﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ", ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". [م ٦٢٩، ن ٤٧٢، ت ٢٩٨٢، ط ١/ ١٣٨/ ٢٥، حم ٦/ ٧٣]
٤١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ
===
العصر (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ثم قالت (١) عائشة: سمعتها) أي هذه الكلمة "وصلاة العصر" (من رسول الله ﷺ ).
وظاهره أن الوسطى غير العصر, لأن العطف يقتضي المغايرة، ويمكن حمل العطف على التفسير ليتفق الحديثان، وهذه القراءة شاذة لا عبرة بها , لأنها لم تثبت متواترة، ولعله ﷺ قالها تفسيرًا، أو كانت فنسخت تلاوتها، والمناسبة بالباب باعتبار الأمر بالمحافظة عليها تستدعي كونها مؤقتة.
٤١١ - (حدثنا محمد بن المثنى، حدثني محمد بن جعفر) غندر، (نا شعبة) بن الحجاج، (حدثني عمرو بن أبي حكيم) (٢) الواسطي أبو سعيد، ويقال: أبو سهل، ويعرف بابن الكردي، يقال: إنه مولى لآل الزبير، قال أبو داود والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
(قال: سمعت الزبرقان) (٣) بن عمرو بن أمية الضمري بفتح المعجمة وسكون الميم، نسبة إلى بني ضمرة، ويقال: الزبرقان بن عبد الله بن أمية، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يحيى بن سعيد: كان زبرقان ثقة، قال علي: فقلت له: أكان ثبتًا؟ قال: كان صاحب حديث، فقلت: إن سفيان لا يحدث عنه، قال: لم يره، وليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة.
стр. 1402
يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ, وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّى صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا, فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: «إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ». [حم ٥/ ١٨٣، ق ١/ ٤٥٨]
===
(يحدث عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت) (١) بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن، وفضائله كثيرة، قيل: إن أول مشاهده يوم الخندق، توفي سنة ٤٥ هـ أو بعدها.
(قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة) أي في شدة الحر عقب الزوال، (ولم يكن يصلي صلاة أشد) أي أشق وأصعب (على أصحاب رسول الله ﷺ منها) ولذا شكوا حر الرمضاء، وكانوا يسجدون على ثيابهم فيها، (فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ أي الفضلى، إذ الأوسط هو الأفضل، وواسطة العقد أشرف ما فيه.
(وقال) أي زيد بن ثابت (٢)، وهو الصواب، وقيل: النبي - صلي الله عليه وسلم -، حكاه القاري عن السيد: (إن قبلها) أي الظهر (صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى ليلية (وبعدها صلاتين) أي كذلك، أو هي واقعة وسط النهار.
والظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر، فلا يعارض نصه ﵊: "أنها العصر"، ولا مناسبة لهذا الحديث بالباب، إلَّا أن يقال: لما ساق الروايات الدالة على أن المراد بالصلاة الوسطى العصر أتبعها بهذه التي تدل على أنها الظهر استطرادًا، أو يقال: إنه
стр. 1403
٤١٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ, حَدَّثَنِى ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ, وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ
===
ورد الأمر فيها بالمحافظة والمحافظة تقتضي كونها موقوتة، ثم أكثر النسخ خالية عن لفظ الباب ههنا، وكتب في حاشية النسخة الدهلوية ههنا: "باب من أدرك ركعة منها فقد أدركها".
٤١٢ - (حدثنا الحسن بن الربيع) بن سليمان البجلي القسري، نسبة إلى قسر بفتح القاف وسكون المهملة، بطن من بجيلة، أبو علي الكوفي البوراني الحصار، ويقال: الخشاب، قال العجلي: كان يبيع البواري، كوفي ثقة، رجل صالح متعبد، وقال أبو حاتم: كان من أوثق أصحاب ابن إدريس، وقال ابن خراش: كوفي ثقة، كان يبيع القصب، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق، وليس بحجة، وقال ابن حبان في "الثقات": هو الذي غمض ابن المبارك ودفنه، مات سنة ٢٢١ هـ.
(حدثني ابن المبارك) عبد الله، (عن معمر) بن راشد، (عن ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد الأبناوي بفتح الهمزة وسكون الموحدة، قال في "الأنساب": وكل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس بعربي يسمونهم الأبناء، ومنهم أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الأبناوي، أمه من أبناء فارس، وأبوه من النمر بن قاسط، انتهى، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وكذا قال الدارقطني في "الجرح والتعديل"، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان من خيار عباد الله فضلًا ونسكًا ودينًا، وتكلَّم فيه بعض الرافضة، مات سنة ١٣٢ هـ.
(عن أبيه) طاوس بن كيسان، (عن ابن عباس) عبد الله، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس
стр. 1404
فَقَدْ أَدْرَكَ". [خ ٥٧٩، م ٦٠٧، ت ٥٢٤، ن ٥١٤، جه ١١٢٢، ط ١/ ١٠/ ١٥، عب ٢٢٢٤، حم ٢/ ٢٤١، دي ١٢٣، خزيمة ١٥٩٥، حب ١٤٨٣، ك ١/ ٢١٦، ق ١/ ٣٧٩]
===
فقد أدرك (١)، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك) (٢).
ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أن من أدرك ركعة قبل غروب الشمس، ومن الفجر ركعة قبل طلوعها فقد أدركهما، فلا يجب عليه إتمامهما.
ويؤيده ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". ولم يقل به أحد من أهل العلم, لأنه روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة.
وقد أخرج البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته".
وهذا يقتضي أن المدرك جزءًا من الصلاة لا يكون مدركًا لجميعها بحيث لا يكون إتمامها عليه واجبًا، فعلى هذا يجب أن يقدر معمولًا لقوله: "فقد أدرك"، أي من أدرك ركعة من الصلاة يعني في الوقت فقد أدرك الوقت، أو يقدر لفظ الوجوب، أي فقد أدرك وجوب الصلاة، فعلى هذا معنى الحديث: إذا أدرك قدر ركعة من الوقت لكونه صبيًا فبلغ، أو كان كافرًا فأسلم، أو كانت المرأة حائضًا فطهرت، فقد أدرك وجوب الصلاة، أو يحمل على ما إذا كان أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام فقد أدرك أي فضل الجماعة.
стр. 1405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال العيني (١) ما ملخصه: إنهم اختلفوا في معنى الإدراك هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت في أقل من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقل من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قول إلى أنه يكون مدركًا لحكم الصلاة.
فإن قلت: قيد في الحديث بركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها؟ قلت: قيد الركعة فيه خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة أو نحوها، حتى قال بعض الشافعية: إنما أراد رسول الله ﷺ بذكر الركعة البعض من الصلاة, لأنه روي عنه: "من أدرك ركعة من العصر"، و"من أدرك ركعتين من العصر"، و"من أدرك سجدة من العصر"، فأشار إلى بعض الصلاة مرة بركعة، ومرة بركعتين، ومرة بسجدة، والتكبيرة في حكم الركعة لأنها بعض الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة.
واستدل أبو حنيفة ومن تبعه بالحديث المذكور على أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس, لأن من أدرك فيه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر, لأن معنى قوله: "فقد أدرك" أدرك وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض قبل غروب الشمس تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءًا يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب ما لم يجد وقتًا يسع الأداء فيه حقيقة، وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا: أحدهما: لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو أصحهما.
وفي الحديث (٢) دليل صريح على أن من صلَّى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح
стр. 1406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فكذلك عند الشافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، وقالوا: الحديث حجة عليه.
قلت: من وقف على ما أسس عليه أبو حنيفة عرف أن الحديث ليس بحجة عليه، وعرف أن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم، فنقول: إن الوقت (١) سبب للصلاة وظرف لها, ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا، لأنه يستلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن يجعل بعض الوقت سببًا، وهو الجزء الأول لعدم المزاحم، فإذا لم يتصل به الأداء انتقلت السببية إلى ما بعده من الأجزاء، حتى تنتهي إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى الشيطان كما في الفجر وجب عليه كاملًا، فلا يؤدي إلَّا كاملًا، حتى لو طلع الشمس في خلال الصلاة فسدت, لأن ما وجب كاملًا لا يتأدى بالناقص، كالصوم المنذور المطلق وصوم القضاء لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن كان هذا الجزء ناقصًا كان منسوبًا إلى الشيطان كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصًا, لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب، فيتأدى بصفة النقصان, لأنه أدى كما لزم، كما إذا نذر صوم النحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر, لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه, لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملًا بالطريق الأولى.
فإن قلت: يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدها إلى أن غربت.
قلت: لما كان الوقت متسعًا جاز له شغل كل الوقت، فيعفى الفساد الذي
стр. 1407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يتصل به بالبناء, لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر، وأما الجواب عن الحديث المذكور فهو ما ذكره الإِمام الطحاوي، وهو: أنه يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون قبل طلوع الشمس، والحيَّض اللاتي يطهرن، والنصارى الذين يسلمون، فيكون هؤلاء الذين سميناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصلاة، فيجب عليهم قضاؤها، وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقل من المقدار الذي يصلونها فيه.
فإن قلت: فما تقول فيما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، الحديث، وفيه: "إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته"، فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشمس.
قلت: قد تواترت الآثار بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لم تتواتر بإباحة الصلاة عند ذلك، فدلى ذلك على أن ما كان فيه الإباحة كان منسوخًا بما كان فيه التواتر بالنهي.
فإن قلت: ما حقيقة النسخ في هذا والذي تذكره احتمال، وهل ثبت النسخ بالاحتمال؟ قلت: حقيقة النسخ ههنا أنه اجتمع في هذا الموضع محرم ومبيح، وقد عرف من القاعدة أن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يكون العمل للمحرم، ويكون المبيح منسوخًا، وذلك لأن الناسخ هو المتأخر، ولا شك أن الحرمة متأخرة عن الإباحة, لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم عارض، ولا يجوز العكس, لأنه يلزم النسخ مرتين.
فإن قلت: إنما ورد النهي عن التطوع خاصة دون الفرائض، قلت: دل حديث عمران بن حصين الذي أخرجه البخاري وغيره على أن الصلاة الفائتة قد دخلت في النهي, لأن فيه أنه ﷺ أخَّر صلاة الصبح حين فأتت عنهم إلى أن ارتفعت الشمس، ولم يصلها قبل الارتفاع، فدل ذلك أن النهي عام يشمل الفرائض والنوافل، والتخصيص بالتطوع ترجيح بلا مرجح.
стр. 1408
٤١٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَامَ يُصَلِّى الْعَصْرَ,
===
وأما حكم هذه الصلاة فالصحيح أنها كلها أداء، وقال بعض الشافعية كلها قضاء، وقال بعضهم: تلك الركعة أداء وما بعدها قضاء، وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى العصر وصلى ركعة في الوقت، فإن قلنا: الجميع أداء فله قصرها، وإن قلنا: كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعًا، إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، وهذا كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة فقال الجمهور: كلها قضاء (١)، انتهى.
ومناسبة الحديث بترجمة الباب على ما في أكثر النسخ بأن الحديث يدل أن وقت العصر ينتهي إلى غروب الشمس.
٤١٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك) في داره بالبصرة، وداره بجنب المسجد كما في رواية مسلم (بعد الظهر) أي بعد الفراغ من صلاة الظهر، ولعل وجه تأخيره بأنه صلاها في الجماعة مع الإِمام، والأئمة إذ ذاك كانوا يؤخرونها، وهذا كان حين ولي عمر بن عبد العزيز المدينة نيابة لا في خلافته, لأن أنسًا ﵁ توفي قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بنحو تسع سنين، وإنما أخرها عمر بن عبد العزيز على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنة في تقديمها، فلما بلغته صار إلى التقديم، ويحتمل أنه أخرها لشغل وعذر عرض له، قاله النووي (٢).
(فقام) أي أنس بن مالك (يصلي العصر) وإنما لم ينتظر صلاة الإِمام، لأنه روى ابن مسعود عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ قلت: فما تأمرني إذا أدركني ذلك
стр. 1409
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ: ذَكَرَهَا, فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ, تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ, تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ, يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ, فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ, أَوْ: عَلَى قَرْنَىِ الشَّيْطَانِ, قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا
===
يا رسول الله؟ قال: صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة"، كما سيأتي عن قريب في "باب إذا أخر الإِمام الصلاة عن الوقت".
(فلما فرغ) أي أنس (من صلاته) أي العصر (ذكرنا تعجيل الصلاة) أي قلنا له: إنك تعجلت بالصلاة (أو) للشك من الراوي (ذكرها) أي ذكر أنس وجه تعجيل الصلاة، (فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تلك) أي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار (صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين) كررها تشديدًا وتغليظًا (يجلس) أي يستمر جالسًا (أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس) أي تغير لونها (فكانت بين قرني شيطان) أي دنت للغروب.
قال النووي (١): اختلفوا فيه فقيل: هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها, لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له، وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه: علوه وارتفاعه وسلطانه وتسلطه وغلبة أعوانه وسجود مطيعيه من الكفار للشمس، قال الخطابي (٢): هو تمثيل ومعناه: أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها، كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه، والصحيح الأول، انتهى.
(أو على قرني الشيطان) شك من الراوي (٣) (قام) إلى الصلاة (فنقر أربعًا) والمراد بالنقر: سرعة الحركات، كنقر الطائر حين يلتقط الحب من الأرض، والنقر
стр. 1410
لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً". [م ٦٢٢، ن ٥١١، ت ١٦٠، عب ٢٠٨٠، حم ٣/ ١٠٢، خزيمة ٣٣٣، قط ١/ ٢٥٤، ق ١/ ٤٤٣] ... (١).
٤١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». [خ ٥٥٢، م ٦٢٦، ن ٤٧٨، ت ١٧٥، جه ٦٨٥،
عب ٢٠٧٥، ش ١/ ٣٤٢، حم ٢/ ٦٤، دي ١٢٣١، حب ١٤٦٩، ق ١/ ٤٤٤]
===
كناية عن السجود، وإطلاق الأربع مع أن السجود في العصر ثمانية باعتبار جعل السجدتين ركنًا واحدًا بإرادة الجنس، أو وروده في السفر، أو حين كان صلاة العصر ركعتين قبل الزيادة، أو لما كان لم يفصل بين السجدتين فكأنهما سجدة واحدة.
(لا يذكر الله فيها) أي ذكرًا يعتد به لعدم اعتقاده أو لخلوه عن الإخلاص (إلَّا قليلًا) الظاهر أنه منفصل، أي لكنه في زمن قليل يذكر الله بلسانه فقط.
٤١٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله، (أن رسول الله ﷺ قال (٢): الذي تفوته) أي بغير اختياره (صلاة العصر) (٣) أي عن آخر الوقت بغروب الشمس، وقيل: عن الوقت المختار باصفرار الشمس، وقيل: المراد فواتها في الجماعة (فكأنما وتر) على بناء المفعول أي سلب وأخذ (أهله وماله) بنصبهما ورفعهما، أي فكأنما فقدهما بالكلية أو نقصهما، قال في "القاموس": ووتره ماله: نقصه إياه.
стр. 1411
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ (١) بْنُ عُمَرَ: «أُتِرَ» , وَاخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ فِيهِ, وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «وُتِرَ» (٢).
===
وقال الخطابي (٣): قوله "وتر" أي نقص أو سلب، فيبقى وترًا فردًا بلا أهل ولا مال، يريد ليكن خطره (٤) من فوتها كخطره من فوات أهله (٥) وماله.
(قال أبو داود: وقال عبيد الله بن عمر) بن حفص، أي في روايته عن نافع عن ابن عمر: (أتر) بالهمزة المبدلة من الواو كما في وجوه، ووقتت، على خلاف ما رواه مالك عن نافع فإنه بالواو، ولكن أخرج الدارمي رواية عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر وفيه "وتر" بالواو على خلاف ما قاله المصنف.
(واختلف على أيوب فيه) أي في هذا اللفظ في الحديث، فقال بعض أصحابه: بالواو، وقال بعضهم: بالهمزة، ولكن لم نقف على رواية أيوب إلَّا ما حكاه في "الفتح" (٦)، وقال: ويؤيد الذي قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب، عن نافع، فذكر نحو هذا الحديث، وأيضًا لم نقف على اختلاف أصحاب أيوب فيما تتبعناه من الكتب.
(وقال الزهري: عن سالم، عن أبيه، عن النبي -صلي الله عليه وسلم - قال: وتر) أي بالواو، أخرج رواية الزهري عن سالم مسلم في "صحيحه" (٧) وغيره.
стр. 1412
٤١٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو- يَعْنِى الأَوْزَاعِىَّ -: "وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى الأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ صَفْرَاءَ".
(٦) بَابٌ: في وَقْتِ الْمَغْرِبِ
٤١٦ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّى الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ نَرْمِى, فَيَرَى أَحَدُنَا مَوْضِعَ نَبْلِهِ". [حم ٣/ ١١٤، خزيمة ٣٣٨]
===
٤١٥ - (حدثنا محمود بن خالد) الدمشقي، (نا الوليد) بن مسلم القرشي (قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي-: وذلك) أي فوات العصر، وهذا على قول من أراد بالفوات ذهاب وقتها المختار، وقال الحافظ (١): ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر (أن ترى ما على الأرض من الشمس) أي من ضوئها، فلفظة "من" بيانية، ويمكن (٢) أن تكون لفظة "من" هذه أجلية، فعلى هذا معناه: أن ترى ما على الأرض من أجل تغير الشمس (صفراء).
(٦) (بَابٌ: في وَقْتِ الْمَغْرِبِ) (٣)
٤١٦ - (حدثنا داود بن شبيب، ثنا حماد) بن سلمة أو ابن زيد، (عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن أنس بن مالك) بن النضر (قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ثم) أي بعد الانصراف من الصلاة (نرمي) السهم (فيرى أحدنا موضع نبله) أي يبصر (٤) محل سقوط النبل، والحاصل أنه ﷺ يصلي صلاة
стр. 1413
٤١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: "كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ إِذَا غَابَ حَاجِبُهَا". [خ ٥٦١، م ٦٣٦، ت ١٦٤، جه ٦٨٨، حم ٤/ ٥١، دي ١٢١٢، حب ١٥٢٣، طب ٦٢٨٩، ق ١/ ٤٤٦]
===
المغرب في أول وقتها معجلة، وكذلك المذهب المتفق عليه أن المستحب في المغرب التعجيل في الشتاء والصيف جميعًا، وتأخيرها إلى اشتباك النجوم مكروه.
٤١٧ - (حدثنا عمرو بن علي، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عبيد) الحجازي، أبو خالد الأسلمي، مولى سلمة بن الأكوع، قال الآجري عن أبي داود: ثقة، وعن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: حجازي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة، وكان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ١٤٧ هـ.
(عن سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي، أبو مسلم، أو أبو إياس، أو أبو عامر، صحابي مشهور، شهد بيعة الرضوان، وكان شجاعًا راميًا، وكان يسبق الفرس شدًّا على قدميه، وفي "البخاري": لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال فنزل المدينة، قال أبو نعيم: توفي سنة ٧٤ هـ.
(قال: كان النبي ﷺ يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها) أي حرفها الأعلى من قرصها، وهذا الحديث أيضًا يدل على تعجيله ﷺ في المغرب.
стр. 1414
٤١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ, عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو أَيُّوبَ غَازِيًا - وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ عَلَى مِصْرَ - فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ, فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ يَا عُقْبَةُ؟ قَالَ (١): شُغِلْنَا. قَالَ (٢): أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِى بِخَيْرٍ - أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ -, مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ
===
٤١٨ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة، (نا يزيد بن زريع، نا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد (٣) بن عبد الله) اليزني بفتح التحتانية والزاي، نسبة إلى يزن، وهو بطن من حمير، أبو الخير المصري الفقيه، روى عن عقبة بن عامر الجهني وكان لا يفارقه، وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فضل وعبادة، قال ابنِ معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجل صدق، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، مات سنة ٩٠ هـ.
(قال: لما قدم علينا أبو أيوب غازيًا، وعقبة بن عامر يومئذ) أي يوم قدم أبو أيوب مصر غازيًا (على مصر) أي أمير على مصر من قبل معاوية ﵁ (فَأَخَّر) أي عقبة (المغرب) أي صلاته (فقام إليه) أي إلى عقبة (أبو أيوب فقال له: ما هذه الصلاة) التي تصليها مؤخرة، قال ذلك منكرًا عليه التأخير (يا عقبة؟ قال) أي عقبة معتذرًا: (شغلنا) أي منعنا عن تعجيل الصلاة وتبكيرها الشغل (قال) أي أبو أيوب: (أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال أمتي بخير أو قال: على الفطرة) بالشك (٤) من الراوي (ما لم يوخروا المغرب إلى أن
стр. 1415
تَشْتَبِكَ النُّجُومُ"؟ ! . [حم ٤/ ١٤٧، ك ١/ ١٩٠ - ١٩١]
(٧) بَابٌ: في وَقْتِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ
٤١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِى بِشْرٍ, عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ,
===
تشتبك النجوم؟ )، أي ظهرت جميعها واختلط بعضها لبعض لكثرة ما ظهر منها، واشتباكها ظهور نورها، فالحديث دليل على أن تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم مكروه، وهو قول أبي حنيفة.
(٧) (بَابٌ: في وَقْتِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ)
٤١٩ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا أبو عوانة) وضاح بن عبد الله، (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية، (عن بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة مكبرًا (ابن ثابت) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، بصري، قال ابن معين: ثقة، رووا له حديثًا واحدًا في وقت العشاء، ومنهم من أسقطه من الإسناد، وصحح الترمذي إثباته فإنه قال في "جامعه" (١): قال أبو عيسى: روى هذا الحديث هشيم عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، ولم يذكر فيه هشيم "عن بشرِ بن ثابت"، وحديث أبي عوانة أصح عندنا، لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة، انتهى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من زعم أنه بشر بغير ياء فقد وهم.
(عن حبيب) بفتح الحاء المهملة (ابن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير وكاتبه، قال أبو حاتم: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد بن عدي: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يروى عنه.
стр. 1416
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: "أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ, صَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ" (١). [ت ١٦٥، ن ٥٢٨، دي ١٢١١، حم ٤/ ٢٧٠، ش ١/ ٣٣٠، حب ١٥٢٦، قط ١/ ٢٦٩، ك ١/ ١٩٤، ق ١/ ٤٤٨]
===
(عن النعمان) بضم النون (ابن بشير) (٢) بكسر (٣) الموحدة، الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله المدني، له ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة، ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية، ثم عزله عن الكوفة، وكان أخطب الناس، أتى به أبوه بشير بن سعد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، اُدع له فقال: "أما ترضى أن يبلغ ما بلغت، ثم يأتي الشام فيقتله منافق من أهل الشام"، فكان في حمص، فبايع لابن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا فأتبعه خالد بن خلي الكلاعي، فقتله سنة ٦٥ أو ٦٦ هـ.
(قال: أنا أعلم (٤) الناس بوقت هذه الصلاة) هذا من باب التحدث بنعمة الله عليه لزيادة العلم مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه، قاله القاري (٥)، ويحتمل أنه صدر منه على ظن أنه لم يضبط هذه العلامة من الصحابة أحد، كما ضبطتها وأتقنتها.
(صلاة العشاء) بالجر على البدل وبالنصب بتقدير أعني (الآخرة) احتراز عن المغرب كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر) اللام للوقت أي وقت غروبه (الثالثة) أي في ليلة ثالثة من الشهر، قال القاري: والأظهر أنه متعلق
стр. 1417
٤٢٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ, فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ, فَلَا نَدْرِى أَشَىْءٌ شَغَلَهُ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ,
===
بسقوط القمر، ويؤيده ما في نسخة "ليلة الثالثة" بالنصب، انتهى. قلت: ويحتمل أن يكون صفة للقمر أي لسقوط القمر الكائن لليلة ثالثة من الشهر.
قال القاري (١): قال ابن حجر (٢): والقمر غالبًا يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق الأحمر، وفيه أصرح دليل لمذهب الشافعي أن الأفضل الصلاة لأول وقتها حتى العشاء، وفيه أن هذا قول غير محرر، فإن القمر في الليلة الثانية يقرب غيبوبة الشفق دون الثالثة، فتدبر فإنها أمر مشاهد.
٤٢٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن منصور) بن المعتمر، (عن الحكم) بن عتيبة، (عن نافع) مولى ابن عمر، (عن عبد الله بن عمر قال: مكثنا) من نصر وكرم، أي لبثنا في المسجد (ذات ليلة) ذات الشيء نفسه، والمراد ما أضيف إليه، أي ليلة من الليالي (ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء) أي وقت صلاة العشاء، فاللام للوقت، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالخروج المقدر، وتقديره: ننتظر خروجه ﷺ لصلاة العشاء.
(فخرج) أي رسول الله ﷺ (إلينا حين ذهب) أي مضى (ثلث الليل أو بعده) عطف على "حين ذهب"، و"أو" للشك من ابن عمر ﵁، (فلا ندري أشيء شغله) في أهله، أي جعله مشغولًا في أهله، فأخرها عن الوقت المعتاد (أم غير ذلك) (٣) بأن أخرها، قصد البيان أن تأخير العشاء أفضل.
стр. 1418
فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "أَتَنْتَظِرُونَ هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ لَوْلَا أَنْ تَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِى لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ». ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ". [م ٦٣٩، ن ٥٣٧]
===
(فقال حين خرج) أي من الحجرة الشريفة: (أتنتظرون هذه الصلاة؟ ) أي انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلوات من خصوصياتكم التي خصكم الله بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل مع أن الوقت زمان يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، ولأن الذاكر في الغافلين كالصابر في الفارين، "علي القاري" (١).
(لولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم) أي صلاة العشاء في دائمًا (هذه الساعة، ثم أمر الموذن فأقام الصلاة).
قال النووي (٢): اختلف العلماء هل الأفضل تقديم العشاء أم تأخيرها؟ فمن فضل التأخير احتج بهذا الحديث وغيره، ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ تقديمها، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر.
وأجاب عنه القاري فقال: قلت: في الاحتجاج الثاني نظر ظاهر, لأنه ﵊ نص على الحذر للعمل بالعادة الغالبة، فلا معنى لبيان الجواز أو عذر مع تحقق أن التأخير كان قصدًا لا لعذر، ولا يضر تردد
стр. 1419
٤٢١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِىُّ, حَدَّثَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا حَرِيزٌ, عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّكُونِىِّ, أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ: "أبقَينَا (١) النَّبِىَّ ﷺ فِى صَلَاةِ الْعَتَمَةِ, فَتأَخَّرَ حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ, وَالْقَائِلُ مِنَّا يَقُولُ: صَلَّى, فَإِنَّا لَكَذَلِكَ
===
الصحابي أوّلاً أنه بعذر أو لا، فقول ابن حجر: وبهذا التردد يتعين أنه لا دليل فيه لأفضلية التأخير، معلول بأنه غير معقول ومقبول.
٤٢١ - (حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، نا أبي) عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، قال أحمد وابن معين: ثقة، وقال الحاكم في "المستدرك": ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عبد الوهاب بن نجدة: مات سنة ٢٠٩ هـ.
(نا حريز) بن عثمان، (عن راشد بن سعد) المقرائي، (عن عاصم بن حميد السكوني) الحمصي، مخضرم، من أصحاب معاذ بن جبل، روى عنه وعن عمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالجابية، قال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال البزار: روى عن معاذ ولا أعلمه سمع منه، وعن عوف بن مالك، ولم يكن له من الحديث ما يعتبر به حديثه، وقال ابن القطان: لا نعرف أنه ثقة، انتهى، وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا من تابعي أهل الشام.
(أنه سمع معاذ بن جبل) الأنصاري (يقول: أبقينا النبي ﷺ ) وفي نسخة: "بقينا"، وفي "النهاية": وفي حديث معاذ: "بقينا رسول الله ﷺ وقد تأخر لصلاة العتمة"، يقال: بقيت الرجل أبقيته: إذا انتظرته ورقبته (في صلاة العتمة) أي العشاء الآخرة، (فتأخر) أي رَاثَ ولَبِثَ (حتى ظن الظان أنه) ﷺ (ليس بخارج) أي إلى المسجد، صلى في بيته أو لم يصل؟ (والقائل منا يقول: صلى) أي فرغ من الصلاة (فإنا لكذلك) أي في حالة التردد
стр. 1420
حَتَّى خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ , فَقَالُوا لَهُ كَمَا قَالُوا, فَقَالَ (١): «أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ, فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ, وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ». [حم ٥/ ٢٣٧، ق ١/ ٤٥١]
٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ
===
والاختلاف (حتى خرج النبي - صلي الله عليه وسلم -) من حجرته إلى المسجد (فقالوا له كما قالوا) فيما بينهم.
(فقال: أعتموا) (٢) أمر من الإفعال (بهذه الصلاة) أي أخروها وصلوها في العتمة، والعتمة شدة الظلام (فإنكم (٣) قد فضلتم بها) (٤) أي بصلاة العتمة (على سائر الأمم) أي على جميع الأمم أو باقيها بعد إخراج هذه الأمة منها، (ولم تصلها) أي صلاة العشاء (أمة) أي من الأمم (قبلكم) وقد تقدم توجيه التعارض بين هذا الحديث، وبين ما تقدم من حديث إمامة جبرئيل، وفيه: "هذا وقت الأنبياء من قبلك" فلا نعيده.
٤٢٢ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا بشر بن المفضل، نا داود بن
стр. 1421
أَبِى هِنْدٍ, عَنْ أَبِى نَضْرَةَ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: "صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ, فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ, فَقَالَ: «خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ» , فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا, فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ, وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ, وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ, وَسَقَمُ السَّقِيمِ, لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ». [ن ٥٣٨، جه ٦٩٣، حم ٣/ ٥]
===
أبي هند، عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد الخدري قال: صلينا) أي أردنا أن نصلي مع (رسول الله ﷺ صلاة العتمة) أي جماعة (فلم يخرج) أي من بيته إلى المسجد (حتى مضى نحو) أي قريب (من شطر الليل) أي نصفه، ثم خرج (فقال: خذوا مقاعدكم) أي الزموا محل قعودكم لاْبين لكم فضيلة التأخير.
(فأخذنا مقاعدنا) أي لزمنا مكاننا، فبين لنا فضيلة التأخير لوجهين (فقال: ) أولهما (إن الناس) أي المعذورين والنساء والصبيان (قد صلوا) أي فرغوا من الصلاة (وأخذوا مضاجعهم) أي رقدوا (وإنكم) أي المنتظرين لصلاة الجماعة (لم تزالوا في صلاة) أي في أجرها وثوابها (ما) أي ما دمتم (انتظرتم الصلاة) وحاصل هذا الكلام أن انتظاركم الصلاة عبادة موجبة للأجر والثواب، وأيضًا فيه تعب ومشقة، فيكون سببًا لزيادة الأجر، فحصل لكم لهذا الانتظار أجر عظيم.
(و) ثانيهما (لولا ضعف الضعيف) أي مخافته ورعايته (وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة) أي صلاة العشاء (إلى شطر الليل) أي نصفه, لأنه أفضل.
وحاصل الوجه الثاني أن تأخير العشاء إلى نصف الليل أدخل في الفضيلة، ولكن رعاية جانب الضعفاء وذوي الأسقام الذين يقدرون على الحضور في الجماعة، ولكن لأجل ضعفهم وسقمهم يشق عليهم الانتظار ويتعبهم، فلأجل هذا العذر لا أؤخرها إلى نصف الليل، فإن في إحراز تلك الفضيلة تفويت فضيلة أخرى هي أهم منها، وهي تكثير الجماعة، والله أعلم.
стр. 1422
(٨) بَابٌ: في وَقْتِ (١) الصُّبْحِ
٤٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ (٢) , عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -, أَنَّهَا قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ
===
(٨) (بَابٌ: في وَقْتِ الصُّبْحِ) (٣)
٤٢٣ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرة) بنت عبد الرحمن، (عن عائشة (٤) أنها قالت: إن كان) إن هي المخففة من المثقلة، واللام لازمة بعدها في خبرها (رسول الله ﷺ ليصلي الصبح) هذه هي اللام الداخلة على خبر لفظة إن (فينصرف النساء) أي يرجعن إلى البيوت، أو ينصرفن من الصلاة (متلففات) وفي نسخة: "متلفعات" حال من النساء، أي مستترات وجوههن وأبدانهن (بمروطهن) المرط بالكسر: كساء من صوف تستعمله النساء، وقيل: كساء من صوف مربع سداه شعر، وقيل: الجلباب. (ما يعرفن) ما نافية، أي ما يعرفهن أحد، وفي رواية للبخاري: ولا يعرف بعضهن بعضًا، واختلف في معناه فقيل: لا يعرفن أنساء أم رجال، أي لا يظهر للرائي إلَّا الأشباح خاصة، وقيل: لا يعرف أعيانهن بأن لا يكون الامتياز بين خديجة وزينب، وهذا أقرب (٥) وأولى وإن ضعفه النووي (٦).
стр. 1423
مِنَ الْغَلَسِ". [خ ٨٦٧، م ٦٤٥، ن ٥٤٦، ت ١٥٣، جه ٦٦٩، حم ٦/ ١٧٨، حب ١٤٩٩، ق ١/ ٤٥٤]
===
(من الغلس) من أجلية، والغلس: ظلمة آخر الليل، استعمل على الاتساع فيما بقي منه بعد الصباح، وقيل: من غلس المسجد أي من أجل ظلمته وعدم إسفاره, لأنه كان مسقفًا، فلا يظهر النور فيه إلَّا بطلوع الشمس.
اختلف العلماء في أن الأفضل في صلاة الفجر التغليس أو الإسفار، فقال الشافعي والجمهور بالتغليس، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير، وذم الله تعالى أقوامًا على الكسل بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (٢)، والتأخير من الكسل.
وروي أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة لأول وقتها"، وروي: "أول الوقت رضوان الله"، وبهذا الحديث الذي أخرجه المصنف ﵀.
وقال الحنفية: المستحب في الفجر الإسفار، وهو أفضل من التغليس بصلاة الفجر في السفر والحضر والصيف والشتاء في حق جميع الناس إلَّا في حق الحاج بمزدلفة، فإن التغليس بها أفضل في حقه.
واستدلوا بالحديث الذي يخرجه المصنف عن رافع بن خديج فيما بعد من قوله: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"، وبما قال عبد الله بن مسعود: "ما صلى رسول الله ﷺ صلاة قبل ميقاتها إلَّا صلاتين: صلاة العصر بعرفة، وصلاة الفجر بمزدلفة"، فإنه قد غلس بها، فسمى التغليس بالفجر صلاة قبل الميقات، فعلم أن العادة في الفجر الإسفار، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كاجتماعهم على تأخير العصر والتنوير بالفجر.
ولأن في التغليس تقليل الجماعة، وفي الإسفار تكثيرها، فكان أفضل،
стр. 1424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولهذا يستحب الإبراد بالظهر في الصيف، ولأن في حضور الجماعة في هذا الوقت ضرب حرج خصوصًا في حق الضعفاء، وقد قال النبي ﷺ : "صلِّ بالقوم صلاة أضعفهم"، ولذلك ترك رسول الله ﷺ تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وقال: "لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل".
وأما الجواب عما احتجوا بها فنقول بها في بعض الصلوات على ما نذكر، لكن قامت الدلائل في بعضها على أن التأخير أفضل لمصلحة وجدت في التأخير، ولهذا قال الشافعي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، لئلا يقع في السمر بعد العشاء، ثم الأمر بالمسارعة ينصرف إلى مسارعة ورد الشرع بها، ألا ترى أن الأداء قبل الوقت لا يجوز، وإن كان فيه مسارعة لما لم يرد الشرع بها.
وقيل: في الحديث أن العفو عبارة عن الفضل، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١) أي الفضل، فكان معنى الحديث على هذا - والله أعلم- أن من أدى الصلاة في أول الأوقات فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك.
وأما حديث عائشة فالصحيح من الروايات إسفار رسول الله ﷺ لصلاة الفجر لما روينا من حديث ابن مسعود ﵁، فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك في الابتداء حين كن يحضرن الجماعات، ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك، والله تعالى أعلم، "بدائع" (٢).
стр. 1425
٤٢٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ, عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ
===
٤٢٤ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل) الطالقاني، (نا سفيان) بن عيينة، على الظاهر، (عن ابن عجلان) محمد، (عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان) بن زيد الأنصاري الظفري الأوسي أبو عمرو، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: أمره (١) عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة ففعل، وكان ثقة كثير الحديث عالمًا، وقال البزار: ثقة مشهور، وقال عبد الحق في "الأحكام": هو ثقة عند أبي زرعة وابن معين، وقد ضعَّفه غيرهما، وقد رد ذلك عليه ابن القطان، وقال: بل هو ثقة عندهما , ولا أعرف أحدًا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري الأشهلي، أبو نعيم المدني، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة، ولد على عهد النبي ﷺ ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، ومسلم في الطبقة الثانية من التابعين، وقال ابن عبد البر: قول البخاري أولى يعني في إثبات الصحبة، وكذا ذكره ابن حبان في "الصحابة"، وقال الترمذي: رأى النبي ﷺ وهو غلام صغير، فعلى هذا لا يحتاج في توثيقه، وأما على كونه تابعيًّا فقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات سنة ٩٦ هـ.
(عن رافع بن خديج) (٢) بفتح معجمة وكسر دال مهملة وبجيم، ابن رافع بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري، صحابي جليل، أبو عبد الله، ويقال:
стр. 1426
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأُجُورِكُمْ"، أَوْ: "أَعْظَمُ لِلأَجْرِ". [ن ٥٤٨، ت ١٥٤، جه ٦٧٢، حم ٣/ ٤٦٥، حب ٤٨٩]
===
أبو رافع، أول مشاهده أحد ثم الخندق، مات سنة ٧٣ أو ٧٤ هـ، وقيل قبل ذلك.
(قال: قال رسول الله ﷺ : أصبحوا) (١) أي نوروا وأسفروا (بالصبح) أي بصلاة الصبح (فإنه) أي التنوير بصلاة الصبح (أعظم لأجوركم، أو أعظم للأجر) رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ في "الفتح" (٢): وصححه غير واحد.
وهذا الحديث يعارض الأحاديث التي وردت في التغليس، وقد أجاب القائلون بالتغليس عن أحاديث الإسفار بأجوبة، منها أن المراد بالإسفار التبين والتحقق، قال الترمذي: وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يضح الفجر فلا يشك فيه، ولم يَرَوا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة، ورد بما أخرجه ابن أبي شيبة وإسحاق وغيرهما بلفظ: "ثوب بصلاة الصبح يا بلال حين يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار".
وذكر الخطابي (٣): يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول والثاني طلبًا للثواب فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم، وهذا التأويل أيضًا ركيك، فإنهم ما صلوا إلَّا مع رسول الله ﷺ ، ومحال أن يغلط رسول الله ﷺ في أداء الصلاة
стр. 1427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويصلي قبل الوقت، وقال الطحاوي (١): إنما تتفق معانى الآثار بأن يكون دخوله ﷺ في صلاة الصبح مغلسًا، ثم يطيل القراءة حتى ينصرف عنها مسفرًا.
وقال البهكلي (٢) في "شرح النسائي": وقد جمع بعضهم بتعدد القصة، فتارة فعل التغليس وتارة فعل الإسفار، وهاهنا وجه آخر يتمشى على القواعد الأصولية، وهي أن الخطاب الخاص بالأمة لا يعارضه فعل النبي ﷺ ، فالأمر للأمة بالإسفار لا يشمل النبي ﷺ لا ظاهرًا ولا نصًّا، فيكون فعله التغليس، ومداومته عليه لا يقدح في أحاديث الإسفار للأمة، إلَّا أن هذا يتم لو كان التغليس من خصائه ولم يفعله معه الصحابة.
أما والحال أن الصحابة فعلوه معه وبعده، فلا يتم لنا الجمع بهذه القاعدة، فلا بد من التأويل الذي جنح إليه الطحاوي، أو بتعدد القصة، أو بالتفرقة باعتبار الأوقات كما في حديث معاذ بن جبل: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس، ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا"، رواه الحسين بن مسعود البغوي في "شرح السنة"، وأخرجه بقي بن مخلد في "مسنده" والمصنف، وأخرج أبو نعيم في "الحلية"، فهذا يكون وجهًا للجمع بأن التغليس في الشتاء والإسفار في الصيف.
стр. 1428
(٩) بَابٌ: في الْمُحافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ (١)
٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاسِطِىُّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ هَارُونَ -, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصُّنَابِحِىِّ
===
(٩) (بَابٌ: في الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ)
وفي نسخة: "على الوقت"، فالمحافظة عليها إما باعتبار إتيان سننها ومندوباتها وخضوعها وخشوعها، وإما باعتبار الوقت باعتبار أدائها في الوقت المستحب لها.
٤٢٥ - (حدثنا محمد بن حرب الواسطي) النسائي بالمعجمة، أبو عبد الله، صدوق، مات سنة ٢٥٥ هـ، (نا يزيد - يعني ابن هارون -، أنا محمد بن مطرِّف) بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي، أبو غسان المدني، يقال: إنه من موالي آل عمر، نزل عسقلان، أحد علماء الأثبات، قال علي بن سراج: كان من أهل وادي القرى، قدم بغداد أيام المهدي، قال أحمد وأبو حاتم والجوزجاني ويعقوب بن شيبة: ثقة، وعن ابن معين: شيخ ثقة، وأيضًا عنه: لا بأس به، وثَّقه مجاهد ابن موسى، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغرب.
(عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن الصُّنابحي) (٢) هكذا في أكثر نسخ أبي داود من المطبوعة والمكتوبة، وفي نسخة واحدة عليها الشرح لمولانا فخر الحسن الكَنكَوهي المرحوم،
стр. 1429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفيه: عبد الله الصنابحي بغير لفظ ابن، وكذا ضبطه الخطابي في شرحه وهو الصواب.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١) في ترجمة عبد الله الصنابحي: عبد الله الصنابحي، مختلف في صحبته، روى عن النبي ﷺ وعن عبادة بن الصامت، وعنه عطاء بن يسار، قال الدوري عن ابن معين: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون يشبه أن يكون له صحبة، وقال ابن السكن: عبد الله الصنابحي يقال: له صحبة، معدود في المدنيين، روى عنه عطاء بن يسار، قال: وأبو عبد الله الصنابحي يعني عبد الرحمن بن عسيلة أيضًا مشهور، روى عن أبي بكر وعبادة بن الصامت، ليس له صحبة.
وقال مالك: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي عن النبي ﷺ : "إذا توضأ العبد المسلم"، الحديث، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال: وهم فيه مالك، وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ ، وقال سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة: عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الشمس تطلع مع قرني الشيطان"، الحديث.
وقال أبو غسان محمد بن مطرف: عن زيد بن أسلم عن عطاء عن عبد الله الصنابحي عن عبادة في الوتر، وهكذا رواه زهير بن محمد عن زيد بن أسلم، فاتفق حفص بن ميسرة وأبو غسان وزهير على قولهم: عبد الله، فنسبة الوهم في ذلك إلى مالك وحده فيه نظر، انتهى كلام الحافظ.
стр. 1430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وهذا الكلام يدل على أنهما اثنان؛ عبد الله الصنابحي رجل مختلف في صحبته، معدود في المدنيين، روى عنه المدنيون، صحابي في قول ابن معين وابن السكن، ويوافقه ما قال الترمذي (١) في "جامعه" في "باب ما جاء في فضل الطهور": وفي الباب عن عثمان وثوبان والصنابحي وعمرو بن عبسة وسلمان وعبد الله بن عمرو، والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصدِّيق ليس له سماع من النبي ﷺ ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ويكنى أبا عبد الله، رحل إلى النبي ﷺ ، فقبض النبي ﷺ منه وهو في الطريق، وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث (٢)، انتهى.
ويخالفه ما حكى الترمذي عن شيخه البخاري فقال: قال البخاري: وهم فيه مالك، وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ ، وكلام الترمذي يقتضي أنة لم يرض بقول شيخه، وكذا لم يقبله الحافظ، وقال: فيه نظر.
وقال الحافظ (٣) في ترجمة عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال المرادي: أبو عبد الله الصنابحي، رحل إلى النبي ﷺ فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست، وصلَّى خلف أبي بكر، ثم نزل الشام، قال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يروى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط: الصنابحي الأحمسي، وهو الصنابح الأحمسي هذان واحد، من قال فيه الصنابحي فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون، والثاني عبد الرحمن بن عسيلة، كنيته أبو عبد الله، لم يدرك النبي ﷺ ،
стр. 1431
قَالَ: زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ, فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:
===
بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمن قال: عن عبد الرحمن الصنابحي فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحي فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرحمن فقد أخطأ، قلب اسمه فجعله كنيته، ومن قال: عن عبد الله الصنابحي فقد أخطأ، قلب كنيته فجعلها اسمه، هذا قول علي بن المديني ومن تابعه، قال يعقوب: هو الصواب عندي، انتهى.
قلت: وهذا القول يدل على أن عبد الله الصنابحي ليس له وجود، بل هو أبو عبد الله الصنابحي وهو عبد الرحمن بن عسيلة، وهذا قول علي بن المديني ويعقوب بن شيبة والبخاري، والله تعالى أعلم.
(قال: زعم) أي قال (أبو محمد) قال الحافظ في "الإصابة" (١): أبو محمد الأنصاري ذكره مالك في "الموطأ" من طريق عبد الله بن محيريز عن المذحجي أن رجلًا كان بالشام يكنَّى أبا محمد كانت له صحبة، قال: الوتر واجب، وذكر له قصة مع عبادة بن الصامت، وأخرجه أبو داود وغيره من طريق مالك، قيل: اسمه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم، وقيل: مسعود بن زيد (٢) بن سبيع، وقيل: اسمه قيس بن عامر بن عبد بن حارث الخولاني، حليف بني حارثة من الأوس، وقيل: مسعود بن يزيد، عداده في الشاميين، وسكن داريا، وقيل: اسمه سعد بن أوس، وقيل: قيس بن عباية، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر، وزعم ابن الكلبي أنه شهد بدرًا، ثم شهد مع علي صفين.
(أن الوتر واجب) أي حق ثابت تأكده بالسنَّة (فقال عبادة بن الصامت)
стр. 1432
كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ
===
ابن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، صحابي مشهور، أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا وما بعدها، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مرثد، وهو أحد من جمع القرآن في زمن النبي ﷺ ، وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلِّم أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات، مات سنة ٣٤ هـ، وقال دحيم: توفي ببيت المقدس، وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار.
(كذب) أي غلط ولم يصب في ظني (أبو محمد) قال الخطابي (١): يريد أخطأ أبو محمد، ولم يرد به تعمد الكذب الذي هو ضد الصدق, لأن الكذب إنما يجري في الأخبار، وأبو محمد هذا إنما أفتى فتيا ورأى رأيًا فأخطأ فيما أفتى به، وهو رجل من الأنصار، له صحبة، والكذب عليه في الأخبار غير جائز، والعرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها، فيقول: كذب سمعي، وكذب بصري: أي زَل ولم يدرك ما رأى وما سمع، ولم يُحِط به، وإنما أنكر عبادة أن يكون الوتر واجبًا وجوب فرض كالصلوات الخمس، دون أن يكون واجبًا في السنَّة، ولذا استشهد بالصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة.
(أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات (٢)
стр. 1433
افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى, مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَاّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ, وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ, كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ, وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ, فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ, إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ, وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». [حم ٥/ ٣١٧، ن ٤٦١، جه ١٤٠١، دي ١٥٧٧، ط ١/ ١٤/ ١٢٣]
٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ,
===
افترضهن الله أي على عباده (من أحسن وضوءهن) أي وأكمله بإتيان آدابه وسننه (وصلاهن لوقتهن) من الأوقات المستحبة لها (وأتم ركوعهن) بالطمأنينة فيها (وخشوعهن) بإقبال القلب عليها (كان له على الله عهد) أي وعد (أن يغفر له) فإن قلت: مذهب أهل السنَّة أنه لا يجب على الله شيء، وهذا الحديث يثبت الوجوب؟ قلت: المراد بالوجوب لزومه (١) باعتبار الوعد كرمًا لا الوجوب العقلي (ومن لم يفعل) أي أداءهن لوقتهن وإتمام ركوعهن وخشوعهن (فليس له على الله عهد) (٢) أي بأن يغفر له (إن شاء) أي مغفرته (غفر له، وإن شاء) تعذيبه (عذبه) أي على تفريطه في إتيان ما فرض الله عليه.
٤٢٦ - (حدثنا محمد بن عبد الله) بن عثمان (الخزاعي) أبو عبد الله البصري، قال البخاري عن علي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات" (وعبد الله بن مسلمة) القعنبي (قالا: ثنا عبد الله بن عمر) العمري، (عن القاسم بن غنام) بفتح معجمة وشدة نون، الأنصاري البياضي المدني، روى عن عمته أم فروة، وقيل: عن بعض أمهاته عن أم فروة، وقيل: عن جدة له عن عمته أم فروة في فضل أول الوقت.
стр. 1434
عن بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ، عن أُمِّ فَرْوَةَ
===
قلت: أخرج الدارقطني (١) حديث القاسم بن غنَّام هذا الذي اضطرب فيه، فقال مرة: عن جدته أم فروة، وقال مرة: عن جدته عن أم فروة، وقال مرة: عن بعض أمهاته عن أم فروة، وقال مرة: عن جدته أم أبيه الدنيا عن جدته أم فروة، وقال مرة: عن بعض أهله عن أم فروة، وفي رواية عن القاسم بن غنام البياضي عن امرأة من المبايعات، روى له أبو في داود والترمذي وقال: اضطربوا في هذا الحديث، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وقال: في حديثه اضطراب.
(عن بعض أمهاته) ولم تعرف من هي (عن أم فروة) عمة القاسم بن الغنام الأنصارية، كانت (٢) من المبايعات، روى حديثها عبد الله بن عمر العمري عن القاسم بن غنام عن عمته أم فروة، وقيل: عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة في فضل الصلاة أول الوقت، وذكر ابن عبد البر والطبراني أن أم فروة هذه هي بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصدِّيق، وتبعه على ذلك القاضي أبو بكر بن العربي وغيره، ووهموا من قال: إنها أنصارية، لكن قال الحافظ في "الإصابة" (٣): والراجح أنها غيرها، فقد جزم ابن منده بأن بنت أبي قحافة لها ذكر، وليس لها حديث (٤)، وراوية حديث الصلاة أنصارية، فإن مدار حديثها على القاسم بن غنام، وهي جدته أو عمته أو إحدى أمهاته أو من أهله على اختلاف الرواة عنه في ذلك، فهي على كل حال ليست أخت أبي بكر الصدِّيق، قاله ابن الأثير.
стр. 1435
قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِى أَوَّلِ وَقْتِهَا». [ت ١٧٠، حم ٦/ ٣٧٥، ق ١/ ٤٣٤، قط ١/ ٢٤٨، ك ١/ ١٨٩]
قَالَ الْخُزَاعِىُّ فِى حَدِيثِهِ: عَنْ عَمَّةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ فَرْوَةَ, قَدْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ ﷺ , أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ.
===
(قالت: سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ ) أي أكثر ثوابًا (قال) أي رسول الله ﷺ : (الصلاة في أول وقتها) (١) أي أفضل وأكثر ثوابًا (٢).
(قال الخزاعي) أي محمد بن عبد الله (في حديثه) بهذا اللفظ: (عن عمة له يقال لها: أم فروة، قد بايعَتِ النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ سئل) (٣).
غرض المصنف بهذا الكلام بيان أن الخزاعي خالف عبد الله بن مسلمة، فإن عبد الله بن مسلمة قال في روايته: عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة قالت: سئل رسول الله ﷺ ، والخزاعي قال في حديثه: عن القاسم بن غنام عن عمة له يقال لها: أم فروة، فلم يذكر عن بعض أمهاته، وجعل روايته عنها من غير واسطة، وجعلها عمة له، وزاد ذكر المبايعة.
ويحتمل أن يكون الاختلاف بأن عبد الله بن مسلمة لم يذكر لفظة "عن عمة له"، وأسند عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته عن أم فروة، وكذلك ترك ذكر المبايعة، وأما الخزاعي فأسند عن القاسم بن غنام عن بعض أمهاته
стр. 1436
٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أنَا خَالِدٌ، عن دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عن أَبِي حَرْب بْن أَبِي الأَسْوَدِ، عن عَبْدِ الله بْنِ فَضَالَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ الله ﷺ ، فَكَانَ (١) فِيمَا عَلَّمَنِي: "وَحَافِظْ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ" قَالَ:
===
عن عمة له يقال لها: أم فروة، فزاد لفظ "عن عمة له" الذي لم يذكره عبد الله بن مسلمة، وزاد ذكر المبايعة أيضًا.
ولكن يخالف الاحتمالين ما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) فأخرج حديث الخزاعي بهذا اللفظ: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الخزاعي، أنا عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن غنام، عن جدته الدنيا، عن أم فروة، وكانت قد بايعت رسول الله ﷺ ، الحديث، فخالف الاحتمال الأول بأنه ذكر بين القاسم وأم فروة واسطة "عن جدته الدنيا"، وخالف الاحتمال الثاني بأنه لم يذكر فيها "عن عمته"، والله أعلم.
٤٢٧ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله الواسطي، (عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبد الله بن فضالة) الليثي الزهراني، قال ابن مسنده وأبو نعيم: لا تصح له صحبة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان على قضاء البصرة، عاش إلى زمن الوليد بن عبد الملك.
(عن أبيه) هو فضالة الليثي الزهراني (٣)، قيل: هو ابن عبد الله، وقيل: ابن وهب بن بحرة بن بحيرة، يعد في أهل المدينة، له عن النبي ﷺ حديث واحد على المحافظة على العصرين، وعنه ابنه عبد الله، وفي إسناد حديثه اختلاف.
(قال: علمني رسول الله ﷺ ) أي أعمال الإِسلام وأحكامها، (فكان فيما علَّمني: وحافظ) بصيغة الأمر (على الصلوات الخمس، قال) أي فضالة:
стр. 1437
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَاتٌ لِي فِيهَا أَشْغَالٌ، فَمُرْنِي بِأَمْرٍ جَامِعٍ إِذَا أَنَا فَعَلْتُهُ أَجْزَأَ عَنِّي. فَقَالَ: "حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ" - وَمَا كَانَتْ مِنْ لُغَتِنَا- فَقُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟ فَقَالَ: "صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا". [ق ١/ ٤٦٦، ك ١/ ٢٠، حب ١٧٤١، حم ٤/ ٣٤٤]
===
(قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال) أي دنيوية (فمرني بأمر جامع (١) إذا أنا فعلته أجزأ) أي كفى (عني) أي عن غيره (فقال) أي رسول الله ﷺ : (حافظ على العصرين (٢)، وما كانت) أي لفظة العصرين مستعملة (من لغتنا) في لساننا، فلم أفهم معناها (فقلت) أي سألت رسول الله ﷺ (وما العصران؟ فقال: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها).
قال الخطابي (٣): يريد بالعصرين صلاة العصر وصلاة الصبح، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر، فتجمع بينهما في التسمية طلبًا للتخفيف، كقولهم: سنة العمرين، لأبي بكر وعمر ﵄، والأسودين، يريدون التمر والماء، والأصل في العصرين عند العرب الليل والنهار، ويشبه أن يكون إنما قيل لهاتين الصلاتين: العصران، لأنهما تقعان في طرفي العصرين، وهما الليل والنهار.
قال في "درجات المرقاة": قال ولي الدين: هذا الحديث مشكل ببادئ الرأي، إذ يوهم إجزاء صلاة العصرين لمن له أشغال عن غيرهما، فقال البيهقي (٤) بـ "سننه" في تأويله وأحسن: كأنه أراد - والله أعلم- حافظ
стр. 1438
٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خالِدٍ،
===
عليهما بأول أوقاتهما، فاعتذر بأشغال مقتضية لتأخيرهما عن أولهما، فأمره بالمحافظة على الصلاتين بأول وقتهما (١).
وتأول ابن حبان بـ "صحيحه" بأن المحافظة على العصرين إنما هو زيادة تأكيد لهما مع بقاء الأمر بالمحافظة على أول وقت كل.
وقال أحمد بـ "مسنده" (٢): نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن قتادة عن نصر بن عاصم، عن رجل منهم "أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أنه لا يصلي إلَّا صلاتين، فقبل ذلك منه".
فظاهر هذا أنه أسقط عنه ثلاث صلوات، فكان من خصائصه ﷺ أنه يخص (٣) من شاء بما شاء من الأحكام، ويسقط عمن شاء ما شاء من الواجبات، كما بينته بكتاب "الخصائص" فهذا منه، فالظاهر أن هذا الرجل المبهم بأحمد (٤) هو فضالة فإنه ليثي، ونصر بن عاصم ليثي، فقال: عن رجل منهم.
٤٢٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (نا يحيى) القطان، (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم، البجلي، قال ابن المبارك عن الثوري:
стр. 1439
نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ رُؤيْبَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ (١): أَخْبِرْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: سَمِعْتُ
===
حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل وعبد الملك بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد، قال ابن مهدي وابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن عمار الموصلي: حجة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان طحانًا، وقال يعقوب بن أبي شيبة (٢): كان ثقة ثبتًا، رأى أنسًا رؤية ولم يسمع منه، وقال يعقوب بن سفيان: كان أميًا حافظًا ثقة، وقال هشيم: كان إسماعيل فحش اللحن، كان يقول: "حدثني فلان عن أبوه"، وقال أبو نعيم: أدرك إسماعيل اثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية، مات سنة ١٤٦ هـ.
(نا أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة) براء وموحدة مصغرًا، الثقفي الكوفي، وثَّقه ابن حبان، مقبول، من الثالثة، هكذا في "الخلاصة" و"التقريب"، ولم أجده في "تهذيب التهذيب" (٣).
(عن أبيه) هو عمارة (٤) بضم المهملة والراء، ابن رؤيبة براء مضمومة وموحدة، الثقفي الكوفي، أبو زهرة، وذكر المزي في "التهذيب" أن له رواية عن علي فوهم، فإن الراوي عن علي حرمي فهو ليس بصحابي, لأنه كان صغيرًا في زمن علي، وأما هذا فهو صحابي ثقفي.
(قال: سأله) أي عمارة (رجل من أهل البصرة) وهو أيضًا صحابي سكن البصرة، لكن لم يعرف اسمه (فقال: أخبرني ما) موصولة (سمعت) والعائد إلى الموصول مقدر، أي سمعته (من رسول الله ﷺ ؟ قال) أي عمارة: (سمعت
стр. 1440
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ». قَالَ: أأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, قَالَ: نَعَمْ, كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى. فَقَالَ (١) الرَّجُلُ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ. [م ٦٣٤، ن ٤٧١، ق ١/ ٤٦٦، حب ١٧٤٠]
(١٠) بَابٌ: إِذَا أَخَّرَ الإِمَامُ الصَّلَاةَ عَنِ الْوَقْتِ
===
رسول الله ﷺ يقول: لا يلج النار) أي لا يدخلها أصلًا للتعذيب، أو على وجه التأبيد (رجل صلَّى قبل طلوع الشمس) أي صلاة الفجر (وقبل أن تغرب) أي صلاة العصر، أي: حافظ (٢) عليهما، وخصهما, لأن وقت العصر وقت الاشتغال، ووقت الفجر وقت النوم، فمن حافظ عليهما كان لغيرهما من الصلوات أحفظ.
(قال) الرجل البصري: (أأنت (٣) سمعته منه؟ ثلاث مرات) متعلق بقال (قال) عمارة: (نعم) أي سمعته منه، (كل (٤) ذلك يقول: سمعته أذناي ووعاه) أي حفظه (قلبي، فقال الرجل) البصري: (وأنا سمعته) أي رسول الله ﷺ (يقول ذلك) أي الحديث الذي رواه عمارة.
(١٠) (بَابٌ: إِذَا أَخَّرَ الإمَامُ الصَّلاةَ عَنِ الوَقْتِ)
أي: فماذا يفعل الناس، هل ينتظرون صلاة الإِمام ويؤخرونها كما يؤخر الإِمام، أو يتركون الجماعة ويؤدونها في أول وقتها؟