقرب منهما، ومساواتهما في الدرجة توجب الشركة في الميراث. فمثلاً لو ترك بنت بنت عم وبنت خال. فبنت الخال أولى بالاتفاق ويُسْقِط بعدُ الدرجة ميراثَ بنت بنت العم، وينتقل الميراث إلى بنت الخال، وكذلك في ولد الولد مع ولد الأخ.
стр. 707
القاعدة: الثانية والثمانون بعد الأربعمئة [النسبة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في النسبة ما يتناوله الاسم وحده دون ما لا يتناوله الاسم وحده (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن الاعتداد في النسبة - وهي القرابة والمشاكلة - إلى ما يقع عليه ويتناوله الاسم المنسوب إليه وحده. أما لا يتناوله الاسم وحده فلا يعتد بالنسبة إليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال الإمام أو القائد: من أصاب خزاً أو قطناً فهو له. فأصاب جندي جلود خز أو خزاً قد حلق من الجلود فله الخز في الوجهين جميعاً، لأن اسم الخز يتناولهما حقيقة، وكذلك إذا أصاب قطناً في جوزه أو محلوجاً فله القطن في الوجهين لذلك.
ولو أصاب ثوب خز أو ثوب قطن فهو له, لأن الثوب منسوب إلى الخز أو إلى القطن مطلقاً، وكذلك لو أصاب خزاً مغزولاً أو قطناً مغزولاً.
بخلاف ما لو قال: من أصاب شعراً فهو له. فأصاب جلود معز عليها الشعر أو أنماط شعر أو ستور شعر لم يكن له ذلك, لأن الاسم وهو الشعر هنا لا يتناول هذه الأشياء وحده، وإنما يقال: جلد شعر، أو أنماط شعر أو ستور شعر، بخلاف الأول (٢).
стр. 708
أقول ولعل سبب الاختلاف مبني على اختلاف الأعراف فيمكن أن يقال: ما عُرف أنه يتناوله الاسم وحده تصح النسبة إليه وما لا فلا، والله أعلم.
стр. 709
القواعد: الثالثة والثمانون بعد الأربعمئة والرابعة والثمانون بعد الأربعمئة [حكم النص]
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
" الأصل أن النص يحتاج إلى التعليل بحكم نفسه لا بحكم غيره (١) ".
وفي لفظ: "ابتداء الحكم لا يجوز إثباته بالتعليل لأن ابتداء الحكم بالنص (٢) "
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
النصوص الشرعية - من كتاب أو سنة - لا ينظر المجتهد عند البحث فيها وتنفيذ أحكامها في عللها, لأن كونها نصوصاً يكفي في إثبات أحكامها، وأما عند إرادة قياس غيرها عليها فينظر في العلل للإلحاق.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
تحريم رسول الله ﷺ التفاضل في الأشياء الستة: الذهب، والفضة، والحنطة والتمر والشعير والملح، ثابت بعين النص لا بالقياس فلا يحتاج إلى التعليل بحكم غيره. وأما غيرها من المكيلات والموزونات فإنما تثبت حرمة التفاضل فيها بالمعنى، أي بالقياس عليها. ولما كان ابتداء الحكم بالنص فلا يجوز إثباته بالتعليل, لأن التعليل لتعدية حكم النص لا لإثبات حكم آخر سوى المنصوص.
стр. 710
القاعدة: الخامسة والثمانون بعد الأربعمئة [التحديد والتقدير]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" أصل مالك نفي التحديد إلا بدليل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن تحديد وتقدير عدد في الشرع لا يصح عند مالك إلاَّ بدليل ثابت كعدد الغسلات في الوضوء، حيث لم يحدد مرة أو اثنتين أو ثلاثاً إذ لم يكره ما دون الثلاث ولا ما فوقها (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لم يقدر مالك قدر ما يُتَوضأ به إن كان مُدَّاً أو صاعاً، ولا قدر النفقة الواجبة، ولا عدد الرضعات المحرمة، ولا التعزير بما دون الحد.
وإن كان ورد عن مالك: أنه لا يجب الوضوء مرة مرة إلا لعالم. وورد أنه لا يحبها من العالم لئلا يقتدي به العامي وهو لا يحسن الإسباغ.
ولعله لا تعارض بين القاعدتين لأن المراد بكراهة المرة من العالم من باب الاحتياط حتى لا يقتدي به من لا يحسن الإسباغ ولا كراهة في غير ذلك، وإن استحب التقليل من الماء بقدر الإمكان. وكذلك لم يحدد عدد الرضعات المحرمات (٣) خلافاً للشافعي وأحمد ولا حد التعزير ولو جاوز الحد (٤).
стр. 711
القاعدة: السادسة والثمانون بعد الأربعمئة [النفي]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة: أن نفي موجب العقد لا يجوز، ونفي موجب الشرط يجوز، وعندهما نفي موجب العقد جائز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
معنى موجب العقد: أي ما يوجبه العقد للبائع والمشتري، أو الزوج والزوجة، بمعنى الأحكام التي تترتب على تمام العقد من ملك البدلين وإباحة الانتفاع بهما وهما صلب العقد ومقصوده.
وأما موجب الشرط فهو ما يجب على أحد المتعاقدين بسبب شرط اشترطه الآخر عليه.
فتفيد القاعدة أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز نفي ما يجب بالعقد, لأنه شرط باطل، وعند صاحبيه هو شرط جائز، وأما نفي ما يوجبه الشرط فيجوز عند الجميع لأنه من متممات العقد لا من صلبه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال لخياط: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم، فالشرط الأول جائز عند أبي حنيفة والثاني باطل, لأن الشرط الثاني، نفى موجب العقد - وهو استحقاق الأجر كاملاً - ولا يجز نفيه فبطل الشرط الثاني.
فإذا خاطه في الغد يجب أجر المثل. وعندهما الشرطان جائزان.
стр. 712
ومنها: إذا ترك إعلام مكان الإيفاء عند حلول السلم (١) جاز عند أبي حنيفة ﵀ لأن التسليم في موضع العقد ليس بموجب العقد عنده؛ لأنه لو شرط الإيفاء في موضع آخر لم يبطل السلَم ولو كان من موجب العقد لما جاز نفيه - وعندهما من موجب العقد ومع ذلك جاز نفيه.
стр. 713
القاعدة: السابعة والثمانون بعد الأربعمئة [النقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن النقود لا تتعين في العقود والفسوخ (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
النقود من الذهب والفضة والنقود الورقية لا تتعين في العقود أو الفسوخ لأن المقصود قيمتها لا عينها. وعند الحنابلة في القاعدة خلاف (٢) ".
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا اشترى إنسان من آخر سلعة بألف دينار- مثلاً - وأشار إليها ثم أعطى البائع ألفاً غيرها لزم البائع قبولها, لأن النقود لا تتعين بالتعيين، وكذلك إذا فسخ العقد بسبب من الأسباب فلا يلزم البائع رد عين النقود التي أخذها من المشتري وله أن يعطيه غيرها ما داما سواءً.
стр. 714
القاعدة: الثامنة والثمانون بعد الأربعمئة [نية التمييز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أئمة الحنفية الثلاثة: أن نية التمييز في الجنس الواحد لا تعمل، وعند زُفر تعمل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن الجنس الواحد يكفي فيه نية واحدة شاملة ولا يحتاج إلى تمييز كل فرد من أفراد هذا الجنس الواحد بنية منفصلة، وهذا عند الأئمة الثلاثة. وعند زُفر لا بد من نيَّة التمييز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا ظاهر من أربع نسوة له ثم أعتق بعددهن رقاباً ولم ينو عن كلَّ - كفارة بعينها أجزأه, لأن الجنس واحد فاستغنى عن نية التمييز، ولذلك قالوا: لا يُشترط في الكفارات التعيين.
وعند زُفر لا يجزيه لأن نية التمييز في الجنس شرط عنده.
ومنها: إذا قال الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام. ونوى اثنتين لا يقع إلا واحدة ولا تعمل تلك النية, لأن حرمة الواحد جنس واحد فلم تعمل النية الواحدة في جنسين. وعند زُفر تقع اثنتان وأَعمل النية فيهما.
стр. 715
القاعدة: التاسعة والثمانون بعد الأربعمئة [الخراج]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع (١) ". تحت الخراج بالضمان، والغُرم بالغنم
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالخراج هو الغلة سواء كانت غلة أرض أو مصنع أو عبد أو غير ذلك أو هو بالمعنى الأضيق "الوظيفة المعينة التي توضع على الأرض" (٢).
ووجوب الخراج على مَنْ يجب عليه إنما يستحق بعد أن يتمكن من الانتفاع بالأرض أو بعد ملكه للعبد أو دخوله في ضمانه، أو بعد تسلمه المصنع وتمكنه من الانتفاع به, لأن الخراج بالضمان والغُرم بالغنم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من اشترى أرضاً خراجية فعليه خراجها إذا تمكن من زراعتها قبل مضي السنة وإلا كان خراجها على البائع.
وكذلك لا يجب العشر على الخارج من الأرض العشرية إلا بعد تمام نضج الزرع والثمار وسلامتها من الآفات.
стр. 716
القاعدة: التسعون بعد الأربعمئة [الصفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل في وضع الصفة أن تجيء للتخصيص أو التوضيح؟ (١) ".
وفي لفظ: "ما يتردد المذهب في أنه للتعريف أو للشرط (٢) ". وستأتي في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
تدل هاتان القاعدتان على معنى متحد وهو أنه هل الأصل والقاعدة في وضع الصفة أنها لتوضيح الموصوف وتعريفه؟ أو أنها إنما تجيء لتخصيص الموصوف وتكون شرطاً فيه؟. ولكن المشهور أن الصفة في المعرَّف لتوضيح العرف وتسمى الصفة الفارقة، وفي النكرة إنما تكون للتخصيص وهو المعبر عنه بالشرط.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا قلنا "زيد العالم" كانت تلك الصفة للتوضيح، وأما إذا قلنا -: مررت برجل فاضل. فتكون للتخصيص والشرط, لأن تخصيص الموصوف بتلك الصفة بمنزلة اشتراطها فيه، وفي الفارقة خلاف.
ومن مسائل هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٣) فإن جملة "لا يقدر على شيء" صفة ثانية لعبد، فإن حُملت على التوضيح كان فيه متمسك للشافعي ﵀ في
стр. 717
مذهبه الجديد أن العبد لا يملك شيئاً، وإن ملَّكه السيد أو غيره. أي هذا شأن العبد.
وإن جعلت للتخصيص كان فيه متمسك لمذهب مالك والقديم من قول الشافعي أنه يملك, لأن سياق الآية يقتضي تخصيص هذا العبد بهذه الصفة فيبقى مفهومها أنه يملك شيئاً (١).
стр. 718
القاعدة: الحادية والتسعون بعد الأربعمئة [الفعل والقول]
أولا: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يثبت من جهة الفعل ما لا يثبت من جهة القول (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تصرف الإنسان في معاملاته بفعله يثبت من النتائج ما لا يثبت بالقول وحده, لأن الفعل أوضح وأقوى من القول في الدلالة على أحكام التصرفات.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوكيل بعقد أو بغيره لا ينعزل عن الوكالة يقول الموكل: عزلت فلاناً عما وكلته به. ما لم يعلم الوكيل بالعزل. فتصرف الوكيل الغائب نافذ فيما وُكلَّ فيه ما لم يعلم بالعزل. ولكن إذا وكل إنسانٌ آخر في عقد ثم تصرف الموكل في ذلك العقد فعقده بنفسه أو فسخه بنفسه عُزِل الوكيل علم أو لم يعلم.
فإذا وكل إنساناً في طلاق امرأته ثم طلقها الموكل بنفسه عُزِل الوكيل عن الطلاق، فليس له أن يطلق بعد ذلك طلقة أخرى.
стр. 719
القاعدة: الثانية والتسعون بعد الأربعمئة [الطاريء]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أئمة الحنفية الثلاثة أنه يجوز أن يتوقف الحكم في العقود وغيرها لمعنى يطرأ عليها ويحدث فيها. وأما عند زُفر فمتى وقع الشيء جائزاً أو فاسداً فلا ينقلب عن حاله لمعنى يطرأ عليه ويحدث فيه إلا بالتجديد والاستئناف (١) ".
وفي لفظ عند الشافعية: "كل ما لو قارن لمنع فإذا طرأ فعلى قولين (٢) ". وتأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن العقد أو التصرف إذا تم بشروطه ثم طرأ عليه أمر أو حدث فيه عارض. أن هذا الطاريء أو الحادث يجيز التوقف في نفاذ العقد أو التصرف ولزوم أحكامه، وإن كان الأصل لزومه خلافاً لِزُفَر الذي يرى أن العقد متى وقع جائزاً أو فاسداً لا يتغير حكمه بل يبقي على ما كان عليه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع عبداً بشرط الخيار فمر يوم الفطر فتتوقف صدقة الفطر حتى يتبين من يؤول إليه ملك العبد عند الأئمة الثلاثة.
وأما عند زُفر فلا يتوقف الحكم بل تجب صدقة الفطر عن العبد
стр. 720
على من له الخيار، لأن الملك عنده لمن له الخيار، فالصدقة تجب عليه.
ومنها: أن المكره على البيع إذا باع مكرهاً فحكم بيعه أنه موقوف على رضاه بعد زوال الإكراه، فإن رضي جاز وإن لم يرض لم يجز. وعند زفر البيع فاسد وإن رضي المكره بعد ذلك لأنه وقع فاسداً فلا يعود إلى الجواز إلا بالتجديد والاستئناف.
ومنها: إذا أبق العبد بعد تمام العقد وقبل القبض. فهل يفسخ العقد كما لو أبق العبد قبل العقد؟ أو لا يفسخ (١) على قولين.
стр. 721
القاعدة: الثالثة والتسعون بعد الأربعمئة [العموم والخصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يجوز أن يكون أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص، ويجوز أيضاً أن يكون أول الآية على الخصوص وآخرها على العموم (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه قاعدة فقهية أصولية وتفيد أن بعض الآيات قد يكون أولها يفيد - حكماً عاماً وآخرها يفيد حكماً خاصاً، والعكس أي أن أولها يفيد حكماً خاصاً وآخرها يفيد حكماً عاماً.
والمقصود أن المفسر والمفتي والحاكم يجب عليه أن لا يكتفي بالنظر في أول الآية فيصدر حكماً بموجبه دون النظر إلى آخرها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
١ - مثال الآية أولها على العموم وآخرها على الخصوص: قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه﴾ (٢) فهذا على العموم في كل قتل خطأ التحرير والدية ثم قال سبحانه في الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢) ولم يقل: "ودية مسلمة إلى أهله" فهذا على الخصوص.
стр. 722
٢ - ومثال الآية أولها على الخصوص وآخرها على العموم قوله تعالى: ﴿فلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (١) هذا في حق الأزواج، وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) أعم حيث يشمل الصلح بين الأزواج وغيرهم.
стр. 723
القاعدة: الرابعة والتسعون بعد الأربعمئة [التهمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه يعتبر التهمة في الأحكام فكل من فعل فعلاً وتمكنت التهمة في فعله حكم بفساد فعله (١) خلافاً للصاحبين والشافعي ﵏.
وفي لفظ: "لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل (٢) ". وتأتي في حرف اللام إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بتمكن التهمة: أن لها مؤيداً من ظاهر الحال.
فتفيد هذه القاعدة أن من تصرف تصرفاً ما ووجد احتمال قوي أنه إنما قصد من وراء تصرفه هذا تحايلاً على الشرع أو إضراراً بمن تعلق به تصرفه فإنه يحكم بفساد هذا الفعل، ويُرَدُّ على الفاعل فعله ولا يعتبر تصرفه صحيحاً. لكن بشرط أن يكون احتمال التهمة قوياً مبنياً على دليل لا مجرد احتمال موهوم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
مريض في مرض الموت إذا أقر لبعض ورثته بدين، فلا يعتبر إقراره
стр. 724
لاحتمال إرادة تفضيل بعض الورثة - إلا إذا صدقة باقي الورثة.
وكذلك من طلق زوجته بغير رضاها بائناً في فرض موته فراراً من الميراث يُرَد عليه قصده وترث منه لأن احتمال إرادة الفرار من الميراث احتمال قوي بدليل مرض الموت.
стр. 725
القاعدة: الخامسة والتسعون بعد الأربعمئة [حقوق الله]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند ابن أبي ليلى: أنه يعتبر حقوق الله تعالى بحقوق العباد (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بحقوق الله تعالى تلك الحقوق التي لا يملك أحد من العباد التنازل أو التعويض عنها، كالزنا أو السرقة، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والقذف عند بعضهم. والردة. وأشباه ذلك. وحقوق العباد ما يجوز للعباد العفو عنها والمسامحة فيها كالقصاص والديون وأروش الجنايات وأشباه ذلك. فإبن أبي ليلى يقيس حقوق الله على حقوق العباد في بعض ما يتناولها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
التوكيل في استيفاء حقوق العباد جائز عند الجميع كالتوكيل في استيفاء الديون. وأما التوكيل في استيفاء الحدود الخالصة لله ، كمن وكَّل غيره في استيفاء قود في النفس أو الطرف أو القذف، فهل يجوز؟ فعند الحنفية لا يجوز إلا بحضور الموكِّل (٢). وعند ابن أبي ليلى يصح ذلك ولو بغير حضور الموكِّل.
ومنها: إن التقادم لا يسقط الحدود قياساً على حقوق العباد، وعند الحنفية التقادم يسقط الحدود. إلا حد القذف، والمراد بالتقادم هنا تقادم الشهادة بأن يشهد الشهود على الزنا مثلاً بعد مضي زمن طويل على وقوعه.
стр. 726
القاعدة: السادسة والتسعون بعد الأربعمئة [العلة والحكمة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يُفرق بين علة الحكم وحكمته، فإن علته موجبة وحكمته غير موجبة (١) ". [فقهية أصولية].
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العلة عند الأصوليين في باب القياس: هى الوصف الظاهر المنضبط الذي يكون مظنة وجود الحكمة".
وأما الحكمة فهي علة العلة وهي الأمر الخفي الذي شرع الحكم لأجله.
فتفيد القاعدة التفريق بين علة الحكم وحكمته، من حيث أن العلة إذا وجدت وجد معها الحكم لا محالة, لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فهي موجبه لحكمها بإيجاب الله لا بنفسها كما يقول المعتزلة. وأما الحكمة فهي غير موجبة للحكم لخفائها وعدم انضباطها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
السفر علة للقصر وجواز الفطر، وشرب الخمر علة لوجوب الحد على شاربه. والمشقة هي حكمة التخفيف في السفر، وهي علة العلة، والسكر علة العلة في وجوب إقامة الحد على شارب الخمر، وحفظ العقل هو الحكمة من وراء التحريم ولكن لما كانت المشقة غير منضبطة، والسكر كذلك يختلف باختلاف الأشخاص ونوع الخمر. أقيمت العلة في كل منهما الحكمة في ترتب الحكم ووجوبه.
стр. 727
القاعدة: السابعة والتسعون بعد الأربعمئة [العلم الظاهر واليقيني]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يُفرق بين العلم إذا ثبت ظاهراً وبينه إذا ثبت يقيناً (١) ". [فقهية أصولية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالظاهر هنا ما ثبت عن طريق ظني غير قطعي - أي بأخبار الآحاد أو عن طريق الاجتهاد والتحري - والمراد باليقين ما ثبت بدليل قطعي.
وتفيد القاعدة: التفريق في الأحكام بين ما ثبت عن طريق الظن أو غلبة الظن أي بدليل ظني فيه شبهة، فهو يفيد الظن الغالب ويجب العمل به ولكن لا يوجب - عند الحنفية - الاعتقاد - أي العلم القطعي، وبين ما ثبت يقيناً بدليل قطعي الثبوت والدلالة فهو يوجب العمل والاعتقاد معاً. وبهذا الأصل فرق الحنفية بين الفرض والواجب من ناحية طلب الفعل وبين الحرام والمكروه تحريماً من ناحية طلب الترك.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الصلوات الخمس ثابتة يقيناً بأدلة مقطوع بها فيجب العمل بها واعتقاد فرضيتها ووجوبها، بخلاف الوتر وقد ثبت بخبر الآحاد التي توجب العمل لا العلم القطعي وكذلك كون الحطيم - أي حِجر إسماعيل - من البيت علم ظاهراً فلم يجز التوجه إليه في الصلاة مع استدبار البيت أو الانحراف عنه. وقد ثبتت فرضية التوجه إلى البيت يقيناً (٢).
стр. 728
القاعدة: الثامنة والتسعون بعد الأربعمئة [فساد العقد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يُفَرَّق بين الفساد إذا دخل في أصل العقد وبينه إذا دخل في علقة من علائقه (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن فساد العقد أو بطلانه يختلف بين أن يدخل سبب الفساد أو البطلان في أصل العقد فيفسد العقد ويبطل، فإذا أزيل المفسد لم يصح العقد ويجب استئنافه، وبين أن يدخل المفسد أو المبطل في وصف من الأوصاف أو فيما يتعلق بالعقد في شرط من شروط نفوذه، فيفسد العقد ولا يبطل - لأن الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل، فالباطل عندهم ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه، فإذا أزيل المفسد صح العقد ولا يحتاج إلى استئنافه وتجديده. وعند غير الحنفية الباطل والفاسد مترادفان. إلا في بعض الصور فيتغايران (٢).
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع عبداً بألف في درهم وخنزير فسد البيع - أي بطل, لأن الثمن ركن من أركان العقد - والخنزير لا يصلح ثمناً, لأنه لا قيمته له ولا يجوز بيعه ولا شراؤه لخبثه. ولو أخرجا الخنزير من الثمن لم يعد الجواز لأن الفساد في أصل العقد - أي البطلان (٣) - وأما إذا باع سيارة بعشرة آلاف
стр. 729
مؤجلة إلى الحصاد - أي وقت غير محدد تماماً - فسد البيع لجهالة الأجل - والفساد هنا ينافي البطلان - فلو أبطل المتعاقدان بعد ذلك الشرط ودفع المشتري الثمن قبل مجيء وقت الحصاد عاد العقد إلى الجواز وصح البيع، ولم يحتج إلى استئناف وتجديد, لأن الفساد كان قد دخل في علقة من علائق العقد ولم يدخل في أصله (١).
стр. 730
القاعدة: التاسعة والتسعون بعد الأربعمئة [الإخبار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يفرق في الإخبار بين الأصل والفرع (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تفيد هذه القاعدة أن الإخبار عن أمر ما يفرق بين ما إذا كان الإخبار عن أصل ثابت فلا يزيل الحكم الذي دل الإخبار على إمكان زواله، وبين أن يكون إخباراً عن فرع غير ثابت فيزيل الحكم الذي دل الإخبار على زواله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أخبرت امرأة بالرضاع بين الزوجين لم يفرق بينهما (٢) , لأنه إخبار يترتب عليه إزالة أصل ثابت وهو النكاح - وإن كان الأولى والورع التفرق.
وأما إذا كان الإخبار بطلاق أو خلع ثبت الطلاق أو الخلع لأنه إخبار عن فرع للنكاح وهو الطلاق أو الخلع وهذا عند الجميع.
ومسألة التفريق بين الزوجين بقول امرأة واحدة في الرضاع مسألة خلافية.
стр. 731
القاعدة: الخمسمئة [الخصومات والمقاصد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أنه يعتبر في الدعاوى مقصود الخصمين في المنازعة دون الظاهر (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إن الاعتداد في الدعاوى بما يقصده الخصمان ويهدفان إليه دون ما يتلفظان به من ألفاظ، فالألفاظ ليست مقصودة لذواتها في الدعاوى وإنما هي وسيلة إلى المقصود عند المنازعة والمخاصمة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أودع شخص عند آخر وديعة ثم طالبه بردها فقال الأمين: رددتها عليك.
وقال المودع لم تردها. فليس المقصود إثبات الرد أو نفيه وإنما المقصود من المودِع إثبات الضمان على المودَع، ومقصود المودع من قوله: رددتها. نفي الضمان. فيكون القول قوله مع يمينه أنه ردها. مع أن الظاهر أن القول لمنكر الرد - وكان ذلك كذلك لأن الأمين الأصل فيه براءة ذمته من الضمان فهو متمسك بأصل قوي، ولذلك كان القول قوله مع اليمين (٢).
стр. 732
القاعدة: الحادية بعد الخمسمئة [اليمين]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل أن اليمين إذا عقدت على صفة كانت صحتها لصفة محلها، وكانت صفة المحل مشروطة عن طريق الدلالة، ثم يعطى لها حكم المشروط عن طريق الإفصاح (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة المستمرة في اليمين والأمر الراجح فيها أنها إذا عقدت على صفة مخصوصة، فإن صحة اليمين تلزم إذا صحت صفة محل اليمين - فتكون الصفة مشروطة لصحة اليمين دلالة، ويكون لهذه الصفة حكم المشروط عن طريق التصريح والإفصاح.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال رجل لأمته: إذا ولدت ولداً فهو حر. فولدت ولداً ميتاً. ثم ولدت ولداً آخر حياً. فعند أبي حنيفة ﵁ يقع العتق على المولود الثاني لا الأول, لأن المولود الذي يوصف بالحرية إنما هو الحي لا الميت -، ولذلك كانت صفة الحرية محلها الحياة، فصارت الحياة مشروطة في يمينه - أو في شرطه -, لأن ما ذكر ليس يميناً - من طريق الدلالة - لأنه لم يشترط ولادة الولد حياً تصريحاً - فأعطى لهذه الدلالة حكم المشروط تصريحاً فكأنه قال: إذا ولدت ولداً حياً فهو حر.
وخالف أبو يوسف ﵀ في ذلك فقال: لا يعتق الثاني.
стр. 733
ومنها: إذا قال رجل: إن لم أقتل فلاناً فعبدي حر. وفلان المحلوف عليه ميت - وهو لا يعلم موته - فلا يعتق العبد ولا حنث ولا كفارة عليه عند الجميع لأن القتل من صفات الأحياء فصارت الحياة مشروطة في يمينه من طريق الدلالة، وقتل الميت مستحيل. وخالف في ذلك أبو يوسف فعنده يحنث بمجرد يمينه وعليه الكفارة لأن اليمين عنده على أمر مستقبل قابل للتحقيق أو مستحيل، كما سيأتي في قاعدة تالية.
стр. 734
القاعدة: الثانية بعد الخمسمئة [الحقيقة والمجاز]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ﵁: أن اليمين إذا كانت لها حقيقة مستعملة ومجاز متعارف فالعبرة للحقيقة المستعملة دون المجاز المتعارف, لأن الحقيقة مرجحة على المجاز من جهتين:
١ - كونها حقيقة ٢ - كونها مستعملة.
وعند أبي يوسف ومحمد يعتبران المجاز المتعارف كما يعتبران الحقيقة المستعملة (١) ". تحت قاعدة: "إعمال الكلام".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقيقة: هي الكلمة المستعملة في المعنى الذي وضعت له وضعاً أولاً - أي في أصل اللغة.
والمجاز: هو الكلمة المستعملة في غير المعنى الذي وضعت له وضعاً أولاً، لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
والحقيقة هي الأصل في الاستعمال والمجاز فرع عن الحقيقة.
فعند أبي حنيفة ﵁ العمل بالحقيقة المستعملة أولى من العمل بالمجاز المتعارف المعمول به تبعاً للأصل؛ حيث إن الأصل في الكلام الحقيقة. وأما عند صاحبيه فإذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز معروفاً مستعملاً فالعمل بالحقيقة والمجاز لا بالحقيقة وحدها. فهما لا
стр. 735
يهملان المجاز المستعمل المعروف.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حلف الرجل لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها لا يحنث عند أبي حنيفة, لأن ليمينه حقيقة مستعملة ومجازاً متعارفاً: أما فالحنطة قد تؤكل قضماً وهذه حقيقة، وقد تؤكل مشوية رهذه حقيقة. وأما عند صاحبيه فيحنث لو أكل من خبزها لأنه مجاز متعارف حيث إن أصل الخبز الحنطة.
стр. 736
القاعدة: الثالثة بعد الخمسمئة [اليمين المنعقدة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ﵀: أن اليمين لا تنعقد إلا على معقود عليه، فإذا لم تنعقد فلا كفارة. وعند أبي يوسف تنعقد اليمين وإن كان المعقود عليه فائتاً "أو مستحيلاً (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة في انعقاد اليمين أن تكون على معقود عليه يمكن به البر في اليمين أو الحنث فيها مستقبلاً، فأما إذا لم تنعقد اليمين - أي استحال وقوع المحلوف عليه لفواته - فلا تنعقد اليمين عند جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة، وبالتالي فلا حنث ولا بر فيها، لعدم انعقادها.
والعلة في أن اليمين لا تنعقد إلا على معقود عليه, لأن العقد صفة ولا بد للصفة من الموصوف.
وأما عند أبي يوسف ﵀ فإن اليمين المكفِّرة إنما تكون على أمر مستقبل سواء أمكن البر أم لم يمكن.
ولذلك فإذا حلف الإنسان على أمر فائت أو مستحيل حنث بمجرد الحلف عنده وعليه الكفارة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من حلف ليشربن الماء الذي هذه الكأس فإذا هي لا ماء فيها - وهو لا يعلم - فإنه لا حنث ولا كفارة عند أبي حنيفة وجمهور الفقهاء (٢)
стр. 737
وعند أبي يوسف يحنث وعليه الكفارة. ومنها: من حلف ليقتلن فلاناً فإذا هو ميت - والحالف لا يعلم موته - فلا حنث ولا كفارة عند أبي حنيفة والجمهور، وعند أبي يوسف يحنث وعليه الكفارة.
стр. 738
القاعدة: الرابعة بعد الخمسمئة [السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إضافة السبب إلى ما لا يفيد حكمه لا يجوز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة أن بناء الأسباب على ما لا يفيد أحكامها لا يجوز ولا يصح, لأن الأحكام إنما تبنى على الأسباب الصحيحة لكي تكون صحيحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع ما لم يكن موجوداً في ملكه لا يمكن إثبات حكم البيع فيه، لأن حكم البيع إنما يثبت في مبيع موجود مقدور التسليم.
стр. 739
القاعدة: الخامسة بعد الخمسمئة [الحقيقة والمجاز المباشر والمتسبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإضافة إلى المباشر حقيقة وإلى المسبَّب مجاز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المباشر هو: من وقع منه الفعل دون واسطة والمسبَّت أو المُتسبِب: هو من كان سبباً في وقوع الفعل لكن بواسطة.
وتدل هذه القاعدة على أن إسناد الفعل يكون إما إلى المباشر فيكون الإسناد إليه حقيقة, لأنه فاعل الفعل بدون واسطة، وإما أن يكون إلى المتسبب فيكون إسناد الفعل إليه مجازاً لأنه غير الفاعل في الحقيقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حفر إنسان بئراً ثم جاء آخر وردَّى فيها شخصاً - أي قذفه فيها - فإن فعل القتل إنما يسند إلى المردَّي أي القاذف فعليه الضمان، ولا يسند إلى الحافر لأنه غير مباشر. ولكن إذا قذف إنسان آخر في البحر فالتقمه الحوت فالضمان على المتسبب القاذف وإن كان فاعل القتل المباشر هو الحوت، فيكون إسناد الفعل في هذه الصورة إلى المتسبب مجازاً لأنه ليس القاتل في الحقيقة.
стр. 740
القاعدة: السادسة بعد الخمسمئة [الإضافة في العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإضافة في عقود التمليكات تمنع اللزوم في الحال (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإضافة: المراد بها هنا إسناد تمام العقد إلى وقت مستقبل أو شرط أو خيار.
فتدل هذه القاعدة على أن الإضافة في عقود التمليكات كالبيع والإجارة والوصية والتدبير تمنع لزوم العقد حالاً وتؤخر لزومه إلى مجيء الوقت أو وجود الشرط أو إسقاط الخيار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوصية عقد مضاف إلى ما بعد الموت فلا يلزم إلا بعد وفاة الموصي.
والتدبير عتق مضاف إلى ما بعد الموت فلا يتم إلا بعد موت السيد المعتِق.
والبيع بشرط الخيار للبائع أو المشتري يمنع لزوم عقد البيع إلا بعد إسقاط الخيار.