القاعدة: الثالثة بعد الخمسمئة [اليمين المنعقدة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأصل عند أبي حنيفة ﵀: أن اليمين لا تنعقد إلا على معقود عليه، فإذا لم تنعقد فلا كفارة. وعند أبي يوسف تنعقد اليمين وإن كان المعقود عليه فائتاً "أو مستحيلاً (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
القاعدة في انعقاد اليمين أن تكون على معقود عليه يمكن به البر في اليمين أو الحنث فيها مستقبلاً، فأما إذا لم تنعقد اليمين - أي استحال وقوع المحلوف عليه لفواته - فلا تنعقد اليمين عند جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة، وبالتالي فلا حنث ولا بر فيها، لعدم انعقادها.
والعلة في أن اليمين لا تنعقد إلا على معقود عليه, لأن العقد صفة ولا بد للصفة من الموصوف.
وأما عند أبي يوسف ﵀ فإن اليمين المكفِّرة إنما تكون على أمر مستقبل سواء أمكن البر أم لم يمكن.
ولذلك فإذا حلف الإنسان على أمر فائت أو مستحيل حنث بمجرد الحلف عنده وعليه الكفارة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من حلف ليشربن الماء الذي هذه الكأس فإذا هي لا ماء فيها - وهو لا يعلم - فإنه لا حنث ولا كفارة عند أبي حنيفة وجمهور الفقهاء (٢)
стр. 737
وعند أبي يوسف يحنث وعليه الكفارة. ومنها: من حلف ليقتلن فلاناً فإذا هو ميت - والحالف لا يعلم موته - فلا حنث ولا كفارة عند أبي حنيفة والجمهور، وعند أبي يوسف يحنث وعليه الكفارة.
стр. 738
القاعدة: الرابعة بعد الخمسمئة [السبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إضافة السبب إلى ما لا يفيد حكمه لا يجوز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة أن بناء الأسباب على ما لا يفيد أحكامها لا يجوز ولا يصح, لأن الأحكام إنما تبنى على الأسباب الصحيحة لكي تكون صحيحة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا باع ما لم يكن موجوداً في ملكه لا يمكن إثبات حكم البيع فيه، لأن حكم البيع إنما يثبت في مبيع موجود مقدور التسليم.
стр. 739
القاعدة: الخامسة بعد الخمسمئة [الحقيقة والمجاز المباشر والمتسبب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإضافة إلى المباشر حقيقة وإلى المسبَّب مجاز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المباشر هو: من وقع منه الفعل دون واسطة والمسبَّت أو المُتسبِب: هو من كان سبباً في وقوع الفعل لكن بواسطة.
وتدل هذه القاعدة على أن إسناد الفعل يكون إما إلى المباشر فيكون الإسناد إليه حقيقة, لأنه فاعل الفعل بدون واسطة، وإما أن يكون إلى المتسبب فيكون إسناد الفعل إليه مجازاً لأنه غير الفاعل في الحقيقة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا حفر إنسان بئراً ثم جاء آخر وردَّى فيها شخصاً - أي قذفه فيها - فإن فعل القتل إنما يسند إلى المردَّي أي القاذف فعليه الضمان، ولا يسند إلى الحافر لأنه غير مباشر. ولكن إذا قذف إنسان آخر في البحر فالتقمه الحوت فالضمان على المتسبب القاذف وإن كان فاعل القتل المباشر هو الحوت، فيكون إسناد الفعل في هذه الصورة إلى المتسبب مجازاً لأنه ليس القاتل في الحقيقة.
стр. 740
القاعدة: السادسة بعد الخمسمئة [الإضافة في العقود]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإضافة في عقود التمليكات تمنع اللزوم في الحال (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإضافة: المراد بها هنا إسناد تمام العقد إلى وقت مستقبل أو شرط أو خيار.
فتدل هذه القاعدة على أن الإضافة في عقود التمليكات كالبيع والإجارة والوصية والتدبير تمنع لزوم العقد حالاً وتؤخر لزومه إلى مجيء الوقت أو وجود الشرط أو إسقاط الخيار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
الوصية عقد مضاف إلى ما بعد الموت فلا يلزم إلا بعد وفاة الموصي.
والتدبير عتق مضاف إلى ما بعد الموت فلا يتم إلا بعد موت السيد المعتِق.
والبيع بشرط الخيار للبائع أو المشتري يمنع لزوم عقد البيع إلا بعد إسقاط الخيار.
стр. 741
القاعدة: السابعة بعد الخمسمئة [الاضطرار]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الاضطرار لا يبطل حق غيره (١) ". تحت قاعدة: المشقة تجلب التيسير
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات".
تدل هذه القاعدة على أن الاضطرار إذا كان في بعض المواضع يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، وفي بعضها يقتضي الترخيص في فعله مع بقاء حرمته كالنطق بكلمة الكفر. إلا أنه على كل حال لا يبطل حق الآخرين وإلا كان من قبيل إزالة الضرر بالضرر وهذا غير جائز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أضطر لأكل طعام غيره، فبعد زوال الاضطرار عليه قيمة ما أكل إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً.
ومنها: إذا صال عليه حيوان محترم كجمل أو ثور فقتله دفاعاً عن نفسه فعند الحنفية يضمن قيمته لصاحبه, لأن الاضرار لا يبطل حق الغير.
стр. 742
القاعدة: الثامنة بعد الخمسمئة [الإطلاق والتقييد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإطلاق يحتمل التقييد بالشرط (١) ". [فقهية أصولية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإطلاق والتقييد من صفات الألفاظ يقال: لفظ مطلق أي مجرد عن القيود التي توجب فيه تحديداً، وعند الأصوليين: هو اللفظ الشائع في جنسه بلا شمول ولا تعيين"
واللفظ المقيد: هو اللفظ الذي يكون محدداً بشيء من القيود.
وتدل هذه القاعدة أن اللفظ المطلق يحتمل أن يقيد بالشرط فيخرج عن الإطلاق.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا كفل بنفس رجل إلى شهر - حيث قال: أنا كفيل بالإتيان به إلى مدة شهر، فهل إذا مضى الشهر ولم يأت به يبرأ من الكفالة؟ قالوا: لا يبرأ ما لم يسلم نفس المكفول به إلى المكفول له، لكن إذا قال: على أني بريء من الكفالة بعد شهر. كان على ما قال. أي يبرأ بمضي الشهر، لأنه قيد اللفظ المطلق بالشرط.
стр. 743
القاعدة: التاسعة بعد الخمسمئة [الإطلاق والتقييد]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإطلاق يحتمل التقييد بالشرط والتقييد لا يحتمل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الإطلاق: رفع القيد وإزالة له حسياً كان القيد أم معنوياً.
والتقييد: بخلافه أي وضع للقيد وإيجاد له.
فتدل هذه القاعدة على أن الإطلاقات هي التي تحتمل التعليق بالشرط، وأما التقييدات فلا تحتمل التعليق بالشرط.
ومن الإطلاقات الطلاق والعتاق والحوالة والكفالة، ومن التقييدات عزل الوكيل وحجر المأذون والتحكيم (٢).
ثالثاً: مع أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من قال: أوكلك في هذا الأمر غداً أو إذا جاء آخر الشهر صح ذلك لأن التوكيل إطلاق فيقبل التعليق، بخلاف ما لو قال: أعزلك عن الوكالة غداً أو إن جاء الغد عزلتك، لا يصح لأنه تقييد (١).
стр. 744
القاعدة: العاشرة بعد الخمسمئة [الإعانة على المعصية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الإعانة على المعصية معصية (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأصل أن على العاصي جزاء معصيته مهما كانت في حقوق الله سبحانه أو في حقوف العباد، فتدل هذه القاعدة أن العاصي ليس هو فقط مرتكب المعصية بل العاصي من فعل المعصية ومن أعان عليها، فالمعين للعاصي عاص، والإعانة على المعصية معصية, لأنها تشجع العصاة على ارتكاب المعاصي، فالعاصي إذا لم يجد من يعينه على معصيته فقد لا يعصي.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من دل إنساناً على آخر ليقتله ظلماً كان معيناً له على جريمته فكان عاصياً. ومن دل سارقاً على مال ليسرقه أو راقب له الطريق أو فتح له الباب أو أعانه بسلم ليرتقي السطع ليسرق أو يرتكب جريمة وهو يعلم فهو عاص وفعله معصية.
ومنها: إذا أعان حلال مُحرماً على قتل صيد فهو شريك. وصيد المحرم معصية فالمعين عليها عاص وإعانته معصية.
стр. 745
القاعدة الحادية عشرة بعد الخمسمئة [التعليق - الصفة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الاعتبار بحال التعليق أو بحال الصفة (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالتعليق "ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى (٢) ". ويكون ذلك بأداة من أدوات الشرط، فتدل القاعدة على وجود اختلاف في المعتبر من حال التعليق ووقته أو من حال وزمن وجود الصفة التي علَّق عليها الحكم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا أوصى له بثلث ماله، فهل يعتبر ثلث المال حين الوصية أو ثلث المال حالة الموت؟ قولان عند الشافعية.
ومنها: إذا قال العبد لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً. ثم عُتِق ثم دخلت الدار، فهل تقع طلقتان؟ لأنه حينما علَّق الطلاق بالدخول كان عبداً، والعبد لا يملك إلا طلقتين. أو تقع الثلاث اعتباراً بحال وجود الصفة حيث إنه أصبح حراً وقد وقع الدخول بعد حريته؟ وجهان عند الشافعية.
стр. 746
القاعدة: الثانية عشرة بعد الخمسمئة [الدلالة - الصريح]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" اعتبار الصريح أولى من اعتبار الدلالة (١) - "أي عند تعارضهما".
وفي لفظ: "لا عبرة للدلالة في مقابلة الصريح - أو التصريح (٢). وتأتي في حرف اللام إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالصريح: اللفظ الواضح البيَّن - أي النطق.
والمراد بالدلالة: غير النطق من إشارة أو دلالة حال.
وتدل هذه القاعدة على أنه إذا اجتمع التصريح مع الدلالة، فإنه الإعتبار إنما هو للنطق ولا اعتبار للدلالة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا دخل الضيف البيت المأذون له في الدخول فيه أو إلى طعام فإن بدلالة الحال له أن يجلس على ما يجده من فراش أو مقاعد، وله أن يتناول الطعام الموضوع أمامه دلالة. ولكن إذا نهاه صاحب البيت عن الجلوس فوق هذا الفراش أو نهاه عن تناول الطعام، فلا اعتبار للدلالة في هذه الحال لأن التصريح أولى بالاعتبار.
стр. 747
القاعدة: الثالثة عشرة بعد الخمسمئة [الأداء - الوجوب]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الاعتبار في الطهارات وأفعال الصلاة بحالة الأداء لا بحالة الوجوب (١) " ..
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
العبادات لها حالتان: حالة وجوب وهي وقت تعلق الوجوب في الذمة بوجود سببه، فبالزوال يتعلق وجوب صلاة الظهر بذمة المكلف.
والحالة الثانية حالة الأداء، وهي الوقت الذي يؤدي فيه المكلف ما وجب عليه.
فتدل هذه القاعدة على أن المعتبر في صحة الطهارة وصحة أفعال الصلاة حالة أداء المكلف للعبادة لا حالة وجوبها وتعلقها بذمته.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
أن من كان عبداً ودخل عليه وقت صلاة الظهر يوم الجمعة فلم يصلها حتى عتق، وجب عليه الجمعة، ومنها: أن من أحدث ولم يجد ماءً، ودخل عليه وقت صلاة فتيمم ثم لم يصل بتيممه حتى وجد الماء، وجب عليه الوضوء ولا يصلي بتيممه.
стр. 748
القاعدة: الرابعة عشرة بعد الخمسمئة [العادة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" اعتبار العادة عند عدم النص (١) ". "العادة محكَّمة". وستأتي إن شاء الله في حرف العين.
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن العادة والعرف يعتبران حجة عند عدم النص على خلافهما، والمراد بالنص إما نص الشارع أو نص العاقد المتكلم.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا وكل إنسان آخر في شراء لحم أو ثوب له ولم ينص على نوعه، فإن الوكيل يجب عليه شراء ما هو عادة في الأكل أو اللبس، وإلا لا يلزم الموكل، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 749
القاعدة: الخامسة عشرة بعد الخمسمئة [المنصوص]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" اعتبار المعنى في غير المنصوص عليه، فأما في المنصوص فالمعتبر اللفظ (١) ". [أصولية]
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المنصوص: هو لفظ الشارع ونص عبارته فالمعتبر فيه اللفظ.
وغير المنصوص: يجوز فيه اعتبار المعنى الدال على المقصود ولا يجب الاقتصار على اللفظ.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
جواز عقد النكاح بلفظ الهبة والتمليك، عند الحنفية كملك اليمين.
فإذا قال رجل لآخر وهبتك ابنتي بصداق أو مهر قدره كذا أو ملكّتكها بصداق قدره كذا. وقبل الآخر. تم العقد وجاز، خلافاً لمن يقصرون عقد النكاح على لفظ التزويج والنكاح وهم الشافعية وقول عند الحنابلة.
стр. 750
القاعدة: السادسة عشرة بعد الخمسمئة [الاعتياض]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الاعتياض عن مجرد حق لا يحتمل التقوم باطل (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الاعتياض: أخذ العوض.
التقوم: أي أن يكون للشيء قيمة مالية.
وتدل هذه القاعدة على أن الحقوق قسمان: حق يحتمل التقوُّم المالي فهذا يجوز الاعتياض عنه وإسقاطه بالصلح أو غيره، وحق لا يحتمل التقوُّم أي ليس هو مال بل حق شرع لدفع ضرر متوقع أو غيره.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صالح عن شفعته بمال فهذا صلح باطل وسقطت شفعته حيث إن الشفعة حق غير متقوم فلا يجوز الاعتياض عنه. - أي أخذ العوض المالي.
ومنها: المخيَّرة: إذا صالحت عن خيارها بمال سقط خيارها ولا حقَّ لها في المال؛ لأن خيارها إنما شرع لدفع ضرر عنها، وهو حق ليس بمتقوم فلا يجوز الاعتياض عنه.
والمخيَّرة: هي امرأة زُوَّجت بغير رضاها بسبب صغر أو رِق وعبودية، ثم بلغت أو أعتقت فلها حينئذٍ الخيار في طلب فسخ النكاح أو إبقائه.
стр. 751
القاعدة: السابعة عشرة بعد الخمسمئة [الأعمى]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأعمى كالبصير (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الأعمى: مَنْ فقد نعمة البصر سواء ولد أكمه أو أصابه العمى بعاهة.
وتدل هذه القاعدة على أن الأعمى في جميع أحكامه وتصرفاته كالبصير حيث إنه مكلف فيجب عليه ما يجب على البصير وله من الحقوق ما للبصير، ولكن استثني مسائل لم يكن فيها كالبصير لاعتمادها على الرؤية أو جل اعتمادها على الرؤية، كالجهاد، والشهادة، والإمامة العظمى، ولا يصح عتقه عن كفارة، وهناك مسائل اختلف فيها.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من المسائل التي خالف فيها الأعمى البصير أن بيعه وشراءَه غير جائزين عند الشافعية لعدم الرؤية، ولكن جاز توكيله في ذلك ضرورة، وقد سبق ذكر ذلك.
ومن أمثلة هذه القاعدة ومسائلها: أن الأعمى كالبصير في إقامة الحدود عليه وله فإذا قتل يُقْتَل أو سرق يقطع أو زنى يرجم إذا كان محصناً ويجلد إذا كان بكراً، وإذا قذف يقام عليه الحد.
стр. 752
القاعدة: الثامنة عشرة بعد الخمسمئة [إعمال الكلام]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إعمال الكلام أولى من إهماله (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
إعمال الكلام: إعطاؤه حكماً مفيداً حسب مقتضاه اللغوي.
وإهمال الكلام: عدم ترتب ثمرة عملية عليه بإلغاء مقتضاه ومضمونه.
فالعاقل يصان كلامه عن الإلغاء والإهمال ما أمكن بأن يُنظر إلى الوجه المقتضي لتصحيح كلامه فيرجح، سواء كان بالحمل على الحقيقة أم بالحمل على المجاز عند تعذر الحقيقة. إلا عند عدم الإمكان فيلغى، فإن اللفظ المصادر في مقام التشريع أو التصرف إذا كان حمله على أحد المعاني الممكنة يترتب عليه حكم، أو ثمرة، وحمله على معنى آخر يقتضيه لا يترتب عليه حكم أو ثمرة، فالواجب حمله على المعنى المفيد للحكم، لأن خلافه إهمال وإلغاء.
ثالثاً: مكانة هذه القاعدة وأهميتها:
هذه القاعدة ذات مكانة عظيمة حيث ذكرها كل من كتب في القواعد الفقهية أو صنف فيها، وتتبين أهمية هذه القاعدة عندما نعلم أنها محل اتفاق عند جميع العلماء كما يظهر من تفريعاتهم عليها وتعليلاتهم بها.
стр. 753
كما تزداد أهميتها عندما نعلم أنها تتعلق بالدرجة الأولى بخطابات الشرع الحكيم كما تتعلق بالكلام الصادر عن المكلف وتصحيحه وصونه عن الإهمال والإلغاء, لأن تصحيح الكلام مبدأ أخذ به الجميع دون استثناء.
ومن هنا كان لهذه القاعدة أثرها الكبير في الأبحاث التشريعية التي تتعلق بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ .
ولاشتمال هذه القاعدة على قواعد متعددة متفرعة عليها ولعموم أثرها تستحق أن تكون سادسة القواعد الكلية الكبرى المتفق على اعتبارها والعمل بها.
رابعاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: وقفت على أولادي لم يدخل فيه ولد الولد في الأصح حملاً على الحقيقة، وإذا لم يكن له إلا أولاد أولاد حمل عليهم صوناً للكلام عن الإهمال والإلغاء.
ومنها: من أوصى بطبل، وله طبل حرب وطبل لهو. يحمل الكلام على طبل الحرب لتصح الوصية (١) لأن الوصية بالمحرم - وهو طبل اللهو وأمثاله - لا تصح.
стр. 754
القاعدة: التاسعة عشرة بعد الخمسمئة. [الأعيان المالية]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأعيان باعتبار المالية جنس واحد (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأعيان ما كان مقابلاً للأثمان في البيع والسلم وغيرهما، وأيضاً من كان مطالباً بالأثمان من أصيل أو كفيل أو حويل.
فتدل هذه القاعدة على أن هذه الأعيان من حيث اعتبارها بالأموال فهي جنس واحد، فمن استوفى حقه من أحدها يعتبر مستوفياً عين حقه لا بدله.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا رهن عبداً بدين فمات العبد فيُعتبر المرتهن مستوفياً وقابضاً عين حقه لا بَدَله، وكفن العبد على الراهن.
ومنها: كفَّل كفيلاً أو أحال بدين فأستوفى الدائن دينه من الكفيل أو الحويل فهو مستوف عين حقه لا بَدَلَه, لأن اعتبار الأعيان باعتبار المالية جنس واحد.
стр. 755
القاعدة: العشرون بعد الخمسمئة [الأعيان]
أولا: لفظ ورود القاعدة:
" الأعيان لا تقبل الآجال (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأعيان غير الديون والأثمان من الأمتعة والعقارات والبضائع وغير ذلك مما يكون بدلاً في البيع مقابلاً الثمن.
فتدل القاعدة على أن الأعيان لا تقبل التأجيل, لأنها لا تتعلق بالذمة وإنما يقبل التأجيل الأثمان, لأنها تتعلق بالذمة، ولا تكون الأعيان مؤجلة إلا في عقد السلم تبعاً لطبيعة ذلك العقد.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا مات رجل وعليه دين إلى أجل بطل الأجل وحل الدين - على الصحيح, لأن ذمة الميت خربت بالموت - ولأن حق الغريم صار كالعين في التركة فيقدم على الوارثين.
стр. 756
القاعدة: الحادية والعشرون بعد الخمسمئة [الأفعال المباحة]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأفعال المباحة إنما تجوز بشرط عدم إيذاء أحد (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالأفعال المباحة التي لا إثم على فاعلها ولا تاركها ولا أجر لفاعلها إلا بالنية.
فتدل القاعدة على أن كل فعل مباح يجوز الإقدام عليه بشرط أن لا يترتب على فعله إيذاء أحد فضلاً عن مسلم، وإلا فيحرم ويأثم لعدم التحرز.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
نائم انقلب على طفل نائم بجواره فقتله، فهو غير آثم إثم قَاتل لكن عليه الدية. ويأثم لعدم التحرز.
ومنها: أطلق رصاصة ليقتل كافراً فأصاب مسلماً، فعليه الدية.
стр. 757
القاعدة: الثانية والعشرون بعد الخمسمئة [الكمال]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" الأفعال والنكرات تنصرف إلى الكمال (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
تدل هذه القاعدة على أن من تكفل بفعل شيء أو حلف على فعل شيء أو عدم فعله أنه يعتبر الفعل الكامل المستوفي للشروط، وكذلك بالنسبة لمن ذكر شيئاً أو حلف على فعل شيء منكراً أنه ينصرف إلى الكامل منه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
حلف أن لا يتزوج. فإذا تزوج بعقد فاسد لا يحنث, لأنه ذكر الفعل وهو التزوج فلا ينصرف إلا إلى الكمال الذي هو النكاح أو التزوج الصحيح دون الباطل أو الفاسد.
ومنها: إذا قال لعبده: إن صليت ركعة فأنت حر. فإن صلى ركعة واحدة وسلم منها لا يعتق، لأنه لم يصل ركعة صحيحة, لأن الركعة الكاملة الصحيحة لا تكون إلا في صلاة صحيحة وأقلها ركعتان. إلا إذا كانت هذه الركعة الوتر عند غير الحنفية.
стр. 758
القاعدة: الثالثة والعشرون بعد الخمسمئة [المتقوم]
أولاً: لفظ ورود القاعدة:
" إقامة المتقوِّم مقام ما ليس بمتقوم لا تجوز (١) ".
ثانياً: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
المراد بالمتقوَّم: الشيء الذي له قيمة - أو ثمن - ويدخل تحت تقويم المقوِّمين كالحيوانات والعُروض، والدور، والملابس وأشباه ذلك، والعبيد.
وغير المتقوَّم ما لا يدخل تحت تقويم المقوَّمين كالحُرَّ حيث إنه لا قيمة له.
ثالثاً: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
لا يجوز بيع الحر لأنه لا قيمة له, لأنه لا يقع تحت اليد.
ومنها: لا يجوز التصدق بقيمة الأضحية في أيام النحر خاصة - إذا أوجبها على نفسه - لأنه لا قيمة لإراقة الدم، كما أن الهدي لا يجوز التصدق بقيمته كذلك.
كذلك ما حرم تناوله واستعماله كالخنزير والخمر للمسلم لا قيمة له، والميتة وأشباه ذلك.
стр. 759
قواعد الإقرار
أولاً: قواعد أثر الإقرار
ألفاظ ورودها:
القاعدة: الرابعة والعشرون بعد الخمسمئة:
الأصل: أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به، ولا يصدق على إبطال حق الغير ولا بإلزام الغير حقاً (١).
القاعدة: الخامسة والعشرون بعد الخمسمئة:
إقرار الإنسان على نفسه مقبول، وعلى غيره غير مقبول (٢) أو مردود (٣).
القاعدة: السادسة والعشرون بعد الخمسمئة .
الإقرار حجة في حق المقر كقضاء القاضي (٤).
القاعدة: السابعة والعشرون بعد الخمسمئة .
الإقرار حجة قاصرة - أي على المُقر - والبينة حجة متعدية (٥).
القاعدة: الثامنة والعشرون بعد الخمسمئة .
الإقرار لازم في حق المقر (٦).
القاعدة: التاسعة والعشرون بعد الخمسمئة .
الإقرار في حق المقر ملزم كقضاء القاضي (٧).
стр. 760
القاعدة: الثلاثون بعد الخمسمئة .
الإقرار حجة في حق المقر (١).
القاعدة: الحادية والثلاثون بعد الخمسمئة .
الإقرار حجة على المقر فيما لا تهمة فيه (٢).
القاعدة: الثانية والثلاثون بعد الخمسمئة .
الإقرار لا يكون حجة إلا في حق المقر (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
معنى الإقرار: أقر بالحق اعترف به (٤). فالإقرار في اللغة هو الاعتراف من الإنسان على نفسه بحق غيره أو بفعل نفسه. ويقابل الإقرار الإنكار ومعنى الإقرار في الاصطلاح الفقهي هو معناه في اللغة.
ويعتبر الإقرار أقوى حجج وبراهين الإثبات - إذا كان الإقرار اختياراً دون إكراه.
وتدل هذه القواعد التسع وغيرها مما يلي على أن الإقرار في حق المقر حجة ملزمة وبرهان قاطع ودليل ناصع, لأن الإنسان العاقل المختار لا يعترف ولا يقر على نفسه بحق لغيره أو بفعل لنفسه - يستحق عليه العقوبة - كاذباً.
فيتعين هنا جانب الصدق، إلا إذا تبين أن المُقَرَّ به مستحيل الوقوع أو مكذب حساً أو شرعاً كما سيأتي.
стр. 761
وتدل هذه القواعد أيضاً بمفهومها على أن الإقرار لا يتعدى حكمه المقر إلى غيره وهو بهذا يخالف البينة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من أقر بدين مشترك عليه وعلى غيره فإن إقراره هذا ينفذ في حق نفسه فقط فيؤخذ به في ماله ولا يتعداه إلى شريكه ما لم يصدقه أو تقم بينة.
ومنها: إذا أقر إنسان على نفسه بالزنا وسمَّى من زنا بها، فيقام عليه حد الزنا بإقراره، ولا يقام الحد على من سمَّاها إلا إذا اعترفت بذلك أو قامت بينة على زناها، وإذا أنكرت فيقام عليه حدان حد الزنا بإقراره وحد القذف باتهامها بالزنا بدون بينة ولا اعتراف منها.
ومنها: إذا أقر مريض في مرض موته بأن لأحد ورثته دين عليه، فهذا الإقرار غير صحيح - إلا إذا صدقه باقي الورثة - لاحتمال أنَّه أراد بإقراره هذا تفضيل بعض ورثته على الآخرين. ودليل هذا الاحتمال مرض موته. بخلاف ما لو أقر بدين لأجنبي فإنه يصدق في ذلك (١)
стр. 762
ثانياً: دلالة الإقرار ومن يقبل إقراره
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
القاعدة: الثالثة والثلاثون بعد الخمسمئة
الإقرار خبر متردد بين الصدق والكذب، فماذا كان المُقِرُّ يملك مباشرة ما أقر به في الحال قُبل إقراره وانتفت تهمة الكذب عن خبره، وأما إذا كان لا يملك مباشرته تتمكن تهمة الكذب في خبره، فلا يقبل إقراره (١).
القاعدة: الرابعة والثلاثون بعد الخمسمئة .
الإقرار لا يقوم مقام الإنشاء, لأنه خبر محض يدخله الصدق والكذب (٢).
القاعدة: الخامسة والثلاثون بعد الخمسمئة .
أصل ما أبني عليه الإقرار أني لا أُلزم إلا اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة (٣). من قول الشافعي ﵀.
وفي لفظ: من قدر على الإنشاء قدر على الإقرار ومن لا فلا (٤).
وفي لفظ: من ملك الإنشاء ملك الإقرار ومن لا فلا (٥).
وتأتي كلاهما في حرف الميم إن شاء الله.
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
تدل هذه القواعد على أن الإقرار إنما هو إخبار عن أمر سابق على
стр. 763
النطق به، ولذلك فهو قول يحتمل الصدق من المقر كما يحتمل أن يكون المقر كاذباً فيما أقر به.
والمراد بالإنشاء هنا القدرة على إبتداء وعمل الفعل المُقرَّ به.
فمن قدر على إنشاء الفعل حالاً يعتبر إقراره صادقاً فيؤخذ به ومن لا يقدر أن ينشيء الفعل المُقَرَّ به حالاً فلا يعتبر إقراره ولا يقبل. ويكون ذلك غالباً في الإقرار بحق لغيره على نفسه، أو بإقرار بفعل لنفسه يستحق عليه العقوبة. فالمراد بالإنشاء أيضاً تأكيد الإقرار وإعادته مرة أخرى.
وكذلك لا يقبل الإقرار إلا إذا كان صريحاً دالاً يقيناً على مقصود المقر.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
من أكره على الإقرار بفعل أو بحق من حقوق الله أو من حقوق العباد فلا يعتبر هذا الإقرار صحيحاً إلا إذا أعاد إقراره باختياره ورضاه بعد زوال حالة الإكراه.
ومنها: من أقر بدين عليه لغيره مختاراً قُبِل إقراره, لأنه قادر على الاعتراف به الآن منها:
إذا أقر الزوج بالرجعة في زمن العدة - وأنكرت الزوجة - لم يقبل منه إقراره - إذا كانت العدة منتهية - لأنه غير قادر - الآن - على إنشاء ذلك بعد إنتهاء العدة. وأما إذا لم تنته العدة فيقبل منه لأنه قادر على رجعتها الآن.
стр. 764
ثالثاً: قواعد أحكام الإقرار
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
١ - القاعدة: السادسة والثلاثون بعد الخمسمئة .
إقرار الإنسان على نفسه صحيح مطلقاً (١).
٢ - القاعدة: السابعة والثلاثون بعد الخمسمئة .
الإقرار على الغير لا يكون حجة (٢).
٣ - القاعدة: الثامنة والثلاثون بعد الخمسمئة
إقرار المرء لا يكون حجة على غيره (٣).
٤ - القاعدة: التاسعة والثلاثون بعد الخمسمئة
الإقرار على الغير ليس بجائز (٤).
٥ - القاعدة: الأربعون بعد الخمسمئة
الإقرار موجب للحق بنفسه، والبينة لا توجب إلا بالقضاء (٥).
٦ - القاعدة: الحادية والأربعون بعد الخمسمئة .
إقرار المقر إنما يثبت في حقه خاصة (٦).
وفي لفظ:
٧ - حجة الإقرار لا تعدو المقر (٧). وتأتي في حرف الحاء إن شاء الله.
стр. 765
٨ - القاعدة: الثانية والأربعون بعد الخمسمئة .
الإقرار في حق المقر خبر ملزم غير محتمل للفسخ، لتعيين جهة الصدق فيه (١).
القاعدة: الثالثة والأربعون بعد الخمسمئة
٩ - الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعدى إلى غيره (٢).
القاعدة: الرابعة والأربعون بعد الخمسمئة .
١٠ - إقرار المقر محمول على الصدق في حقه حتى يكون حجة عليه (٣).
١١ - وفي لفظ: المقر يعامل في حق نفسه كأنَّ ما أقر به حق (٤). وتأتي في حرف الميم إن شاء الله.
القاعدة: الخامسة والأربعون بعد الخمسمئة .
١٢ - الإقرار حجة. ما أمكن إعماله لا يجوز أبطاله (٥).
القاعدة: السادسة والأربعون بعد الخمسمئة
١٣ - الإقرار من المقر تصرف في ذمته من حيث الالتزام (٦).
القاعدة: السابعة والأربعون بعد الخمسمئة
١٤ - الإقرار ملزم بنفسه ما لم يكذَّب المُقَرُّ له (٧).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها وما تفيده:
стр. 766
هذه القواعد تمثل بعض أحكام الإقرار بجوانبها المختلفة فمن الأحكام التي تدل عليها هذه القواعد الأربع عشرة ما يلي:
١ - أن إقرار الإنسان على نفسه صحيح وملزم وهو حجة في حقه.
٢ - أن الإقرار الإنسان لا يكون حجة على غيره، ولا يلزم غيره بإقراره شيئاً.
٣ - أن الإقرار ملزم بنفسه حيث أنه في حق المقر أقوى من البينة وآكد.
٤ - أن الإقرار باعتباره خبراً ملزماً لا يقبل الفسخ ولا يحتمله، لتعين صدق المقر، وعدم احتمال الكذب في خبره.
٥ - أن الإقرار باعتباره حجة يجب إعماله ما أمكن ولا يجوز إبطاله.
٦ - أن الإقرار هو تصرف في ذمة المقر، فالمقر ملتزم فيما أقر به في ذمته.
٧ - أن الإقرار باعتباره ملزماً بنفسه فلا يحتاج إلى بينة ولا إلى برهان آخر وهو ملزم للمقر بما أقر به ما لَم يكذَّبه المُقَرُّ له، أو الشرع، أو الحس والواقع، أو يكون المقر به مستحيلاً.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقر بأنه قتل فلاناً وشاركه آخر في القتل - وذكره - فإن إقراره صحيح في حق نفسه وملزم له ويؤاخذ به - إذا كان القتيل معلوماً - ولكن - لا يكون إقراره صحيحاً في حق من ادعى مشاركته له في القتل، إلا إذا أقر الآخر أو قامت عليه بينة. ولا يجوز إبطال هذا الإقرار, لأن الإنسان لا يقر على نفسه كذباً وهو يعلم عاقبة إقراره في مثل هذه الحال.
أما لو قامت البينة على أنه قتله بمعاونة الآخر فيؤخذ الاثنان معاً، ولا يقبل الإنكار منهما أو من أحدهما بعد ذلك.
стр. 767
تابع لقواعد أحكام الإقرار
أولاً: ألفاظ ورود القاعدة:
القاعدة: الثامنة والأربعون بعد الخمسمئة .
إقرار الإنسان في ملك نفسه ملزم (١).
القاعدة: التاسعة والأربعون بعد الخمسمئة .
إقرار المقر في ملك نفسه بمنزلة البينة في حقه أو أقوى (٢).
القاعدة: الخمسون بعد الخمسمئة .
إقرار الإنسان فيما في يده معتبر (٣).
القاعدة: الحادية والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار بما في يده من كثير أو قليل جائز (٤).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
هذه القواعد تدل على أن الإنسان إذا أقر على شيء في ملك نفسه أو في يده فإن إقراره هذا ملزم له، ويعتبر هذا الإقرار بمنزلة الحجة والشهادة عليه بل إن إقراره هذا أقوى وآكد من البينة, لأن البينة فيها احتمال الكذب أو الخطأ، وأما الإقرار فلا احتمال فيه للكذب, لأن المقر لا يكذب على نفسه ليسبب لها الضرر.
وكذلك يعتبر إقرار الإنسان بما في يده أنه ملكه سواء كان ذلك قليلاً أم كثيراً عظيماً أم حقيراً ولا يحتاج إلى إقامة البينة على ما في يده أنه ملكه لما في ذلك من التضييق والإحراج لو أن كل إنسان أراد أن يبيع شيئاً
стр. 768
فطولب بالبينة على أنه يملكه، أو لتصديق قوله وإثبات ملكيته فيما يدعيه.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقر بأن الدار التي يسكنها لفلان، فإقراره ملزم له.
ومنها: إذا أقر على أن ما تحت يده من دار أو عقار أو دابة هو ملك فلان وأنه اغتصبه منه أو احتال عليه. يصدق على نفسه ويؤخذ منه ويرد على صاحبه، كما لو شهدت البينة بذلك. بل إن اعترافه بذلك أقوى من البينة.
ومنها: إذا أقر ورثة إنسان أنه قد مات وعليه ديون. فإنه يؤخذ بقولهم فيقسم الميراث بينهم - إذا كان في أيديهم - وتقضي منه ديون الميت. وكذلك إذا كان المال في يد غيرهم فصدقهم بذلك (١).
стр. 769
تابع لقواعد: أحكام الإقرار
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
القاعدة: الثانية والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار متى حصل بما لا يحتمل النقض لا يبطل بتكذيب المُقرِّ له (١).
القاعدة: الثالثة والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار بما لا يحتمل الإبطال يبقى موقوفاً على ظهور حكمه بملك المحل، وعند ذلك يصير كالمجدد للإقرار فيثبت حكمه في حقه (٢).
القاعدة: الرابعة والخمسون بعد الخمسمئة .
إذا أقر بالشيء صريحاً ثم أنكره لم يقبل وإن أقام عليه البينة، وأما إن أقر به مطلقاً ثم ادعى قيداً يبطل الإطلاق لم يقبل إلا ببينة (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
تدل هذه القواعد على أن المُقَرَّ به عموماً نوعان:
أ - إقرار يحتمل الإبطال إذا كذبه المُقَرُّ له أو الواقع.
ب - إقرار لا يحتمل الإبطال كالحرية والرق والنسب والطلاق والعتق والوقف.
فتفيد القاعدة الأولى: أنه إذا أنكر المُقَرُّ له ما أقر به المُقِرُّ أو كذبه بما يحتمل الإبطال بطل الإقرار, لأن المُقَرَّ له لا يُلْزَم بإقرار المقِر في هذه
стр. 770
الحال. فله حق رد الإقرار فيبطل.
والقاعدة الثانية: تفيد أنه إذا أقر بما لا يحتمل الإبطال وهو لا يملكه فإن إقراره هذا يبقى موقوفاً على ظهور حكمه إذا ملك المحل فيعتبر عند ملكه كأنه جدد إقراره فيلزمه ويثبت حكمه في حقه.
والقاعدة الثالثة: تشير إلى أن الإقرار إذا كان صريحاً لا لبس فيه ثم أنكر المقر إقراره فإن إنكاره لا يقبل وإن أقام عليه البينة، ولكنه إن أقر إقراراً مطلقاً عن القيد ثم ادعى قيداً فإن إدعاءَه هذا يبطل الإطلاق إذا أقام البينة على قيده المدَّعي، ولا يبطل أصل الإقرار.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقر بطلاق زوجته وكذبته الزوجة فلا عبرة بتكذيبها. والطلاق واقع؛ لأن الإقرار بالطلاق لا يحتمل النقض.
ومنها: إذا ادعى عبدٌ وَلَدَ امرأة حرة بنكاح فاسد أو جائز فيثبت النسب من العبد، إذا ملكه يوماً بعد عتقه فيعتق عليه ويثبت نسبه منه.
ومنها: إذا أحال بدين واعترف بصحة الحوالة ثم ادعى فسادها لا تقبل دعواه وإن أقام البينة على ذلك؛ لأنه تكذيب لإقراره فلا يقبل، ولكنه إذا قال: لم تصح الحوالة لأنها كانت عن بيع فاسد، فإذا أقام بينة على فساد البيع قُبلت بَيِّنتَهُ وبطلت الحوالة.
ومنها: إذا طلق امرأته ثلاثاً، ثم قال: لم يقع الطلاق لأن العقد كان فاسداً وأقام بينة بالمفسد - كعدم الولي - فتسمع بينته, لأنه لم يقر بصحة النكاح قبل الطلاق، وأما إن كان أقر بصحة النكاح قبل الطلاق فلا تسمع بينته ولا دعواه. ويقع طلاقه.
стр. 771
تابع قواعد أحكام الإقرار
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
القاعدة: الخامسة والخمسون بعد الخمسمئة .
الاستثناء جائز في الإقرار كما في غيره إذا كان متصلاً غير مستغرق (١).
القاعدة: السادسة والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار بشيء محال باطل (٢).
القاعدة: السابعة والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار الباطل لا يجب فيه البيان (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
تدل القاعدة الأولى من هذه المجموعة على أن الاستثناء جائز في إلاقرار كجوازه في غيره كالطلاق واليمين لكن يشترط لاعتبار الاستثناء صحيحاً شرطان:
الشرط الأول: إن يكون الاستثناء متصلاً بالإقرار في نفس المجلس وبدون فاصل زمني.
والشرط الثاني: أن يكون الاستثناء غير مستغرق لكل ما أقر به.
وإذا فقد شرط من هذين بطل الاستثناء وصح الإقرار دونه.
والقاعدة الثانية: تدل على أن الإقرار إذا كان بشيء مستحيل فهو باطل غير صحيح، وينبني على ذلك القاعدة الثالثة وهي أن الإقرار إذا ثبت بطلانه فلا يجب فيه البيان والاستفهام لعدم الجدوى من ذلك.
стр. 772
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا أقر بأن لفلان عنده ألف دينار إلا مائة لزمه تسع مائة دينار.
ومنها إذا أقر بأنه قتل فلاناً وهو ميت منذ زمن فلا يصدق في إقراره لأن قتل الميت مستحيل، ولا يحتاج إلى الاستفهام عن ذلك متى قتله وكيف قتله.
стр. 773
تابع قواعد أحكام الإقرار
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
القاعدة: الثامنة والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار لا يرتد بالرد (١).
القاعدة: التاسعة والخمسون بعد الخمسمئة .
الإقرار يرتد بردَّ المُقَرَّ له (٢).
ثانياً: معنى هاتين القاعدتين ومدلولهما:
هاتان القاعدتان تدلان على حكمين من أحكام الإقرار:
أ - الحكم الأول: ينبني على ما ثبت من أن الإقرار حكمه الإلزام وأنه لا يرتد برد المُقِر. فإذا أقر ثم أنكر إقراره فلا يقبل منه هذا الإنكار لأنه يعتبر تكذيباً لإقراره، ولكن هذا في حقوق العباد حيث إن من أُقِرَّ له يطالب المقر بالحق الذي أقرَّ به، وأما في حقوق الله فيجوز رجوع المُقر عن إقراره.
ب - الحكم الثاني الذي تفيده القاعدة الثانية أنه إذا كان الإقرار لا يرتد برد المُقِرّ لكنه يرتد برد المُقَّرَّ له, لأنه صاحب الحق، ويكون إما تكذيباً للمقر أو إسقاطاً للحق.
ثالثاً: من أمثلة هاتين القاعدتين ومسائلهما:
إذا أقر أنه سرق من آخر مالاً أو غصبه ثم أراد الرجوع عن إقراره ورد الإقرار فإنه لا يقبل منه، وللآخر مطالبته بما أقر به.
ومنها: إذا أقر بأن لفلان عنده مقداراً من المال. فأنكر المُقَرُّ له ذلك بطل الإقرار ولا حق للمُقَرَّ له بعد ذلك في مطالبة المُقِر، إلا بسبب جديد.
стр. 774
تابع قواعد أحكام الإقرار
أولاً: ألفاظ ورود القواعد:
القاعدة: الستون بعد الخمسمئة .
الإقرار بعد الإنكار صحيح (١).
القاعدة: الحادية والستون بعد الخمسمئة .
إقرار المكره باطل (٢).
القاعدة: الثانية والستون بعد الخمسمئة .
إقرار السكران جائز كإقرار الصاحي (٣).
ثانياً: معنى هذه القواعد ومدلولها:
تدل القاعدة الأولى على أن حكم الإقرار إذا وقع بعد الإنكار فهو صحيح ولا يضر في صحته ولزومه وجود الإنكار قبله، فالإنكار قبل الإقرار جائز وبعده لا يجوز.
وتدل الثانية على حكم إقرار المكره وهو المجبر بالتهديد بالقتل أو القطع أو الإيذاء على الاعتراف فتفيد أن الإقرار في هذه الحالة باطل لا يترتب عليه أثر ولا يُلزم المقر شيئاً.
والقاعدة الثالثة تدل على أن السكران بمحرم عالم به غير مكره ولا مضطر أن إقراره صحيح وملزم له كإقرار الصاحي إلا في بعض المسائل المستثناة.
ثالثاً: من أمثلة هذه القواعد ومسائلها:
إذا ادعى عليه آخر بمبلغ من المال فأنكر ثم أقر به فيعتبر إقراره
стр. 775
ويلزم به.
ومنها: إذا أكره على الإقرار بحق لغيره عليه أو بطلاق زوجته أو عتق عبده فإقراره باطل غير ملزم.
ومنها: إذا أقر السكران حال سكره بالزنا أو السرقة اعتبر إقراره وأخذ وعوقب بعد صحوه.