وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ, أَوْ قَالَ: أَمْسَى, وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ, وَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ, ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصلاة؟ الوقت
===
وقت، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول من الساعة التي اتصلت بما أتم فيها الظهر، فلا يلزم الاشتراك، ولأجل اتصال الوقتين أطلق بأنه صلى الظهر في وقت العصر (١).
(وصلى العصر وقد اصفرت الشمس) أي دنت للغروب، (أو قال: أمسى)، و"أو" للشك من الراوي، (وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق).
قال القاري (٢): وهذا الحديث حجة على الشافعي ومالك في تضييق وقت المغرب، قلت: قال الإِمام الشافعي ﵀ في كتاب "الأم" (٣): لا وقت للمغرب إلَّا واحدًا، وذلك حين تجب الشمس، واستدل بحديث إمامة جبرئيل وبغيره من الأحاديث التي فيها أنه ﷺ صلى المغرب وقتًا واحدًا (٤).
(وصلى العشاء إلى ثلث الليل) (٥)، قال القاري: ولعله لم يؤخرها إلى آخره وهو وقت الجواز, لأنه يلزم منه الكراهة في حق غيره، ولحصول الحرج بسهر الليل كله، وكراهة النوم قبل العشاء.
(ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ ) فأجابه السائل أنا يا رسول الله، كما في رواية بريدة: "فقال الرجل: أنا يا رسول الله" (الوقت) أي قال
стр. 1367
فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ". [٦١٤ , ن ٥٢٣ , حم ٦/ ٤١٤ , ق ١/ ٣٧١]
قَالَ (١) أَبُو دَاوُدَ: رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ في المَغْرِبِ نَحْوَ (٢) هَذَا،
===
رسول الله ﷺ : الوقت المستحب للصلوات (فيما بين هذين) أي الوقتين في اليومين.
(قال أبو داود: روى سليمان بن موسى) الأموي مولاهم، أبو أيوب، ويقال: أبو الربيع، ويقال: أبو هشام الدمشقي، الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه، قال سعيد بن عبد العزيز: كان أعلم أهل الشام بعد مكحول، وقال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الشامِ سليمان بن موسى، وقال الزهري: سليمان بن موسى أحفظ من مكحول، وثَّقه دحيم، وعن ابن معين: ثقة في الزهري، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث، وقال الدارقطني في "العلل": من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهري، وقال ابن سعد: ثقة، أثنى عليه ابن جريج، وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير، وقال يحيى بن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيح عندنا، قال ابن سعد: مات سنة ١١٩ هـ.
(عن عطاء) أي ابن أبي رباح (عن جابر) بن عبد الله (عن النبي ﷺ في المغرب نحو هذا).
حاصل هذا الكلام: أن رواية سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر هذه توافق رواية أبي بكر بن أبي موسى عن أبي موسى في المغرب بأن فيهما: صلى
стр. 1368
قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَقَالَ بَعْضهُمْ: إِلَى شَطْرِهِ
===
رسول الله ﷺ المغرب في اليوم الأول في أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلاها في آخر وقتها قبل أن يغيب الشفق.
أخرج البيهقي في "سننه" (١) بسنده عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة، فقال: صل معنا"، فذكر الحديث، وفيه: ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، وقال في اليوم الثاني: ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ورواه برد بن سنان عن عطاء، فذكر قصة إمامة جبرئيل النبي ﷺ ، وذكر وقت المغرب واحدًا وتلك قصة، وسؤال السائل عن أوقات الصلاة قصة أخرى، كما نظن، وروينا عن ابن عباس في قوله: وقت المغرب إلى العشاء، انتهى.
(قال: ثم صلى العشاء، قال بعضهم: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره) يحتمل أن يكون معنى هذا الكلام: قال جابر في حديثه بعد ما ذكر المغرب: ثم صلى العشاء، فقال بعض الصحابة لهذه الصلاة أنه صلاها: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره، فاختلفوا في آخر الوقت على حسب ظنهم، وهذا الاحتمال ذكره صاحب "عون المعبود" (٢).
ويحتمل أن يكون المعنى: قال سليمان بن موسى بسنده: ثم صلى العشاء، قال بعض رواة الحديث عن جابر: إلى ثلث الليل، وقال بعضهم: إلى شطره، والاحتمال الثالث أن يكون المعنى، قال جابر: ثم صلى العشاء، وانتهى حديث جابر إلى ههنا، ثم يقول أبو داود: اختلف الصحابة في بيان آخر وقت العشاء، فقال بعضهم في حديثه: صلاها إلى ثلث الليل، وقال بعضهم:
стр. 1369
وَكَذَلِكَ رَوَى (١) ابْنُ بُرَيْدة عن أَبِيهِ عن النَّبِيِّ ﷺ .
٣٩٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, أنه سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ (٢) , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
===
صلاها إلى شطره، فإن حديث أبي موسى وبريدة يدلان على أنه أخرها إلى ثلث الليل، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الآتي للمؤلف، وعند "مسلم": "وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل".
(وكذلك) أي كما روى أبو بكر بن أبي موسى عن أبي موسى وسليمان بن موسى عن عطاء عن جابر مثل ذلك (روى ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ ) باختلاف وقت المغرب في أوله وآخره، أخرج البيهقي هذه الرواية في "سننه" (٣) ومسلم في "صحيحه" (٤)، والله أعلم.
٣٩٦ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي) هو معاذ، (نا شعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، (أنه سمع أبا أيوب) المراغي بفتح الميم وفي آخرها الغين المعجمة، الأزدي العتكي البصري، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، يقال: إن المراغة قبيلة من الأزد، ويقال: موضع بناحية عمان، قال في "الأنساب": قال أبو بكر بن أبي داود: المراغة بطن من الأزد، والمراغة بلدة من بلاد آذربيجان، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات بعد سنة ٨٠ هـ.
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، (عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 1370
«وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ, وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ, وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ (١) الشَّفَقِ,
===
وقت الظهر ما لم تحضر العصر) أي ينتهي إلى ما لم تحضر العصر، ولفظ سياق مسلم من طريق همام عن قتادة: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر"، وهذا يدل على أن وقت الظهر يمتد بعد ما صار ظل الشيء كطوله إلى ما لم تحضر العصر، فلا يكون له غاية إلَّا إلى ما يكون ظل الشيء مثليه كما يقوله الإِمام أبو حنيفة ﵀، وأيضًا يدل على أن لا فاصلة بين وقتيهما ولا تشترك بينهما، وعلى أن لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت.
(ووقت العصر) يمتد من حضوره وشروعه على اختلاف القولين من المثل أو المثلين إلى (ما لم تصفر الشمس) أي سقط قرنه الأول، وهذا يدل على كراهة التأخير إلى وقت الاصفرار، فالمراد به وقت الاختيار.
(ووقت المغرب) يمتد من غروب الشمس كما في الروايات المتقدمة إلى (ما لم يسقط فور الشفق) وهو الحمرة التي تلي الشمس بعد الغروب عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد، وبه يفتى، وهو المروي عن ابن عمر وابن عباس، والبياض الذي يكون بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وهو المروي عن أبي هريرة، وبه قال ابن عبد العزيز والأوزاعي، وهذا يدل على امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق، وإليه ذهب الشافعي قديمًا، والثوري وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب مالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي جديدًا إلى أن صلاة المغرب لها وقت واحد مضيق, لأن جبرئيل ﵊ صلاها في اليومين في وقت واحد، وهو قدر وضوء وأذان وإقامة وخمس ركعات متوسطات.
قال النووي (٢): وهذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن
стр. 1371
وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ". [م ٦١٢، ن ٥٢٢، حم ٢/ ٢١٠، خزيمة ٣٥٤]
===
وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنه ليس لها إلَّا وقت واحد، وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاء.
وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشمس، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره.
والجواب عن حديث جبرئيل ﵇ حين صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر.
والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها.
والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبرئيل ﵇ فوجب تقديمها، انتهى.
قوله: "فور الشفق" بالفاء، قال الخطابي (١): "فور الشفق": هو بقية حمرة الشمس في الأفق، وسمي فورًا لفورانه وسطوعه، وروي أيضًا "ثور الشفق" وهو ثوران حمرته.
(ووقت العشاء) ممتد (إلى نصف الليل) أي اختيارًا (ووقت صلاة الفجر) من طلوع الفجر إلى (ما لم تطلع الشمس).
стр. 1372
(٣) بَابٌ: في وَقْتِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَيْفَ كَانَ يُصلِّيهَا
٣٩٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ الْحَسَنِ -
===
(٣) (بَابٌ: في وَقْتِ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّيهَا)
وحاصل الترجمة: أن أوقات الصلوات الخمس كانت ممتدة ظرفًا تفضل عن قدر الصلاة لا معيارًا، فالغرض من عقد هذا الباب أن يبين فيه أن رسول الله ﷺ أي جزء منها يختار لصلاته، وكيف يصليها في الأوقات المختلفة
٣٩٧ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة) بن الحجاج, (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة والقاسم بن محمد حيٌّ، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال صالح بن أحمد عن أحمد: ثقة، وُلِّي قضاء المدينة، وقال الدوري وغير واحد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وأبو حاتم والنسائي، وقال الساجي: ثقة، أجمع أهل العلم على صدقه والرواية عنه إلَّا مالك، ويقال: إن سعدًا وعظ مالكًا فوجد عليه فلم يرو عنه، كان أحمد بن حنبل يقول: سعد ثقة، فقيل له: إن مالكًا لا يحدث عنه، فقال: من يلتفت إلى هذا، سعد ثقة، قال الساجي: ومالك إنما ترك الرواية عنه، فأما أن يكون يتكلم فيه فلا أحفظه، وقال أحمد بن البرقي: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال: لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه, لأنه تكلم في نسب مالك، فكان مالك لا يروي عنه، وهو ثبت لا شك فيه، مات سنة ١٢٥ هـ، وقيل بعدها.
(عن محمد بن عمرو، وهو) أي عمرو (بن الحسن) بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني، أمه رملة بنت عقيل بن أبي طالب، قال أبو زرعة والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 1373
قال: "سَأَلْنَا جَابِرًا عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ النَّبِىِّ ﷺ , فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ,
===
(قال: سألنا جابرًا) أي ابن عبد الله الأنصاري الصحابي (عن وقت علاة رسول الله ﷺ ، فقال) أي جابر: (كان يصلي الظهر بالهاجرة). قال في "القاموس": والهَجِيرُ والهَجِيْرَةُ والهَجْرُ والهاجِرَةُ: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظُّهْرِ، أو من عند زوالها إلى العَصْر, لأن الناس يستكِنُّون في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وشدةُ الحر، انتهى، وهذا بظاهره يعارض ما أمر به من الإبراد.
والجواب عنه ما قاله الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١)، ما حاصله: ذهب قوم إلى استحباب تعجيل الظهر في الزمان كله في أول وقتها، واحتجوا بالأحاديث الدالة عليه، منها هذا الحديث، ومنها حديث خباب: "شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء بالهجير فما أشكانا"، ومنها حديث عائشة ﵂: "ما رأيت أحدًا أشد تعجيلًا لصلاة الظهر من رسول الله ﷺ ، ما استثنت أباها ولا عمر ﵄"، وكذلك الأحاديث الآخر المروية في هذا الباب.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما في أيام الشتاء فيعجل بها، وأما في أيام الصيف فيؤخر، واحتجوا في ذلك بالأحاديث الواردة في الإبراد المروية عن أبي ذر وأبي سعيد وأبي هريرة وأبي موسى.
وقال: قد روي أن تعجيل الظهر في الحر قد كان يفعل، ثم نسخ، دل عليه حديث المغيرة بن شعبة، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهجير، ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة"، فأخبر المغيرة في حديثه هذا أن أمر رسول الله ﷺ بالإبراد بالظهر بعد أن كان يصليها في الحر، فثبت بذلك نسخ تعجيل الظهر في شدة الحر، ووجب استعمال الإبراد
стр. 1374
وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ, وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ, وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ, وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ, وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ". [خ ٥٦٠ , م ٦٤٦, ن ٥٢٧]
===
في شدة الحر، وقد روي عن أنس بن مالك وأبي مسعود: "أن رسول الله ﷺ كان يعجلها في الشتاء، ويؤخرها في الصيف"، انتهى.
وقال الحافظ (١): وحديث مغيرة بن شعبة حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وجمع بعضهم بأن الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدل على الجواز.
(والعصر) أي ويصلي العصر (والشمس) أي والحال أن الشمس (حية) أي باقية على ضوئها، قال الخطابي (٢): يفسر على وجهين: أحدهما: أن حياتها شدة وهجها وبقاء حرِّها لم ينكسر منه شيء، والآخر: أن حياتها صفاء لونها لم يدخلها التغير.
(والمغرب) أي ويصلي المغرب (إذا غربت الشمس، والعشاء) أي ويصلي العشاء (إذا كثر الناس) أي اجتمع الناس في أول وقتها (عجل، وإذا قلوا) أي إذا كانوا (٣) في أول الوقت قليلًا ولم يجتمع أكثرهم (أخر) منتظرًا بهم (والصبح بغلس)، والغلس بفتحتين: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.
стр. 1375
٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ, عَنْ أَبِى بَرْزَةَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ, وَيُصَلِّى الْعَصْرَ وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ (١) إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ (٢) وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ,
===
٣٩٨ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة) بن الحجاج، (عن أبي المنهال) البصري سيار بن سلامة الرياحي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ١٢٩ هـ.
(عن أبي برزة) (٣) الأسلمي نضلة بنون مفتوحة وبمعجمة ساكنة، ابن عبيد، صاحب النبي ﷺ ، كان من ساكني المدينة ثم البصرة، وغزا خراسان، وشهد مع علي فقاتل الخوارج بالنهروان، قيل: مات بنيسابور، وقيل: بالبصرة، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: إنه بقي إلى ولاية عبد الملك، مات سنة ٦٥ هـ على الصحيح.
(قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس) ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها, ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد، لأنه يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز.
(ويصلي العصر وإن أحدنا ليذهب) أي بعد الفراغ من الصلاة (إلى أقصى المدينة) أي إلى رحله في منتهى بيوت المدينة (ويرجع) أي ويرجع من رحله في أقصى المدينة إلى المسجد (والشمس حية) أي لم يدخلها التغير، هذا الذي قلنا
стр. 1376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من أن ظاهره حصول الذهاب إلى أقصى المدينة والوجوع من ثم إلى المسجد، هو على ظاهر سياق لفظ أبي داود، وعلى سياق لفظ البخاري من طريق شعبة: "والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حية"، فقوله: "ويرجع" هكذا في رواية, وفي رواية أبي ذر والأصيلي: "رجع والشمس حية"، ويخالفه ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك عن عوف ولفظه: "ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية"، فليس فيه إلَّا الذهاب فقط.
وطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: يحتمل أن الواو في قوله: "وأحدنا" بمعنى ثم، والتقدير: ثم يذهب أحدنا أي ممن صلى معه، وأما قوله: "رجع" فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع، ويكون بيانًا لقوله: "يذهب"، ويحتمل أن يكون "رجع" في موضع الحال، أي يذهب راجعًا، ويحتمل أن أداة الشرط سقطت إما لو أو إذا، والتقدير: ولو يذهب أحدنا ... إلخ.
وجوز الكرماني أن يكون "رجع" خبرًا للمبتدأ الذي هو "أحدنا"، و"يذهب" جملة حالية، وهو وإن كان محتملًا من جهة اللفظ لكنه يغاير رواية عوف، وقد رواه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة بلفظ: "والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية"، ولمسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مثله، لكن بلفظ "يذهب" بدل يرجع.
وقال الكرماني أيضًا بعد أن حكى احتمالًا آخر وهو أي قوله: "رجع" عطف على "يذهب"، والوا ومقدرة، و"رجع" بمعنى يرجع، ويؤيد ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر بلفظ: "وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حية"، وقد قدمنا ما يرد عليها، وأن رواية عوف أوضحت أن المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل من المسجد، وإنما سمي رجوعًا، لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل
стр. 1377
وَنَسِيتُ الْمَغْرِبَ, وَكَانَ لَا يُبَالِى (١) تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ".
قَالَ: ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ
===
رجوعًا، هذا (٢) خلاصة ما قال الحافظ في "فتح الباري" (٣).
قلت: رواية عوف في البخاري، وكذلك رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة، وكذلك رواية مسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مصرحة بأن المراد من الرجوع، الرجوع من المسجد إلى أقصى المدينة، فعلى هذا لا ينبغي أن يعتمد على ما في ظاهر سياق لفظ أبي داود من أن المراد من الرجوع، الرجوع من أقصى المدينة إلى المسجد، بل يجب أن يؤول في سياق أبي داود بأن قوله: "ويرجع" عطف تفسيري ليذهب، ويكون تقديره: وإن أحدنا ليذهب أي يرجع إلى أقصى المدينة والشمس حية، فعلى هذا تتوافق جميع الروايات في هذا المعنى، والله أعلم.
(ونسيت المغرب) قائل ذلك (٤) هو أبو المنهال، أي نسيت ما قال أبو برزة في صلاة المغرب، (وكان) أي رسول الله ﷺ (لا يبالي تأخير العشاء إلى ثلث الليل)، ولفظ البخاري: "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء"، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلًا, لأن التبعيض يدل عليه، وتعقب بأنه بعض مطلق لا دلالة فيه على قلة وكثرة، والتأخير إنما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة، يدل عليه حديث جابر المتقدم.
(قال) أي أبو المنهال (٥): (ثم قال) أي أبو برزة حمرة أخرى (إلي شطر الليل)
стр. 1378
قَالَ: "وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا
===
معناه: كان رسول الله ﷺ لا يبالي بتأخير العشاء في انتظار من يجيء لشهود الجماعة إلى شطره، وقال البخاري: وقال معاذ: قال شعبة: ثم لقيته مرة فقال: أو ثلث الليل، قال الحافظ في "شرحه" (١): وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله: إلى ثلث الليل، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شعبة.
(قال) أي أبو المنهال: (وكان) أي رسول الله ﷺ (يكره النوم قبلها) أي قبل العشاء (٢)، قال الترمذي (٣): قد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص في ذلك بعضهم، وقال ابن المبارك: أكثر الأحاديث على الكراهة، ورخص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان.
قال ابن سيد الناس في "شرح الترمذي": وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه، منهم ابن عمر وعمر وابن عباس، وإليه ذهب مالك، ورخص فيه بعضهم، منهم علي وأبو موسى، وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها، وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي.
والعلة في الكراهة قبلها لئلا يذهب النوم بصاحبه ويستغرقه، فتفوته أو يفوته فضل وقتها المستحب، أو يترخص في ذلك الناس فينام عن إقامة جماعتها.
احتج من قال بالجواز بما أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة: "أن رسول الله ﷺ اعتم بالعشاء حتى ناداه عمر نام النساء والصبيان، ولم ينكر عليهم"، وبحديث ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا ثم خرج علينا
стр. 1379
وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يُصَلّي الصُّبْحَ وَمَا يَعْرِفُ (١) أَحَدُنَا جَلِيسَهُ الَّذِي
===
رسول الله ﷺ ، الحديث، ولم ينكر عليهم، قاله في "النيل" (٢).
(والحديث بعدها) (٣) قال النووي (٤): واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلَّا ما كان في خير، قيل: وعلة الكراهة (٥) ما يؤدي إليه السهر من مخافة غلبة النوم آخر الليل عن القيام لصلاة الصبح في جماعة، أو الإتيان بها في وقت الفضيلة والاختيار، أو القيام للورد من صلاة أو قراءة في حق من عادته ذلك، ولا أقل لمن أمن ذلك من الكسل بالنهار عما يجب من الحقوق فيه والطاعات.
وهذا الحديث يدل على كراهة السمر بعد العشاء، وحديث عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين"، وأيضًا حديث ابن عباس قال: "رقدت في بيت ميمونة ليلة"، وفيه قال: "فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد"، رواه مسلم، يدلان على جوازه، وطريقة الجمع بينهما بأن توجه أحاديث المنع إلى الكلام المباح الذي ليس فيه فائدة تعود على صاحبه، وأحاديث الجوإز إلى ما فيه فائدة تعود على المتكلم، قاله الشوكاني (٦).
(وكان يصلي الصبح وما يعرف أحدنا جليسه الذي
стр. 1380
كَانَ يَعْرِفُهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا مِنَ السِّتّينَ (١) إِلَى الْمِئَةِ". [خ ٧٧١، م ٦٤٧، ن ٤٩٥، جه ٦٧٤، حم ٤/ ٤٢٠]
===
كان يعرفه) أي الذي بجنبه، هكذا في النسخة الدهلوية، وفي المكتوبة القديمة، وكذا في الكانفورية بزيادة لفظ "ما" النافية، وأما النسخة المصرية (٢) والنسخة التي اختارها صاحب "عون المعبود" فليس فيها زيادة لفظ "ما" النافية، والظاهر (٣) أنها الصواب, لأنهما موافقتان لرواية البخاري، ولفظها من طريق شعبة: "كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه"، وفي رواية له من طريق عوف: "وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه"، وكذلك في رواية لمسلم ولفظه: "فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه"، وله في أخرى: "وننصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض"، ولو سلم صحة هذا اللفظ فيمكن أن يحمل عدم المعرفة قبل الشروع من الصلاة والمعرفة على ما بعد الفراغ منها.
(وكان) أي رسول الله ﷺ (يقرأ فيها) أي في صلاة الصبح (من الستين إلى المئة) يعني من الآي، الظاهر أن هذا القدر من القراءة ما كانت في الركعتين، وقَدَّرها في رواية للطبراني بسورة "الحاقة" ونحوها، والاستدلال بهذا الحديث على التعجيل بصلاة الصبح ممنوع, لأن المسجد الشريف كان مسقفًا، فابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه لا يكون في أواخر الغلس، بل يحصل إذا كان الإسفار جدًّا، وكذلك عدم المعرفة قبل الصلاة لا يقتضي التغليس، بل يدل على أنه ﷺ كان يصلي الصبح في أواخر الغلس وأوائل الإسفار، وعدم المعرفة كانت لأجل كون المسجد مسقفًا، ولأن قراءة نحو سورة "الحاقة" ليست بطويلة حتى يستدل بها على التغليس، والله أعلم.
стр. 1381
(٤) بَابٌ (١): في وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ
٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنْتُ أُصَلِّى الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآخُذُ
===
(٤) (بَابٌ: في وَقْتِ صَلاةِ الظُّهْرِ)
٣٩٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: نا عباد بن عباد) بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي العتكي بفتح المهملة والمثناة، بطن من الأزد، أبو معاوية البصري، قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: عباد بن عباد وعباد بن العوام جميعًا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما وأكثرهما حديثًا، وقال يعقوب بن شيبة وأبو داود والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال الترمذي عن قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف مالكًا والليث وعبد الوهاب الثقفي وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين، ووثَّقه العجلي والعقيلي وأبو أحمد المروزي وابن قتيبة، وقال ابن سعد: كان ثقة وربما غلط، ولم يكن بالقوي في الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: لا. وأورد ابن الجوزي في "الموضوعات" حديث أنس: "إذا بلغ العبد أربعين سنة" من طريق عباد هذا، فنسبه إلى الوضع، وأفحش القول فيه، فوهم وهمًا شنيعًا، فإنه التبس عليه براوٍ آخر، مات سنة ٨٠ هـ.
(نا محمد بن عمرو) بن علقمة، (عن سعيد بن الحارث) بن أبي سعيد بن المعلى بميم مضمومة وفتح لام مشددة، ويقال: ابن أبي المعلى (الأنصاري) المدني القاص، وذكر ابن سعد أنه سعيد بن أبي سعيد الحارث بن أوس بن المعلى، وصوَّبه أبو أحمد الدمياطي، قال يعقوب بن سفيان: هو ثقة، وقال ابن معين: مشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن جابر بن عبد الله قال: كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ ، فآخذ
стр. 1382
قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِى كَفِّى, أَضَعُهَا لِجَبْهَتِى أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ". [ن ١٠٨١، حم ٣/ ٣٢٧]
٤٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ, عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ,
===
قبضة من الحصى لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر) (١) قال الخطابي (٢): فيه من الفقه تعجيل صلاة الظهر، وفيه أنه لا يجوز السجود إلَّا على الجبهة، ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه (٣) أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجبهة، لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة، انتهى.
قلت: هذا الحديث لا يدل على تعجيل صلاة الظهر, لأن شدة الحر قد توجد مع الإبراد، وقد تبقى الحرارة في الحصباء بعد الإبراد (٤) أيضًا حتى يحتاج إلى تبريدها، وأما قوله: لو جاز السجود على ثوب هو لابسه، فهو أيضًا ممنوع, لأن هذا لو كان عليه ثوب فاضل فلم يسجد عليه لثبت ذلك الحكم، ولم يثبت ههنا أنه كان عليه ثوب فاضل يمكنه أن يسجد عليه فلم يسجد، وكذا قوله: الاقتصار من السجود على الأرنبة، فإنه كما لا يمكن السجود لشدة الحر على الجبهة، فكذلك لا يمكن على الأرنبة، والله أعلم.
٤٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبيدة بن حميد، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق) بكسر الراء، ابن أشيم بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة
стр. 1383
عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ, عَنِ الأَسْوَدِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: "كَانَتْ (١) قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ,
===
وفتح مثناة تحتية، أبو مالك الأشجعي الكوفي، قال أحمد وابن معين والعجلي: ثقة، وقال ابن إسحاق في "السيرة": ثقة، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم، وقال ابن خلفون: وثَّقه ابن نمير وغيره، وقال العقيلي: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه.
(عن كثير بن مدرك) الأشجعي أبو مدرك الكوفي، قال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية.
(عن الأسود) في يزيد النخعي (أن عبد الله بن مسعود قال: كانت قدر صلاة (٢) رسول الله ﷺ ) أي الظهر كما هو مصرح في رواية النسائي (في الصيف) أي في زمانه (ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام) أي كان يصلي إذا صار ظل كل شيء من ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، قال في "القاموس": القدم: الرجل مؤنثة، جمعه أقدام، وقال في "النهاية" (٣): وفي حديث مواقيت الصلاة: "كان قدر صلاته الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام"، أقدام الظل التي تعرف بها أوقات الصلاة هي قدم كل إنسان على قدر قامته، وهذا أمر مختلف باختلاف الأقاليم والبلاد.
стр. 1384
وَفِى الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ". [ن ٥٠٣, ك ١/ ١٩٩, ق ١/ ٣٦٥]
===
(و) كان يصلي (في الشتاء) أي في زمانه (خمسة أقدام) أي من خمسة أقدام (إلى سبعة أقدام) قال الخطابي (١): وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك أن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكُلَّما كان أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة، وهما من الإقليم الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول شهر آذار (٢) ثلاثة أقدام وشيء. ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.
وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون ستة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم، دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني، والله أعلم، انتهى.
وقال السندي في "حاشية النسائي" (٣): قوله: كان قدر صلاة رسول الله ﷺ ... إلخ، أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة
стр. 1385
٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, أَخْبَرَنِى أَبُو الْحَسَنِ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْحَسَنِ هُوَ مُهَاجِرٌ - قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرَ, فَقَالَ: «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ, فَقَالَ: «أَبْرِدْ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا,
===
أقدام للظل، أي يصير كل ظل إنسان ثلاثة أقدام من أقدامه، فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى ظله، والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر، ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف، والله أعلم.
٤٠١ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك الباهلي، (نا شعبة) بن الحجاج، (أخبرني أبو الحسن) مهاجر التيمي الكوفي الصائغ، مولى بني تيم الله، قال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان والعجلي: كوفي ثقة، وأحسن شعبة عليه الثناء، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال أبو داود: أبو الحسن هو مهاجر، قال: سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذر) الغفاري (يقول: كنا مع النبي ﷺ ) أي في سفر كما في "البخاري" (فأراد المؤذن) (١) أي بلال (أن يوذن الظهر، فقال) أي النبي ﷺ للمؤذن: (أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال) أي رسول الله ﷺ : (أبرد (٢) مرتين أو ثلاثًا)
стр. 1386
حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ،
===
أي صدر إرادة المؤذن الأذان وتهيؤه للأذان، وقوله ﷺ له: "أبرد" مرتين أو ثلاثًا.
قال الحافظ في "الفتح" (١): فإن قيل: الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به للأذان؟ فالجواب: أن ذلك مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوي القول بأنه للصلاة، وأجاب الكرماني (٢) بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة.
(حتى رأينا فيء التلول) قال الحافظ: هذه الغاية متعلقة بقوله: "فقال له: أبرد" أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية: أبرد، أو متعلقة بأبرد، أي قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر، أي قال له: أبرد فأبرد إلى أن رأينا.
والفيء بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة: هو ما بعد الزوال من الظل، والتلول جمع تل بفتح المثناة وتشديد اللام: كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها ظل إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظهر.
وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك.
وأما ما وقع عند المصنف في الأذان بلفظ: "حتى ساوى الظل التلول" فظاهره يقتضي أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ويحتمل (٣) أن يراد
стр. 1387
ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ،
===
بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهرًا، فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السفر، فلعله أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر.
(ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم) أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحرِّ في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى، ويؤيده الحديث الآتي: "اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين" "فتح" (١).
وهذا تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث مسلم حيث قال: "أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم".
وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟ وأجاب عنه أبو الفتح بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه.
واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه فقال: وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلَّا من أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاءً فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم سوى نبينا ﷺ فلم يعتذر، بل طلب لكونه أذن له في ذلك.
قلت: وهذا التعليل يرد قول الشافعية في تأويل هذا الحديث بأنه ﷺ أخّرها ليجمعها مع العصر، فإن التأخير المندوب إليه لا يختص بالسفر، وأما
стр. 1388
فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ". [خ ٥٣٥ , م ٦١٦ , ت ١٥٨ , حم ٥/ ١٥٥, ش ١/ ٣٢٤، خزيمة ٣٢٨، حب ١٥٠٩، ق ١/ ٤٣٨]
===
الجمع بين الصلاتين فمختص به، فيثبت بذلك الحديث ما قاله أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- من أن وقت صلاة الظهر يبقى بعد ما يصير ظل كل شيء مثله.
(فإذا اشتد الحر) (١) أصله اشتدد بوزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى.
(فأبردوا (٢) بالصلاة (٣) بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت، والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب، حكاه القاضي وغيره، والباء للتعدية، وقيل زائدة، ومعنى "أبردوا" أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة، وفي رواية: "عن الصلاة"، وقيل زائدة أيضًا، أو عن بمعنى الباء، أو هي للمجاوزة، أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، والمراد بالصلاة الظهر, لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد جاء صريحًا في حديث أبي سعيد، "فتح" (٤).
стр. 1389
٤٠٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ, أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ» - قَالَ ابْنُ مَوْهَبٍ: بِالصَّلَاةِ - "فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم". [خ ٥٣٦، م ٦١٥، ن ٥٠٠، جه ٦٧٧، ت ١٥٨، ط ١/ ١٦/ ٢٨, عب ٢٠٤٩، حم ٢/ ٢٦٦، دي ١٢١٠، حب ١٥٠٧، ق ١/ ٤٣٧]
٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: "أَنَّ بِلَالاً كَانَ يُؤَذِّنُ الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ". [م ٦١٨، جه ٦٧٣، ق ١/ ٤٣٧، حم ٥/ ١٠٦]
===
٤٠٢ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي، أن الليث) بن سعد (حدثهم عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بن عبد الرحمن، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، قال ابن موهب: الصلاة) يعني اختلف ألفاظ شيوخ المصنف، فقتيبة روى بلفظ "عن"، وأما ابن موهب وهو يزيد بن خالد، فروى بلفظ الباء (١) الموحدة (فإن شدة الحر من فيح جهنم) وقد مر شرح الحديث في الحديث المتقدم فكن على ذكر منه.
٤٠٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة, (عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة) بن جنادة، ويقال: ابن عمرو بن جندب السوائي بضم السين وتخفيف الواو، نسبة إلى سُواءة بن عامر، أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها, وله عقب بها، توفي سنة ٧٤ هـ. (أن بلالًا كان يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس) (٢) أي زالت عن وسط السماء إلى جهة المغرب.
стр. 1390
(٥) بَابٌ (١): في وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ
٤٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ, وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِى وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ". [خ ٥٥٠، م ٦٢١، ن ٥٠٦، جه ٦٨٢، ق ١/ ٤٤٠]
٤٠٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: "وَالْعَوَالِى عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ, قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: أَوْ أَرْبَعَةٍ".
===
(٥) (بَابٌ: في وَقْتِ صَلاةِ الْعَصْرِ)
٤٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث) بن سعد، (عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك) بن نضر (أنه أخبره أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس بيضاء) أي لم يدخلها صفرة (مرتفعة حية) وحياتها بقاء حرها وضوئها، (ويذهب الذاهب) أي بعد الفراغ من صلاة العصر (إلى العوالي) وهي جمع عالية، وهي القرى التي حول المدينة من جهة نجد، وأما من جهة تهامة فيقال لها: السافلة، فيلحق العوالي (والشمس) أي والحال أن الشمس (مرتفعة) أي دون ذلك الارتفاع، وعلى هذا العامل في الحال فعله المقدر وهو يصلها أو يدخلها، ويحتمل أن يكون العامل فيها الفعل المذكور وهو قوله: "فيذهب الذاهب"، وحينئذ لا يقدر لها الفعل.
٤٠٥ - (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد، (نا عبد الرزاق) بن همام، (أنا معمر) بن راشد، (عن الزهري قال) أي الزهري: (والعوالي على ميلين أو ثلاثة، قال) أي معمر: (وأحسبه) أي الزهري (قال: أو أربعة) والميل ثُلُثُ فرسخ، أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرج الشاشي، طولها أربعة وعشرون
стр. 1391
٤٠٦ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: "حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرَّهَا".
===
إصبعًا بعدد حروف لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، وعرض الإصبع ست حبات شعير ملصقة ظهرًا لبطن، وزنة الحبة من الشعير سبعون حبة خردل، وفسر أبو شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمس مدّة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع، وفي "الينابيع": الميل ثلث الفرسخ، أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربعة وعشرون أصبعًا. "عيني" (١).
واختلفت الروايات في تقدير بُعد العوالي من المدينة من ميلين إلى ثمانية أميال، فأقرب العوالي من المدينة على مسافة ميلين، وأبعدها (٢) على ثمانية أميال، فبهذا يحصل التوفيق بين الروايات.
٤٠٦ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور) بن المعتمر، (عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملتين بينهما موحدة ساكنة، واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب الجعفي الكوفي، لأبيه ولجده صحبة، وقد جده أبو سبرة إلى النبي ﷺ ومعه ابناه سبرة وعزيز، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لم ينجُ من فتنة ابن الأشعث إلَّا هو وإبراهيم النخعي، وقال مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليَّ منهما، مات بعد سنة ٨٠ هـ.
(قال: حياتها أن تجد حرها) (٣) فالحياة مستعارة عن صفاء لونها عن التغير والاصفرار وقوة ضوئها وشدة حرها، فإن كل شيء ضعفت قوته فكأنه قد مات وكأنه جعل المغيب موتها.
стр. 1392
٤٠٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (١) قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِى حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ". [خ ٥٢٢، م ٦١١، ت ١٥٩، ن ٥٠٥، جه ٦٨٣، ط ١/ ٤/ ٢، عب ٢٠٧٢، ش ١/ ٣٢٦، حم ٦/ ٣٧، دي ١٨٩، خزيمة ٣٣٢، حب ١٥٢١]
٤٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِىُّ, حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
===
٤٠٧ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة (قال: قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، قال عروة: ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس) والمراد بالشمس ضوؤها (في حجرتها) أي باقية (قبل أن تظهر) (٢) أي قبل أن تصعد وتخرج من الحجرة.
قال العيني (٣): استدل به الشافعي ومن تبعه على تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وقال الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة (٤) كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلَّا بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل.
٤٠٨ - (حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري) ابن عبد الصمد، أبو عبد الله البصري، قال علي (٥) بن الجنيد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 1393
أَبِى الْوَزِيرِ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْيَمَامِىُّ, حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ شَيْبَانَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ عَلِىِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: "قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ, فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ
===
(نا إبراهيم بن أبي الوزير) هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم، أبو عمرو، ويقال: أبو إسحاق المكي، نزيل البصرة، قال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، روى له البخاري مقرونًا، وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ثقة، وقال الدارقطني: ثقة، ليس في حديثه ما يخالف الثقات.
(نا محمد بن يزيد اليماي) روى عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان اليمامي، وعنه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، قال في "الميزان": شيخ معاصر لوكيع لا يعرف، وقال في "الخلاصة": مجهول.
(حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان) الحنفي اليمامي قال في "الميزان": لا يعرف، وقال في "الخلاصة": مجهول، وكذا في "التقريب"، (عن أبيه) عبد الرحمن بن علي بن شيبان الحنفي اليمامي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: تابعي ثقة.
(عن جده علي بن شيبان) (١) بن محرز بن عمرو الحنفي السحيمي اليمامي، أبو يحيى، كان أحد الوفد من بني حنيفة، وله أحاديث أخرجها البخاري في "الأدب المفرد" وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان، روى عنه ابنه عبد الرحمن.
(قال) أي علي بن شيبان: (قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة) أي من اليمامة وافدين عليه فبايعناه، (فكان يؤخر العصر) (٢) أي يصلي العصر مؤخرة
стр. 1394
مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً".
===
(مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً) أي صافية اللون لم يدخلها تغير وصفرة.
قال العيني (١): قال القرطبي: خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه، قلت: إذا كان استدلال (٢) أبي حنيفة بالحديث فما يضر مخالفة الناس له، ويؤيد ما قال أبو حنيفة حديث علي بن شيبان هذا، وهذا يدل على أنه كان يصلي العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وحديث جابر: "صلى بنا رسول الله ﷺ العصر حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العنق"، رواه ابن أبي شيبة بسندٍ لا بأس به.
وقال في "الجوهر النقي" (٣): أخرجه أبو داود وسكت عنه، قلت: ويؤيده ما ذكره البيهقي (٤) من رواية عبد الواحد أو عبد الحميد بن نافع أو نفيع الكلابي عن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ كان يأمرهم بتأيخر العصر"، وهو مختلف في اسمه واسم أبيه، واختلف عليه في اسم ابن رافع فقيل فيه: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، قال البخاري: لا يتابع عليه، وحكي عن الدارقطني أنه قال: الصحيح عن رافع ضد هذا.
وأجاب عنه في "الجوهر النقي"، قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين عبد الله بن رافع، وذكر في ثقات أتباع التابعين عبد الواحد ابن نافع.
وما أخرج الحاكم (٥) بسنده - وقال: صحيح على شرط البخاري - عن العباس بن ذريح عن زياد بن عبد الله النخعي قال: كنا جلوسًا مع علي في
стр. 1395
(١).
٤٠٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَبِيدَةَ,
===
المسجد الأعظم، والكوفة يومئذٍ أخصاص، فجاء المؤذن، فقال، الصلاة يا أمير المؤمنين للعصر، فقال: اجلس فجلس، ثم عاد، فقال ذلك له، فقال على: هذا الكلب يعلمنا بالسنَّة، فقام فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا إلى المكان الذي كنا فيه، فجثونا للركب لنزول الشمس للمغيب نتراءاها، والعباس ثقة، وزياد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين.
وما أخرج الترمذي (٢) بسنده عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه"، وسكت الترمذي عن الحديث، ورجاله على شرط الصحيح.
وما في "مصنف عبد الرزاق" (٣) عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: "كان من كان قبلكم أشد تعجيلًا للظهر وأشد تأخيرًا للعصر منكم"، وعن الثوري عن الأعمش: "كان أصحاب ابن مسعود يعجلون الظهر ويؤخرون العصر"، وعن الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعود كان يؤخر العصر"، وعن معمر عن خالد الحذاء: "أن الحسن وابن سيرين وأبا قلابة كانوا يمسون بالعصر"، انتهى.
٤٠٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وبزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد) بن سيرين , (عن عبيدة) بفتح المهملة وكسر الموحدة، ابن عمرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السلماني،
стр. 1396
عن عَليٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:
===
قال في "الأنساب" (١): بفتح السين المهملة وسكون اللام وفي آخره النون، هذه النسبة إلى سلمان، حي من مراد، قاله محمد بن حبيب بإسكان اللام، وأصحاب الحديث يُحرِّكون اللام، والمشهور بهذه النسبة عبيدة السلماني، وهو من أصحاب علي وابن مسعود، أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين، وسمع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، ولم ير النبي ﷺ ، نزل بالكوفة، وكان شريح إذا أشكل عليه الشيء قال: إن هاهنا رجلًا في باب سلمة فيه جرأة، فيرسله إلى عبيدة، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وكل شيء روى محمد بن سيرين عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي.
وقال في "تهذيب التهذيب" (٢): قال العجلي: كوفي تابعي ثقة جاهلي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره، وقال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله، وقال عثمان الدارمي: علقمة وعبيدة ثقتان، وقال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي، مات سنة ٧٢ هـ.
(عن علي) بن أبي طالب (﵁، أن رسول الله (٣) ﷺ قال يوم الخندق) أي يوم غزوة الخندق وهي الأحزاب، كانت في ذي القعدة (٤) سنة خمس من الهجرة.
стр. 1397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقصتها على ما في "المجمع" (١): أنه لما أجلي بنو النضير ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة يستنفر قريشًا إلى حرب المسلمين، وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصلهم، ودعوا غطفان، فنشطت قريش للقتال، ونزلوا قريبًا من المدينة، فأشار سلمان إلى حفر الخندق، وكانوا (٢) عشرة آلاف، وخرج ﷺ لثامن ذي القعدة في ثلاثة آلاف فضربوا عسكرهم، وكان كعب بن أسد وادع النبي ﷺ على قومه فنقض العهد بما أغراه حيي بن أخطب اليهودي، فاشتد الخوف من كل جانب، ونجم النفاق من المنافقين، ومرَّ على ذلك أربعة وعشرون يومًا، ولم يكن حرب إلَّا الرمي بالنبل، ورُمي سعد بن معاذ بالأكحل.
فلما اشتدَّ ذلك أتى نعيم بن مسعود فقال: يا رسول الله! إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، قال: خَذِّلْ عنَّا إن استطعت، فإن الحرب خدعة، فأتى قريظة، فقال: يا بني قريظة إن قريشًا وغطفان بغير بلدكم، به نساؤهم وذرياتهم، فإن انهزموا رجعوا إليه وخلوا بينكم وبين الرجل لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنًا من أشراف قريش وغطفان يكونون بأيديكم ثقة لكم، ثم أتى نعيم قريشًا، فقال: يا معشر قريش إن اليهود ندموا على ما صنعوا وأرسلوا بالندامة إلى محمد، وبأنهم يأخذون من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فيعطونهم إياه، ثم أتى غطفان، وقال لهم مثل ذلك، فاستوحش كل فريق عن صاحبه بسبب ذلك، وهبت ريح شديدة لا تترك قدرًا ولا نارًا، ففزعوا وفروا والحمد لله، وقتل من المسلمين ستة ومن المشركين ثلاثة، فانصرفوا إلى المدينة ووضعوا السلاح.
فنزل جبرئيل وأمر بالسير إلى بني قريظة، فسار ﷺ إليهم، فحاصرهم
стр. 1398
«حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى, صَلَاةِ الْعَصْرِ (١) , مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» (٢). [خ ٢٩٣١، م ٦٢٧، ت ٢٩٨٤، ن ٤٧٣، جه ٦٨٤، دي ١٢٣٢، ق ٢/ ١٨٨، حم ٥٩٢]
===
خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدوا، فمنهم من آمن كثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد، ونزل الآخرون على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل الرجال ونهب الأموال وسبي الذراري والنسوان، فحبسوا في دار، وخرج ﷺ إلى السوق وخندق فيها، فيجاء بهم أرسالًا ويضرب أعناقهم، وهم ست مئة أو سبع مئة أو ثمان مئة أو تسع مئة، أقوال، وكان علي والزبير يضربان أعناقهم وهو ﷺ جالس هناك، ثم قسم أموالهم، وبعث بعض سباياهم إلى نجد ليبتاع بهم خيلًا وسلاحًا، واصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمر فكانت عنده حتى توفي.
(حبسونا) أي منعتنا الأحزاب (عن صلاة (٣) الوسطى) هذا عند الكوفيين من إضافة الموصوف إلى الصفة، وأما البصريون فيقدرون لها موصوفًا أي صلاة الساعة الوسطى (صلاة العصر) بدل من صلاة الوسطى، ويحتمل الرفع بتقدير المبتدأ، أي وهي صلاة العصر، (ملأ الله بيوتهم) أي أحياء (وقبورهم) أي أمواتًا (نارًا).
قال العيني (٤): وقد اختلفوا فيه، والجمهور على أنها صلاة العصر، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب (٥) أبي حنيفة وقول
стр. 1399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية، وقال النووي: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البر: وهو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية.
وقد جمع الحافظ الدمياطي في ذلك كتابًا سماه "كشف المغطى عن الصلاة الوسطى"، وذكر فيها تسعة عشر قولًا، الأول: أنها الصبح، والثاني: أنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية, والثالث: أنها العصر، والرابع: أنها المغرب, لأنها لا تقصر في السفر، ولأن قبلها صلاتي السر، وبعدها صلاتي الجهر، والخامس: أنها جميع الصلوات، والسادس: أنها الجمعة، السابع: الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، الثامن: العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، التاسع: الصبح والعشاء، العاشر: الصبح والعصر، الحادي عشر: صلاة الجماعة، الثاني عشر: الوتر، الثالث عشر: صلاة الخوف، الرابع عشر: صلاة عيد الأضحى، الخامس عشر: صلاة عيد الفطر، السادس عشر: صلاة الضحى، السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، الثامن عشر: الصبح أو العصر على الترديد، التاسع عشر: التوقف، وزاد بعضهم العشرين وهي صلاة الليل، فإن قلت (١): لِمَ لم يصلوا صلاة الخوف؟ قلت: لأن هذا كان قبل نزول صلاة الخوف (٢).
ومناسبة الحديث بالباب تؤخذ من قوله: "حبسونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر"، فإن الحبس يقتضي فوتها، والفوت لا يكون إلَّا بالتوقيت بأن يكون له وقت باعتبار الابتداء والانتهاء، والله تعالى أعلم.
стр. 1400
٤١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ قَالَ: "أَمَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا, وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) , فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا, فَأَمْلَتْ عَلَىَّ " ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ , وَصَلَاةِ الْعَصْرِ,
===
٤١٠ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة) ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في "صحيح مسلم" وفي "السنن" حديثان (٢) عن عائشة، وروى له البخاري في "الأدب" آخر، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وقال في "التقريب": ثقة.
(أنه) أي أبا يونس (قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها) أي لعائشة (مصحفًا) أي قرآنًا (وقالت) أي عائشة لمولاها أبي يونس: (إذا بلغت) أي في الكتابة (هذه الآية فآذني) أي أعلمني (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾) أي جميعها (﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) أي بخصوصها.
(فلما بلغتها) أي بلغت كتابتي إليها (آذنتها، فأملت) بتشديد اللام من الإملال، وبتخفيفها من الإملاء، وكلاهما بمعنى أي ألقت (عليَّ) لأكتب (﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة (٣) العصر) فزادت: وصلاة
стр. 1401
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ", ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". [م ٦٢٩، ن ٤٧٢، ت ٢٩٨٢، ط ١/ ١٣٨/ ٢٥، حم ٦/ ٧٣]
٤١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ
===
العصر (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ثم قالت (١) عائشة: سمعتها) أي هذه الكلمة "وصلاة العصر" (من رسول الله ﷺ ).
وظاهره أن الوسطى غير العصر, لأن العطف يقتضي المغايرة، ويمكن حمل العطف على التفسير ليتفق الحديثان، وهذه القراءة شاذة لا عبرة بها , لأنها لم تثبت متواترة، ولعله ﷺ قالها تفسيرًا، أو كانت فنسخت تلاوتها، والمناسبة بالباب باعتبار الأمر بالمحافظة عليها تستدعي كونها مؤقتة.
٤١١ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر) غندر، (نا شعبة) بن الحجاج، (حدثني عمرو بن أبي حكيم) (٢) الواسطي أبو سعيد، ويقال: أبو سهل، ويعرف بابن الكردي، يقال: إنه مولى لآل الزبير، قال أبو داود والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
(قال: سمعت الزبرقان) (٣) بن عمرو بن أمية الضمري بفتح المعجمة وسكون الميم، نسبة إلى بني ضمرة، ويقال: الزبرقان بن عبد الله بن أمية، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يحيى بن سعيد: كان زبرقان ثقة، قال علي: فقلت له: أكان ثبتًا؟ قال: كان صاحب حديث، فقلت: إن سفيان لا يحدث عنه، قال: لم يره، وليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة.
стр. 1402
يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ, وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّى صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا, فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: «إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ». [حم ٥/ ١٨٣، ق ١/ ٤٥٨]
===
(يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت) (١) بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن، وفضائله كثيرة، قيل: إن أول مشاهده يوم الخندق، توفي سنة ٤٥ هـ أو بعدها.
(قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة) أي في شدة الحر عقب الزوال، (ولم يكن يصلي صلاة أشد) أي أشق وأصعب (على أصحاب رسول الله ﷺ منها) ولذا شكوا حر الرمضاء، وكانوا يسجدون على ثيابهم فيها، (فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أي الفضلى، إذ الأوسط هو الأفضل، وواسطة العقد أشرف ما فيه.
(وقال) أي زيد بن ثابت (٢)، وهو الصواب، وقيل: النبي - صلي الله عليه وسلم -، حكاه القاري عن السيد: (إن قبلها) أي الظهر (صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى ليلية (وبعدها صلاتين) أي كذلك، أو هي واقعة وسط النهار.
والظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر، فلا يعارض نصه ﵊: "أنها العصر"، ولا مناسبة لهذا الحديث بالباب، إلَّا أن يقال: لما ساق الروايات الدالة على أن المراد بالصلاة الوسطى العصر أتبعها بهذه التي تدل على أنها الظهر استطرادًا، أو يقال: إنه
стр. 1403
٤١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ, حَدَّثَنِى ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ, وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ
===
ورد الأمر فيها بالمحافظة والمحافظة تقتضي كونها موقوتة، ثم أكثر النسخ خالية عن لفظ الباب ههنا، وكتب في حاشية النسخة الدهلوية ههنا: "باب من أدرك ركعة منها فقد أدركها".
٤١٢ - (حدثنا الحسن بن الربيع) بن سليمان البجلي القسري، نسبة إلى قسر بفتح القاف وسكون المهملة، بطن من بجيلة، أبو علي الكوفي البوراني الحصار، ويقال: الخشاب، قال العجلي: كان يبيع البواري، كوفي ثقة، رجل صالح متعبد، وقال أبو حاتم: كان من أوثق أصحاب ابن إدريس، وقال ابن خراش: كوفي ثقة، كان يبيع القصب، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق، وليس بحجة، وقال ابن حبان في "الثقات": هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه، مات سنة ٢٢١ هـ.
(حدثني ابن المبارك) عبد الله، (عن معمر) بن راشد، (عن ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الموحدة، قال في "الأنساب": وكل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس بعربي يسمونهم الأبناء، ومنهم أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الأبناوي، أمه من أبناء فارس، وأبوه من النمر بن قاسط، انتهى، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وكذا قال الدارقطني في "الجرح والتعديل"، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان من خيار عباد الله فضلًا ونسكًا ودينًا، وتكلَّم فيه بعض الرافضة، مات سنة ١٣٢ هـ.
(عن أبيه) طاوس بن كيسان، (عن ابن عباس) عبد الله، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس
стр. 1404
فَقَدْ أَدْرَكَ". [خ ٥٧٩، م ٦٠٧، ت ٥٢٤، ن ٥١٤، جه ١١٢٢، ط ١/ ١٠/ ١٥، عب ٢٢٢٤، حم ٢/ ٢٤١، دي ١٢٣، خزيمة ١٥٩٥، حب ١٤٨٣، ك ١/ ٢١٦، ق ١/ ٣٧٩]
===
فقد أدرك (١)، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك) (٢).
ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أن من أدرك ركعة قبل غروب الشمس، ومن الفجر ركعة قبل طلوعها فقد أدركهما، فلا يجب عليه إتمامهما.
ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". ولم يقل به أحد من أهل العلم, لأنه روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة.
وقد أخرج البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته".
وهذا يقتضي أن المدرك جزءًا من الصلاة لا يكون مدركًا لجميعها بحيث لا يكون إتمامها عليه واجبًا، فعلى هذا يجب أن يقدر معمولًا لقوله: "فقد أدرك"، أي من أدرك ركعة من الصلاة يعني في الوقت فقد أدرك الوقت، أو يقدر لفظ الوجوب، أي فقد أدرك وجوب الصلاة، فعلى هذا معنى الحديث: إذا أدرك قدر ركعة من الوقت لكونه صبيًا فبلغ، أو كان كافرًا فأسلم، أو كانت المرأة حائضًا فطهرت، فقد أدرك وجوب الصلاة، أو يحمل على ما إذا كان أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام فقد أدرك أي فضل الجماعة.
стр. 1405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال العيني (١) ما ملخصه: إنهم اختلفوا في معنى الإدراك هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت في أقل من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقل من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قول إلى أنه يكون مدركًا لحكم الصلاة.
فإن قلت: قيد في الحديث بركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها؟ قلت: قيد الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة أو نحوها، حتى قال بعض الشافعية: إنما أراد رسول الله ﷺ بذكر الركعة البعض من الصلاة, لأنه روي عنه: "من أدرك ركعة من العصر"، و"من أدرك ركعتين من العصر"، و"من أدرك سجدة من العصر"، فأشار إلى بعض الصلاة مرة بركعة، ومرة بركعتين، ومرة بسجدة، والتكبيرة في حكم الركعة لأنها بعض الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة.
واستدل أبو حنيفة ومن تبعه بالحديث المذكور على أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس, لأن من أدرك فيه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر, لأن معنى قوله: "فقد أدرك" أدرك وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض قبل غروب الشمس تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءًا يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقة، وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا: أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحهما.
وفي الحديث (٢) دليل صريح على أن من صلَّى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح