وذكر أنها موجودة في كوبرلي وباريس، وذكر أنَّ ابن حجر استخدم هذه الرسالة كثيرًا في "تهذيب التهذيب" (١). طُبع في الرياض بعام ١٤١٨ هـ.
٨ - "تسمية الإِخوة الذين روى عنهم الحديث": وهي رسالة في ثماني ورقات، محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السِّلفي، ومكتوبة بخطّ مغربي، كما ذكر ذلك الشيخ ناصر الدّين الألباني (٢).
وذكر الدكتور أكرم ضياء العمري هذه الرسالة بعنوان "تسمية الإخوة من أهل الأمصار"، وقال: وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالة "تسمية الإِخوة" ما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في تنظيم المادة، فنجده يرتب الإخوة الذين روى عنهم الحديث على المدن، وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء، ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل ذكر من تلاهم أيضًا (٣).
وذكر الأستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أنَّ الرسالة تقع في (٧) ورقات، وأنَّ الورقة ٢٤ سطرًا، وأنها مكتوبة بخطّ ناعم. وذكر فؤاد سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس (٤). وقد طُبعَ هذا الكتاب.
٩ - "أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء".
قال الشيخ ناصر الدّين الألباني: رُتّبت على أسماء بلادهم، ثقات مكة، وثقات المدينة ... وينتهي بضعفاء المدينة. وهي نسخة ناقصة من أولها وموجودة في الظاهرية (٥). وطُبع الكتاب باسم "مسائل أبي داود" سنة ١٣٥٣ هـ.
стр. 107
١٠ - "كتاب البعث والنشور": ذكره بروكلمان، وذكر أنه موجود في دمشق (١).
١١ - "المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد": ذكره فؤاد سزكين وقال: إنه موجود في دمشق (٢).
١٢ - "دلائل النبوَّة" ذكره إسماعيل البغدادي (٣)، وابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٤).
١٣ - "التفرُّد في السنن": ذكره إسماعيل البغدادي (٥).
١٤ - "فضائل الأنصار": ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه "تهذيب التهذيب" (٦).
١٥ - "مسند مالك": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (٧).
١٦ - "الدُّعاء": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (٨).
١٧ - "ابتداء الوحي": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (٩).
١٨ - "أخبار الخوارج": ذكره ابن حجر في مقدمة "تهذيب التهذيب" (١٠).
стр. 108
١٩ - "أصحاب الشعبي": ورد في "سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود".
٢٠ - "الكنى": ذكره ابن حجر في "الإِصابة" (١).
٢١ - "ما تفرَّد به أهل الأمصار": ذكره ابن تيمية في "رفع الملام" (٢)، والزركشي في "النكت" (٣).
٢٢ - ومِن أهم تصانيفه كتابه "السنن". ولذلك سأشبع الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 109
" سُنَن أبي دَاوُد" تأليفه - مكانته - خصائصه
كانت المؤلَّفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها-يُذْكَر فيها إلى جانب أحاديث الأحكام الفضائل والقصص والمواعظ والآداب والتفسير؛ حتى جاء الإِمام أبو داود وصنَّف كتابه "السنن" تصنيفًا خاصًّا بأحاديث الأحكام مع الاستقصاء.
قال الإِمام الخطابي: كان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها , ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود. ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ الإِعجاب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرّحَل (١).
ينبغي أن يعلم أنَ هناك اصطلاحًا خاصًّا للسنن، قال الكتاني: وهي في اصطلاحهم الكتب المرتَّبة على الأبواب الفقهية من الإِيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف, لأنَّ الموقوف لا يسمَّى في اصطلاحهم سنّة، ويسمَّى حديثًا (٢).
стр. 110
ومن هنا يتَّضح لنا لماذا سمى أبو داود كتابه بـ "السنن"، وقال في رسالته إلى أهل مكة: وإنما لم أصنف في كتاب "السنن" إلَّا الأحكام ولم أصنِّف كتب "الزهد" و"فضائل الأعمال" وغيرها (١).
وقال الكتاني: وهو أوَّل مَن صنَف في "السنن" (٢)، وفيه نظر يتبين ممّا يأتي. قال الخطّابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأُمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّمًا سبقه إليه ولا متأخّرًا لحقه فيه (٣).
فاقتصاره في كتابه على أحاديث الأحكام ميزة عظيمة، وكلامه على الرواة في آخر الأحاديث التي يعقِّب عليها ميزة أخرى له، وإنَّ كلامه هذا ليعتبر النواة الصالحة التي تفرع عنها فن الجرح والتعديل فيما بعد، وأصبح بابًا واسعًا في أبواب مصطلح الحديث، وله ملاحظات أخرى يذكرها عقب الأحاديث ليست داخلة في باب الجرح والتعديل هي من الأصول التي بني عليها المحدِّثون أساس بحوثهم في النقد والتعليل، كما أنَّ له بيان المتابعات والشواهد ما يشهد له بالاقتدار والباع الطويل.
موضوع الكتاب ومعظم مقصود الإِمام في تأليفه:
قد أبدع أبو داود في تنظيم كتابه بالنسبة إلى الأبواب الفقهية والمواضيع الشرعية، فهو يبدأ في كتاب الطهارة، وهكذا يتسلسل حسب المواضيع الشرعية.
قال العلَّامة الكوثري في هامش "شروط الأئمة" للحازمي: "أما الفرق ما بين الخمسة من القصد: فغرض البخاري تخريج الأحاديث الصحيحة المتّصلة، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير، فذكر عرضًا الموقوف والمعلَّق
стр. 111
وفتاوى الصحابة والتابعين ﵃ وآراء الرجال، فتقطعت عليه متون الأحاديث وطرقها في أبواب كتابه.
وقصد مسلم تجريد الصحاح بدون تعرُّض للاستنباط على أجود ترتيب ولم تنقطع عليه الأحاديث.
وهمّة أبي داود جمع الأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام، فصنّف "سننه"، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل، وهو يقول: "وما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه"، وما كان منها ضعيفًا صرَّح بضعفه، وترجم على كل حديث مما قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب، وما سكت عنه فهو صالح عنده. وأحوج ما يكون الفقيه إلى كتابه" (١).
وقال الإِمام أبو داود في وصف كتابه "السنن": " أما هذه المسائل: مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها" (٢).
كتاب "سنن أبي داود" جامع للأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار وبنوا عليها الأحكام:
قال الإِمام ولي الله الدهلوي: كان الإِمام أبو داود السجستاني همّه جمع الأحاديث التي استدلّ بها الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنّف "سننه"، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل، وما ذكر في "سننه" حديثًا أجمع الناس على تركه، وما كان ضعيفًا صرّح بضعفه، وما كان فيه علّة بيّنها للعمل بوجه يعرفها الخائض في هذا الشأن، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب (٣).
стр. 112
وقال أبو جعفر بن الزبير الغرناطي (المتوفَى ٧٠٨ هـ): ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره (١).
وقال الإِمام الغزالي: إنه كافٍ للمجتهد (٢).
ثناء الأئمة على "السنن ":
هو أكثر مِن أن يُحصى ...
قال الخطابي: "اعلموا - رحمكم الله - أن كتاب "السنن" لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدّين كتاب مثله، وقد رُزِق القَبول من الناس كافة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معوَّل أهل العراق وأهل مصر، وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأمّا أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلَّا أن كتاب أبي داود أحسن وضعًا وأكثر فقهًا" (٣).
وقال شيخ الإِسلام محيي الدّين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي - شارح "صحيح مسلم" وصاحب المؤلَّفات الكثيرة - في قطعة كتبها في "شرح أبي داود": "وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ "سنن أبي داود" وبمعرفته التامّة، فإنَّ معظم الأحاديث التي يحتجّ بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنّفه واعتنائه بتهذيبه" (٤).
وقال الخطابي: "سمعت ابن الأعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا
стр. 113
الكتاب- وأَشار إلى النسخة وهي بين يديه -: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف الذي فيه كتاب الله ، ثم هذا الكتاب؛ لم يحتج معهما إلى شيء من العلم" (١).
وقال زكريا الساجي (٢): "كتاب الله أجل الإِسلام، وكتاب أبي داود عهد الإِسلام" (٣).
وقال محمد بن مخلد (٤): "كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، فلما صنّف كتاب "السنن" وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتّبعونه ولا يخالفونه، وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ" (٥).
وعلّق عليه الخطابي وقال: "وهذا كما قال، لا شك فيه؛ لأنَ الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدّين لم يتضمَّن بيانه الكتاب، إلَّا أنَ البيان على ضربين:
بيانٌ جلي: تناوله الذِّكْر نصًّا.
وبيانٌ خفي: اشتمل على معنى التلاوة ضمنًا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولًا إلى النبي ﷺ ، وهو معنى قوله سبحانه:
стр. 114
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. فمن جمع بين الكتاب والسُّنَّة فقد استوفى وجهي البيان.
وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأُمَّهات السنن وأحكام الفقه، ما لا نعلم متقدّمًا سبقه إليه ولا متأخّرًا لحقه فيه" (١).
وأحسن تعريف بالكتاب يلخّصه لنا إمام عصره العلامة ابن قيِّم الجوزية، فيقول: "كان كتاب السنن لأبي داود بن الأشعث السجستاني ﵀ من الإِسلام بالموضع الذي خصّه الله به، بحيث صار حكمًا بين أهل الإِسلام، وفصلًا في موارد النزاع والأحكام، ورتبها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء" (٢).
قال أبو داود في "رسالته لأهل مكة" في وصف كتابه "السنن": "هو كتاب لا يَرِدُ عليك سنة عن النبي ﷺ وعلى آله وأصحابه إلَّا وهي فيه، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس من هذا الكتاب، ولا يضرّ رجلاً ألَّا يكتب فيه من العلم شيئًا بعد ما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبَّره وتفهّمه علم قدره".
وقال أبو العلاء: "رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: مَن أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود" (٣).
مكانة "سنن أبي داود" بين الكتب الستّة تدريسًا:
قال العلّامة المحدِّث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي: "والأوجه عندي في ترتيب التحصيل أن يقدِّم المحدّث الترمذي ثم أبا داود
стр. 115
ثم البخاري ثم مسلمًا ثم النسائي ثم ابن ماجه ثم "الموطأ"؛ لأنَّ طالب الحديث أول ما يحتاج إليه تحقيق المذاهب وأنواع الحديث، ثم دلائله، ثم طرق الاستنباط، ثم جمع الروايات، ثم التنبيه على الضعاف، ثم التأييد بالآثار، وهكذا ترتيب وظائف الكتب المذكورة.
قيل: إنَّ وظيفة الترمذي بيان المذاهب وأنواع الحديث، ومقصود أبي داود جمع دلائل الأئمّة، ومعظم خواصّ البخاري طرق الاستنباط، ودأب مسلم جمع الروايات الكثيرة، وأشار النسائي إلى علل الأحاديث، وجمع ابن ماجه الصحاح والضعاف، وأكثر في "الموطأ" من الآثار. ولا بد للحنفي خاصة أن يقدم "الموطأ" برواية محمد (١) ثم الطحاوي قبل الأمّهات الستّ، كما ينبغي للمالكي تقديم "الموطأ" برواية يحيى (٢) على الستة وفيه فوائد لا تخفى" (٣).
والسائد في بلادنا الهند تدريس "مشكاة المصابيح" بإمعانٍ وتحقيقٍ أوّلاً، ثم في العام الثاني الملقّب بـ "دورة الحديث" تدريس الكتب الستة على الترتيب المذكور.
شروط الإِمام أبي داود في "السنن ":
قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في "جزء شروط الأئمة" له: اعلم أنَ البخاري ومسلمًا ومَن ذكرنَا بعدهم - يعني أصحاب السنن الأربعة - لم يُنْقَل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أُخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سَبْرِ كتبهم، فيُعلم بذلك شرط كل رجل منهم (٤).
стр. 116
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده: شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صحّ الحديث باتِّصال السند من غير قطع ولا إرسال (١)
وقال أبو داود في "رسالته": وليس في كتاب "السنن" الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وَهنٌ شديد فقد بيّنته، ومنه ما لا يصحّ سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصحّ من بعض (٢).
وقال الذهبي: وقد وفي بذلك، فإنه يبين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده، ولا بدّ، بل قد يكون بما فيه ضعف (٣).
وقال السيوطي: إنَّ الحازمي أوضح شروط الأئمة بمثال: وهو أن نعلم مثلًا أن أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت، الطبقة الأولى شرط البخاري، والثانية شرط مسلم، والثالثة شرط أبي داود والنسائي (باختصار) (٤).
مكانة "سنن أبي داود" بين الكتب الستّة صحّة:
قال المحدث العلَّامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في مقدّمة "لامع الدراري" (٥): وفي الجملة أنَّ "صحيح البخاري" أعلى رتبة في الصحّة وغيرها عند الجمهور، ثم "الصحيح" للإِمام مسلم، ثم "السنن"
стр. 117
للإِمام أبي داود عند هذا العبد. وبذلك جزم صاحب "مفتاح السعادة" إذ قال: إعلم أنَّ رئيس هؤلاء الطائفة وقدوتهم بعد مالك الإِمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ويليه في الرتبة كتاب مسلم، ويليهما أبو داود، ويليهم أبو عيسى الترمذي، ويليهم أبو عبد الرحمن النسائي. وبذلك جزم صاحب "نيل الأماني" إذ قال في شرح قول القسطلاني: ومنهم من لم يتقيد بذلك كباقي الكتب الستة، قال: وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهم على هذا الترتيب في الصحّة.
وكلام ابن سيِّد الناس في شأن أبي داود يشير إلى أنه يجعله في رتبة مسلم إذ قال: فهذا ألزم بما ألزم به أبو داود، فمعنى كلّ منهما واحد ... إلى آخر ما بسطه السيوطي في "التدريب".
وفي "الحطة": قال السبكي في "طبقاته": الفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ الصحيح عليها وعلى الترمذي. وقال صاحب "الحطة": بعد "الصحيحين" كتاب أبي داود، ثم النسائي، ثم الترمذي.
وهكذا الترتيب بين الكتب الستة عند أستاذنا المحدِّث الكبير محمد زكريا الكاندهلوي.
وقال السيوطي في "التدريب": قال الذهبي: انحطت رتبة "جامع الترمذي" عن "سنن أبي داود" و"النسائي" لإِخراجه حديث المصلوب والكلبي وغيرهما. كذا ذكره الدمنتي في "نفع قوت المغتذي".
وقال الشيخ: وأيضاً إنَّ الروايات التي حكم عليها بالوضع في الترمذي وإن لم يكن صحيحًا هي أكثر جدًّا بما حكم عليها بالوضع في أبي داود والنسائي، فهذا أيضًا يؤيِّد ما اخترته من "الترتيب".
ووضع بعض الناس "سنن النسائي" بعد "الصحيحين"، وكذلك قدَّم جماعة "سنن الترمذي" على "النسائي" كما تقدَّم قريبًا عن "مفتاح السعادة" و"نيل الأماني"، وإليه يشير صنيع شيخ مشايخنا عبد العزيز في "البستان"
стр. 118
و"العجالة"، إذ ذكر الكتب الستة على هذا المنوال: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وسبقه والده الشيخ ولي الله في ذلك الترتيب كما في رسالته "الإِرشاد إلى مهمّات الإِسناد"، وتبعهما صاحب "اليانع الجني" في هذا الترتيب، ومن الأسلاف ذكرها النووي في "تقريبه" أيضًا على هذا المنوال، وآخر الأمّهات الست ابن ماجه بلا خلاف في كونه آخرها رتبة. انتهى باختصار (١).
الكلام على ما سكت عليه أبو داود:
وفي "التقريب": (فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيّنه، وما لم يذكر فيه شيئًا فهو صالح). قال: وبعضها أصحّ مِن بعض (فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقًا) ولم يكن في أحد الصحيحين (ولم يصححه غيره من المعتمدين) الذين يميّزون بين الصحيح والحسن (ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود)؛ لأنَّ الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما, ولا يرتقي إلى الصحة إلَّا، بنصّ، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح.
وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رُشيد (٢) بأنَّ ما سكت عليه قد يكون عنده صحيحًا، وإن لم يكن كذلك عند غيره، وزاد ابن الصلاح أنه قد لا يكون حسنًا عند غيره ولا مندرجًا في حدّ الحسن إذ حكى ابن مسنده أنه سمع محمد بن سعد البارودي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل أحد ممن لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه ويخرج الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده
стр. 119
من رأي الرجال، وهذا أيضًا رأي الإِمام أحمد، فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: "صالح " الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا (١).
وقال الشوكاني: قال الإِمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إنه أجاز ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عليه أبو داود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله بما روي عنه، قال النووي: إلَّا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة والحسن فيجب ترك ذلك، قال ابن الصلاح: وعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا ولم نعلم صحته، عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود؛ لأن ما سكت عنه يحتمل عند أبي داود الحسن والصحة.
وقد اعتنى المنذري في نقد الأحاديث المذكورة في أبي داود، وبيّن ضعف كثير بما سكت عنه، فيكون خارجًا عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعًا فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح (٢).
وذكر الحافظ ابن حجر قول ابن منده, ثم قال: من هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها، كابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة، وموسى بن وردان، فلا ينبغي للناقد أن يتابعه في الاحتجاج بأحاديثهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير، كالحارث بن وجيه، وصدقة بن موسى الدقيقي، ومحمد بن
стр. 120
عبد الرحمن البيلماني، وكذا فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين، والضعفاء، والأسانيد التي فيها من أُبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم على أحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي، وتارة يكون الذهول، وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي حدير، ويحيى بن العلاء، وتارة يكون لاختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر، ثم قال: الصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا (١).
قلت: لا بد للناظر في السنن من أن يحقق كل ما سكت عنه الإِمام أبو داود؛ لأنه يجد في بعض المواضع أن الإِمام أبا داود سكت عنه، وسكت عنه المنذري، ولكن بعد التحقيق والبحث يجد أن الحديث ضعيف؛ مثلًا روى أبو داود هذا الحديث: "رأيت ابن عمر أناخ راحلته ... إلخ "، وسكت عنه، وفي "بذل المجهود": وكذلك سكت عنه المنذري، ولم يتكلم عليه في "تخريج السنن"، وذكره الحافظ ابن حجر ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في "الفتح" أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن، قلت: سكوت المحدثين عليه وقول الحافظ: حسن، عجيب، فإن حسن بن ذكوان راوي الحديث ضعيف ضعفه كثير من المحدثين، فكيف يصلح للاحتجاج به؟ (٢).
مدة تأليف "السنن ":
لم أجد في مرجع من المراجع المدة التي تم فيها تأليف كتاب "السنن"، ولكنه لما صنف هذا الكتاب عرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده
стр. 121
واستحسنه، ويدل ذلك على أنه صنف قبل المائتين وإحدى وأربعين، لأن عام وفاة الإِمام أحمد بن حنبل (١)، فالظاهر أنه فرغ من تأليف هذا الكتاب قبل أربع وثلاثين سنة من وفاته سوى ما ألحقه بعد ذلك.
عدد روايات "السنن ":
قال أبو داود في "رسالته": "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، منها ما ضمنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وأيضًا فيه نحو ستمائة من المراسيل".
قال السيوطي: عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث (٢).
وقال أبو داود في "رسالته": "أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، كسفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره".
وقد قسم أبو داود كتابه إلى كتب، والكتب إلى أبواب، وعدة الكتب (٣٥) كتابًا، منها ثلاثة كتب لم يبوب فيها أبوابًا، وعدة الأبواب (١٨٧١) بابًا.
يكفي الإِنسان لدينه أربعة أحاديث:
قال أبو داود: يكفي الإِنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:
أحدها: "إنما الأعمال بالنيات".
والثاني: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله ﷺ : "لا يكون المؤمن مؤمنًا حكى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه".
стр. 122
والرابع: قوله ﵇: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات ... إلخ".
قلت: هكذا في "سنن أبي داود" بألفاظ مختلفة.
وفي "جامع الأولياء" (ص ١٥٠) في وصايا الإِمام أبي حنيفة لابنه حماد: انتخبت خمسة أحاديث من خمسمائة ألف، الأَربعة هذه والخامس: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
قال أستاذنا المحدث العلامة محمد زكريا: لعل الإِمام أبا داود أخذ هذا من كلام الإِمام الأعظم أبي حنيفة حيث كان معترفًا بفضل الإِمام أبي حنيفة وجلالة قدره؛ لأنه قال: رحم الله أبا حنيفة أن كان إمامًا. كذا ذكره الحافظ ابن عبد البر في كتابه "الانتقاء".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (١)، تحت حديث جرير "النصح لكل مسلم": إنه أحد الأحاديث الأربعة التي قيل: إنها أحد أرباع الدين، وعده فيها محمد بن أسلم الطوسي، وقال النووي: بل هو محصل لغرض الدين.
وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي: ومعنى الكفاية أنه بعد معرفة القواعد الكلية لا تبقى حاجة إلى مجتهد في الجزئيات، فإن الحديث الأول يكتفى به لتصحيح العبادات، والثاني لمحافظة الأوقات، والثالث لمعرفة الحقوق، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء .. مختصرًا (٢).
خصائص الكتاب:
من أراد أن يطالع "سنن أبي داود" ينبغي له أن يحفظ هذه الخصائص لئلا يقع في الزلل والخبط:
стр. 123
منها: ما تقدم من قول السيوطي: إن لأبي داود في حصر أحاديث الأحكام ما ليس لغيره، قيل: إنه كافٍ للمجتهد.
ومنها: أنه يجمع الأسانيد في سند واحد، ثم يفصل لفظ كل واحدة منها على حدة، ومن دأب المؤلف أنه يخلط بين إسنادين أو أكثر، وكذا يخلط بين المتنين أو أكثر، ثم يميز كل رجل بما انفرد به من زيادة وصف الراوي، أو بيان نسبته، أو الزيادة في متن الحديث، أو التغيير فيه، أو نحو ذلك مما يتعلق بالحديث، ويكون هذا منه في أثناء الإِسناد أو في أثناء متن الحديث بطريق الاعتراض، ثم يسوق الإِسناد والمتن كما هو.
ومن دأبه: أنه إذا اجتمع السندان على رجل واحد، فإن كانت روايتهما عنه بـ "حدثنا" يذكره المؤلف في آخر كل واحد من هذين السندين أو يذكر السندين أولًا، ثم يذكر ذلك الرجل في آخر السند الثاني فيقول: قالا: حدثنا فلان. وإن كانت رواية أحدهما عنه بـ "حدثنا" ورواية الآخر عنه بـ "عن"؛ فهذا السند الذي تكون روايته بـ "عن" يذكره المؤلف متأخرًا، ويذكر في آخره ذلك الرجل فيقول مثلًا: حدثنا فلان، ثنا فلان، ثنا فلان، عن فلان، فهو فلان الذي يتغير عليه الإِسناد من حدثنا إلى عن، هو الذي اجتمع عليه الإِسنادان، فهذا الإِسناد لا بد أن يكون بطريق حدثنا، ثم يتغير إلى عن - فافهم.
ومنها: أنه قد يجمع بين الروايات المختلفة بالترجمة كما فعل في روايات "النهي عن استقبال القبلة والاستدبار عند الحاجة"، فبوَّب على روايات الإِباحة بالرخصة.
ومنها: أنه قد نبه بالترجمة على الشمول في الحكم, مثلًا في "باب المواضع التي نهي عن البول فيها"، فليس في الروايات ذكر البول، لكنه شَبّهه بها على أن الحكم تشمله العلة.
ومنها: أنه ﵊ قال في المنام: "من أراد أن يتمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود" كما تقدم.
стр. 124
ومنها: أنه أول تأليف في السنن، فقد كانت التصانيف قبل ذلك الجوامع والمسانيد، ولكن فيه نظر، كما مر عليه الكلام.
ومنها: أنه يقدم رواية الأقدم على الأحفظ كما جزم به في رسالته إلى أهل مكة، وجملته عشرة أحاديث.
ومنها: أنه إذا أعاد الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فلزيادة كلام أو كلمة في ذلك؛ كما جزم به في "رسالته".
ومنها: أنه قد اختصر الحديث الطويل، إذ لو كتبه لا يعلم بعض من سمعه موضع فقهه كما ذكر في "رسالته".
ومنها: أن فيه حديثًا ثلاثيًّا، وفي الحقيقة أنه رباعي، ولكنه في حكم الثلاثي، وهو حديث أبي برزة (١) الذي أخرجه في آخر كتاب الحوض وهو أعلى ما عند أبي داود (٢).
تجزئة الكتاب:
إن النساخ والرواة جَزَّؤوا الكتاب إلى أجزاء، أما الخطيب البغدادي الذي روى السنن برواية اللؤلؤي، فجزَّأه في اثنين وثلاثين جزءًا لا كما زعم البعض ثلاثين جزءًا.
الأحاديث المنتقدة في "سنن أبي داود ":
اعلم أن الحافظ ابن الجوزي قد ذكر في كتابه "الموضوعات" تسعة أحاديث بما أخرجها أبو داود في "سننه"، وحكم عليها بالوضع. والتحقيق أنها ليست بموضوعة كما حققها السيوطي في كتابه "القول الحسن في الذب عن السنن" وفي كتابه "التعقبات على الموضوعات" وأجاب عن جميع
стр. 125
إيرادات ابن الجوزي. ولا تعجب من ابن الجوزي أنه كيف حكم عليها بالوضع وهي في "سنن أبي داود"؛ فإنه متساهل في الحكم بالوضع، كما أن الحاكم متساهل في الحكم بالتصحيح، وتساهلهما مشهور.
وقال شيخ الإِسلام ابن حجر: إن تساهله أي تساهل ابن الجوزي [في "الموضوعات"]، وتساهل الحاكم في "المستدرك" أعدم النفع بكتابيهما، إذ ما من حديث فيهما إلَّا ويمكن أن يكون بما وقع فيه التساهل (١).
وقد بسط الكلام في هذا الأمر العلامة الشيخ محمد زكريا في مقدمة كتابه "لامع الدراري" (ص ١٩٨) على موضوعات ابن الجوزي.
وإني أيضًا قد أخرجت من التعقبات إيرادات ابن الجوزي على الكتب الستة في جزء، وسمَّيته: "الدفاع عما أورده ابن الجوزي على الصحاح". هو مخطوط.
درجات أحاديث "السنن ":
ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢) أن الأحاديث في "سنن أبي داود" ستة أنواع، فقال:
١ - إن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب.
٢ - ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر.
٣ - ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيدًا سالمًا من علة وشذوذ.
٤ - ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعداً.
стр. 126
٥ - ثم يليه ما ضُعّف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالبًا.
٦ - ثم يليه ما كان بيّن الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته (١).
والحق أن أحاديث "سنن أبي داود" متفاوتة المراتب، فما كان وهنه شديدًا بيَّنه.
وعن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه (٢)، وما كان به من حديث فيه وهن شديد فقد بينته.
نسخ الكتاب:
توجد لـ "سنن أبي داود" نسخ عديدة، بعضها خطية وبعضها مطبوعة، ذكرها بروكلمان وفؤاد سزكين.
ولقد ظفر صاحب "عون المعبود" بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي، إلَّا نسخة واحدة، وهي من رواية ابن داسة، ثم قابل بعضها على بعض، وقال: فصار هذا المتن والشرح جامعًا لرواية ابن داسة، وابن العبد، وابن الأعرابي أيضًا، بل فيه بعض رواية الرملي أيضًا لكنه قليل جدًّا (٣).
وذكر صاحب "بذل المجهود" أنه ظفر - غير نسخة "عون المعبود" - بست نسخ لهذا الكتاب، وأشار إلى اختلاف النسخ في هوامش "بذل المجهود".
وفي مكتبة سماحة الشيخ أحمد عبد العزيز المبارك رئيس القضاء
стр. 127
الشرعي بـ (أبو ظبي) نسخة خطية من أجل صحيح، وعليها توقيعات كثير من العلماء والمحدثين، وأعتقد أنها أصح النسخ لـ "سنن أبي داود".
وقد قرئت هذه النسخة على عمر بن طبرزد بحضور أحمد بن صلاح الدين الأيوبي وأولاده، وعليها توقيعات سماعات لكثير من المحدثين، كزين الدين العراقي، وابن مفلح، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر المكي، وعليها وقفية أحمد بن صلاح الدين الأيوبي. وقد قرئت هذه النسخة في الجامع الأزهر، وجامع الأقمر، وجامع المزّة بدمشق بحضور كثير من العلماء، وخطها واضح.
ومن المؤسف أن هذه النسخة قد ضاعت من مكتبة الشيخ.
" سنن أبي داود" ورواته:
اعلم أن لـ "سنن أبي داود" عدة رواة، وقد ذكر الشيخ المحدث عبد العزيز الدهلوي في كتابه "بستان المحدثين" ثلاث نسخ فقط مع رواتها، وذكر صاحب "مرقاة الصعود" من رواته أبا عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاق أبي داود، وأضاف صاحب "التهذيب" على الأربعة أبا الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الأشناني، وأبا عمر أحمد بن علي بن الحسن البصري , وأبا الحسن علي بن الحسن العبد الأنصاري (١)، وأبا أسامة محمد بن عبد الملك بن يزيد الرؤاسي.
وذكر صاحب "التذكرة" أن رواة السنن سبعة نفر، ولم يعد منهم أبا الطيب وأبا عيسى الوراق، وعد أبا سالم محمد بن سعيد الجلودي.
وذكر الخطيب البغدادي فيمن روى "السنن" الإِمام المحدث أبا بكر أحمد بن سلمان بن الحسن البغدادي النجاد المتوفى ٣٤٨ هـ (٢).
فعدد رواة "السنن" عشرة نفر.
стр. 128
وها أنا ذا أذكر خمس نسخ مشهورة بين الناس:
النسخة الأولى: المروجة في ديارنا الهندية وبلاد الشرق، المفهومة من "السنن" لأبي داود عند الإِطلاق: نسخة اللؤلؤي، وهو الإِمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو البصري، اللؤلؤي، منسوب إلى اللؤلؤ لأنه كان يبيعه.
وروى عن أبي داود هذه السنن في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين، وروايته من أصح الروايات, لأنها آخر ما أملى أبو داود، وبعدها مات، وعليها المعوِّل عندنا، وقد أخذ عن اللؤلؤي الإِمام أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، والحافظ عبد الله الحسين بن بكر بن محمد الوراق.
اللؤلؤي: نسب إلى هذه النسبة جماعة كانوا يبيعون اللؤلؤ (١).
وتوفي اللؤلؤي في سنة ٣٢٩ هـ، وقيل سنة ٣٣٣ هـ (٢).
النسخة الثانية: نسخة ابن داسة، وهي مشهورة في ديار المغرب، وتقارب نسخته نسخة اللؤلؤي، وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير دون الزيادة والنقصان.
وهو الإِمام الحافظ أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار البصري، المعروف بابن داسة - بفتح السين المهملة المخففة، وقيل بتشديدها -.
قال بعض العلماء: رواية ابن داسة أكمل الروايات. أخذ عنه الإِمام أبو سليمان الخطابي، وقال: قرأته بالبصرة على أبي بكر بن داسة سنة (٣٤٥ هـ) خمس وأربعون وثلاثمائة، وأبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم وجماعة (٣).
стр. 129
قال السيوطي: أتمها رواية ابن داسة، والمتصلة الآن بالسماع رواية اللؤلؤي (١).
النسخة الثالثة: نسخة الرملي، وهي تقارب نسخة ابن داسة.
وهو الإِمام الحافظ أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي ورَّاق أبي داود، منسوب إلى رملة مدينة بفلسطين، سكن بغداد، وتوفي بها سنة ٣٢٠ هـ (٢).
النسخة الرابعة: نسخة ابن الأعرابي.
وهو الإِمام الحافظ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشير المعروف بابن الأعرابي (٢٤٦ - ٣٤١)، روى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد بن غالب التمار، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم، وأبو حفص عمر بن عبد الملك الخولاني (٣).
وليس في رواية ابن الأعرابي من روايته عن أبي داود كتاب الفتن والملاحم، والحروف والخاتم، وسقط منه من كتاب اللباس نصفه، وفات من كتابِ الوضوء، وكتابِ الصلاة، وكتابِ النكاح: أوراق (٤).
النسخة الخامسة: وهي نسخة ابن العبد.
وهو أبو الحسن علي بن الحسن بن العبد الأنصاري المتوفى ٣٢٨ هـ (٥).
فيها من الكلام على جماعة من الرواة، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (٦).
стр. 130
وقال الحافظ السخاوي: ومما يتنبه عليه أن "سنن أبي داود" تقدمت روايتها عن مصنفها, ولكل أصل، وبينها تفاوت حتى في وقوع البيان في بعضها دون بعض، ولا سيما رواية أبى الحسن بن العبد، ففيها من كلامه أشياء زائدة على رواية غيره.
شروح الكتاب والكتب المؤلفة حوله
قد اعتنى بهذا الكتاب الجليل كثير من العلماء والمحدّثين شرحًا وتعليقًا واختصارًا واستخراجًا، وها هنا أذكر المجهودات المبذولة حول هذا الكتاب.
١ - "معالم السنن"، لأبي سليمان حَمْد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة ٣٨٨ هـ (١).
ولا يَعزبنَّ عن البال أن الخطابي لم يشرح جميع الأحاديث، بل يأتي إلى الباب الذي تعددت فيه الروايات، فإذا كان المآل فيها واحدًا شرح منها حديثًا واحدًا، وكأنه بذلك شرح جميع الباب، وإلَّا شرح أكثر من ذلك على حسب ما يتراءى له، وإلى ذلك أشار بقوله: ومن باب كذا (٢).
وهو يشرح المفردات الغريبة، والكلمات التي تحتاج إلى الشرح شرحًا واسعًا يدل على معرفة متبحرة باللغة، وقد يستشهد لشرحه بأبيات، أو جمل مأثورة عن العرب، ويشرح المراد من الجملة ثم يشرح الحديث، ثم يتحدث عن فقه الحديث، ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء، ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بالباب.
طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلَّامة الشيخ محمد راغب الطباخ سنة ١٩٢٠ - ١٩٢٤، ١٩٣٢ - ١٩٣٤ م. ثم طبع مع شرحي المنذري وابن القيم بالقاهرة ١٩٥٠ م، وطبع في ٢٠٠١ م في بيروت.
стр. 131
٢ - "عجالة العالم من كتاب المعالم"، تلخيص الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي، المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (١).
٣ - "العِدُّ المورود في حواشي سنن أبي داود"، للحافظ المنذري، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ (٢)، وقد ذكر فؤاد سزكين (٣) مكان وجود مخطوطته.
٤ - وَشَرَح "السنن" أيضًا شهاب الدين أحمد بن حسين بن رسلان الشافعي الرملي، المتوفى سنة ٨٤٤ هـ (٤). ومخطوطته موجودة في تركيا (٥)، وصورة له محفوظة في مكتبة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض رقم (٥٨٦٣ - ٥٨٦٤ - ٥٨٦٥) هي نسخة كاملة، وله نسخة مخطوطة بمكتبة مظاهر العلوم، سهارنفور بالهند، وصورة لها في الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (١٥٩٣ - ١٥٩٤ - ١٥٩٥) من أول الطهارة إلى باب في الخرص، وله نسخة مخطوطة في مكتبة المحمودية بالمدينة المنورة من أول الكتاب إلى آخر المناسك فقط، وصورتها موجودة عندي.
٥ - وَشَرَح "السنن" قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين (٦) اليمني الشافعي، المتوفى سنة ٧٥٢ هـ (٧)، في أربع مجلدات كبار في آخر عمره، ومات عنه وهو مسوَّدة (٨).
стр. 132
٦ - وَشَرَح هذا الكتاب أيضًا الحافظ مغلطاي بن قليج، المتوفى سنة ٧٦٢ هـ، ولم يكمله (١).
٧ - وَشَرَح هذا الكتاب أيضًا شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي من أصحاب المزي، المتوفى بالقدس سنة ٧٦٥ هـ. ويبدو أنه هو الذي لخَّص "المعالم" المذكور آنفًا، وسمَّى شرحه: "انتحاء السنن واقتفاء السنن" (٢).
٨ - وَشَرَح "السنن" أيضًا أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ (٣)، وأطال في شرحه جدًا (٤).
٩ - وَشَرَح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي، المتوفى سنة ٨٥٥ هـ (٥). وقد طبع هذا الشرح في مكتبة الرشد، الرياض، في سبع مجلدات مع الفهارس.
١٠ - وَشَرَحه الحافظ السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ (٦)، وسمَّاه: "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود". وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها فؤاد سزكين (٧).
стр. 133
١١ - وقد اختصره علي بن سليمان الدمنتي البُجُمْعَوِي المولود ١٢٣٤ هـ، والمتوفى سنة ١٣٠٦ هـ (١)، وهو مطبوع بالقاهرة سنة ١٢٩٨ هـ، وأسماه: "درجات مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود".
١٢ - وَشَرَحه أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة ١١٣٨ هـ (٢). وهو شرح لطيف بالقول، سماه: "فتح الودود على سنن أبي داود" (٣).
١٣ - وعلّق عليه الشيخ فخر الحسن الكَنكَوهي، المتوفى سنة ١٣١٥ هـ (٤)، وسماه: "التعليق المحمود". طبع بالهند.
١٤ - "الهدي المحمود في ترجمة سنن أبي داود" باللغة الأردية، للمولوي وحيد الزمان اللكهنوي، المتوفى سنة ١٣٣٨ هـ (٥).
١٥ - "أنوار المحمود على سنن أبي داود"، جمعه أحد تلاميذ العلَّامة محمد أنور الكشميري، المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ (٦)، وهو الشيخ أبو العتيق عبد الهادي النجيب آبادي.
والكتاب التقاط من أمالي شيخ الهند مولانا محمود الحسن الديوبندي (ت ١٣٣٩ هـ) (٧)، وأمالي العلَّامة محمد أنور الكشميري، وضم إليها فوائد اقتبسها من "بذل المجهود"، ومن درس العلَّامة شبير أحمد العثماني (ت ١٣٦٩ هـ) (٨) لكتاب "صحيح مسلم"، وفيه أخطاء كثيرة. وقد طبع هذا الكتاب في مجلدين في الهند وباكستان.
стр. 134
١٦ - "غاية المقصود في حل سنن أبي داود"، للشيخ العلَّامة شمس الحق أبي الطيب العظيم آبادي، المتوفى سنة ١٣٢٩ هـ (١).
وهو شرح كبير، ومن أحسن الشروح عليه، وقد احتوى على مباحث الكتاب والمتون والأسانيد وفوائد كثيرة، ولو تم لكان عملًا جليلًا، إلَّا أنه لم يتم لسعة دائرته وضخامة عمله، ومع الأسف لم يطبع منه إلَّا الجزء الأول بالهند.
١٧ - "عون المعبود شرح سنن أبي داود"، تأليف محمد أشرف العظيم آاَبادي (ت ١٣٢٦ هـ) (٢)، وهو تلخيص "غاية المقصود". ويظهر أن الشيخ محمد أشرف لخصه تحت إشراف الشيخ شمس الحق العظيم آبادي، وهو في أربعة مجلدات كبيرة.
طبع في الهند سنة ١٣٢٢ هـ، وصور حديثًا في بيروت، وقد أثبت في أعلى الصفحات "متن سنن أبي داود". ثم نشره محمد عبد المحسن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة، وطبعه في مصر، وضبطه وحقَّقه عبد الرحمن محمد عثمان، ويليه شرح "عون المعبود"، ثم نشر مع التهذيب لابن القيم، وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءًا، بدأ بطباعته سنة ١٣٨٨ هـ -١٩٦٨ م، وانتهى ١٣٨٩ هـ -١٩٦٩ م في مطابع المجد بالقاهرة.
١٨ - "المنهل العذب المورود شرح سنن الاِمام أبي داود"، تأليف الشيخ محمود محمد خطاب السبكي، المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ (٣).
وهو من أحسن الشروح، ولكن سرعان ما تغيرت خطته في الجزء الثاني والثالث، فلم يكن على منوال واحد، ثم لم يتم الكتاب، ثم قام ابنه الشيخ أمين محمود خطاب بمحاولة إكمال الكتاب، وسماه: "فتح الملك
стр. 135
المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود"، وقد بلغ إلى باب الطيرة رقم الحديث (٣٩٢٥)، وتوفي ولم يتم الكتاب.
١٩ - "بذل المجهود في حل أبي داود"، للعلامة الكبير المحدِّث الجليل الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ.
إن هذا الكتاب ليس شرحًا وافيًا لسنن أبي داود فحسب , بل إنه سفر ضخم يتضمن بحوثًا ذات قيمة كبيرة في علم الحديث، وشرح كلام النبوة، ورواة الحديث ومكانتهم وتراجمهم في ضوء أقوال الأئمة والمحدثين الكبار، وقد اهتم المؤلف بأقوال الإِمام أبي داود وكلامه في الرواة، بتخريج التعليقات والفحص عنها في كتب أخرى، وتطبيق الروايات بالترجمة، كما أنه حكم فيما اختلف الشراح فيه بما شرح الله به صدره، وتكلم بكلام فصل من غير تردد.
وأبرز مزايا هذا الكتاب أنه ألف على نهج المحدثين وأئمة الحديث الذين تلقت الأمة كتبهم وشروحهم بقبول تام، واشتمل على بحوث قيمة في أسماء الرجال وأصول الحديث.
وقد علَّق على الكتاب فوائد ذات أهمية كبيرة تلميذه النابغة العلَّامة المحدِّث الكبير فضيلة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي- نوَّر الله مرقده -، ونشرت هذه التعليقات على الهوامش، وطبع الكتاب في الهند في خمس مجلدات كبار، ثم أعيد طبعها في القاهرة سنة ١٣٩٣ هـ الموافق ١٩٧٣ م في عشرين مجلدًا مع التعليقات تحت إشرافنا.
٢٠ - "شرح مختصر سنن أبي داود"، للمنذري.
وهو زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ (١)، والحق أن كتاب المنذري مختصر وشرح بآن واحد.
стр. 136
قال الحافظ ابن القيم في وصفه: وكان الإِمام العلَّامة الحافظ زكي الدين المنذري قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يَدَع للإِحسان موضعًا، وسبق حتى جاء من خلفه له تبعًا (١).
وطبع في مطبعة أنصار السنَّة المحمدية بالقاهرة منشورًا مع كتابي الخطابي وابن القيم، وصدر في ثمانية أجزاء , كتب على الثلاثة الأولى أنها بتحقيق أحمد شاكر وحامد الفقي، وكتب على الخمسة الباقية: بتحقيق حامد الفقي، وهي طبعة مشكولة مرقَّمة الأحاديث.
وقد طبع في الهند في ١٨٩١ م على هامش "غاية المقصود" إلى "باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر".
٢١ - "تهذيب ابن القيم": وابن القيم هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٥١ هـ (٢).
وتهذيبه أشبه بالحاشية منه بالتهذيب، فهو قد يسكت عن أحاديث عديدة. ثم تراه يفصل القول في شرح حديث وبيان فقهه، وقد يفصل تفصيلاً لا تراه في المطولات.
وقد ذكر في مقدمته خطته فقال: "فهذبته نحو ما هذَّب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها، وأتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مغلقها، وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها، وقد بسطت الكلام على مواضع قليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه" (٣).
стр. 137
وقد طبع في دهلي أيضًا سنة ١٨٩١ م، على هامش "غاية المقصود" إلى "باب الوضوء من لحوم الإِبل".
٢٢ - وشَرَحَ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ (١)، زوائد السنن على "الصحيحين"، وتقع في مجلدين (٢).
٢٣ - واستخرجه أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البيّاني الأصفهاني القرطبي محدث الأندلس، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ (٣).
٢٤ - واستخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ على سنن أبي داود (٤).
٢٥ - واستخرجه أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو بكر ابن منجويه الأصفهاني محدث نيسابور، المتوفى سنة ٤٢٨ هـ (٥).
٢٦ - وجمع زكريا الساجي، المتوفى سنة ٣٠٧ هـ (٦) للـ "سنن" ما يوافق معانيها من آيات القرآن الكريم (٧).
٢٧ - ألف أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الجياني، المتوفى سنة ٤٩٨ هـ (٨) كتابًا بعنوان "تسمية شيوخ أبي داود" (٩)، وقد طبع هذا الكتاب.
стр. 138
٢٨ - للشيخ المحدث القاضي حسين بن محسن الأنصاري اليماني، المتوفى سنة ١٣٢٧ هـ (١)، تعليقات على "سنن أبي داود".
٢٩ - ولتلميذه العلَّامة السيد عبد الحي الحسني مؤلف "نزهة الخواطر" (٢)، تعليقات على "السنن"، ولكنها لم تتم.
٣٠ - شرحه الإِمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة ٦٧٦ هـ (٣)، ولم يتمه (٤).
٣١ - شرحه أيضاً الحافظ مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي البغدادي، المتوفى سنة ٧١١ هـ (٥). قال ابن رجب: شرح بعض "سنن أبي داود" (٦).
٣٢ - وشرحه أيضًا الشيخ محمد ياسين الفاداني ﵀، المتوفى سنة ١٤١٠ هـ (٧)، بعشرين مجلدًا، ولا يزال مخطوطاً، وسماه: "الدر المنضود شرح سنن أبي داود" (٨).
٣٣ - وللشيخ إبراهيم بن محمد أبي الوفاء الطرابلسي، المتوفى سنة ٨٤١ هـ (٩)، حواش على "سنن أبي داود" (١٠).
٣٤ - وعلَّق على "مختصر سنن أبي داود" شرحًا القاضي محمد بن
стр. 139
عمار القاهري المالكي، المتوفى سنة ٨٤٤ هـ، وسمَّاه: "المواهب والمنن في التعريف والأِعلام بفوائد السنن" (١).
٣٥ - وشرحه شهاب الدين بهاء الدين المرجاني، المتوفى سنة ١٣٠٦ هـ (٢)، وسمَّاه: "عون الودود على سنن أبي داود" (٣).
٣٦ - وللعلَّامة محمد التاودي بن سودة الفاس المغربي المتوفى سنة ١٢٠٩ هـ، حاشية على "سنن أبي داود" (٤).
٣٧ - وعمل الشيخ محمد حيات السنبهلي، المتوفى سنة ١٤٠٩ هـ، تعليقات على "سنن أبي داود"، طبع في الهند (٥).
٣٨ - وشرحه محمد بن نور الدين الهزاروي، المتوفى سنة ١٣٦٦ هـ، وسماه: "عون الودود على سنن أبي داود" (٦).
٣٩ - وللشيخ محمد طاهر الرحيمي- نزيل المدينة المنورة - كتاب على سنن أبي داود سمَّاه: "زبدة المقصود في حل ما قال أبو داود"، اعتنى فيه بشرح أقوال الإِمام (٧).
٤٠ - وللدكتور علي بن إبراهيم بن سعود عجين كتاب على "سنن أبي داود" سمَّاه: "تغليق التعليق على سنن الإِمام أبي داود"، اعتنى فيه بشرح أقوال الإِمام وتخريج الراويات والأحاديث التي أشار إليه الإِمام، طبع في مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٢٣ هـ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 140
رسالةُ الإِمامِ أَبي داودَ إِلى أَهلِ مكَّةَ في وصْفِ الكِتابِ وبَيان خصائِصِهِ والتِزاماتِهِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على نعمه الجمّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزيح كلّ كرب وغمّة، وأشهد أنَّ سيدنا محمّدًا عبده ورسوله الذي أنار بشريعته البيضاء حلك الليالي المدلهمة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه المخصوصين بعلوّ الهمّة.
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة:
سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله (١) الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّي على محمَّد عبده ورسوله ﷺ كلَّما ذُكِرَ.
أمّا بعد: عافانا الله وإيّاكم عافيةً لا مكروه معها, ولا عقابَ بعدَها، فإنكم سألتموني (٢) أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب "السنن" أهي أصحُّ ما عرفتُ في الباب؟ ووقفتُ على جميع ما ذكرتم.
فاعلموا أنه كذلك كله، إلَّا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين: أحدهما أقوى (٣) إسنادًا، والآخر صاحبه أقدم
стр. 141
في الحفظ، فربما كتبت ذلك (١) [ولا أرى في كتابي مِن هذا عشرة أحاديث].
ولم أكتب بالباب إلَّا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر [وإنما أردتُ قُربَ منفعته].
وإذا أعدتُ الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، [وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث]، وربما اختصرتُ الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعضُ مَن سمعه [المراد منه] ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك.
وأمّا المراسيل: فقد كان يحتجّ بها العلماء فيما مضى، مثل: سفيان الثوري، ومالك [بن أنس]، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها (٢)، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره (٣).
فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتّصل في القوَّة.
وليس في كتاب "السنن" الذي صنَّفته عن رجل متروك الحديث شئ (٤)، إذا كان فيه حديث منكر بيَّنت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره.
стр. 142
[(١) وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك، ولا كتاب وكيع، إلَّا الشيء اليسير، وعامّته في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب "السنن" من "موطأ مالك بن أنس" شيء صالح، وكذلك من "مصنَّفات" حمَّاد بن سلمة، وعبد الرزّاق.
وليس ثلث هذه الكتب (٢) فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنَّفات مالك بن أنس، وحمَّاد بن سلمة، وعبد الرزَّاق.
وقد ألَّفته نَسَقًا على ما وقع عندي (٣)، فإن ذُكرَ لك عن النبي ﷺ سُنَّةٌ ليس ممَّا خرَّجته فاعلم أنه حديث واه (٤)، إلَّا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلِّم.
ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخلَّال قد جمع منه (٥) قدر تسع مئة حديث، وذكر أنَّ ابن المبارك قال: السنن عن النبيّ ﷺ نحو تسعمائة حديث، فقيل له: إنَّ أبا يوسف قال: هي ألفٌ ومئة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهَنات من هنا وهنا نحو الأحاديث الضعيفة].
وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديدٌ، فقد بَيَّنْتُه، ومنه ما لا يصحّ سنده.
стр. 143
وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح (١)، وبعضها أصحّ من بعض، [وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر (٢)]، وهو كتاب لا يرد عليك سُنَّة عن النبيّ ﷺ بإسناد صالح إلَّا وهي فيه، إلا أن يكون كلام اُسْتُخْرِجَ من الحديث، ولا يكاد يكون هذا.
ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلَّموا مِن هذا الكتاب، ولا يضرُّ رجلًا أن لا يكتب من العلم - بعد ما يكتب هذا الكتاب - شيئًا، وإذا نظر فيه وتدبَّره وتفهَّمه حينئذ يعلم مقداره.
وأمّا هذه المسائل، مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها، ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي ﷺ (٣)، ويكتب أيضًا مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ما وضع الناسُ من الجوامع.
والأحاديث التي وضعتها في "كتاب السنن" أكثرها مشاهير، وهي عند كل مَن كتب شيئًا من الحديث إلَّا أنَّ تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخرُ بها أنها مشاهير، فإنه لا يُحْتَج بحديثٍ غريبٍ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات مِن أئمّة العلم.
ولو احتجَّ رجل بحديث غريب وجدتَ مَن يَطْعَنُ فيه ولا يَحْتَجُّ بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يردّه عليك أحد.
стр. 144
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريبَ من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشُدْهُ كما تُنْشَد الضالةُ، فإن عُرِفَ وإلَّا فَدَعْهُ.
وأنَّ مِن الأحاديث في كتاب "السنن" ما ليس بمتَّصِل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو إذا لم توجد الصّحاحُ عند عامّة أهل الحديث على معنى أنه متّصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مِقْسَم عن ابن عباس، وليس بمتصل.
وسماعُ الحكَم عن مِقسَم أربعةُ أحاديث.
وأما أبو إسحاق عن الحارث (١) عن علي فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد.
و[أمّا] ما في كتاب "السنن" من هذا النحو فقليل، ولعلّ ليس للحارث الأعور في كتاب "السنن" إلَّا حديث واحد، وإنما كتبته بأَخَرةٍ (٢).
وربما كان في الحديث ما تثبت (٣) صحّة الحديث منه، إذا كان يخفى ذلك عليَّ، فربّما تركت الحديث إذ لم أفقهه، وربما كتبته [وبيّنته] وربّما لم أقف عليه، وربما أتوقَّف عن مثل هذا؛ لأنه ضرر على العامّة أن يكشف لهم كلُّ ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأنَّ علم العامة يَقْصُر عن مثل هذا.
وعدد كتب (٤) هذه "السنن" ثمانية عشر جزءًا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل.
стр. 145
وما روي عن النبي ﷺ من المراسيل، منها ما لا يصحّ (١)، ومنها هو ما مسند عند غيري، وهو متّصل صحيح (٢).
ولعلّ عدد الذي في كتبي من الأحاديث قَدْرُ أربعة آلاف وثمانمائة حديث (٣)، ونحو ستمائة حديث من المراسيل (٤).
فَمَن أَحَبَّ أن يُمَيِّزَ هذه الأحاديث مع الألفاظ، فربّما يجيء حديث من طريق، وهو عند العامّة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلب اللفظة التي تكون لها معانٍ كثيرة.
وممَّن عرفتُ مَن نقل مِن جميع هذه الكتب فربّما يجيء الإِسنادُ، فَيُعْلَمُ من حديث غيره أنه غير متّصل، ولا يتبيّنه السامع إلَّا بأن يعلم الأحاديث، ويكون له معرفة فيقف عليه، مثلُ ما يُرْوَى عن ابن جريج، قال: أُخْبِرتُ عن الزهري، ويرويه البُرْسَاني عن ابن جريج عن الزهري. فالذي يَسْمَعُ يَظُنُّ أنه متّصل، ولا يصحّ بتّةً، وإنما تركناه لذلك؛ لأنَّ أصل الحديث غير متّصل، [ولا يصحّ] وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير، والذي لا يعلم يقول: قد ترك حديثًا صحيحًا من هذا، وجاء بحديث معلول.
وإنما لم أُصَنِّف في كتاب "السنن" إلَّا الأحكام، ولم أُصَنِّف كتب "الزُّهْد" و"فضائل الأعمال" وغيرها.