﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ الله (١) ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ جُبَيْرٍ مِصْرِيٌّ مَوْلَى خَارِجَةَ ابْنِ حُذَافَةَ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفيْرٍ.
٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيّ، نَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ،
===
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣) فضحك (٤) رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا).
قال الخطابي: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فشدد فيها عطاء بن أبي رباح، وقال: يغتسل وإن مات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، وقال الحسن نحوًا من قول عطاء، وقال سفيان ومالك: يتيمم، وهو بمنزلة المريض، وأجازه أبو حنيفة في الحضر، وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه التلف من شدة البرد تيمم وصلى وأعاد كل صلاة صلاها كذلك، ورأى أنه من العذر النادر، وإنما جاءت الرخص التامة في الأعذار العامة.
(قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير) فهما متغايران، وذكر الفرق لئلا يلتبس الحال على من لا خبرة له.
٣٣٥ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب)
стр. 1227
عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) "أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ, وَذَكَرَ (٢) الْحَدِيثَ نَحْوَهُ, وقَالَ: فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ,
===
عبد الله (عن ابن لهيعة) عبد الله، (وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس (٣) مولى عمرو بن العاص) السهيمي، ويقال: إنه رأى أبا بكر الصديق ﵁، وكان أحد فقهاء الموالي الذين أدركهم يزيد ابن أبي حبيب، واسمه عبد الرحمن بن ثابت، ذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٥٤ هـ.
(أن عمرو بن العاص كان على سرية) أي كان أميرًا عليها (وذكر) أي كل واحد من ابن لهيعة وعمرو بن الحارث (الحديث نحوه) أي نحو الحديث الذي ذكره يحيى بن أيوب، ويمكن أن يقال: فذكر أي محمد بن سلمة الحديث نحو الذي ذكره ابن المثنى.
(وقال) أي ابن لهيعة، وكذا عمرو بن الحارث: (فغسل مغابنه) قال في "القاموس": وكمنزل: الإبْطُ والرَّفْعُ، جمعه مغابن، وقال في "المجمع": أي مكاسر جلده وأماكن تجمع فيه الوسخ والعرق (وتوضأ
стр. 1228
ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ". [ق ١/ ٢٢٦، ك ١/ ١٧٧، قط ١/ ١٧٩]
===
وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فذكر نحوه) كرر هذا للتأكيد، (ولم يذكر التيمم) فالمخالفة (١) بين الروايتين بزيادة قوله: فغسل مغابنه إلى قوله: ثم صلى بهم، فإن هذه الزيادة ليست في الرواية المتقدمة، وبعدم ذكر التيمم في هذه الرواية, وقد ذكر في المتقدمة.
قلت: وقد أخرج الإِمام أحمد بن حنبل في "مسنده" (٢) رواية ابن لهيعة هذه: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب إلى آخر السند، ولم يذكر أبا قيس ولا فغسل مغابنه إلى آخره، وذكر التيمم أيضًا.
لكن أخرج البيهقي (٣) بسنده إلى ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث ورجل آخر أظنه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخر الإسناد، وذكر فيه أبا قيس، ولفظه: إن عمرو بن العاصي كان على سرية، وإنه أصابه برد شديد لم ير مثله، فخرج لصلاة الصبح، فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكن والله ما رأيت بردًا مثل هذا، هل مر على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا، فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، فلما قدم على رسول الله ﷺ سأل رسول الله ﷺ
стр. 1229
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ هَذِهِ القِصَّةُ عن الأوزَاعِيِّ عن حَسَّانَ ابْنِ عَطِيَّةَ قَالَ فِيهِ: "فَتَيَمَّمَ".
===
كيف وجدتم عمرًا وصحابته؟ فأثنوا عليه خيرًا، وقالوا: يا رسول الله صلى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو فسأله, فأخبره بذلك وبالذي لقي من البرد، فقال: يا رسول الله إن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) ولو اغتسلت منه (٢)، فضحك رسول الله ﷺ ، انتهى.
(قال أبو داود: ورُوي هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية) المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقي، قال ابن معين: ثقة وكان قدريًّا، قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره البخاري في "الأوسط"، وقال: كان من أفاضل أهل زمانه، مات بعد سنة ١٢٠ هـ.
(قال فيه: فتيمم) قلت: لم أقف (٣) على رواية الأوزاعي، وحاصل هذا الكلام أن التيمم لم يذكر في الحديث، وظاهر لفظه يوهم أن عمرو بن العاص صلى بهم بعد غسل المغابن والوضوء من غير تيمم، فدفع المصنف هذا الوهم بأن الأوزاعي روى هذه القصة عن حسان بن عطية، وقال فيه: فتيمم، أي زاد الأوزاعي بعد قوله: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة قوله: وتيمم ثم صلى بهم.
стр. 1230
(١٢٧) بَابٌ: فِي الْمَجْرُوحِ يَتَيَمَّمُ
٣٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْطَاكِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا (١) حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِى رَأْسِهِ,
===
(١٢٧) (بَابٌ: في المَجْرُوحِ)
وفي نسخة: المجدور، وفي أخرى: المعذور (يَتَيَمَّمُ) (٢) أي: إذا كان الرجل في جسده جراحة هل يتيمم أو يشد على جرحه عصابة فيمسح محل الجرح، ويغسل ما صح من جسده؟
٣٣٦ - (حدثنا موسى بن عبد الرحمن) بن زياد الحلبي (الأنطاكي) أبو سعيد القلّاء، بقاف وتشديد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وتتمة كلامه يغرب، وقال مسلم بن قاسم: ثقة.
(ثنا محمد بن سلمة) الحراني، (عن الزبير بن خريق) مصغرًا، الجزري، مولى بني قشير، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في التيمم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحافظ: قال أبو داود عقب حديثه في كتاب "السنن": ليس بالقوي، وكذا قال الدارقطني.
قلت: لم أجد في النسخ الموجودة من "سنن أبي داود" أن أبا داود قال للزبير بن خريق: ليس بالقوي، نعم قال الدارقطني: ليس بالقوي.
(عن عطاء) بن أبي رباح، (عن جابر) بن عبد الله (قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا (٣) منا حجر فشجه في رأسه). قال في "المجمع":
стр. 1231
ثُمَّ احْتَلَمَ (١) , فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ, فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِى رُخْصَةً فِى التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا (٢): مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ, فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ, فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ, قَتَلَهُمُ اللَّهُ تعالي
===
الشجُّ: ضرب الرأس خاصة وجرحه وشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء (ثم احتلم، فسأل) أي ذلك الرجل (أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء)
أفتوا ذلك لأنهم غفلوا عن اليسر في الشريعة، وأن ليس المراد من الوجدان في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ على الحقيقة، بل تعم عدم الوجدان صورة ومعنى، ومعنى فقط، فعدم الوجدان صورة ومعنى فهو أن يكون بعيدًا عنه، وأما العدم من حيث المعنى فقط فهو أن يعجز عن استعمال الماء مع قربه لمانع، كما إذا لم يجد آلة الاستقاء على رأس البئر، أو كان بينه وبين الماء عدو أو سبع أو حية أو يخاف العطش على نفسه، فيكون عادمًا للماء معنى، لأن الله تعالى حرم إلقاء النفس إلى التهلكة.
(فاغتسل) أي فدخل الماء في جرحه (فمات) أي من الغسل، (فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك) أي الخبر (فقال: قتلوه) أسند القتل إليهم, لأنهم تسببوا بتكليفهم به باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه، ليكون أدل على الإنكار عليهم "علي القاري" (٣).
(قتلهم الله تعالى) إنما قاله زجرًا وتهديدًا، وأخذ منه أن لا قود ولا دية على المفتي وإن أفتى بغير الحق، وإن صاحب الخطأ الواضح غير معذور.
стр. 1232
أَلَّا (١) سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ, إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ» - شَكَّ مُوسَى - «عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». [ق ١/ ٢٢٨، قط ١/ ١٩٠]
===
(ألَّا) (٢) بفتح الهمزة وتشديد لام، حرف تحضيض، دخل على الماضي، فأفاد التنديم (سألوا إذ لم يعلموا) والمعنى: فلم لم يسألوا ولم يتعلموا ما لا يعلمون، (فإنما شفاء العيّ) بكسر العين هو العجز عن النطق والتحير في الكلام وغيره (السؤال) فإنه لا شفاء لداء الجهل إلَّا بالتعلم، قد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
(إنما كان يكفيه) أي الرجل المحتلم (أن يتيمم) أولًا (ويعصر) (٤) لم يوجد لفظ "ويعصر" فيما أخرج البيهقي هذا الحديث في "سننه" من رواية ابن داسة، وأخرج الدارقطني هذا الحديث برواية ابن أبي داود عبد الله بن سليمان بن الأشعث، وفيه كما في أبي داود: "ويعصر أو يعصب"، ثم قال في آخره: شك موسى.
(أو يعصب) أي يشد، و"أو" للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك (شك موسى) في هذا اللفظ (على جرحه) بضم الجيم (خرقة) أي قطعة من الثوب لئلا يصل إليه بلة الماء (ثم يمسح عليها) أي على الخرقة باليد (وبغسل سائر جسده) وهذا يدل على الجمع بين التيمم وغسل سائر
стр. 1233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
البدن بالماء دون الاكتفاء بأحدهما، كما هو مذهب الشافعي (١).
والجواب أن الحديث ضعيف، قد تفرد به (٢) زبير بن خريق، وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء، عن ابن عباس وهو الصواب، قال الدارقطني (٣): اختلف (٤) فيه على الأوزاعي، والصواب أن الأوزاعي أرسل آخره عن عطاء، وصحح هذا الحديث ابن السكن، وروى من طريق الوليد بن عبيد بن أبي رباح عن عمه عطاء مرفوعًا، والوليد بن عبيد ضعفه الدارقطني، وقواه من صحح حديثه، وأيضًا مع ضعفه مخالف للقياس، وهو الجمع بين البدل والمبدل منه.
وحاصله أن المأمور به الغسل المبيح للصلاة، والغسل الذي لا يبيح الصلاة، وجوده وعدمه بمنزلة واحدة كما لو كان الماء نجسًا, ولأن الغسل إذا لم يفد الجواز كان الاشتغال به سفهًا مع أن فيه تضييع الماء، وأنه حرام، فصار كمن وجد ما يطعم به خمسة مساكين فكفَّر بالصَّوم أنه يجوز ولا يؤمَرُ بإطعام الخمسة لعدم الفائدة، فكذا هذا بل أولى, لأن هناك لا يؤدي إلى تضييع المال، فالمراد من الماء المطلق في الآية هو المقيد، وهو الماء المفيد لإباحة الصلاة عند الغسل به، كما يقيد بالماء الطاهر، ولأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب
стр. 1234
٣٣٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ:
===
الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه.
أو يقال: إن لفظ الواو في قوله: ويعصر بمعنى أو، فعلى كلا التوجيهين لا يدل الحديث على الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن.
ثم اعلم أن مطابقة الحديث بالباب إذا كانت ترجمة الباب بلفظ المجدور والمعذور ظاهرة، وأما إذا كانت بلفظ المجروح فمطابقته على مذهب الشافعي واضحة، وأما على مذهبنا فإن المجروح إذا كان جرحه في غالب البدن يجوز له التيمم، وأما إذا كان أكثر البدن صحيحًا، فحينئذ يغسل الصحيح، ويمسح المجروح، فالمطابقة على الأول ثابتة وجودًا، وعلى الثاني عدمًا.
٣٣٧ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي) ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وقال: لا يتابع على حديثه، وذكره ابن وضاح وقال فيه: شيخ.
(ثنا محمد بن شعيب) بن شابور بالمعجمة والموحدة، الأموي مولاهم، أبو عبد الله الدمشقي، كان يسكن بيروت، قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسًا، وما علمت إلَّا خيرًا، وقال ابن معين: كان مرجئًا، وليس به في الحديث بأس، وقال إسحاق بن راهويه: روى ابن المبارك عن محمد بن شعيب فقال: أخبرنا الثقة من أهل العلم محمد بن شعيب، وقال ابن عمار ودحيم: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: محمد بن شعيب في الأوزاعي ثبت، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٠٠ هـ.
стр. 1235
أَخْبَرَنِى الأَوْزَاعِىُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَصَابَ رَجُلاً جُرْحٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ احْتَلَمَ, فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ, فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ, فَبَلَغَ ذلك رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ تعالي, أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالَ؟ ». [جه ٥٧٢، دي ٧٥٢، حم ١/ ٣٣٠، ق ١/ ٢٢٧، ك ١/ ١٦٥]
===
(أخبرني الأوزاعي أنه) أي الأوزاعي (بلغه عن عطاء بن أبي رباح) أي الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء، ولكن وصل إليه بلاغًا بالواسطة، (أنه) أي عطاء (سمع عبد الله بن عباس قال) أي ابن عباس: (أصاب رجلًا جرح في عهد رسول الله ﷺ ، ثم احتلم) أي أصابته جنابة (فأمر بالاغتسال) أي أمره بعض من كان معه من الرفقاء بالاغتسال (فاغتسل) بفتواهم، فأضرّه الغسل (فمات) أي دخل الماء في جرحه فمات منه.
(فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: قتلوه) أي أهلكوه بفتواهم (قتلهم (١) الله تعالى) أي أهلكهم أو لعنهم، (ألم يكن شفاء العي السؤال؟ ) أي لما كانوا أعياء كان يجب عليهم أن يسألوا العلماء عن المسألة ويحققوها عنهم، أو معناه: كان عليهم أن يسألوا عن المسألة رسول الله ﷺ ولم يفتوا قبل أن يتعلموا منه ﷺ .
أخرج ابن ماجه هذا الحديث موصولًا في "سننه", (٢)، ولفظه: حدثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، ثنا الأوزاعي،
стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن عطاء بن أبي رباح قال: "سمعت ابن عباس يخبر أن رجلًا أصابه جرح في رأسه على عهد رسول الله ﷺ ، ثم أصابه احتلام، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فكُزَّ (١) فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: قتلوه قتلهم الله، أو لم يكن شفاء العي السؤال؟ قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لو غسل جسده وترك رأسه وحيث أصابه الجراحة"، انتهى.
واختلف في أن الأوزاعي سمع هذا الحديث عن عطاء، فحكي عن أبي زرعة وأبي حاتم: لم يسمعه الأوزاعي عن عطاء، إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته عن الأوزاعي، ولكن حكى الشيخ أبو الطيب في "التعليق المغني" (٢) وقال: ورواه الحاكم من حديث بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، ثني عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس: "أن رجلًا أصابه جرح على عهد رسول الله ﷺ ، ثم أصابه احتلام، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك"، الحديث. قال الحاكم: بشر (٣) بن بكر ثقة مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على شرطهما، انتهى.
وقال الدارقطني: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وأسند الحديث، قلت: فيمكن أن يكون الأوزاعي روى عن عطاء بطريقتين بواسطة وبغير واسطة، والله أعلم، ولفظة "لو" إما للتمني، أو الجزاء محذوف أي لأصاب أو لكفاه.
стр. 1237
(١٢٨) بَابٌ: في الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي (١) في الْوَقْتِ
٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ, أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ, عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: "خَرَجَ رَجُلَانِ فِى سَفَرٍ, فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ, فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا, فَصَلَّيَا, ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِى الْوَقْتِ,
===
(١٢٨) (بَابٌ: في الْمُتَيَمِّمِ يَجدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي في الْوَقْتِ)
أي هل يعيد الصلاة أو لا؟
٣٣٨ - (حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، نا عبد الله بن نافع) الصائغ، (عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة) بن ثمامة الجذامي، بجيم ثم معجمة (٢)، أبو ثمامة المصري، كان فقيهًا مفتيًا، أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم، قال النووي: لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، ثم أعاده في أتباعهم فقال: يخطئ، مات سنة ١٢٨ هـ.
(عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان (٣) في سفر، فحضرت الصلاة) أي وقتها (وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا) التيمم هاهنا يمكن أن يحمل على المعنى اللغوي أي قصداه، ويمكن أن يراد المعنى الشرعي، فيكون على نزع الخافض أي بالصعيد (فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت).
стр. 1238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أجمعوا (١) على أنه إذا رأى الماء بعد فراغه من الصلاة لا إعادة عليه، وإن كان الوقت باقيًا، واختلفوا فيما إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة، فالجمهور على أنه لا يقطعها وهي صحيحة، وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية (٢): يبطل تيممه، أما إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخول الصلاة، فالإجماع على بطلان تيممه، قاله القاري (٣).
وقال الشوكاني (٤) في الصورة الأولى: لا يجب عليه (٥) الإعادة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وتجب الإعادة مع بقاء الوقت عند طاوس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة لتوجه الخطاب مع بقائه، وشرط في صحتها الوضوء، وقد أمكن في وقتها، ورُدَّ بأنه لا يتوجه الطلب بعد قوله: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك".
وقال في الصورة الثالثة: أما إذا وجد الماء قبل الصلاة بعد التيمم وجب الوضوء عند الفقهاء، وقال داود وسلمة بن عبد الرحمن: لا يجب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٦).
وقال في الصورة الثانية: وأما إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها، فإنه يجب عليه الخروج من الصلاة، وإعادتها بالوضوء
стр. 1239
فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ, وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ, ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ لِلَّذِى لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ» , وَقَالَ لِلَّذِى تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». [ن ٤٣٣، دي ٧٤٤، ق ٢٣١/ ١، ك ١/ ١٧٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَغَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ,
===
عند أبي حنيفة (١) والأوزاعي، والثوري، والمزني وابن شريح، وقال مالك (٢) وداود: لا يجب عليه الخروج بل يحرم والصلاة صحيحة.
(فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء) إما ظنًّا بأن الأولى كانت باطلة،
وإما احتياطًا، (ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك) أي ما وقع لهما (له) أي لرسول الله ﷺ ، (فقال للذي لم يعد) أي الصلاة: (أصبت السنة) أي صادفت الشريعة الثابتة بالسنة (وأجزأتك صلاتك) أي كفتك عن القضاء، والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطًا للإعادة.
(وقال للذي توضأ وأعاد) أي الصلاة في الوقت: (لك الأجر مرتين) أي لك أجر الصلاتين اللتين صليتهما كلتيهما مرتين، فإن كلاًّ منهما صحيحة تترتب عليهما مثوبة، وإن كانت إحداهما فرضًا والأخرى نفلًا.
(قال أبو داود: وغير ابن نافع) وهو يحيى بن بكير وعبد الله بن المبارك، أخرج رواية يحيى البيهقي (٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير،
стр. 1240
يَرْوِيهِ عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ أَبِى نَاجِيَةَ,
===
عن الليث، عن عمير بن أبي ناجية، فذكره، كذا في كتابي عمير؛ والصواب عميرة بن [أبي] ناجية.
وأخرج رواية عبد الله بن المبارك الدارقطني (١) ولفظه: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، نا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما نحوه، ولم يذكر أبا سعيد، وقال: تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره، وأيضًا أخرج النسائي رواية عبد الله في "مجتباه" (٢) مرسلًا.
(يروبه) أي يروي غير ابن نافع وهو يحيى بن بكير هذا الحديث (عن الليث عن عميرة (٣) بن أبي ناجية) واسمه حريث الرعيني، أبو يحيى المصري، مولى حجر بن رعين، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ١٥١ هـ.
وقال الشوكاني (٤): وقد رواه ابن السكن في "صحيحه" موصولًا من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية جميعًا، عن بكر موصولًا، ورواه ابن لهيعة عن بكر، فزاد بين عطاء وأبي سعيد أبا عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله، وابن لهيعة (٥) ضعيف، ولا يلتفت إلى زيادته ولا تُعَلُّ بها رواية الثقة، ومعه عميرة بن أبي ناجية.
стр. 1241
عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذِكْرُ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ, وَهُوَ مُرْسَلٌ.
٣٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ, عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ, عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَاهُ. [ن ٤٣٤، وانظر تخريج الحديث السابق]
===
(عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ ، قال أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل) (١).
قال الشوكاني: قال موسى بن هارون: رفعه وهم من ابن نافع، ولكن يقوي رفعه ويصححه ما تقدم من رواية أبي علي بن السكن في "صحيحه" موصولًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا من بعض الطرق، وهذا الحديث حجة للحنفية ومن معهم فيما إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد ما صلى في الوقت، لا يجب عليه الإعادة.
٣٣٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا ابن لهيعة) عبد الله، (عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد) المصري، قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ في "التقريب": مجهول، (عن عطاء بن يسار أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم.
غرض المصنف بتخريج حديث ابن لهيعة الإشعار بأن حديث
стр. 1242
(١٢٩) بَابٌ: في الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ (١)
٣٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ, أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ, عَنْ يَحْيَى, أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا
===
عبد الله بن نافع فيه انقطاع, لأنه لم يذكر فيه بين بكر بن سوادة وعطاء أبا عبد الله، وأن الحديث مرسل، وابن نافع زاد فيه أبا سعيد الخدري، وهو غير محفوظ، وقد تقدم أن ابن لهيعة ضعيف فلا يلتفت إلى زيادته ولا تُعَلُّ بها رواية الثقات.
(١٢٩) (بَابٌ: في الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ)
هل يجب أو لا؟
٣٤٠ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا معاوية) بن سلَّام بالتشديد، ابن أبي سلام ممطور الحبشي بضم المهملة، ويقال: الألهاني، أبو سلام الدمشقي، قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وعن دحيم: جيد الحديث ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: دفع إليه يحيى بن أبي كثير كتابًا ولم يقرأه ولم يسمعه.
(عن يحيى) بن أبي كثير، (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره) أي أبا سلمة، (أن عمر بن الخطاب بينا) هو، وفي نسخة: بينما هو، قال في "القاموس": وبينا نحن كذا: هي بَيْنَ أُشْبِعَتْ فتحتها، فحدثت الألف، وبينا وبينما من حروف الابتداء، والأصمعي يخفض بعد بينا إذا صَلُحَ موضعُه، وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر.
стр. 1243
هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ, فَقَالَ عُمَرُ: أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ. قَالَ (١) عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ
===
(هو) أي عمر بن الخطاب (يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل) ولفظ البخاري: "إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ "، ولفظ رواية مسلم: "إذ دخل عثمان بن عفان" (فقال عمر) ﵁ لما رآه متأخرًا في الحضور للجمعة منكرًا عليه: (أتحتبسون) أي في أشغالكم وحوائجكم (عن الصلاة) (٢) ولا تبكرون لها.
(فقال الرجل) أي عثمان بن عفان ﵁ معتذرًا: (ما هو) أي الشأن (إلَّا أن سمعت النداء فتوضأت) فحضرت الصلاة (قال عمر: والوضوء أيضًا) هو منصوب أي وتوضأت الوضوء أي اقتصرت عليه دون الغسل، فيه إشعار بأنه قبل عذره في ترك التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر اتجه له عليه فيه إنكار ثانٍ، والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت بتفويت الفضيلة، حتى تركت الغسل، وإنما ترك الغسل, لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة "فتح" (٣).
(أو لم تسمعوا (٤) رسول الله ﷺ يقول: إذا أتى (٥) أحدكم
стр. 1244
الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". [خ ٨٨٢، م ٨٤٥، ت ٤٩٤، ق ١/ ٢٩٦، ط ١/ ١٠١/ ٣]
===
الجمعة) أي أراد إتيان الجمعة (فليغتسل) استدل بهذا الحديث من قال: بعدم وجوب الغسل للجمعة، ووجه الدلالة أن عثمان ﵁ فعله، وأقره عمر ﵁ ولم يأمره بالرجوع للغسل، وأقره حاضرو الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجبًا لما تركه ولألزموه به، فعلى هذا الأمر الوارد في الحديث محمول على الندب.
وأجاب عنه الآخرون بأن إنكار عمر ﵁ على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل، وتقرير جمع الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة لذلك الإنكار من أعظم الأدله القاضية بأن الوجوب كان معلومًا عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب لما عول ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره، فأي تقرير من عمر ومن حضر هذا بعد هذا.
ولعل النووي ومن معه ظنوا أنه لو كان الاغتسال واجبًا لنزل عمر من منبره، وأخذ بيد ذلك الصحابي، وذهب به إلى المغتسل، أو لقال له: لا تقف في هذا الجمع، أو اذهب فاغتسل فإنا سننظرك، أو ما أشبه ذلك، ومثل هذا لا يجب على من رأى الإخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإنكار على من ترك واجبًا هو ما فعله عمر في هذه الواقعة، انتهى، قاله الشوكاني (١).
قلت: وهذا الذي قاله الشوكاني كلام من غفل عما جُبِل عليه عمر بن الخطاب ﵁ من الشدة والغلظة في الدين، وتأديبه
стр. 1245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الناس في إخلالهم بواجبات الشرع، فإنه ﵁ لَبَّبَ برداء هشام بن حكيم بن حزام على أنه كان يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرؤها عمر، وجاء به إلى رسول الله ﷺ يقوده حتى قال له رسول الله ﷺ : "أرسله".
وأيضًا أخرج أم فروة أخت أبي بكر الصديق ﵁ من البيت حين ناحت، وأيضًا ضرب بين ثديي أبي هريرة حين بعثه رسول الله ﷺ بنعليه، وقال له: من لقيت يشهد أن لا إله إلَّا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة، حتى خَرَّ لإسته، وقال: ارجع فرجع فأجهش بالبكاء.
وأيضًا لما أراد رسول الله ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ المنافق جذبه، وقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين.
وهكذا تثقيفاته وتشديداته أكثر من أن يحصيها نطاق البيان، فمن له علم وخبرة بها يستحيل منه أن يستبعد من مثل عمر أن يقيمه من مجلسه، ويرده إلى بيته ليغتسل، ويتركه يجلس ويصلي وقد ترك الواجب، فالعجب من العلامة الشوكاني مع أنه له باع طويل في الحديث والسير، وعارف بسيرته وتثقيفاته، كيف لم يتنبه لها، واستبعد منه ﵁ أن يقول لذلك الرجل: اذهب فاغتسل، ثم احضر.
وقد تنبه له الإِمام الشافعي فقال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن أمر رسول الله ﷺ كان على الاختيار، وكذا الطحاوي والخطابي وغيرهما.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الغسل للصلاة لا لليوم، وهو الصحيح، وفيه أيضًا أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح.
стр. 1246
٣٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [خ ٨٥٨، م ٨٤٦, ن ١٣٧٧, جه ١٠٨٩، ق ١/ ٢٩٤، دي ١٥٣٧، ط ١/ ١٠٢/ ٤]
===
٣٤١ - (حَدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن مالك) بن أنس (عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب) أي ثابت، لا ينبغي أن يترك، لا أنه يأثم تاركه، قيل: هذا وأمثاله تأكيد للاستحباب كما يقال: رعاية فلان علينا واجبة، قاله القاري (١).
وقال الخطابي (٢): قوله: "واجب" (٣) معناه وجوب الاختيار والاستحباب، دون وجوب الفرض، ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر الذي تقدم ذكره.
(على كل محتلم) (٤) أي بالغ مدرك أوان الاحتلام، وسببه أن القوم كانوا يعملون في المهنة ويلبسون الصوف، وكان المسجد ضيقًا مقارب السقف، فإذا عرقوا تثور منهم رياح، وتأذى بعضهم برائحة بعض خصوصًا في بلادهم التي في غاية من الحرارة، فندبهم إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون أدعى إلى الإجابة.
стр. 1247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النووي (١): اختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكي وجوبه عن بعض الصحابة، به قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك (٢)، وحكاه الخطابي عن الحسن ومالك، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب، قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث.
واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب وقد ترك الغسل، ومنها قوله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، حديث حسن في "السنن" مشهور، ومنها قوله ﷺ : "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب, لأن تقديره لكان أفضل وأكمل.
وقال الخطابي (٣): ولم تختلف الأمة في أن صلاته مجزئة إذا لم يغتسل، فلما لم يكن الغسل من شرط صحتها دل على أنه استحباب، كالاغتسال للعيد وللإحرام الذي يقع الاغتسال فيه متقدمًا لسببه، ولو كان واجبًا لكان متأخرًا عن سببه، كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس.
стр. 1248
٣٤٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِىُّ, أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِى ابْنَ فَضَالَةَ -, عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحُ الْجُمُعَةِ, وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ». [ن ١٣٧١، خزيمة ١٧٢١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ.
===
٣٤٢ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا المفضل) كمحمد (يعني ابن فضالة، عن عياش) بالمثناة التحتية والشين المعجمة (ابن عباس) بالموحدة والسين المهملة، (عن بكير) مصغرًا، ابن الأشج، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله، (عن حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، (عن النبي ﷺ قال: على كل محتلم) أي بالغ (رواح الجمعة) أي يجب (وعلى كل من راح) أي أراد الرواح (إلى الجمعة) أي إلى صلاتها يجب (الغسل، قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر) أي من يوم الجمعة (أجزأه) (١) أي كفاه ذلك الغسل من (غسل الجمعة وإن أجنب) (٢) أي وإن اغتسل من الجنابة، فيتداخل الغسلان (٣).
стр. 1249
٣٤٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ الْهَمْدَانِىُّ. (ح): وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
(١) قَالَ يَزِيدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِى حَدِيثِهِمَا: عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ,
===
٣٤٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، ح: ) تحويل، (وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قالا) أي يزيد بن خالد وعبد العزيز: (نا محمد بن سلمة، ح: ) تحويل، (وحدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة (وهذا حديث محمد بن سلمة) أي لفظ هذا الحديث لفظ حديث محمد بن سلمة لا لفظ حديث حماد.
(عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد القرشي التيمي، أبو عبد الله المدني، كان جده الحارث من المهاجرين الأولين، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن خراش ويعقوب بن شيبة: ثقة، وعن أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير ومنكرة، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد، انتهى، وحديثه عن عائشة عند مالك والترمذي وصححه، وعائشة ماتت قبل أبي سعيد وجابر، مات سنة ١٢٠ هـ.
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال يزيد) أي ابن خالد (وعبد العزيز) الحراني (في حديثهما: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل)
стр. 1250
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ, وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ, وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ, ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ, فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ, ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ, ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ, كانت
===
غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف في ما بين شيوخه، وحاصله أن موسى بن إسماعيل اقتصر على أبي سلمة بن عبد الرحمن ولم يذكر معه أبا أمامة، وأما يزيد وعبد العزيز فزادا في حديثهما مع أبي سلمة أبا أمامة بن سهل.
أبو أمامة بن سهل هذا هو أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، وقيل: اسمه سعد، وقيل: قتيبة، ولد في حياة النبي -صلي الله عليه وسلم -، وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة، وكني بكنيته، وُلد قبل وفاة النبي -صلي الله عليه وسلم - بعامين، قال الطبراني: له رؤية، وقال البخاري: أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يسأل عن مثله هو أجلُّ من ذاك، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٠٠ هـ.
(عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان) أي الطيب (عنده، ثم أتى الجمعة، فلم يتخط أعناق (١) الناس، ثم صلى ما كتب الله تعالى له، ثم أنصت) أي سكت (٢) عن التكلم ولم يلغ (إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت) أي تلك الصلاة
стр. 1251
كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِى قَبْلَهَا». قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» , وَيَقُولُ: «إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [حم ٣/ ٨١، خزيمة ١٧٦٢، م ٨٥٨ مختصرًا]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَتَمُّ, وَلَمْ يَذْكُرْ حَمَّادٌ كَلَامَ أَبِى هُرَيْرَةَ.
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ,
===
(كفارة لما بينها) أي بين تلك الصلاة، أو بين الساعة التي يصلي فيها الجمعة (وين جمعته) أي صلاة جمعته (التي قبلها. قال) أي أبو سلمة (١): (ويقول أبو هريرة (٢): وزيادة ثلاثة أيام، ويقول) أي أبو هريرة: (إن الحسنة بعشر أمثالها).
قال الخطابي (٣): قرانه بين غسل الجمعة وبين لبسه أحسن ثيابه ومسه الطيب (٤) يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب، وفيه أن القران في اللفظ لا يستلزم القران في الحكم.
(قال أبو داود: وحديث محمد بن سلمة أتم) أي من حديث حماد (ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة).
٣٤٤ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب) عبد الله،
стр. 1252
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى هِلَالٍ وَبُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ,
===
(عن عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، يقال: أصله من المدينة، روى عن جابر وأنس مرسلًا، أورد البخاري حديثه عن جابر معلقًا متابعة، ووصله الترمذي وقال: هذا مرسل، وثَّقه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب والعجلي وابن عبد البر وغيرهم، وقال الساجي: صدوق، وكان أحمد يقول: ما أدري أيّ شيء يخلط في الأحاديث، مات سنة ١٣٥ هـ.
(وبكير بن عبد الله بن الأشجّ حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير التيمي، كان أسنَّ من أخيه محمد، قال أبو حاتم: لا يسمى، وقال الآجري عن أبي داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة قليل الحديث.
(عن عمرو بن السليم (١) الزرقي) هو عمرو بن سليم مصغرًا، ابن خلدة، بفتح معجمة وسكون لام، ابن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن خراش: ثقة، في حديثه اختلاط، وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر، مات سنة ١٠٤ هـ.
(عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري) الأنصاري الخزرجي، أبو حفص، ويقال: أبو محمد، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان
стр. 1253
عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ, وَالسِّوَاكُ, وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ". إِلا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ,
===
في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ويستضعفون روايته ولا يحتجون به، وقال العجلي: تابعي مدني ثقة، مات سنة ١١٢ هـ.
(عن أبيه) هو أبو سعيد الخدري (أن النبي ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة) ثابت (على كل محتلم) أي بالغ، (والسواك) (٢) عطف على الغسل، أي والسواك يوم الجمعة ثابت على كل محتلم، (ويمس من الطيب (٣) ما قدر له)، وفي رواية مسلم: "ما قدر عليه".
قال النووي (٤): قال القاضي: محتمل لتكثيره ومحتمل لتأكيده حتى يفعله بما أمكنه، ويؤيده قوله: "ولو من طيب المرأة"، وهو مكروه للرجال، فأباحه ههنا للضرورة لعدم غيره، وهذا يدل على تأكيده.
قلت: وهذان الاحتمالان في لفظ مسلم، وأما في لفظ أبي داود فاحتمال التأكيد أقرب.
(إلَّا أن بكيرًا لم يذكر عبد الرحمن) استثناء من المقدر، أي توافق سعيد بن هلال وبكير في سند الحديث ومتنه، إلَّا أن بكيرًا خالف سعيدًا في عبد الرحمن فلم يذكره، وقد ذكره سعيد، وهذه مخالفة في السند
стр. 1254
وَقَالَ فِى الطِّيبِ: «وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ». [خ ٨٨٠، م ٨٤٦، ن ١٣٧٥]
٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِىُّ, حِبِّى, حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنِ الأَوْزَاعِىِّ, حَدَّثَنِى حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ, حَدَّثَنِى أَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىُّ, حَدَّثَنِى أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِىُّ
===
(وقال) أي بكير (في الطيب: ولو من طيب المرأة) (١) أي خالف بكير سعيدًا في متن الحديث في الطيب، وزاد: ولو من طيب المرأة ولم يزد هذا اللفظ سعيد.
٣٤٥ - (حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي) بجيمين بينهما راء ثم راء، لقبه (حِبِّي، نا ابن المبارك، عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو الأشعث الصنعاني) بفتح المهملة، وسكون النون، والنون بعد الألف، نسبة إلى صنعاء المنتسب فيها بالخيار بين إثبات النون وإسقاطها، والأصل أن كل اسم في آخره ألف مقصورة فالمنتسب إليه بالخيار بين إثبات النون وإسقاطها، وصنعاء: بلدة باليمن قديمة معروفة، وقرية بالشام على باب دمشق، خربت الساعة وبقيت مزارعها، وأبو الأشعث منتسب إلى صنعاء الشام، واسمه شراحيل بن آدة بالمد وتخفيف الدال، ويقال: آدة جد أبيه، قال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: شراحيل بن شرحبيل بن كليب بن آدة، توفي زمن معاوية، وكان ينزل دمشق.
(حدثني أوس بن أوس الثقفي) (٢) صحابي سكن دمشق ومات بها،
стр. 1255
قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ, ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ,
===
روى عن النبي ﷺ في فضل الاغتسال يوم الجمعة، وعنه أبو الأشعث الصنعاني وعبادة بن نسي وغيرهما، نقل عباس عن ابن معين أن أوس بن أوس الثقفي وأوس بن أبي أوس الثقفي واحد، وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك, لأن أوس بن أبي أوس هو أوس بن حذيفة، والله أعلم، قلت: تابع ابن معين جماعة على ذلك منهم أبو داود، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في أوس بن أوس هذا: ابن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس: أوس بن أوس غلطًا (١).
(قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل (٢))، قال الشوكاني: روي بالتخفيف والتشديد (يوم الجمعة) أي للجمع (واغتسل) قيل: هما بمعنى كرر للتأكيد، وقيل: غسل رأسه أولًا بالخطمي وغيره ثم اغتسل، وقيل: من غسل امرأته أي جامعها (٣) قبل الخروج إلى الصلاة, لأنه إذا جامعها أحوجها إلى الغسل، وقيل: غسل أعضاء الوضوء، ثم اغتسل.
(ثم بكر وابتكر) قيل: هما أيضًا بمعنى كرر للتأكيد، وقيل: معنى بكر أتى الصلاة أول وقتها، وكل من أسرع إلى الشيء فقد بكر إليه، ومعنى ابتكر أدرك أول الخطبة، يقال: ابتكر إذا أكل باكورة الفواكه.
стр. 1256
وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ, وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ (١) , وَلَمْ يَلْغُ, كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». [ت ٤٩٦، ن ١٣٨١، جه ١٠٨٧، حم ٤/ ١٠، دي ١٥٤٦، خزيمة ١٧٦٧، ق ٣/ ٢٢٩، ك ١/ ٢٨٢]
٣٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ,
===
(ومشى) أي إلى الجمعة على قدميه (ولم يركب). فعلى هذا اللفظان بمعنى واحد، (ودنا) أي قرب (من الإمام فاستمع) وهما شيئان متخالفان إذ قد يدنو ولا يستمع، وقد يستمع ولا يدنو، وندب إليهما جميعًا، (ولم يلغ) أي لم يصدر عنه لغو من القول والفعل.
(كان له بكل خطوة) هي بالضم بُعد ما بين القدمين في المشي، وبالفتح: المرَّةُ، وجمعها خطًا وخطوات بسكون طاء وضمها وفتحها، وقال في "القاموس": والخُطْوَة ويفتح: ما بين القدمين، جمعه خطًا وخُطْواتٌ، وبالفتح: المرَّةُ، جمعه خَطَواتٌ (عمل سنة) أي أجر عمل سنة، ثم أبدل منه توضيحًا (أجر صيامها) أي السنة (وقيامها) أي أجر قيام السنة في لياليها بالصلاة.
٣٤٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث) بن سعد، (عن خالد بن يزيد) الجمحي بجيم مضمومة وفتح ميم وإهمال حاء، منسوب إلى جمح بن عمر، أبو عبد الرحيم المصري، مولى ابن الصبيغ، قال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، قال أبو زرعة والنسائي والعجلي ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٣٩ هـ.
стр. 1257
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَىٍّ, عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِىِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ» وسَاقَ (١) نَحْوَهُ. [حم ٢/ ٢٠٩ وانظر تخريج الحديث السابق]
٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ قال: أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ -,
===
(عن سعيد بن أبي هلال، عن عبادة بن نسي، عن أوس الثقفي) هو أوس بن أوس الثقفي المذكور في الرواية المتقدمة، (عن رسول الله ﷺ أنه قال: من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل، وساق) أي عبادة (نحوه) أي نحو حديث أبي الأشعث، ويمكن أن يكون مرجع الضمير في "ساق" قتيبة، أورد المصنف حديث عبادة لزيادة فيه، وهو لفظ "رأسه"، فعلى هذا تقدير لفظ الرأس في الحديث المتقدم أولى.
٣٤٧ - (حدثنا ابن أبي عقيل) قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": أحمد بن أبي عقيل المصري (٢)، روى عن ابن وهب، وعنه أبو داود، ذكره ابن خلفون في مشيخة أبي داود، نقلته من خط مغلطاي، انتهى، قلت: ولم يتعرض لتعديله وجرحه، ولم أجد ترجمته في غير هذا الكتاب.
(ومحمد بن سلمة) المرادي (المصريان قالا: نا ابن وهب) عبد الله، (قال ابن أبي عقيل: قال) أي ابن وهب: (أخبرني أسامة - يعني ابن زيد -) أي يريد ابن وهب أسامة بن زيد، وأما محمد بن سلمة فلعله روى معنعنة.
стр. 1258
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) , عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ, وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ - إِنْ كَانَ لَهَا -, وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ, ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ, وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ, كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا, وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا». [خزيمة ١٨١٠]
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ,
===
(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) هو شعيب بن محمد، (عن عبد الله (٢) ابن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: من اغتسل يوم الجمعة) أي لصلاة الجمعة، (ومس من طيب امرأته) لأنهن كن يستعملن الطيب (إن كان لها, ولبس من صالح ثيابه) أي أنظفها، (ثم لم يتخط) أي لم يتجاوز عاليًا قدمه على (رقاب الناس، ولم يلغ) أي لم يرتكب اللغو من القول والفعل (عند الموعظة) أي موعظة الإِمام الناس وهي الخطبة، (كانت) تلك الخصال مع صلاة الجمعة، أو الصلاة إذا صلى بعد هذه الخصال (كفارة لما بينهما) أي بين الجمعتين.
(ومن لغا) أي بالقول أو الفعل (وتخطى) أي على (رقاب الناس) متجاوزًا (كانت) أي صلاة الجمعة (له ظهرًا) أي ثواب صلاة الظهر، ولا يحصل له فضل صلاة الجمعة، ولا يترتب عليها من أجر صيام السنة وقيامها, ولا تكون كفارة لما بين الجمعتين.
٣٤٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر،
стр. 1259
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا, حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ, عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِىِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ
===
نا زكريا) بن أبي زائدة، (نا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: أن النبي ﷺ كان يغتسل) قال في "الحاشية": قال السندي: أي يأمر بالغسل من أربع, لأن غسل الميت لم يثبت عنه ﷺ لذاته الشريف، انتهى.
وقال الخطابي (١): قد يجمع اللفظ قرائن الألفاظ والأشياء المختلفة الأحكام والمعاني ترتبها وتنزلها منازلها، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة، فقد قام دليل على أنه كان يفعله، ويأمر به استحبابًا، ومعقول أن الاغتسال من الحجامة (٢) إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن من أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم، فالاغتسال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة.
وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه غير واجب، وقال أحمد (٣): لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث، ويشبه أن يكون من رأى الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما لا يؤمن أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نَضْح، وربما كانت على بدن الميت نجاسة، فأما إذا علمت سلامته منها فلا يجب الاغتسال منه.
стр. 1260
مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ, وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ, وَمِنَ الْحِجَامَةِ, وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ". [حم ٦/ ١٥٢، ق ١/ ٣٠٠، قط ١/ ١١٣، خزيمة ٢٥٦، ك ١/ ١٦٣]
٣٤٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِىُّ, أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ, حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَوْشَبٍ, قَالَ: سَأَلْتُ مَكْحُولًا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: غَسَلَ وَاغْتَسَلَ؟ قَالَ (١): غَسَلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ.
===
وقال أبو داود (٢): وحديث مصعب بن شيبة ضعيف، قلت: وهذا القول من أبي داود لعله في غير "السنن"، ولعله لضعف مصعب بن شيبة، وقد وثَّقه يحيى بن معين والعجلي، وضعفه آخرون.
(من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت) ولا تنحصر غسلاته في هذه الأربع، بل كان يغتسل للإحرام، ودخول مكة وغيرهما.
٣٤٩ - (حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، نا مروان) بن محمد، (نا علي بن حوشب) بفتح أوله وسكون الواو وفتح المعجمة، الفزاري، ويقال: السلمي، أبو سليمان الدمشقي، قال أبو زرعة: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب؟ قال: لا بأس به، قلت: ولم لا تقول ثقة، ولا نعلم إلَّا خيرًا؟ قال: قد قلت لك: إنه ثقة، وقال يعقوب بن سفيان عن دحيم: شيخ فزاري يجالس سعيد بن عبد العزيز، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثَّقه العجلي.
(قال: سألت مكحولًا عن هذا القول: غسل واغتسل؟ ) أي: ما معناه؟ (قال: ) معناه (غسل رأسه وغسل جسده).
стр. 1261
٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِىُّ, حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِى (١) «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ» قَالَ: قَالَ سَعِيدٌ: "غَسَلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ".
٣٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سُمَىٍّ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
===
٣٥٠ - (حدثنا محمد بن الوليد) بن هبيرة الهاشمي أبو هبيرة (الدمشقي) القلانسي، نسبة إلى القلانس جمع قلنسوة، وعملها، قال ابن أبي حاتم: صدوق، وقال مسلمة: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة، مات سنة ٢٨٠ هـ.
(نا أبو مسهر) عبد الأعلى، (عن سعيد بن عبد العزيز) بن أبي يحيى التنوخي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد العزيز الدمشقي، قال ابن معين وأبو حاتم والعجلي: ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال: أبو مسهر كان قد اختلط قبل موته، وقال الآجري عن أبي داود: تغير قبل موته، وكذا قال حمزة الكناني، وقال الدوري عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه فيقول: لا أجيزها لا أجيزها، مات سنة ١٦٧ هـ.
(في غسل واغتسل) أي في معنى قوله: غسل واغتسل (قال) أي أبو مسهر في معناه (قال سعيد) أي ابن عبد العزيز: (غسل رأسه وغسل جسده) مثل قول مكحول، وهكذا حكى الترمذي عن ابن المبارك، وقال وكيع: اغتسل هو وغسل امرأته.
٣٥١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) الإِمام، (عن سمي) مولى أبي بكر، (عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1262
"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ, ثُمَّ رَاحَ, فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً, وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ, فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً, وَمَنْ رَاحَ
===
من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة) بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غسلا كغسل الجنابة، كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١)، وظاهره أن التشبيه في الكيفية (٢)، وقيل: فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة.
(ثم راح) قال النووي (٣): والمراد بالرواح الذهاب أول النهار، وفي المسألة خلاف مشهور، فمذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات ههنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، والرواح عندهم بعد الزوال، وادعوا أن هذا معناه في اللغة، ومذهب الشافعي وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره، قال الأزهري: لغة العرب الرواح الذهاب، سواء كان أول الليل أو آخره أو في الليل، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث.
(فكأنما قرب) أي تصدق وتقرب بها (بدنة) والمراد بالبدنة (٤) البعير ذكرًا كان أو أنثى، والتاء فيها للوحدة، سمي بذلك لأنهم كانوا يسمنونها.
(ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح
стр. 1263
فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ, فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ, وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ, فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً, وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ, فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً, فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». [خ ٨٨١، م ٨٥٠، ن ١٣٨٥، ت ٤٩٩، جه ١٠٩٢، ق ٣/ ٢٢٦]
===
في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن) وصفه بالأقرن, لأنه أحسن وأكمل صورة، ولأن قرنه ينتفع به، قاله النووي.
(ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة) بالفتح ويجوز الكسر، وحكى الليث الضم أيضًا، واستشكل التعبير في الدجاجة والبيضة بقوله في رواية الزهري: كالذي يهدي (١) , لأن الهدي لا يكون منهما، فالمراد بالهدي هاهنا التصدق، كما دلَّ عليه لفظ التقريب.
(ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما (٢) قرب بيضة، فإذا خرج الإمام) استنبط منه الماوردي أن التبكير لا يستحب للإمام (حضرت الملائكة) (٣) أي عند المنبر (يستمعون الذكر) والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها (٤).
стр. 1264
(١٣٠) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٣٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النَّاسُ مُهَّانَ أَنْفُسِهِمْ, فَيَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ, فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ". [خ ٩٠٣، م ٨٤٧ نحوه]
===
(١٣٠) (بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
٣٥٢ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة) بنت عبد الرحمن، (عن عائشة قالت: كان الناس) أي الصحابة ﵃ (مهان) (١) جمع ماهن كطالب وطلاب، والماهن: العبد والخادم (أنفسهم) أي لم يكن لهم عبيد وخدم يكفونهم مؤنة عملهم فيخدمون أنفسهم، (فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم) أي بحالهم (٢) وكيفيتهم من لباس الصوف والعرق؛ فتثور منهم رياح.
(فقيل لهم) والقائل هو النبي-صلي الله عليه وسلم -، كما في رواية البخاري: "فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" (لو اغتسلتم) لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب، أو للشرط والجواب محذوف، تقديره لكان حسنًا، قال الحافظ (٣): وقال القرطبي: فيه رد على الكوفيين حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر، وفيه نظر, لأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا, ولكانوا يحضرون جميعًا.
стр. 1265
٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -, عَنْ عَمْرِو يعني بْنِ أَبِى عَمْرٍو, عَنْ عِكْرِمَةَ: "أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ, أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ, وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ,
===
٣٥٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد -، عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو-) اسمه ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، أبو عثمان المدني، قال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن معين: ضعيف ليس بالقوي، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: ليس هو بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال عثمان الدارمي في حديث رواه في الأطعمة: هذا الحديث فيه ضعف، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن عدي: لا بأس به, لأن مالكًا يروي عنه، ولا يروي مالك إلَّا عن صدوق ثقة، وقال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ، يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه، وقال العجلي: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة، وقال الساجي: صدوق إلَّا أنه يهم، وكذا قال الأزدي، وقال الطحاوي: تكلم في روايته بغير إسقاط، وقال الذهبي: حديثه حسن منحط من رتبة العليا من الصحيح، كذا قال، وحق العبارة أن يحذف العليا، مات بعد سنة ١٥٠ هـ.
(عن عكرمة) مولى ابن عباس: (أن ناسًا من أهل العراق جاؤوا) أي إلى ابن عباس حين كان واليًا على البصرة، (فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا) يُعاقب تاركه؟ (قال: لا) أي لا يجب (ولكنه) (١) أي الغسل (أطهر) أي أزيد في التطهر (وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس) أي الغسل (عليه بواجب) بل يكفيه الوضوء.