مِسْكِينًا, فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ , فَكَانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ, فَأُمِرُوا بِالصِّيَامِ
===
مسكينًا) أي كان جائزًا أن من لم يصم من غير عذر أن يطعم مسكينًا، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) محمول (٢) على ظاهره بمعنى أن مطيقي الصوم عليهم إذا لم يصوموا فدية طعام مسكين أن يطعموا المسكين الطعام فديةً عن الصوم.
(فنزلت هذه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾) (٣) ومعنى الآية: فمن كان شاهدًا أي حاضرًا مقيمًا غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر، والشهر منصوب على الظرف، وكذلك الهاء في "فليصمه"، ولا يكون مفعولًا به، كقولك: شهدت الجمعة "كشاف" (٤)، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من الرخصة للمطيقين أن لا يصوموا ويفدوا.
(فكانت الرخصة للمريض والمسافر) أي بعد نزول هذه الآية نسخت الرخصة لغير المعذورين، وبقيت الرخصة للمعذورين من المرضى والمسافرين في الإفطار (فأمروا بالصيام) أي أُمِرَ غير المعذورين بأن يصوموا ولا يفطروا ولا يجزئهم الإطعام، فهذا مشتمل على حالين في الصوم، أولهما: أن رسول الله ﷺ أمر المسلمين بثلاثة أيام من كل شهر، وكذلك أمرهم بصوم يوم عاشوراء، سواء كان ذلك الأمر أمر الوجوب، كما هو عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى- أو الاستحباب استحبابًا مؤكدًا، كما هو عند بعض أصحاب الشافعي ﵀، ثم نسخ ذلك وفرض رمضان، وهذا أول الحالين.
ثم لما فرض شهر رمضان وكانوا لم يتعودوا الصيام، كان يجوز لهم- من المعذورين وغيرهم- أن لا يصوموا، ويفدوا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
стр. 1612
قَالَ: وحدَّثنا أصحابُنا قال: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَفْطَرَ, فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى يُصْبِحَ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ فَأَرَادَ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ: إِنِّى قَدْ نِمْتُ, فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ فَأَتَاهَا, فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرَادَ الطَّعَامَ (١). فَقَالُوا: حَتَّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا,
===
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وبقيت الرخصة للمعذورين والمسافرين، ووجب الصيام على غير المعذورين منهم حتمًا.
(قال) أي ابن أبي ليلى: (وحدثنا أصحابنا قال) ولفظ "قال" هذا ثبت في النسخة المصرية ونسخة "عون المعبود" وغيرها من النسخ المطبوعة، وليس في النسخة المكتوبة، فعلى تقدير وجوده يرجع ضمير فاعله إلى بعض أصحابنا، (وكان الرجل) أي في ابتداء الإِسلام وأول الأمر (إذا أفطر) أي دخل في وقت الإفطار (فنام قبل أن يأكل لم يأكل) أي يحرم عليه الأكل (حتى يصبح) فإذا أصبح صار صائمًا في اليوم الثاني، فيحرم عليه الأكل فيه للصوم حتى تغرب الشمس.
(قال) أي بعض أصحابنا: (فجاء عمر) (٢) أي بيته (فأراد) أي عمر (امرأته) أي مجامعتها (فقالت) أي امرأة عمر: (إني قد نمت) قبل أن آكل (٣) فحرم عليَّ الجماع (فظن) أي عمر (أنها) أي امرأته (تعتل) أي تلهى وتعتذر عذرًا كاذبًا (فأتاها) أي جامعها (فجاء رجل من الأنصار) أي ثم وقع لرجل (٤) من الأنصار بعد واقعة عمر ﵁ أنه جاء بيته (فأراد الطعام) أي طلبه من أهله، (فقالوا) أي أهله: (حتى نسخن لك شيئًا) أي اصبر حتى نزيل برودتها
стр. 1613
فَنَامَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١). [حم ٥/ ٢٤٦، خزيمة ٢٨٤، ق ١/ ٣٩٠، ش ١/ ١٠٤]
===
على النار، وشيئًا إما مفعول لنسخن أي شيئًا من الطعام، أو منصوب على الظرفية لفعل مقدر أي اصبر شيئًا من الزمن.
(فنام) أي فغلبته عيناه، (فلما أصبحوا) أي المسلمون (نزلت عليه) أي على رسول الله ﷺ (هذه الآية فيها) أي في تلك الواقعة، وهي قوله تعالى: (﴿أُحِلَّ﴾) أي أحل الله (﴿لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾) أي ليلة يوم الصيام (﴿الرَّفَثُ﴾) كناية عن الجماع، عدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء أي مفضين (﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾).
وهذا تحويل ثالث، فإنه كان في الأول أن الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لا يجوز له الأكل بعده لا في ليل ولا في نهار حتى يفطر في اليوم الثاني، ثم نسخ هذا الحكم وأبيح لهم في جميع ليلة الصيام المفطرات الثلاثة.
قال الشوكاني (٢): الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل به، ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد. قال الحافظ: وهذا الحديث ظاهر الانقطاع، قال المنذري: إلَّا أن قوله في رواية أبي داود: "حدثنا أصحابنا" إن أراد الصحابة فيكون مسندًا وإلَّا فهو مرسل، وفي رواية ابن أبي شيبة وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي: "حدثنا أصحاب محمد"، فتعين الاحتمال الأول، ولهذا صححها ابن حزم وابن دقيق العيد.
стр. 1614
٥٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ أَبِى دَاوُدَ. (ح): وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, عَنِ الْمَسْعُودِىِّ,
===
قلت: قولهم: إن حديث ابن أبي ليلى منقطع، ولم يدرك ابن أبي ليلى عبد الله بن زيد، أجاب عنه في "الجوهر النقي" (١) بأنه يمكن سماع ابن أبي ليلى من عبد الله بن زيد, لأن عبد الله توفي سنة ثنتين وثلاثين، وقد ذكر البيهقي أن الواقدي ذكر بسنده عن محمد بن عبد الله بن زيد قال: توفي أبي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وابن أبي ليلى وُلد سنة سبع عشرة.
٥٠٥ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (عن أبي داود) الطيالسي، (ح: وثنا نصر بن المهاجر، ثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، وثَّقه أحمد بن حنبل، وقال: إنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد، وقال: وسماع أبي النضر وعاصم من المسعودي بعد ما اختلط، ووثَّقه ابن معين، وقال يحيى: من سمع منه في زمان أبي جعفر فهو صحيح السماع، ووثَّقه يحيى، وقال: كان يغلط فيما يروي عن عاصم والأعمش، ووثَّقه علي بن المديني، وقال: كان يغلط فيما روى عن عاصم وسلمة، ويصحح فيما روى عن القاسم ومعن، وقال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بأخرةٍ، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم.
وقال يحيى بن سعيد: آخر ما لقيت المسعودي سنة سبع أو ثمان وأربعين، ثم لقيته بمكة سنة ٥٨ هـ، وكان عبد الله بن عثمان ذلك العام معي وعبد الرحمن بن مهدي فلم نسأله عن شيء، وقال أبو حاتم: تغير قبل موته بسنة أو سنتين، وقال ابن عيينة: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي، وقال ابن حبان: اختلط حديثه فلم يتميز فاستحق الترك، وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليوم الذي قد اختلط فيه المسعودي
стр. 1615
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: "أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ, وَأُحِيلَ الصِّيَامُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ". وَسَاقَ نَصْرٌ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وَاقْتَصَّ ابْنُ الْمُثَنَّى مِنْهُ قِصَّةَ صَلَاتِهِمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَطْ. قَالَ: الْحَالُ الثَّالِثُ:
===
كنا عنده وهو يعزى في ابن له إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع وقام فدخل في منزله، ثم خرج إلينا وقد اختلط، مات سنة ١٦٠ هـ.
(عن عمرو بن مرة) الجملي، (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن، (عن معاذ بن جبل) الأنصاري (قال) أي معاذ بن جبل: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال).
فذكر ابن المثنى ونصر بن المهاجر بسنديهما من طريق المسعودي التغيرات الثلاثة في الصلاة والصيام في الإجمال، وأما في التفصيل فلم يذكر ابن المثنى من أحوال الصيام شيئًا، ولم يذكر من أحوال الصلاة إلَّا الحال الثالث، وهو تحويل القبلة، وأما نصر فقد ذكر في حديثه الطويل الأحوال الثلاثة المتعلقة بالصلاة، لكن لم يذكرها المصنف اختصارًا، وكذا ذكر نصر في حديثه الأحوال المتعلقة بالصيام، وذكرها المصنف لكن ذكر الحال الثالث مختصرًا، وأما عمرو بن مرزوق برواية شعبة، وابن المثنى برواية محمد بن جعفر عن شعبة فلم يذكرا "وأحيل الصيام ثلاثة أحوال" في الإجمال، وذكرا في التفصيل، لكن لم يميز الثانية من الأولى، وذكرا من أحوال الصلاة حالين، كما تقدم.
(وساق نصر الحديث بطوله) أي يقول المؤلف أبو داود: إن شيخي نصر بن المهاجر ساق هذا الحديث بطوله، وذكر فيه الأحوال الثلاثة للصلاة.
(واقتص ابن المثنى منه) أي من الحديث (قصة صلاتهم نحو بيت المقدس قط) أي فقط ولم يذكر الحالين الأولين (قال) أي ابن المثنى: (الحال الثالث:
стр. 1616
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى - يَعْنِى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا,
===
أن رسول الله ﷺ قدم المدينة) أي مهاجرًا، (فصلَّى يعني نحو بيت المقدس) (١) أي جهة بيت المقدس (ثلاثة عشر شهرًا).
وفي رواية البخاري: "ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا"، حكى الحافظ في "فتح الباري" (٢) عن الطبري وغيره من طريق علي بن [أبي] طلحة، عن ابن عباس قال: "لمَّا هاجر النبي ﷺ إلى المدينة واليهود- أكثر أهلها- يستقبلون بيت المقدس أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت". ومن طريق مجاهد قال: "إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة, لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا، فنزلت". وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس: "كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه"، والجمع بينهما ممكن بأن يكون أُمِرَ ﷺ لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.
وأخرج الطبراني من طريق ابن جريج قال: "صلَّى النبي ﷺ أول ما صلَّى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلَّى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة".
стр. 1617
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
===
وأما الاختلاف الواقع في مدة استقباله قبل بيت المقدس في الروايات، فوقع في رواية البخاري بالشك "ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا"، قال الحافظ (١) ما ملخصه: ورواه أبو عوانة في "صحيحه"، فقال: "ستة عشر" من غير شك، وكذا لمسلم، وللنسائي ولأبي عوانة أيضًا، وكذا لأحمد بسند صحيح، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف "سبعة عشر"، وكذا للطبراني عن ابن عباس.
والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: "سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام"، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول.
وشذت أقوال أخرى، ففي "ابن ماجه": "ثمانية عشر شهرًا"، ومن الشذوذ أيضًا رواية ثلاثة عشر شهرًا، ورواية تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول، فجملة ما حكاه تسع روايات.
(فأنزل الله) أي بعد ما رغب ﷺ في تحويل القبلة إلى الكعبة ودعا ربه أنزل (هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾) أي ربما نرى، فإن معناه كثرة الرؤية بتردد وجهك وتصرف نظرك (﴿فِي﴾) جهة (﴿السَّمَاءِ﴾) وكان يرجو أن يحول إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان فكان ينتظر الوحي بالتحويل (﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾) أي نجعلنّك واليًا ونمكننك من استقبالها من الولاية،
стр. 1618
قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١)، فَوَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَتَمَّ حَدِيثُهُ، وَسَمَّى نَصْرٌ صَاحِبَ الرُّؤْيَا.
قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ اللَّه بْنُ زيدٍ - رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ- وَقَالَ فِيهِ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مرَّتَيْنِ،
===
أو فلنجعلنك تلي جهة الكعبة من الولي (﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾) تحبها لمصالح مرضية عند الله تعالى (﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) أي نحوه، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين (﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾) من الأرض برًا وبحرًا، سهلًا وجبلًا (﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾) أي تولوا وجوهكم واصرفوها (﴿شَطْرَهُ﴾) تلقاءه أي المسجد الحرام، (فوجهه الله إلى الكعبة) (٢)، وهذا حال ثالث من الأحوال الثلاثة في الصلاة، (وتم حديثه) أي ابن المثنى، (وسمَّى نصر صاحب الرؤبا) الذي أري الأذان في المنام.
(قال) أي نصر بسنده أو معاذ بن جبل: (فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار) خبر مبتدأ محذوف، وهو ضمير هو، أو بيان لعبد الله. (وقال) نصر (فيه) أي في الحديث: (فاستقبل) أي الرجل الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام (القبلة، قال) أي الرجل المرئي: (الله أكبر الله أكبر) بتثنية التكبير، (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، مرتين، حَيَّ على الفلاح مرتين،
стр. 1619
اللَّهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِله إِلَّا اللهُ. ثُمَّ أَمْهَلَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: زَادَ بَعْدَمَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَقِّنْهَا بِلَالاً". فَأَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ.
وَقَالَ في الصَّوْمِ: قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كلّ شَهْرٍ، وَيَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ
===
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله، ثم أمهل) أي مكث واتَّأَدَ (هنية) مصغر هنة أصلها هنوة، أي شيء يسير كناية عن الزمان، أي زمانًا يسيرًا (ثم قام) الرجل المرئي (فقال مثلها) أي مثل ما قال قبل (إلَّا أنه) أي عبد الله بن زيد (قال: زاد) الرجل المرئي (بعد ما قال حَيَّ على الفلاح: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) مفعول لزاد.
(قال) أي معاذ: (فقال رسول الله ﷺ ) أي لعبد الله بن زيد: (لقنها) أي الكلمات المرئية (بلالًا)، فلقنها إياه، (فأذن بها بلال)، وهذا حال ثالث من الأحوال الثلاثة الواقعة في الصلاة، الذي لم يذكر في الرواية السابقة، فتمت في هاتين الروايتين الأحوال الثلاثة الواقعة في الصلاة.
(وقال) أي نصر بن المهاجر (في الصوم: قال) أي معاذ: (فإن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله: (﴿كُتِبَ﴾) أي فرض (﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾) والمراد بها صيام رمضان، أو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، كتب عليه ﷺ صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهررمضان، (﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾) أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، أي لم يفرضها عليكم وحدكم، بل هي عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم (﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾) أي المعاصي، فإنه يكسر الشهوة، وقال ﷺ : "فإن الصوم له وجاء" (﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾) منصوب بالصيام، أو بصوموا مقدرًا، أي مُوَقَّتات بعدد معلوم، والمراد بها إما أيام رمضان، أو عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، كما تقدم.
стр. 1620
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١)، فَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ وُيطْعِمَ كلَّ يَوم مِسْكِينًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. فَهَذا حَوْلٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
===
(﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾) مرضًا يضره الصوم (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) أي مسافرًا (﴿فَعِدَّةٌ﴾) أي فعليه صوم عدة تلك الأيام التي لم يصم فيها لعذر المرض والسفر (﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) غير أيام المرض والسفر يقضيها عوضها (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) أي الصوم ثم لا يصومون (﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾) هي أي الفدية طعام مسكين، هذا على قراءة الجمهور بغير إضافة الفدية إلى الطعام، وقرأ ابن عامر برواية هشام "مساكين" بإضافة الفدية إلى الطعام.
(فكان من شاء أن يصوم صام) أي كانوا لم يتعودوا الصيام فشق عليهم الصوم، فخيروا بين الصوم والإفطار، فمن شاء صام (ومن شاء أن يفطر) أي أن لا يصوم (ويطعم كل يوم مسكينًا أجزأه) أي كفاه (ذلك) أي الإطعام، (فهذا حول)، أي تغير وتحول، فإنه وجب أو أكد صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء أولًا، ثم نسخ ذلك بصيام شهر رمضان مخيرًا بين الصيام والفدية، فأذن أن من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر فعليه أن يطعم كل يوم مسكينًا، فهذا أول الأحوال في الصوم، ثم نسخ ذلك التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ووجب على المطيقين غير المريض والمسافر أن يصوموا ولا يفتدوا، وهذا حول ثان، وشرعه المصنف بقوله: (فأنزل الله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٢)) مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، كما قيل: ابن داية للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير، (﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾) خبر لشهر رمضان أي أبتدئ
стр. 1621
﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فَثبَتَ الصّيَامُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ، وَعَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يَقْضِيَ، وَثَبَتَ الطَّعَامُ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ، وَجَاءَ صِرْمَةُ وَقَدْ عَمِلَ يَوْمَهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثِ. [انظر تخريج الحديث السابق]
===
فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر، (﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾) نصب على الحال، أي أنزل وهي هداية للناس على الحق، (﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾) أي آياتٍ واضحات مما يهدي إلى الحق، (﴿وَالْفُرْقَانِ﴾) أي يفرق بين الحق والباطل.
(﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾)، أي فمن كان شاهدًا، أي حاضرًا مقيمًا غير مسافر (١) في الشهر (﴿فَلْيَصُمْهُ﴾) أي ولا يفطر ولا يطعم، (﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) فثبت الصيام على من شهد الشهر) أي وهو صحيح غير مسافر، (وعلى المسافر) وكذا المريض (أن يقضي) (٢) صوم أيام السفر والمرض إذا أقام وإذا برئ، (وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم) لدوام عذرهم، ولاستمرار عدم استطاعتهم.
(وجاء صرمة وقد عمل يومه) وهذا حول ثالث، وقد تقدم شرحه في الحديث السابق (وساق) أي نصر بن المهاجر (الحديث) وسيذكر المصنف حديث صرمة في كتاب الصوم من حديث البراء، قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها، وإن صرمة (٣) بن قيس الأنصاري أتى امرأته وكان صائمًا، الحديث.
стр. 1622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واختلفت الروايات في اسم هذا الصحابي، فإنه قيل فيه: صرمة بن قيس، وصرمة بن مالك، وصرمة بن أنس، وقيس بن صرمة، وأبو قيس بن صرمة، وأبو قيس بن عمرو، فإن حمل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك، وإلَّا فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد، فيمكن أن يقال: إنه كان اسمه صرمة بن قيس، فمن قال فيه: قيس بن صرمة قلبه، وكنيته أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب، وكنيته أبو أنس، ومن قال فيه: أنس حذف أداة الكنية، ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جد له، والعلم عند الله تعالى، هذا خلاصة ما قال الحافظ في "الإصابة" (١).
قلت: قد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" (٢): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو النضر، ثنا المسعودي ويزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، قال أبو النضر في حديثه: حدثني عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيلت الصيام ثلاثة أحوال.
فأما أحوال الصلاة: فإن النبي ﷺ قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثم إن الله أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) قال: فوجهه الله إلى مكة، قال: فهذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤْذِنُ بها بعضهم بعضًا، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت:
стр. 1623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، قال: ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "عَلِّمْها بلالًا فليؤذِّن بها"، فكان بلال أول من أذَّن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، إنه قد طاف بي مثل الذي أطاف به غير أنه سبقني، فهذان حولان.
قال: وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها النبي ﷺ ، قال: فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا جاءكم صلَّى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليها، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلَّا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد سن لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا"، فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام- وقال يزيد: فصام سبعة عشر (١) شهرًا من ربيع الأول إلى رمضان، من كل شهر ثلاثة أيام - وصام يوم عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) قال: فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه، قال: ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) قال: فأثبت الله
стр. 1624
(٢٩) بَابٌ (١): في الإِقَامَةِ
٥٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْمُبَارَكِ
===
صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان.
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة، ظل يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائمًا، قال: فرآه رسول الله ﷺ وقد جُهِدَ جَهْدًا شديدًا، قال: "مالي أراك قد جُهِدْتَ جَهْدًا شديدًا"، قال: يا رسول الله إني عَمِلْتُ أمس، فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، وأصبحت حين أصبحت صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية أو من حرة بعد ما نام، وأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، انتهى بلفظه.
وهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد مصرح ببيان الأحوال الثلاثة المتعلقة بالصلاة والأحوال الثلاثة المتعلقة بالصيام، ولكنه جمع بين الحولين الأولين في الصيام كما هو ظاهر.
(٢٩) (بَابٌ: في الإقَامَةِ)
٥٠٦ - (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي (وعبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بالتحتانية والمعجمة، الطفاوي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصري، قال أبو حاتم: ثقة، ووثَّقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ٢٢٨ هـ.
стр. 1625
قَالَا: ثَنَا حَمَّادٌ، عن سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ جَمِيعًا، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسٍ قَالَ: "أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ
===
(قالا: ثنا حماد) بن زيد، (عن سماك بن عطية) (١) البصري المربدي، نسبة إلى مربد، موضع بالبصرة، قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال حماد بن زيد: كان من جلساء أيوب.
(ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب) بن خالد (جميعًا) أي سماك بن عطية ووهيب يرويان جميعًا، (عن أيوب) السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد، (عن أنس) بن مالك الأنصاري، (قال) أي أنس بن مالك: (أمر) بصيغة البناء للمفعول (بلال).
واختلف في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والراجح أنها تقتضيه، وقد ورد في رواية النسائي (٢) وغيره بلفظ: أن النبي ﷺ أمر بلالًا، وقد روى البيهقي بالسند الصحيح: عن أنس أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وما حكي عن بعضهم من أن الآمر لبلال كان من بعد رسول الله ﷺ أبو بكر أو غيره، فهذا فاسد (٣)، إذ من المنقول أن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ إلَّا لأبي بكر، وقيل: لم يؤذن لأحد بعد موت رسول الله ﷺ إلَّا مرة واحدة بالشام، انتهى ما قاله الشوكاني (٤) ملخصًا.
(إن يشفع الأذان) أي يأتي بألفاظه شفعًا، قال الحافظ (٥): لم يختلف في
стр. 1626
وُيوتِرَ الإِقَامَةَ"، زَادَ حَمَّادٌ في حَدِيثِهِ: إِلَّا الإِقَامَ. [خ ٦٠٦، م ٣٧٨، ت ١٩٣، جه ٧٣٠، ن ٦٢٧، حم ٣/ ١٠٣، عب ١٧٩٤، ش ١/ ٢٠٥، ع ٢٧٩٢، خزيمة ٣٦٦، حب ١٦٧٥، قط ١/ ٢٣٩، ك/٢٩٨، ق ١/ ٣٩٠]
===
أن كلمة التوحيد (١) التي في آخره مفردة فيحمل قوله: "مثنى" على ما سواها (٢)، انتهى.
(ويوتر (٣) الإقامة) أي يأتي بكلمات (٤) الإقامة وترًا (زاد حماد) أي ابن زيد (في حديثه) عن سماك عن أيوب: (إلَّا الإقامة) أي كلمة: قد قامت الصلاة، فإنها تثنى، استدل بهذا من قال بتشفيع الإقامة، أي بأن لفظة: قد قامت الصلاة تكرر مرتين، فإن الاستثناء ذكره حماد في نفس الحديث، ولم يقل: إنها قول أيوب.
وقد اختلف (٥) الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أن الإقامة تفرد مرة مرة، وذهب قوم إلى أن الإقامة تفرد مرة مرة إلَّا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها تثنى وتكرر مرتين، ومبنى هذا الاختلاف على أن من ظن أن استثناء الإقامة من كلام أيوب وليس من الحديث كما ادعى ابن منده والأصيلي لم يقل بتثنيتها، ومن قال: إن الاستثناء ثبت مرفوعًا، وإنه من كلام رسول الله ﷺ قالوا بتثنيتها.
стр. 1627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم ذهب قوم آخرون إلى أن الإقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سواء، ويقال في آخرها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة مرتين، فذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة كلها مفردة إلَّا التكبير في أولها وآخرها, ولفظ قد قامت الصلاة فإنها مثنى مثنى.
وقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة، فإنه يثنى، وأجيب بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان، فإن التكبير في أول الأذان أربع، وهذا إنما يتم في تكبير أول الأذان لا في آخره.
قال النووي (١): ولنا قول شاذ: إنه يقول في التكبير الأول: الله أكبر مرة، وفي الأخير مرة، ويقول: قد قامت الصلاة مرة.
وذهبت الحنفية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين.
قال الحافظ: واستدلوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي وأبي داود بلفظ: "كان أذان رسول الله ﷺ شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة"، وأجيب عن ذلك بأنه منقطع (٢) لأن ابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد، ويجاب عن هذا الانقطاع بأن الترمذي (٣) قال بعد إخراج هذا الحديث: وقال شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثنا أصحاب محمد ﷺ ، فلا علة للحديث, لأنه على الرواية عن عبد الله بدون توسيط الصحابة مرسل عن الصحابة وهو في حكم المسند، وعلى روايته عن الصحابة عنه مسند، ومحمد بن عبد الرحمن وإن كان بعض أهل الحديث
стр. 1628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يضعفه فمتابعة الأعمش إياه عن عمرو بن مرة، ومتابعة شعبة كما ذكر ذلك الترمذي مما يصحح خبره، وإن خالفاه في الإسناد وأرسلا فهي مخالفة غير قادحة.
ثم قال: واستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم والبيهقي في "الخلافيات" والطحاوي من رواية سويد بن غفلة أن بلالًا كان يثني الأذان والإقامة، وادعى الحاكم فيه الانقطاع، قال الحافظ (١): ولكن في رواية الطحاوي: سمعت بلالًا، ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن جبر بن علي عن شيخ يقال له: الحفص، عن أبيه، عن جده وهو سعد القرظ قال: أذن بلال حياةَ رسول الله ﷺ ، ثم أذن لأبي بكر في حياته، ولم يؤذن في زمان عمر، وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر.
وأما ما رواه أبو داود من أن بلالًا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر، فكان بها حتى مات فهو مرسل، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مدلس.
وروى الطبراني في "مسند الشاميين" (٢) من طريق جنادة بن أبي أمية، عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى، وفي إسناده ضعف، قال الحافظ: وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي وغيره، انتهى.
وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في "الناسخ والمنسوخ"، وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي، وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة "أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة"، وهو حديث صححه الترمذي وغيره، وهو متأخر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة, لأنه
стр. 1629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بعد فتح مكة, لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح، وبلالًا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخًا.
وقد روى أبو الشيخ أن بلالًا أذن بمنى ورسول الله ﷺ ثَمَّ مرتين مرتين، وأقام مثل ذلك.
إذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة هان كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في "الصحيحين"، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم، لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك، انتهى ما قاله الشوكاني (١) ملخصًا.
قلت: وقد أخرج الطحاوي (٢) بسنده عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان يثني الأذان ويثني الإقامة، وأيضًا أخرج الطحاوي (٣) بسنده عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة، وأيضًا بسنده من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم قال: كان ثوبان يؤذن مثنى، ويقيم مثنى، وأخرج بسنده عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى.
قال الطحاوي: وقد روي عن مجاهد في ذلك ما حدثنا يزيد بن سنان قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا فطر بن خليفة عن مجاهد في الإقامة مرة مرة إنما هو شيء استخفه الأمراء، فأخبر مجاهد أن ذلك محدث وأن الأصل هو التثنية.
وقال مولانا عبد الحي في "السعاية" (٤): عن النخعي قال: أول من نقص
стр. 1630
٥٠٧ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ, فَقَالَ (١) إلَّا الإِقَامَةَ. [انظر سابقه]
===
الإقامة معاوية بن أبي سفيان، وقال الزيلعي في "تبيين الحقائق": قال أبو الفرج: كانت الإقامة مثنى مثنى، فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة، وعن إبراهيم كانت الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة للسرعة إذا خرجوا.
٥٠٧ - (حدثنا حميد بن مسعدة، ثنا إسماعيل) بن علية، (عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة) عبد الله، (عن أنس) بن مالك الأنصاري (مثل حديث وهيب) المذكور فيما تقدم، (قال إسماعيل) أي ابن علية: (فحدثت به) أي بهذا الحديث المذكور (أيوب) أي السختياني، (فقال) أي أيوب: (إلَّا الإقامة) أي أمر بلال بتشفيع كلمات الأذان وإيتار كلمات الإقامة إلَّا كلمة "قد قامت الصلاة" فإن بلالًا لم يؤمر بإيتارها، بل أمر بتشفيعها.
استدل بهذا من قال بإيتار لفظة "قد قامت الصلاة" فإنه يقول: إن قوله: "إلَّا الإقامة" هو من قول أيوب، ولم يثبت أنه في الحديث، فإن وهيبًا روى عن أيوب من غير ذكر الاستثناء، وكذلك روى إسماعيل عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، ولم يذكر الاستثناء في الحديث، ولكنه زاد في حديثه عن أيوب أنه قال: إلَّا الإقامة، فثبت بهذا أن ما قال إسماعيل عن أيوب هو قوله، وليس في الحديث.
قال الشوكاني (٢): ادعى ابن منده والأصيلي أن قوله: "إلَّا الإقامة" من كلام أيوب وليس من الحديث، وفيما قالاه نظر, لأن عبد الرزاق رواه عن معمر عن أيوب بسنده متصلًا بالخبر مفسرًا، وكذا أبو عوانة في "صحيحه" والسراج
стр. 1631
٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ
===
في "مسنده"، والأصل أن كل ما كان من الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل، وفي رواية أيوب زيادة من حافظ فلا يقدح في صحتها عدم ذكر خالد الحذاء لها، وقد ثبت تكرير لفظ: "قد قامت الصلاة" في حديث ابن عمر مرفوعًا.
٥٠٨ - (حدثنا محمد بن بشار) بندار، (ثنا محمد بن جعفر) غندر، (ثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت أبا جعفر) (١) هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى، ويقال: محمد بن مسلم، ويقال: محمد بن مهران، ويقال: محمد بن المثنى، ويقال: ابن أبي المثنى، وأبو المثنى كنية جده مسلم، القرشي مولاهم، ولقال: أبو إبراهيم الكوفي، ويقال: البصري، مؤذن مسجد العُريان، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال الدارقطني: بصري يحدث عن جده ولا بأس بهما، وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطئ، وقال ابن عدي: ليس له (٢) من الحديث إلَّا اليسير، ومقدار ماله [من الحديث] لا يتبين صدقه من كذبه.
وقد أخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث بسنده فقال: قال: ثنا شعبة، عن أبي جعفر الفراء، عن مسلم، مؤذن كان لأهل الكوفة، وأبو جعفر الفراء غير أبي جعفر مؤذن مسجد العريان.
وقد أخرج البيهقي في "سننه" (٤) بسنده، فقال: قال: حدثنا أبو النضر،
стр. 1632
يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمٍ أَبِى الْمُثَنَّى, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "إِنَّمَا كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ, وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً, غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ (١): قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ, قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ, فَإِذَا سَمِعْنَا الإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ". [حم ٢/ ٨٥، ن ٦٢٨، د ١١٩٣، خزيمة ٣٧٤، قط ١/ ٢٣٩، ق ١/ ٤١٣، ك ١/ ١٩٨]
===
ثنا شعبة، عن أبي جعفر يعني الفراء قال: سمعت أبا المثنى، ثم قال البيهقي بعد تمام الحديث: رواه غندر وعثمان بن جبلة عن شعبة، عن أبي جعفر المدني، عن مسلم أبي المثنى، ورواه أبو عامر عن شعبة، عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان، قال: سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر.
(يحدث عن مسلم) بن المثنى، ويقال: ابن مهران بن المثنى (أبي المثنى) الكوفي المؤذن، ويقال: اسمه مهران، قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن ابن عمر) عبد الله (قال) أي ابن عمر: (إنما كان الأذان) أي كلمات الأذان (على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين) وهذا باعتبار الأكثر الأغلب، فهذا بظاهره ينفي الترجيح، (والإقامة) أي كلمات الإقامة (مرة مرة، غير أنه) أي المؤذن (يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) أي مرتين، وينبغي استثناء التكبير أيضًا في آخرها، فإنها مرتين مرتين بلا خلاف.
(فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة) (٢).
стр. 1633
(١) قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ (٢) أَبِي جَعْفَرٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.
٥٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ, حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى الْعَقَدِىَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو -, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ مُؤَذِّنِ مَسْجِدِ الْعُرْيَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُثَنَّى مُؤَذِّنَ مَسْجِدِ الأَكْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [انظر تخريج الحديث السابق]
===
(قال شعبة: لم أسمع عن أبي جعفر غير هذا الحديث) لكن ذكر الحافظ (٣) في "التهذيب": له عند أبي داود والترمذي حديث ابن عمر في الصلاة قبل العصر.
٥٠٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا أبو عامر- يعني العقدي عبد الملك بن عمرو-، ثنا شعبة) بن الحجاج، (عن أبي جعفر) محمد بن إبراهيم (مؤذن مسجد العريان (٤)) لعله مسجد بالكوفة (٥) (قال: سمعت أبا المثنى) أي جدي مسلم بن المثنى (مؤذن مسجد الأكبر) أي الجامع، ولعل هذا المسجد في الكوفة (٦) (يقول: سمعت ابن عمر) عبد الله، (وساق) أي محمد بن يحيى (الحديث) أي هذا الحديث كما ساقه محمد بن بشار.
стр. 1634
(٣٠) بَابُ الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وُيُقِيمُ آخَرُ
٥١٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْروٍ,
===
(٣٠) (بابُ الرَّجُلِ يُؤذِّنُ وَيُقِيمُ آخَرُ)
٥١٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد) الخياط، (ثنا محمد بن عمرو) الأنصاري المدني.
واختلف المحدثون في هذا الراوي فذكره بعضهم محمد بن عمرو بغير ذكر النسبة والكنية كما في أبي داود، وذكر بعضهم بأنه الواقفي، كما قال البيهقي، وذكر بعضهم بالكنية بأنه أبو سهل، كما حكى الحافظ عن عبد الهادى أنه أبو سهل، والذي في "الخلاصة" و"تهذيب التهذيب" و"التقريب" أن محمد بن عمرو رجلان: أحدهما: محمد بن عمرو الأنصاري المدني، وهو الذي مذكور في هذا السند، والثاني: محمد بن عمرو بن عبيد بن حنظلة الأنصاري الواقفي، أبو سهل البصري، وهو آخر.
قال في "الخلاصة" (١)، وكتب عليه علامة (د): محمد بن عمرو الأنصاري، عن عبد الله بن محمد، وعنه ابن مهدي، ثم ذكر ترجمة محمد بن عمرو بن عبيد، ورقم عليه علامة (تمييز) التي تدل على أنه ليست له رواية في الكتب الستة، فقال: محمد بن عمرو بن عبيد بن حنظلة الواقفي الأنصاري، أبو الحسن البصري عن الحسن، وعنه أبو أسامة، ضعفه القطان، ووثَّقه ابن حبان.
وذكر في "التقريب" (٢): محمد بن عمرو الأنصاري المدني، شيخ لابن مهدي، مقبول، من السابعة، وكتب عليه (د) ثم ذكر، فقال: محمد بن عمرو الواقفي، أبو سهل البصري، واختلف في اسم جده، ضعيف، من السابعة.
стр. 1635
عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
===
وذكر في "تهذيب التهذيب" (١) في ترجمة محمد بن عمرو الأنصاري المدني، وكتب عليه علامة (د)، فقال: محمد بن عمرو الأنصاري المدني، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن زيد في الأذان، وعنه عبد الرحمن بن مهدي وحماد بن خالد الخياط، قلت: قرأت بخط الذهبي: حكمه العدالة يعني برواية ابن مهدي عنه.
ثم ذكر محمد بن عمرو الأنصاري، وكتب عليه علامة (تمييز) فقال: محمد بن عمرو الأنصاري، يقال: اسم جده عبيد، وقيل: عبد الله بن حنظلة بن رافع الأنصاري الواقفي، أبو سهل البصري، روى عن أبيه، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، ومحمد وحفصة ابني سيرين، وعلي بن زيد بن جدعان، وأيوب، ومحمد بن واسع، وشهر بن حوشب، وغيرهم، روى عنه ابن المبارك، وأبو أسامة، وسريج بن النعمان، ومعن بن عيسى، ويحيى بن إسحاق، ومصعب بن المقدام، وعبيد الله بن موسى، وعلي بن الجعد، وكامل بن طلحة، ثم حكى عن يحيى بن سعيد ويحيى بن معين تضعيفه، وحكى عن ابن نمير أنه قال: ليس يساوي شيئًا، ثم قال: ذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم قال: قال ابن حبان: يخطئ، ثم أعاده في "الضعفاء"، فعلم من هذه العبارات أن عند الحافظ وصاحب "الخلاصة" المذكور في السند هو الأول دون الثاني، والله أعلم.
(عن محمد بن عبد الله) اختلف المحدثون في ضبطه، ففي جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا هكذا: محمد بن عبد الله، وهكذا عند الدارقطني، فأخرج (٢) بسنده من طريق حماد بن خالد قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد الله، عن عمه عبد الله بن زيد.
стр. 1636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وضبط البيهقي، فقال: عن عبد الله بن محمد الأنصاري عن عمه عبد الله بن زيد، فأخرج في "سننه" (١) من طريق أبي داود الطيالسي: ثنا محمد بن عمرو الواقفي، عن عبد الله بن محمد الأنصاري، عن عمه عبد الله بن زيد أنه رأى الأذان في المنام، الحديث.
ثم قال البيهقي بعد تمام الحديث: هكذا رواه أبو داود عن محمد ابن عمرو، ورواه معن عن محمد بن عمرو الواقفي، عن محمد بن سيرين، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن عبد الله بن زيد، فالبيهقي ضبطه مرة في سند الحديث، فقال: عن عبد الله بن محمد الأنصاري، ثم ضبطه في سند آخر: فقال: عن محمد بن عبد الله بن زيد.
وأخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) من طريق زيد بن الحباب أبو الحسين العكلي قال: أخبرني أبو سهل محمد بن عمرو قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن زيد، عن عمه عبد الله بن زيد رائي الأذان، الحديث، فمحمد بن عبد الله ولد لعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن محمد حفيد لعبد الله بن زيد، ولكليهما رواية عن عبد الله بن زيد.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي الأنصاري المدني، روى عن أبيه وأبي مسعود الأنصاري، وروى عنه ابنه عبد الله بن محمد وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم التيمي ومحمد بن جعفر بن الزبير ونعيم بن عبد الله المجمر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن منده: وُلد في عهد النبي ﷺ .
стр. 1637
عن عَمِّهِ
===
وقال في ترجمة عبد الله بن محمد (١): عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي المدني، روى عن جده في الأذان، وقيل: عن أبيه عن جده، وعنه أبو العميس عتبة بن عبد الله المسعودي ومحمد بن سيرين ومحمد بن عمرو الأنصاري، وفي إسناد حديثه اختلاف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: قال البخاري: فيه نظر, لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض، انتهى.
قلت: كلام الحافظ هذا صريح في أن الذي ههنا في السند هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري لا محمد بن عبد الله، ولعله انقلب على الذين قالوا فيه: محمد بن عبد الله، وأصرح من ذلك ما قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" على رقم ٤٧٨: محمد بن [عبد الله عن عمه (٢)] عبد الله بن زيد الذي أري النداء، وعنه محمد بن عمرو الأنصاري، قاله حماد بن خالد الخياط عنه، وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن محمد بن عمرو، عن عبد الله بن محمد، عن جده عبد الله بن زيد وهو الصواب، انتهى، وهذا الكلام يشير إلى أن حماد بن خالد الخياط أخطأ فيه، والصواب ما قاله ابن مهدي.
(عن عمه) (٣) هكذا في جميع نسخ أبي داود، وكذا في البيهقي، وكذا في "مسند أحمد"، ولما اتفق عليه جماعة من المحدثين ولا يوجد خلافه، لا يجترئ عليه أحد أن ينسبه إلى الغلط والتصحيف، ولكن لا نعلم له وجهًا، فإن ههنا في السند لا يخلو من أن يكون عبد الله بن محمد أو محمد بن عبد الله، فإن كان في السند عبد الله بن محمد فهو حفيد عبد الله بن زيد ويروي عن جده، كما تقدم، وإن كان محمد بن عبد الله فهو ولد عبد الله بن زيد ويروي عن أبيه،
стр. 1638
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ فِى الأَذَانِ أَشْيَاءَ لَمْ يَصْنَعْ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَأُرِىَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأَذَانَ فِى الْمَنَامِ, فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ, فَقَالَ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ». قال: فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ. فَأَذَّنَ بِلَالٌ, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ, قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ». [حم ٤/ ٤٢، قط ١/ ٢٤٥، ق ١/ ٣٩٩]
٥١١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ
===
وعلى كلا التقديرين لا يصح أن يقال: عن عمه، بل يجب أن يقال: عن جده أو عن أبيه، والله تعالى أعلم.
(عبد الله بن زيد قال: أراد النبي ﷺ في الأذان أشياء) أي القنع والناقوس وغيرهما، (لم يصنع منها شيئًا (١)) لمصالح اقتضت ذلك، منها كراهية التشبه بالكفار (قال: فأري) بصيغة المجهول (عبد الله بن زيد) أي ابن عبد ربه (الأذان في المنام، فأتى) بصيغة المعلوم أي عبد الله بن زيد (النبي ﷺ فأخبره) أي بما رأى.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (ألقه) (٢) أي الأذان (على بلال، قال: فألقاه عليه) أي ألقى عبد الله بن زيد الأذان على بلال (قال: فأذن بلال، فقال عبد الله) أي ابن زيد: (أنا رأيته) أي الأذان (وأنا كنت أريده) فبسبب أني رأيته وأني أريده كنت أحق به من بلال (قال: فأقم أنت).
٥١١ - (حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا محمد بن عمرو) الأنصاري، وفي نسخة على الحاشية: شيخ من أهل المدينة من الأنصار، (قال: سمعت عبد الله بن محمد) بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه
стр. 1639
قَالَ: كَانَ جَدِّي عَبْدُ اللَّه بْنُ زَيْدٍ (١) بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَأَقَامَ جَدِّي. [انظر سابقه]
===
الأنصاري المدني الخزرجي، روى عن جده في الأذان، وقيل: عن أبيه عن جده، وعنه أبو العميس عتبة بن عبد الله المسعودي ومحمد بن سيرين ومحمد بن عمرو الأنصاري، وفي إسناد حديثه اختلاف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: قال البخاري: فيه نظر, لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض.
(قال: كان جدي عبد الله بن زيد) بن عبد ربه يحدث، كما في نسخة، أي يحدث عبد الرحمن بن مهدي (بهذا الخبر) المتقدم من طريق حماد بن خالد الخياط، (قال) أي عبد الله بن محمد: (فأقام جدي) أي عبد الله بن زيد، قال الشوكاني (٢): الحديث في إسناده محمد بن عمرو الواقفي الأنصاري البصري، وهو ضعيف، ضعفه القطان وابن نمير ويحيى بن معين، واختلف عليه فيه فقيل: عن محمد بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن محمد.
قلت: ما قال الشوكاني فيه نظر، فإن محمد بن عمرو الذي وقع في إسناد هذا الحديث ليس هو الواقفي البصري، بل هو الأنصاري المدني، وقد قال فيه الذهبي: حكمه العدالة، ولم ينقل تضعيفه عن القطان وابن نمير ويحيى بن معين، ولهذا قال ابن عبد البر: إسناده أحسن من حديث الإفريقي.
ثم قال الشوكاني: واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز، واختلفوا في الأولوية فقال أكثرهم: لا فرق والأمر متسع، وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة (٣) وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور، وقال بعض العلماء: من أذن فهو يقيم.
стр. 1640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال الإِمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (١): ومنها -أي من سنن الأذان-: أن من أذن فهو الذي يقيم، وإن أقام غيره فإن كان يتأذى بذلك يكره, لأن اكتساب أذى المسلم مكروه، وإن كان لا يتأذى به لا يكره.
وقال الشافعي: يكره تأذى به أو لم يتأذى، واحتج بما روي عن أخي صداء أنه قال: "بعث رسول الله ﷺ بلالًا إلى حاجة له، فأمرني أن أؤذن فأذنت، فجاء بلال وأراد أن يقيم، فنهاه عن ذلك، وقال: إن أخا صداءٍ هو الذي أذن، ومن أذن فهو الذي يقيم".
ولنا ما روي أن عبد الله بن زيد لما قص الرؤيا على رسول الله ﷺ قال له: "لقنها بلالًا فأذن بلال، ثم أمر النبي- ﷺ عبد الله بن زيد فأقام"، وروي أن ابن أم مكتوم كان يؤذن وبلال يقيم، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم، وتأويل ما رواه أن ذلك كان يشق عليه, لأنه روي أنه كان حديث عهد بالإِسلام، وكان يحب الأذان والإقامة، انتهى.
واعترض عليه الشوكاني (٢) بأن حديث الصدائي متأخر، فالأخذ به أرجح على أنه لو لم يتأخر لكان هذا الحديث خاصًا بعبد الله بن زيد، والأولوية باعتبار غيره من الأمة، والحكمة في التخصيص تلك المزية التي لا يشاركه فيها غيره، أعني الرؤيا، فإلحاق غيره به لا يجوز لوجهين: الأول: أنه يؤدي إلى إبطال فائدة النص، أعني حديث "من أذن فهو يقيم"، فيكون فاسد الاعتبار، الثاني: وجود الفارق وهو بمجرده مانع من الإلحاق.
والجواب عنه أن حديث الصدائي ضعيف، قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان
стр. 1641
(١).
٥١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ - يَعْنِى الإِفْرِيقِىَّ - أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِىَّ, أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِىَّ
===
وغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي، قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث، وقد مر ترجمته على صفحة ٣٢٠ من الجزء الثاني مفصلة.
ثم الخصوصية التي ادعاها الشوكاني لا وجه لها، فإنه لو كان رؤية عبد الله بن زيد الأذان في المنام سببًا لأن يكون هو أحق بالأذان من غيره لما كان رسول الله ﷺ يعدله عنه إلى بلال، ولو كان ذلك العدول عنه لمرض أو غيره لرده إليه رسول الله ﷺ ، فلما لم يرده إليه علم منه أنه لم يكن أحق به من غيره على أنه روي أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال، وربما كان عكسه.
٥١٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: ثنا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد -يعني الإفريقي- أنه سمع زياد بن نعيم) هو زياد بن ربيعة بن نعيم مصغرًا، ابن ربيعة (الحضرمي) نسب إلى جده، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثَّقه يعقوب بن سفيان أيضًا، مات سنة ٩٥ هـ.
(أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي) (٢) بضم صاد وخفة مهملة فألف فهمزة نسبة إلى صداء (٣) وهي حي من اليمن، صحابي، قال ابن يونس: هو رجل معروف نزل مصر.
стр. 1642
قَالَ: لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِى - يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ فَأَذَّنْتُ, فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ فَيَقُولُ: «لَا» , حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ
===
(قال: لما كان أول أذان الصبح) (١) أي أول وقت أذان الصبح أي الفجر الصادق، أو أولية الأذان باعتبار الإقامة (أمرني يعني النبي ﷺ ) أي بأن أؤذن لصلاة الفجر، ولعله لم يكن بلال المؤذن حاضرًا (فأذنت، فجعلت أقول: أقيم (٢) يا رسول الله ﷺ ؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر) ولعله ﷺ ينتظر وضوح الفجر وانتشاره.
(فيقول: لا) أي لا تُقِمْ. (حتى إذا طلع الفجر) أي وضح الفجر وأسفر، لأنه سيأتي من المصنف في "باب الأذان قبل دخول الوقت": أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر" (نزل) أي نزل عن الراحلة، فإنه ﷺ كان يسير، فأمر الصدائي بالأذان في حال مسيره ﷺ ، ثم لما وضح الفجر نزل عن راحلته.
أخرج البيهقي في "سننه": أخبرنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن جميل (٣)، ثنا أبو القاسم البغوي، ثنا خلف بن هشام المقرئ، [ثنا أبو محمد البزار (٤)] ثنا سعيد بن راشد المازني، ثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان في مسير له فحضرت الصلاة، فنزل القوم فطلبوا بلالًا فلم يجدوه، فقام رجل فأذن، ثم جاء بلال، فقال القوم: إن رجلًا قد أذن، فمكث القوم
стр. 1643
فَبَرَزَ, ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَىَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ - يَعْنِى فَتَوَضَّأَ -, فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ, فَقَالَ لَهُ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ هُوَ أَذَّنَ, وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» قَالَ: فَأَقَمْتُ. [ت ١٩٩، جه ٧١٧، حم ٤/ ١٦٩، ق ١/ ٣٩٩]
(٣١) بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالأَذَانِ
٥١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ،
===
هوناً (١)، ثم إن بلالًا أراد أن يقيم، فقال له النبي ﷺ : "مهلاً يا بلال فإنما يقيم من أذن"، تفرد به سعيد بن راشد، وهو ضعيف.
(فبرز) لعله بمعنى تبرز (٢) أي ذهب إلى البراز لقضاء الحاجة، (ثم انصرف إليّ) أي رجع من البراز، (وقد تلاحق أصحابه) أي تلاحقوا به ﷺ واجتمعوا عنده، وقد كانوا في المسير متفرقين تقدم بعضهم وتأخر البعض، (يعني فتوضأ) زاد لفظة يعني, لأن الراوي لم يحفظ لفظ شيخه، ولكن حفظ معناه، فقال: يريد الشيخ بما قال من اللفظ فتوضأ، فهذا معنى لفظ الشيخ وليس لفظه.
(فأراد بلال أن يقيم) لأنه كان هو المؤذن، (فقال له نبي الله: إن أخا صداءٍ) أي أخا قبيلة صداء، فإن الرجل إذا كان من قبيلة فهو أخ لهم (هو أذن، ومن أذن فهو يقيم) لأنه إذا لم يقم المؤذن يلحقه الوحشة والحزن غالبًا (قال: فأقمت).
(٣١) (بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بالأذَان)
٥١٣ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، ثنا شعبة) بن الحجاج،
стр. 1644
عن مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عن أَبِي يَحْيَى، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ،
===
(عن موسى بن أبي عائشة) هكذا (١) في النسخة المكتوبة والمصرية، وفي نسخة "عون المعبود" وحاشية النسخة الدهلوية المجتبائية: موسى بن أبي عثمان، والظاهر أنه الصواب، وفي النسائي وابن ماجه والبيهقي أيضًا: موسى بن أبي عثمان، وهو موسى بن أبي عثمان التبان -بفتح المثناة وتشديد الباء الموحدة- هذه النسبة إلى بيع التبن، المدني، وقيل: الكوفي، مولى المغيرة، روى عن أبيه وأبي يحيى المكي والأعرج وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وأم ظبيان، وعنه أبو الزناد ومالك بن مغول وشعبة والثوري، قال سفيان: كان مؤذنًا، ونعم الشيخ كان، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التبان روى عن أبيه، وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي روى عن أبي يحيى عن أبي هريرة، وعن النخعي وسعيد، وعنه شعبة والثوري وغيرهما, ولم يذكر في التبان شيئًا، وقال في الآخر: عن أبيه شيخ، قلت: وأما موسى بن أبي عائشة، فقد تقدمت ترجمته في "باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا" على صفحة ٥٩٣ من الجزءالأول.
(عن أبي يحيى) هو سمعان (٢) الأسلمي مولاهم، المدني، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي عمرو وسهل بن سعد، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي في "كتاب الجرح والتعديل": ليس به بأس، قال الشوكاني (٣): وفي إسناده أبو يحيى الراوي له عن أبي هريرة، قال ابن القطان: لا يعرف، وادعى ابن حبان في "الصحيح" أن اسمه سمعان.
(عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: المؤذن يغفر له مدى صوته)
стр. 1645
وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا". [ن ٦٤٥، جه ٧٢٤، حم ٢/ ٢٦٦، خزيمة ٣٩٠، ق ١/ ٤٣١، حب ١٦٦٦]
===
أي يغفر له مغفرة طويلة عريضة على طريق المبالغة، أي يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، وقيل: يغفر خطاياه وإن كان بحيث لو فرضت أجسامًا لملأت ما بين الجوانب التي يبلغها الصوت، وقيل: معناه يغفر ذنوبها التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: معناه يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنًا أو مقيمًا إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: يغفر بمعنى يستغفر أي يستغفر له كل من يسمع صوته.
(ويشهد له كل رطب ويابس) أي كل نام وجماد يبلغه صوته، والشهادة تحمل على الحقيقة بقدرة الله تعالى على إنطاقهما، أو على المجاز، قاله ابن الملك "مرقاة" (١).
(وشاهد الصلاة) أي حاضرها ممن كان غافلًا عن وقتها، وقال ابن حجر: أي حاضر صلاة الجماعة المسببة عن الأذان (يكتب له) أي لشاهد الصلاة أو للمؤذن (خمس وعشرون صلاة) أي ثواب (٢) خمس وعشرين صلاة، ويؤيد الأول ما ورد في رواية: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين صلاة"، ويؤيد الثاني ما روي: "أن المؤذن يكتب له مثل أجر كل من صلى بأذانه".
ثم قال العلامة القاري: يحتمل أن يكون الضمير في "يكتب له" للشاهد، وهو أقرب لفظًا وسياقًا، أو للمؤذن وهو أنسب معنى وسباقًا.
(ويكفر عنه) أي الشاهد أو المؤذن (ما بينهما) أي ما بين الصلاتين اللتين شهدهما، أو ما بين أذان إلى أذان من الصغائر.
стр. 1646
٥١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِىَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ, فَإِذَا قُضِىَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ, حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ, حَتَّى إِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ, حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ
===
٥١٤ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي بالصلاة) الظاهر للصلاة، كما في رواية البخاري ومسلم أي بالأذان (أدبر الشيطان) (١) أي عن موضع الأذان، (وله ضراط) كغراب: وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره، وهذا لثقل الأذان عليه، كما للحمار من ثقل الحمل (حتى لا يسمع التأذين) تعليل لإدباره.
قال القاري: قيل: هذا محمول على الحقيقة, لأنّ الشياطين يأكلون ويشربون فلا يمتنع من وجود ذلك منهم خوفًا (٢) من ذكر الله تعالى، أو المراد استخفاف اللعين بذكر الله تعالى من قولهم: ضرط به فلان: إذا استخفه.
(فإذا قضي) بصيغة المجهول، وقيل: معروف (النداء) أي فرغ المؤذن منه وأتمه (أقبل) أي الشيطان إلى موضع الصلاة (حتى إذا ثوب بالصلاة) أي أقيم (٣) (أدبر) لكيلا يسمع الإقامة (حتى إذا قضي التثويب) أي الإقامة (أقبل) أي الشيطان (حتى يخطر) (٤) بكسر الطاء وتضم، لكي يخطر (بين المرء ونفسه) أي قلبه، أي يحول ويجحز بينهما بالوسوسة وحديث النفس، فلا يتمكن من
стр. 1647
وَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظلَّ الرَّجُلُ، أَنْ (١) يَدْرِي كَمْ صَلَّى". [خ ٦٠٨، م ٣٨٩، ن ٦٧٠، ط ١/ ٦٩/ ٦، ق ١/ ٤٣٢]
(٣٢) بَابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ منْ تَعَاهُدِ الْوَقْتِ
٥١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ،
===
الحضور في الصلاة، والنسبة إلى الشيطان مجازية باعتبار أن الله مكنه منها، وأما إسناد الحيلولة إليه تعالى في قوله: "إن الله يحول بين المرء وقلبه" فحقيقة، كذا قال القاري (٢).
(ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا) أي يخطر في قلب المصلي، ويذكره أشياء غير متعلقة بالصلاة ليلهو عن الصلاة (لما لم يكن يذكر) أي لشيء لم يكن المصلي يذكر قبل شروعه في الصلاة من ذكر ماله وحسابه وبيعه وشرائه.
(حتى) قال الطيبي: كُرِّرَ حتى في الحديث خمس مرات، الأولى والأخيرتان بمعنى كي، والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل (يظل الرجل) أي كي يصير من الوسوسة بحيث (أن) أي لا (يدري كم صلى) أي يقع في الشك.
(٣٢) (بابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ مِنْ تَعَاهُدِ الْوَقْتِ)
٥١٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن فضيل) بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي، ابن جرير الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، عن أحمد: كان يتشيع وكان حسن الحديث، وعن ابن معين: ثقة، قال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، وقال ابن حبان: كان يغلو في التشيع، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث متشيعًا، وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقة وكان عثمانيًا، وقال ابن شاهين:
стр. 1648
ثنَا الأَعْمَشُ، عن رَجُلٍ،
===
قال علي بن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال الدارقطني: كان ثبتًا في الحديث إلَّا أنه كان منحرفًا عن عثمان، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي، وقال أبو هشام الرفاعي: سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان، ولا رحم من لا يترحم عليه، قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنَّة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا يحصى، فلم أسمعه يجهر يعني بالبسملة، مات سنة ٢٩٥ هـ، صنف مصنفات في العلم، وقرأ القراءة على حمزة الزيات.
(ثنا الأعمش) سليمان بن مهران، (عن رجل) (١) وفي "الترمذي": عن الأعمش عن أبي صالح، قال الترمذي: رواه سفيان الثوري وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وروى أسباط بن محمد عن الأعمش قال: حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة، قلت: وروى أيضًا عن أبي صالح عن عائشة، قال أبو زرعة: حديث أبي هريرة أصح من حديث عائشة، وقال البخاري عكسه، وذكر علي بن المديني أنه لم يثبت واحد منهما، وأما ابن حبان فصحح حديث أبي هريرة وعائشة جميعًا، وقال: قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعًا، وقال إبراهيم بن حميد الرؤاسي: قال الأعمش: وقد سمعته من أبي صالح، قال هشيم: عن الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة، ذكر ذلك الدارقطني، فتبين من هذه الطرق أن الأعمش سمعه من غير أبي صالح، ثم سمعه منه، قال اليعمري: والكل صحيح، والحديث متصل، كذا قال الشوكاني (٢).
стр. 1649
عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ, اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ, وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ». [ت ٢٠٧، حم ٢/ ٢٣٢، عب ١٨٣٨، خزيمة ١٥٢٨، حب ١٦٧٢، ق ١/ ٤٣٠]
===
(عن أبي صالح) السمان، اسمه ذكوان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن) قال القاري (١): الضمان ههنا ليس بمعنى الغرامة، بل يرجع إلى الحفظ والرعاية، قال القاضي: الإِمام متكفل أمور صلاة الجمع، فيتحمل القراءة عنهم، إما مطلقًا عند من لا يوجب القراءة على المأموم، أو إذا كانوا مسبوقين، ويحفظ عليهم الأركان والسنن وأعداد الركعات، ويتولى السفارة بينهم وبين الرب في الدعاء.
وقال ابن الملك: لأنهم يراعون ويحافظون من القوم صلاتهم كالمتكفلين لهم صحة صلاتهم وفسادها أو كمالها ونقصانها بحكم المتبوعية والتابعية، ولهذا الضمان كان ثوابهم أوفر إذا راعوا حقها، ووزرهم أكثر إذا خلوا بها، أو المراد ضمان الدعاء.
(والمؤذن مؤتمن) أي المؤذن أمين في الأوقات، يعتمد الناس على أصواتهم في الصلاة والصيام وسائر الوظائف الموقتة، أو لأنهم يرتقون في أمكنة عالية، فينبغي أن لا يشرفوا على بيوت الناس وعوراتهم لكونهم أمناء.
(اللهُم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين) والمعنى: أرشد الأئمة بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته، واغفر للمؤذنين ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت، أو تأخير عنه سهوًا.
قال الأشرف: يستدل بقوله: "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن" على فضل الأذان على الإمامة, لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين.
стр. 1650
٥١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ, عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ أَبِى صَالِحٍ - قَالَ: وَلَا (١) أُرَانِى إلَّا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ -, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ. [ق ١/ ٤٣٠، حم ٢/ ٣٨٢]
===
ورُدَّ بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب، وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة، ويتعاهد للسفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، فأين أحدهم من الآخر، وكيف لا، والإمام خليفة رسول الله ﷺ ، والمؤذن خليفة بلال، وأيضًا الإرشاد الدلالة الموصلة إلى البغية والغفران مسبوق بالذنب، قاله الطيبي، وهو مذهبنا، وعليه جمع (٢) من الشافعية، كذا قال القاري (٣).
٥١٦ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال الحلواني، (ثنا ابن نمير) عبد الله، (عن الأعمش) سليمان بن مهران (قال: نبئت (٤) عن أبي صالح) أي أخبرت بواسطة رجل عن أبي صالح السمان (قال: ولا أراني إلَّا قد سمعته) أي هذا الحديث (منه) أي من أبي صالح، فلعل الأعمش سمع الحديث من أبي صالح، ثم تردد في ذلك، فسمعه عن رجل عنه، أو سمعه من رجل عنه، ثم سمعه منه (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ مثله) أي حدث الحسن بن علي عن ابن نمير عن الأعمش مثل الحديث الذي حدثه أحمد بن حنبل عن محمد بن فضيل عن الأعمش.