الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَهُ (١) نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ. قَالَ يَحْيَى: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَمُنِعَهُ (٢) نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيلَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. [خ ٨٦٩، م ٤٤٥، ت ٥٤٠، حم ٦/ ٩١]
٥٦٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ مُوَرِّقٍ, عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ,
===
(المسجد) أي خروجهن إلى المسجد (كما منعه) أي الخروج إلى المسجد (نساء بني إسرائيل، قال يحيى) أي ابن سعيد: (فقلت لعمرة: أمنعه) أي عن الخروج إلى المسجد (نساء بني إسرائيل؟ قالت) عمرة: (نعم) أي منعت نساء بني إسرائيل عن الخروج إلى المسجد لأجل إحداث الزينة وغيرها من دواعي الفتنة، وقول عائشة (٣): "كما منعه نساء بني إسرائيل" يدل ظاهرًا على أنهن منعن عن الخروج، فلا وجه للسؤال إلَّا لزيادة التثبت والتحقيق.
٥٦٨ - (حدثنا ابن المثنى) محمد (أن عمرو بن عاصم) بن عبيد الله الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، الحافظ، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: صالح، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال بندار: لولا فرقي من آل عمرو بن عاصم لتركت حديثه، هكذا قال الحافظ في"تهذيب التهذيب"، وقال في "التقريب": صدوق، في حفظه شيء.
(حدثهم قال: ثنا همام) بن يحيى، (عن قتادة، عن مورق) بضم أوله وتشديد الراء المكسورة، ابن مُشَمْرِج بضم أوله وفتح المعجمة وسكون الميم وكسر الراء بعدها جيم، ابن عبد الله العجلي، أبو المعتمر البصري، ثقة عابد.
(عن أبي الأحوص) هو عوف بن مالك الجشمي، مشهور بكنيته، ثقة،
стр. 1752
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِى حُجْرَتِهَا, وَصَلَاتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِى بَيْتِهَا». [ق ٣/ ١٣١، ك ١/ ٢٠٩، خزيمة ١٦٨٨]
٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ». قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ,
===
(عن عبد الله) بن مسعود، (عن النبي ﷺ قال: صلاة (١) المرأة في بيتها) أي الداخلاني لكمال سترها (أفضل من صلاتها في حجرتها) أي صحن الدار، قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها، وهي أدنى حالاً من البيت.
(وصلاتها في مخدعها) بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل، وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير يحفظ فيه الأمتعة النفيسة، من الخدع وهو إخفاء الشيء أي في خزانتها (أفضل من صلاتها في بيتها) لأن مبنى أمرها على التستر.
٥٦٩ - (حدثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو، (ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لو تركنا هذا الباب) أي الباب الذي يسمى الآن بباب النساء بالمدينة من مسجد النبي ﷺ (للنساء) أي مختصًا لدخول النساء فلا يدخل الرجال منه المسجد (قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات).
(قال أبو داود: رواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع قال: قال عمر).
حاصل هذا الكلام أن عبد الوارث وإسماعيل بن إبراهيم اختلفا في رواية
стр. 1753
وَهَذَا أَصَحُّ. [تقدم برقم ٤٦٢]
(٥٥) بَابُ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ
٥٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ, أَخْبَرَنِى يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ,
===
هذا الحديث عن أيوب في أمرين: فرفعه عبد الوارث عن ابن عمر موصولًا ولم يرفعه إسماعيل، بل أوقفه على عمر - رضي الله تعالى عنه -، وجعله قول عمر، ولم يذكر ابن عمر، ورواية نافع عن عمر منقطع.
ثم يقول أبو داود: (وهذا أصح) أي رواية إسماعيل موقوفًا أصح من رواية عبد الوارث مرفوعًا، وفي بعض النسخ: قال أبو داود: وحديث ابن عمر وهم من عبد الوارث أي رفعه وهم منه، ولم أجد دليلًا على ما ادعاه المصنف من الوهم، فإن الراويين كليهما ثقتان، ثم هذا الحديث بسنده ومتنه مكرر، قد تقدم في "باب اعتزال النساء في المساجد عن الرجال".
(٥٥) (بَابُ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ)
هل يجوز أو لا؟ والمراد بالسعي هاهنا الإسراع في المشي بحيث يتشتت به قلب المصلي وتزول طمأنينته
٥٧٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة) بن خالد، (أخبرني يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقيمت (١) الصلاة فلا تأتوها) أي الصلاة (تسعون) حال، أي لا تأتوا إلى الصلاة
стр. 1754
وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ،
===
مسرعين في المشي وإن خفتم فوت الصلاة، كذا قال بعض علمائنا، والنهي إنما هو الإسراع المفضي إلى تشتت البال وعدم استقامة الحال.
(وأتوها تمشون) أي وأتوا للصلاة حال كونكم تمشون بالطمأنينة والسكون، إن قلت: قوله: "فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون" ما هذا إلَّا كما تقول: "لا تأكل لحم الفرس، ولكن كل لحم الحيوان"، وهو كلام ضعيف، قلت: لا نسلم ضعفه, لأن المراد لحم حيوان غيره، وإن سلم فالقيد موجود في الحديث وهو قوله: (وعليكم السكينة) مع أن السعي قد يكون مشياً، كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١)، وقد يكون عدوًا، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (٢)، وقد يكون عملًا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣).
ثم من خاف فوت التكبيرة الأولى، فقيل: إنه يسرع، فإن عمر - رضي الله تعالى عنه - سمع الإقامة بالبقيع فأسرع إلى المسجد، وقيل: إنه يهرول، ومنهم من اختار يمشي على وقار للحديث, لأن من قصد الصلاة فكأنه في الصلاة، والأظهر إسراع مع السكينة إحرازًا للفضيلتين، ولقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤)، وفي بعض الروايات جمع بين السكينة والوقار، فقيل: هما بمعنى، والحق أن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت، والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك، قاله الطيبي، والأظهر أن المراد بالسكينة سكون القلب وحضوره وخشوعه وخضوعه وأمثال ذلك، وبالوقار سكون القلب من الهيئات الغير المناسب للسالك.
стр. 1755
فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". [خ ٦٣٦، م ٦٠٢، ت ٣٢٧، ن ٨٦١، جه ٧٧٥]
===
(فما أدركتم فصلوا) الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتم فصلوا، أي ما أدركتم من ركعات الصلاة فصلوه، وبإطلاقه أخذ جماعة من العلماء أن الجماعة تدرك بأي جزء أدرك قبل سلام الإِمام، ويحصل للمأموم فضل الجماعة وهو سبع وعشرون درجة، لكن من أدركها من أولها تكون درجته أكمل.
(وما فاتكم فأتموا) فيه دليل على أن ما أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته, لأن لفظ الإتمام يقع على باقي فعل تقدم أوله، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد قاله ابن الملك، قال الطيبي: وهو مذهب علي وأبي الدرداء، قلت: وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ إلَّا في القراءة، قال ابن حجر: وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين، وقال آخرون: ما أدركه معه هو آخر صلاته لرواية: "ما فاتكم فاقضوا" ورد بأن حقيقة القضاء هنا غير متأتية، فتعين حملها على رواية الإتمام الصريحة، قاله القاري (١).
قلت: قد اختلف الأئمة فيمن أدرك الإِمام يوم الجمعة بعد الركوع مثلًا في التشهد أو في سجود السهو هل يبني عليه الجمعة أو الظهر؟ فقال محمد: يبني عليها الظهر، ويصلي أربعًا، قال العيني في "شرح الهداية": وبه قال الشافعي ومالك (٢) وأحمد بناءً على ما أخرجه الدارقطني (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، وما فاتته الركعتان فليصل أربعًا".
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يبني عليها الجمعة، ويصلي ركعتي الجمعة مستدلًا بهذا الحديث الصحيح الصويح الذي أخرجه البخاري ومسلم، فإنه يدل
стр. 1756
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ الزُّبَيْدِيُّ وابْنُ أَبي ذِئْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ
===
على أن من فاته شيء من صلاة الإِمام، وأدرك شيئًا منها أي جزء كان، فعليه أن يتمه ويقضيه، فإذا أدرك في الجمعة التشهد أو سجود السهو فبناء على هذا الحديث عليه أن يتم الجمعة ويقضيه.
وفي رواية أخرى للدارقطني: "من أدرك من الجمعة ركعة صلَّى إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسًا صلَّى الظهر أربعًا" والحديث ضعيف, لأن في سنده ياسين بن معاذ الزيات، قال الدارقطني: قال الشيخ: ياسين ضعيف، وأيضًا في روايةٍ صالح بن أبي الأخضر وهو أيضًا ضعيف، ضعفه يحيى بن معين والنسائي والبخاري، وعن ابن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني: اتهم في أحاديثه، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال الترمذي: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، قاله الذهبي في "الميزان" (١)، وأيضًا وقع في رواية للدارقطني سليمان بن أبي داود الحراني، قال في "الميزان" (٢): ضعفه أبو حاتم، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحتج به.
ومع هذا حديث الدارقطني هذا لا يقاوم حديث الصحيحين، ولو سلم فيمكن أن يوجه قوله: "فإن أدركهم جلوسًا" أي بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك قوله: "من فاتته الركعتان" أي فوتهما بسلام الإِمام، فحينئذ لا يخالف حديث الصحيحين في المعنى.
(قال أبو داود: وكذا) أي مثل ما قال يونس عن ابن شهاب بلفظ: "وما فاتكم فأتموا"، (قال الزبيدي) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي بالزاي والموحدة مصغرًا، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، (وابن أبي ذئب) أخرج روايته البخاري (٣) (ابرا هيم بن سعد) أخرج
стр. 1757
وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن الزُّهْرِيِّ: "وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ: "فَاقْضُوا". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي سَلَمَةَ،
===
روايته مسلم (١) (ومعمر) أخرج روايته الترمذي (٢) (وشعيب بن أبي حمزة) أخرج حديثه البخاري في الجمعة (٣) (عن الزهري: وما فاتكم فأتموا) حاصله أن كلهم رووا عن الزهري بلفظ: فأتموا، وخالفهم ابن عيينة في هذا اللفظ (وقال ابن عيينة (٤) عن الزهري وحده: "فاقضوا") أي لم يذكر ابن عيينة "فأتموا"، بل ذكر ابن عيينة وحده من بين أصحاب الزهري "فاقضوا"، قال الحافظ (٥): رواه عنه ابن عيينة بلفظ: "فاقضوا"، وحكم مسلم في "التمييز" عليه بالوهم في هذه اللفظة مع أنه أخرج إسناده في "صحيحه" لكن لم يسبق لفظه.
قلت: ودعوى المصنف بأن ابن عيينة عن الزهري متفرد في لفظ "فاقضوا" غير صحيح، فإن الإِمام الطحاوي (٦) أخرج بسنده عن الليث قال: ثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "فاقضوا"، فثبت بهذا أن ابن عيينة غير متفرد في رواية هذا اللفظ عن ابن شهاب.
(وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة) ذكره الطحاوي بسنده في "شرح
стр. 1758
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (١). وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: «فَأَتِمُّوا». وَابْنُ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَنَسٌ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ , كُلُّهُمْ (٢): «فَأَتِمُّوا".
٥٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ, فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ». [حم ٢/ ٣٨٢، خزيمة ١٥٠٥، وانظر تخريج الحديث السابق]
===
معاني الآثار" (٣) (عن أبي هريرة، وجعفر بن ربيعة (٤)، عن الأعرج، عن أبي هريرة: فأتموا) هذا تقوية وتأييد لما روى جمهور تلامذة الزهري عنه بقوله: فأتموا، ثم أيده برواية الصحابة غير أبي هريرة، فقال: (وابن مسعود، عن النبي ﷺ ، وأبو قتادة) أخرج روايته البخاري ومسلم (وأنس عن النبي، ﷺ كلهم: فأتموا) أي كلهم قالوا بلفظة "فأتموا" (٥).
٥٧١ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ائتوا الصلاة) أي ائتوا المسجد للصلاة (وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما سبقكم،
стр. 1759
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ «وَلْيَقْضِ» (١) , وَكَذَا أَبُو رَافِعٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَأَبُو ذَرٍّ رُوِىَ عَنْهُ: «فَأَتِمُّوا وَاقْضُوا» وَاخْتُلِفَ فيهِ عَنْهُ.
===
قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: وليقض) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" ولفظه: واقض ما سبقك، (وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة) أي بلفظ القضاء، ولم أجد روايته فيما عندي من الكتب (وأبو ذر روي عنه) بلفظ (فأتموا) وبلفظ (واقضوا) روي عنه بكلا اللفظين (واختلف فيه) أي في هذا اللفظ (عنه) أي عن أبي ذر، ولم أجد روايته أيضًا (٢)، وكذلك رواية ابن مسعود وأنس، وغرض المصنف من ذكر هذه الروايات ترجيح لفظ "فأتموا" على لفظ "فاقضوا".
قال العيني (٣): وفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: "وما فاتكم فاقضوا"، وكذا ذكر الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية لمسلم: "فاقض ما سبقك"، وفي رواية لأبي داود: "فاقضوا ما سبقكم"، وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري: "وما فاتكم فاقضوا"، وفي "المحلى" من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة: "وما فاته فليقض"، وفي "مسند أبي قرة" عن ابن جريج عن الزهري بلفظ: "فاقضوا"، قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم حدثني عمرو بن [أبي]، سلمة عن أبيه بلفظ: "وليقض ما سبقه".
اختلف العلماء في القضاء والإتمام المذكورين هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ على أربعة أقوال:
стр. 1760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحدهما: أنه أْول صلاته وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال (١) والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول، ورواية عن مالك وأحمد، واستدلوا بقوله: "وما فاتكم فأتموا", لأن لفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره، وروى البيهقي عن الحارث عن علي ﵁: "ما أدركت فهو أول صلاتك"، وعن ابن عمر بسند جيد مثله.
الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال قيقضِها، وهو قول مالك، قال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلَّا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، ودليله ما رواه البيهقي أن علي بن أبي طالب قال: "ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن".
الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلَّا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإِمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها , لأنه آخر صلاته، وهو قول المزني وإسحاق، وأهل الظاهر.
الرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيًا في الأفعال والأقوال، وهو
стр. 1761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قول أبي حنيفة وأحمد في رواية, وسفيان ومجاهد وابن سيرين، وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته، وقال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه ابن القاسم عن مالك وهو قول أشهب وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "ما فاتكم فاقضوا"، ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر، وابن حزم بسند مثله عن أبي هريرة، والبيهقي بسند لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل ﵁.
والجواب عما استدل به الشافعي ومن تبعه وهو قوله: "فأتموا": أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإِمام، فحمل قوله: "فأتموا" على أن من قضى ما فاته فقد أتم, لأن الصلاة تنقص بما فات، فقضاؤه إتمام لما نقص.
قلت (١): وههنا قول خامس (٢) نسبه الحنفية إلى الإِمام محمد ﵀، وهو أن المسبوق يقضي أول صلاته في حق قراءة، وآخرها في حق تشهد، قال الشامي (٣): وظاهر كلامهم اعتماد قول محمد.
وعندي الأوفق بلفظ الحديث قول من قال: إن ما أدرك من صلاة الإِمام فهو آخر صلاته، فإن لفظ الحديث: "ما فاتكم فأتموا"، تقديره: ما فات من صلاتكم عن صلاة إمامكم فاتموه أي ائتوه تامًا، والذي فات من الصلاة هو أول صلاته، فإنه لم يدركه مع الإِمام، فعليه بمقتضى الحديث أن يؤديه تامًا كاملًا، وما استدل على خلافه من أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل
стр. 1762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حال، فلو كان ما يدركه مع الإِمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد، أجاب عنه ابن بطال أنه ما تشهد إلَّا لأجل السلام, لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد، وأما استدلال ابن المنذر على ذلك بأنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلَّا في الركعة الأولى فغير مسلم في حق المسبوق، والله تعالى أعلم.
يقول العبد الحقير المعترف بالتقصير: إن هذا الحديث أورده المحدثون بألفاظ مختلفة بعضها محتملة للمعنيين، وبعضها محكمة في معنى واحد، فأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ولفظه: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، وبهذا اللفظ أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة ﵁، وكذلك أخرج مسلم من حديث أبي قتادة، وحكى أبو داود أن حديث ابن مسعود وأنس بهذا اللفظ يعني فأتموا، وروى سفيان بن عيينة من بين أصحاب الزهري في حديث أبي هريرة بلفظ: "فاقضوا" بدل "فأتموا".
واختلف أيضًا في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور "فأتموا"، ووقع لمعاوية بن هشام عن شيبان "فاقضوا"، وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فقال: "فاقضوا"، واختلف في حديث أبي ذر أيضًا، فروي عنه "فأتموا"، وروي عنه "واقضوا".
وهذان السياقان استدل بهما الفريقان، فالذين قالوا: إن المسبوق يدرك مع الإِمام أول صلاته، ثم إذا انفرد عن الإِمام يتم آخر صلاته، استدلوا بلفظ "فأتموا" فإن إتمام الشيء لا يتحقق إلَّا بعد ما تقدمه شيء، وأما لفظ "فاقضوا" ليس بمغاير للإتمام، فإن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبًا، لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (١) فيحمل قوله: "فاقضوا" ههنا على معنى الأداء والفراغ، فلا يغاير قوله: "فأتموا"، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية "فاقضوا".
стр. 1763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والذين قالوا: إن المسبوق المدرك صلاة الإِمام يؤدي مع الإِمام آخر صلاته، ثم إذا انفرد عن الإمام يقضي أول صلاته، احتجوا بلفظ "فاقضوا"، وقالوا: إن الأصل في القضاء هو الإتيان بالفائت، كما في قوله ﵇ قال: "فأتموا بقية يومكم واقضوه، أخرجه أبو في داود في الصوم من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة، وأما لفظ "فأتموا" فيأتي بمعنى الإتيان تامًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) فإذا احتمل كل واحد من اللفظين كل واحد من المعنيين، فلا يجوز الاستدلال بهما.
وأما ترجيح المحدثين لفظ "فأتموا" بأن هذا اللفظ ورد في أكثر الروايات، ولفظ "فاقضوا" في أقل منها, لو سلم فغير نافع، فحينئذ يجب المصير إلى دليل آخر ليس فيه احتمال مخالف ناشئ عن دليل.
فأقول (٢): إن الإِمام مسلمًا أخرج في "صحيحه" حديث أبى هريرة من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله ﷺ : "صل ما أدركت واقض ما سبقك".
وكذلك أخرج أبو داود من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة ولفظه: "فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم"، قال أبو داود: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة، وكذا قال أبو رافع عن أبي هريرة.
فهذا سياق ثالث غير السياقين المتقدمين، وهذا السياق محكم ليس فيه احتمال، فإن قوله: "واقض ما سبقك" معناه أد ما فاتك سابقًا من الصلاة، فالمسبوق المدرك آخر صلاة الإِمام إما أن يصلي معه أول صلاته أو آخر
стр. 1764
(٥٦) بَابٌ (١): في الْجَمْعِ في الْمَسْجِدِ (٢) مَرَّتَيْنِ
٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عن سُلَيْمَانَ
===
صلاته، فإن صلَّى أول صلاته فلم يفت عنه في السابق شيء من الصلاة حتى يقال له: اقض الصلاة التي سبقتك، فإن آخر صلاته لم يفت سابقًا، وأما إذا صلَّى مع الإِمام آخر صلاته، فإنه يصدق عليه أنه فاتته سابقًا من صلاته فأمر بقضاء ما فات.
فإن قلت: لا نسلم أن لفظ السبق الذي ورد في هذا السياق محكم ليس فيه أحتمال مخالف، فإن السبق يطلق على الفوت المجرد عن معنى التقدم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ (٣)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (٤).
قلت: لا نسلم أْن هذا اللفظ في الآيتين عارٍ عن معنى التقدم، فإن دلالة لفظ السبق على الفوت باعتبار اللزوم، فإن السبق في بعض المواقع يستلزم الفوت، ودلالة الالتزام مستلزم للمطابقة، ولو سلم فإن معنى الفوت المجرد عن المتقدم يحتاج في دلالة اللفظ عليه على القرينة، ومعنى التقدم فيه غير محتاج إلى القرينة، وههنا الكلام خالٍ عن القرينة، فيحمل على معناه الوضعي وهو المتقدم، فلا احتمال فيه أصلًا.
(٥٦) (بابٌ: في الجمع) أي الصلاة بالجماعة (في المسجد)
أي: في مسجد واحد في وقت واحد (مرتين)
أي: ما حكمه هل يجوز ذلك أو لا؟
٥٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب) بن خالد، (عن سليمان
стр. 1765
الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ, أَنَّ رَسُولَ (١) اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلاً يُصَلِّى وَحْدَهُ, فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّىَ مَعَهُ». [حم ٣/ ٥، ك ١/ ٢٠٩، ق ٣/ ٦٩، حب ٢٣٩٩، ت ٢٢٠، دي ١٣٦٨، خزيمة ١٦٣٢]
===
الأسود) الناجي بالنون والجيم، البصري أبو محمد، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني وغيره، (عن أبي المتوكل) علي بن داود، (عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده) أي بعد ما صلَّى رسول الله ﷺ بأصحابه كما يدل عليه رواية الترمذي ولفظه: "أن رجلًا دخل المسجد وقد صلَّى رسول الله ﷺ "، وفي رواية لأحمد: "صلَّى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر (٢) فدخل رجل"، ولم يعرف اسم ذلك الرجل.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (ألا رجل يتصدق (٣) على هذا) الهمزة فيه للاستفهام و"لا" بمعنى ليس، كقوله: ألا تنزل بنا فتصيب خيرًا، معناه أليس رجل ممن فرغوا من صلاتهم بالجماعة فيتصدق بثواب الجماعة على هذ الرجل الذي فاتته الصلاة مع الإِمام (فيصلي معه) مقتديًا به، فيحصل بذلك له أجر الجماعة، فإذا فعل ذلك فكأنه تصدق عليه، وزاد في رواية الترمذي: "فقام رجل وصلَّى معه"، وفي رواية أحمد: "فقام رجل من القوم فصلَّى معه".
قال الشوكاني (٤): هو أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - كما بين ذلك ابن أبي شيبة، ثم قال: قال ابن الرفعة: وقد اتفق الكل على أن من رأى شخصًا يصلي منفردًا لم يلحق الجماعة، فيستحب له أن يصلي معه وإن كان قد صلَّى في جماعة.
стр. 1766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: ودعوى الاتفاق فيمن قد صلَّى قبل ذلك في جماعة مسلمة، وأما في من لم يصل فدعوى الاتفاق ممنوعة، فإن الذين قالوا بكراهة تكرار الجماعة من الأئمة لا يجوِّزونه في محل يكره عندهم تكرار الجماعة.
قال الترمذي (١) بعد نقل هذا الحديث: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين، قالوا: لا بأس بأن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان وابن المبارك والشافعي يختارون الصلاة فرادى، انتهى (٢).
قال الشوكاني: قال البيهقي: وقد حكى ابن المنذر كراهية ذلك عن سالم بن عبد الله وأبي قلابة وابن عون وأيوب والبتى وليث بن سعد والأوزاعي وأصحاب الرأي.
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما في "الدر المختار" ولفظه: ويكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في مسجد محلة لا في مسجد طريق، أو مسجد لا إمام له ولا مؤذن، انتهى.
قال الشامي في "حاشيته" (٣): ويكره، أي تحريمًا لقول "الكافي": لا يجوز، و"المجمع": لا يباح، و"شرح الجامع الصغير": إنه بدعة، قوله: "بأذان وإقامة"، عبارته في "الخزائن" أجمع مما هاهنا، ونَصُّها: يكره تكرار الجماعة في مسجد محلة بأذان وإقامة، إلَّا إذا صلَّى بهما فيه أولًا غيرُ أهله،
стр. 1767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو أهله لكن بمخافتة الأذان، ولو كرر أهله بدونهما أو كان مسجد طريق جاز إجماعًا، كما في مسجد ليس له إمام ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجًا فوجًا، فإن الأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة، انتهى.
والمراد بمسجد المحلة ما له إمام وجماعة معلومون كما في "الدر" وغيرها، قال في "المنبع": والتقييد بالمسجد المختص بالمحلة احتراز من الشارع، وبالأذان الثاني احتراز عما إذا صلَّى في مسجد المحلة جماعة بغير أذان حيث يباح إجماعًا.
ثم قال في الاستدلال على الإِمام الشافعي النافي للكراهة ما نصه: ولنا أنه ﵊ كان خرج ليصلح بين قوم، فعاد إلى المسجد وقد صلَّى أهل المسجد، فرجع إلى منزله، فجمع أهله وصلَّى، ولو جاز ذلك لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد، ولأنّ في الإطلاق هكذا تقليل الجماعة معنى، فإنهم لا يجتمعون إذا علموا أنها لا تفوتهم.
وأما مسجد الشارع فالناس (١) فيه سواء لا اختصاص له بفريق دون فريق، انتهى، ومثله في "البدائع" وغيرها، ومقتضى هذا الاستدلال كراهة التكرار في مسجد المحلة ولو بدون أذان، ويؤيده ما في "الظهيرية": لو دخل جماعة المسجد بعد ما صلَّى فيه أهله يصلون وحدانًا، وهو ظاهر الرواية, انتهى.
وهذا مخالف لحكاية الإجماع المارة، وعن هذا ذكر العلامة الشيخ رحمة الله السندي تلميذ المحقق ابن الهمام في رسالته: أن ما يفعله أهل الحرمين من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة مكروه اتفاقًا.
ونقل عن بعض مشايخنا إنكاره صريحًا حين حضر الموسم بمكة سنة ٥٥١ هـ منهم الشريف الغزنوي، وذكر أنه أفتى بعض المالكية بعدم جواز ذلك
стр. 1768
(٥٧) بَابٌ (١): فِيمَنْ صَلَّى في مَنْزِلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، يُصَلِّي مَعَهُمْ
===
على مذهب العلماء الأربعة، ونقل إنكار ذلك أيضًا عن جماعة من الحنفية والشافعية والمالكية حضروا الموسم سنة ٥٥١ هـ، انتهى، وأقره الرملي في حاشية "البحر".
قلت: وأما استدلالهم على جواز ذلك (٢) بهذا الحديث فممنوع، فإن هذا الحديث (٣) يدل على تكرار الجماعة التي جماعة صورة، فإن الذي فرغ من صلاته إذا صلَّى مع من لم يصل صلاته يكون متنفلًا ولم يكرهه أحد من العلماء، وأما الجماعة حقيقة بأن الإِمام والمقتدي يجمعون وهم لم يصلوا قبل ذلك، فلا يدل هذا الحديث على جوازه، والله تعالى أعلم.
(٥٧) (بَابٌ فِيمَنْ صلَّى (٤) في منزله ثم أدرك) (٥) أي ثم حضر المسجد فأدرك (الجماعة، يصلي معهم) أي: ينبغي له أن يصلي معهم
стр. 1769
٥٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, أَخْبَرَنِى يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ (١) بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ, فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. فَدَعَا بِهِمَا, فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا,
===
٥٧٣ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، أخبرني يعلي بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: الخزاعي، صدوق، (عن أبيه) وهو يزيد بن الأسود (٢)، أو ابن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، صحابي، نزل الطائف، ووهم من ذكره في الكوفيين، (أنه) أي يزيد بن الأسود (صلَّى مع رسول الله ﷺ ) وهي صلاة الفجر كما سيأتي (وهو غلام) قال في "المجمع" (٣): الغلام يقال للصبي من حين الولادة إلى البلوغ، ويقال للرجل المستحكم القوة، والأنثى غلامة (شاب) وهو من بلغ إلى ثلاثين سنة.
(فلما صلَّى) أي فرغ رسول الله ﷺ (إذا رجلان لم يصليا) أي مع رسول الله ﷺ (في ناحية المسجد) أي جالسان في ناحية المسجد (فدعا) أي رسول الله ﷺ (بهما) أي برجلين جالسين في ناحية المسجد (فجيء بهما) أي بالرجلين (ترعد) (٤) أي ترجف وتتحرك (فرائصهما) جمع فريصة، وهي أوداج العنق، واللحمة بين الجنب [والكتف] لا تزال ترعد، ووجه الرعدة ما أعطي رسول الله ﷺ من العظمة
стр. 1770
فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ » قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِى رِحَالِنَا, قال: فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا, إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ, فَلْيُصَلِّ مَعَهُ, فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ». [ت ٢١٩، ن ٨٥٨، حم ٤/ ١٦٠، قط ١/ ٤١٣، حب ١٥٦٤، ك ١/ ٢٤٤]
٥٧٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ (١) ﷺ الصُّبْحَ بِمِنًى" بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه]
===
والمهابة كما ورد في رواية الترمذي: "من رآه بداهة هابه".
(فقال) رسول الله ﷺ لهما أي للرجلين: (ما منعكما أن تصليا) هذه الصلاة (معنا؟ قالا) أي الرجلان: (قد صلينا في رحالنا) أي في منازلنا (قال) أي يزيد: (فقال) رسول الله ﷺ : (لا تفعلوا) أي ما فعلتم من ترك الصلاة مع الإِمام، بل (إذا صلَّى أحدكم في رحله) أي منزله (ثم أدرك الأمام) أي ثم حضر المسجد وأدرك الإِمام (ولم يصل) أي والحال أن الإِمام لم يصل (فليصل) أحدكم (معه) أي مع الإِمام (فإنها) أي الصلاة مع الإِمام (له) أي لأحدكم (نافلة).
٥٧٤ - (حدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (ثنا أبي، ثنا شعبة، عن يعلي بن عطاء، عن جابر بن يزيد، عن أبيه قال: صليت (٢) مع النبي -صلي الله عليه وسلم- الصبح (٣) بمنى، بمعناه) أي حدثنا معاذ عن شعبة بمعنى ما حدث حفص بن عمر عن شعبة، وقد وقع في رواية أحمد والنسائي: "قال: شهدت مع رسول الله ﷺ حجته، قال: فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف"، وفي رواية لأحمد: "حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلَّى بنا صلاة الصبح أو الفجر".
стр. 1771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشوكاني في "النيل" (١): اختلف في الصلاة التي تصلى مرتين هل الفريضة الأولى أوالثانية؟ فذهب الهادي والأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي إلى أن الفريضة الثانية إن كانت في جماعة والأولى في غير جماعة، وذهب المؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة وأصحابه (٢) والشافعي إلى أن الفريضة الأولى، وعن بعض أصحاب الشافعي أن الفرض أكملهما، وعن بعض أصحاب الشافعي أيضًا أن الفرض أحدهما على الإبهام فيحتسب (٣) الله بأيتهما شاء، وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضًا كلاهما فريضة.
احتج الأولون بحديث يزيد بن عامر عند أبي داود مرفوعًا وفيه: "فإذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون، فصل معهم وإن كنت صليت، ولتكن لك نافلة وهذه مكتوبة"، ورواه الدارقطني بلفظ: "وليجعل التي صلَّى في بيته نافلة".
وأجيب بأنها رواية شاذة مخالفة لرواية الحفاظ والثقات كما قال البيهقي، وقد ضعفها النووي، وقال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة.
واستدل القائلون بأن الفريضة هي الأولى سواء كان جماعة أو فرادى بحديث يزيد بن الأسود عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني وإبن حبان والحاكم وصححه ابن السكن، قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول, لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى، قال الحافظ: يعلى من رجال مسلم، وجابر وثَّقه النسائي وغيره، وقال: وقد وجدنا لجابر راويًا غير يعلى أخرجه ابن منده في "معرفة الصحابة"، انتهى.
стр. 1772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "الجوهر النقي" (١): وذكر ابن منده في "معرفة الصحابة" ثم قال: ورواه بقية، عن إبراهيم بن زيد بن ذي حماية، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، فهذا راو آخر لجابر غير يعلى وهو ابن عمير، انتهى.
ومذهب الحنفية في ذلك أنه إذا صلَّى أحد صلاة، ثُمَّ أدرك جماعة يصليها، فقالوا: يدخل فيها إلَّا في الفجر والعصر والمغرب.
قال القاري (٢): والجواب هو معارض بما تقدم من حديث النهي عن النفل بعد العصر والصبح، وهو مقدم لزيادة قوته، ولأن المانع مقدم، أو يحمل على ما قبل النهي في الأوقات المعلومة جمعًا بين الأدلة، وكيف! وفيه حديث صريح أخرجه الدارقطني (٣) عن ابن عمر أن النبي -صلي الله عليه وسلم-: "إذا صليت في أهلك، ثم أدركت فصَلِّها إلَّا الفجر والمغرب"، قال عبد الحق: تفرد برفعه سهل بن صالح الأنطاكي وكان ثقة، وإذا كان كذلك فلا يضر وقف من وقفه, لأن زيادة الثقة مقبولة، فإذا ثبت هذا فلا يخفى وجه تعليل إخراجه الفجر مما يلحق به العصر، انتهى.
قلت: وأما من ادعى أن هذا الحديث ناسخ لحديث النهي عن الصلاة بعد العصر والصبح, لأن حديث يزيد بن جابر متأخر, لأنه وقع في حجة الوداع فقوله غير صحيح, لأنا لا نسلم تأخر حديث يزيد بن جابر، ولا دليل على ذلك، ووقوعه في حجة الوداع لا يستلزم التأخر، ومع هذا عمل بحديث النهي أصحابه من بعده، وقد ثبت عن عمر أنه كان يضرب في الصلاة بعد العصر حتى
стр. 1773
٥٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١) , حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى, عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ نُوحِ بْنِ صَعْصَعَةَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ, قَالَ: جِئْتُ وَالنَّبِىُّ ﷺ فِى الصَّلَاةِ, فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِى الصَّلَاةِ, قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَرَأَى يَزِيدَ جَالِسًا فَقَالَ: «أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يَزِيدُ؟ »
===
ينصرف من صلاته، قال ابن الهمام: وكان ضربه بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعًا، فكيف يصح دعوى النسخ؟ والله تعالى أعلم.
٥٧٥ - (حدثنا قتيبة، ثنا معن بن عيسى) بن يحيى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، (عن سعيد بن السائب، عن نوح بن صعصعة) قال في "الخلاصة": وثَّقه ابن حبان، وقال في "التقريب": نوح بن صعصعة المكي، مستور، (عن يزيد بن عامر (٢)) بن الأسود العامري، أبو حاجز السوائي بضم المهملة، صحابي، يقال: إنه شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم بعد ذلك.
(قال) أي يزيد: (جئت) النبي ﷺ (والنبي ﷺ في الصلاة) أي والحال أن النبي-صلي الله عليه وسلم- في الصلاة مع الجماعة (فجلست) أي في ناحية المسجد على حدة من الصف (ولم أدخل معهم) أي مع المصلين (في الصلاة، قال: فانصرف) (٣) أي عن الصلاة مقبلًا (علينا رسول الله ﷺ ، فرأى) رسول الله ﷺ (يزيد جالسًا) أي على غير هيئة الصلاة، أو على حدة من الصف، وفي نسخة "المشكاة": "فرآني جالسًا".
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (ألم تسلم يا يزيد؟ ) الهمزة للاستفهام، أي أما
стр. 1774
قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَدْ أَسْلَمْتُ, قَالَ: «فَمَا (١) مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِى صَلَاتِهِمْ؟ » قَالَ: إِنِّى كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِى مَنْزِلِى وَأَنَا أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ, فَقَالَ: «إِذَا جِئْتَ إِلَى الصَّلَاةِ (٢) فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ, وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً, وَهَذِهِ مَكْتُوبَةً». [ق ٢/ ٣٠٢، قط ١/ ٢٧٦]
٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ,
===
أسلمت يا يزيد؟ (قال) أي يزيد، وفي النسخة التي اختارها صاحب "مشكاة المصابيح" لفظ "قلت"، وقال القاري (٣): وفي نسخة: "فقلت" (بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال) أي رسول الله ﷺ : (فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ ) فإنه من علامة الإِسلام.
(قال) أي يزيد: "إني كنت قد صليت في منزلي) هذا اعتذار عن عدم الدخول في صلاة الجماعة، (وأنا أحسب أن قد صليتم) جملة حالية، أي والحال أني كنت أحسب أن فرغتم من الصلاة، وهذا اعتذار عن الصلاة في المنزل.
(فقال) أي رسول الله ﷺ : (إذا جئت إلى الصلاة) أي إلى المسجد، (فوجدت الناس) أي يصلون (فصل معهم، وإن) وصلية (كنت قد صليت) أي في منزلك (تكن) أي هذه الصلاة التي صليت مع الناس (لك نافلة) أي زائدة في الثواب أو زائدة على الفرض (وهذه) أي التي صليت في منزلك (مكتوبة) ويحتمل العكس.
٥٧٦ - (حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على ابن وهب) عبد الله،
стр. 1775
أَخْبَرَنِى عَمْرٌو, عَنْ بُكَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَفِيفَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ بَنِى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ, أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِىَّ فَقَالَ (١): يُصَلِّى أَحَدُنَا فِى مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ, ثُمَّ يَأْتِى الْمَسْجِدَ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ, فَأُصَلِّى مَعَهُمْ, فَأَجِدُ فِى نَفْسِى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا! فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: «فذَلِكَ لَهُ (٢) سَهْمُ جَمْعٍ». [ط ١/ ١٣٣/ ١١، ق ٢/ ٣٠٠]
===
(أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب، (عن بكير) بن الأشج (أنه سمع (٣) عفيف بن عمرو بن المسيب) السهمي، قال في "الخلاصة": وثقَه النسائي، وقال في "الميزان": لا يدرى من هو، قال في "التهذيب": قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(يقول) أي عفيف: (حدثني رجل من بني أسد بن خزيمة) وهذا الرجل مجهول (أنه) أي الرجل (سأل أبا أيوب الأنصاري فقال) الرجل: (يصلي أحدنا في منزله الصلاة) المكتوبة، (ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة) أي هذه الصلاة التي صلاها في منزله (فأصلي معهم) تلك الصلاة، (فأجد في نفسي من ذلك) أي من تكرار الصلاة وإعادتها (شيئًا) أي من الشبهة أو الكراهة.
(فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك) أي عن مثل هذا السؤال (النبي ﷺ فقال) أي النبي ﷺ : (فذلك) أي الرجل الذي أعاد الصلاة في الجماعة (له) أي لذلك الرجل (سهم جمع) بالإضافة أي حظ جماعة ونصيب من أجرها وثوابها.
стр. 1776
(٥٨) بَابٌ: إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً، يُعِيدُ ؟
٥٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ (١) بْنُ زُرَيْعٍ, حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - يَعْنِى مَوْلَى مَيْمُونَةَ - قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ
===
وقال في "المجمع" (٢): أي سهم من الخير جمع فيه حظان، والجيم مفتوحة، وقيل: أراد بالجمع (٣) الجيش أي كسهم الجيش من الغنيمة.
قال القاري (٤): وهذا الجواب بعمومه يشمل ما حدث في هذا الزمان من تعدد الجماعة في المساجد، وابتلي به أهل الحرمين الشريفين، ولا شك أن الصلاة مع الإِمام الموافق في الفرض أولى، ثم إذا صلَّى نافلة قبل الفرض أو بعده مع الإِمام المخالف في غير الأوقات المكروهة يكون له الحظ الأوفى (٥).
(٥٨) (بَابٌ: إذا (٦) صَلَّى) في جماعة (ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً) أخرى تصليها، (يُعِيدُ؟ ) أي: هل يعيد أو لا؟
٥٧٧ - (حدثنا أبو كامل) فضيل بن حسين، (ثنا يزيد بن زريع، ثنا حسين) المعلم، (عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار- يعني مولى ميمونة- قال) سليمان: (أتيتُ ابن عمر على البلاط) بفتح الباء
стр. 1777
وَهُمْ يُصَلُّونَ, فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّى مَعَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ (١) , إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِى يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ». [ن ٨٦٠، حم ٢/ ١٩، ق ٢/ ٣٠٣، خزيمة ١٦٤١]
===
هو ضرب من الحجارة يفرش به الأرض، وهو موضع بالمدينة بين مسجده والسوق (وهم يصلون) أي والناس يصلون وهو لا يصلي معهم.
(فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت) ولعله لم يدخل في صلاتهم، لأنه صلَّى جماعة، أو كان الوقت صبحًا أو عصرًا أو مغربًا (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا صلاة) أي واحدة بطريقة الفريضة (في يوم) أي في وقت واحد (مرتين) أي بالجماعة أو غيرها إلَّا إذا وقع نقصان في الأولى.
قال الشوكاني (٢): تمسك بهذا الحديث القائلون أن من صلَّى في جماعة، ثم أدرك جماعة لا يصلي معهم كيف كانت, لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة وقد حصلت له، وهو مروي عن الصيدلاني والغزالي وصاحب "المرشد".
قال في "الاستذكار" (٣): اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله ﷺ : "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ فيعيدها على جهة الفرض أيضًا، وأما من صلَّى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداءً بالنبي ﷺ في أمره بذلك، فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرتين, لأن الأولى فريضة والثانية نافلة، فلا إعادة حينئد.
стр. 1778
(٥٩) بابٌ (١): فِى جِمَّاعِ الإِمَامَةِ وَفَضْلِهَا
٥٧٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ, عَنْ أَبِى عَلِىٍّ الْهَمْدَانِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَصَابَ الْوَقْتَ, فَلَهُ وَلَهُمْ,
===
(٥٩) (بَابٌ: في جُمّاعِ الإمَامَةِ وَفَضْلِهَا)
الجماع بكسر الجيم ما يجمع عددًا، كما في الحديث: "حدِّثْنِي بكلمة تكون جماعًا، فقال: اتق الله فيما تعلم"، وأيضًا: "الخمر جماع الإثم" أي مجمعه، والمراد من جماع الإمامة ما يجمع المسائل المختلفة المتعددة، أي هذا باب في أبواب الإمامة وفضلها، فهذا الباب بمنزلة قوله: أبواب الإمامة وفضلها، فمن ههنا يبدأ الأحاديث التي تتعلق بأحكام الإمامة.
٥٧٨ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حرملة) بن عمرو بن سنَّة، بفتح المهملة وتثقيل النون، أبو حرملة الأسلمي، صدوق، ربما أخطأ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
(عن أبي علي) هو ثمامة بن شفي بضم معجمة وفاء مصغرًا (الهمداني) الأصبحي المصري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أمَّ الناس) أي صار للناس إمامًا، فصلَّى بهم الصلاة (فأصاب الوقت) أي فصلَّى بهم الصلاة في الوقت المستحب (فله) أجره (ولهم) أجرهم.
стр. 1779
وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا, فَعَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ». [جه ٩٨٣، حم ٤/ ١٤٥، خزيمة ١٥١٣، حب ٢٢٢١، ق ٣/ ١٢٧، ك ١/ ٢١٠]
(٦٠) بَابٌ (١): في كَرَاهِيَّةِ التَّدَافُعِ عَن الإِمَامَةِ
٥٧٩ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الأَزْدِىُّ, حَدَّثَنَا مَرْوَانُ, حَدَّثَتْنِى
===
(ومن انتقص من ذلك) (٢) أي الوقت (شيئًا، فعليه) أي الإِمام وزره أي وزر انتقاصه (ولا عليهم) أي ليس الوزر على الجماعة, لأنهم لم ينتقصوا من الصلاة باختيارهم، وفي تركهم الصلاة معه إثارة الفتنة، وفي هذا الحديث ترغيب للأئمة أْن يصلوا الصلاة بالناس لوقتها فلا يؤخروها عن وقتها.
(٦٠) (بَابٌ: في كَرَاهِيَّةِ التَّدَافُعِ عَنِ الإمَامَةِ)
أي: يدفع كل منهم الإمامة عن نفسه لأجل الجهل، فلا يجدون إمامًا يصلي بهم
٥٧٩ - (حدثنا هارون بن عباد الأزدي) أَبو موسى المصيصي الأنطاكي، وفي التقريب: أبو محمد الأنطاكي، مقبول، (ثنا مروان) بن معاوية، (حدثتني
стр. 1780
طَلْحَةُ أُمُّ غُرَابٍ, عَنْ عَقِيلَةَ - امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ مَوْلَاةٍ لَهُمْ -, عَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ أُخْتِ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ الْفَزَارِىِّ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّى بِهِمْ». [جه ٩٨٢، حم ٦/ ٣٨١، ق ٣/ ١٢٩]
===
طلحة أم غراب) لا يعرف حالها (١)، (عن عقيلة- امرأة من بني فزارة مولاة لهم-) قال في "التقريب": عقيلة الفزارية، جدة علي بن غراب، لا يعرف حالها.
(عن سلامة بنت الحر (٢)) صحابية (أخت خرشة) بفتحات وشين معجمة (ابن الحر) بضم المهملة (الفزاري) كان يتيمًا في حجر عمر، قال أبو داود: له صحبة، وقال العجلي: ثقة، من كبار التابعين.
(قالت) سلامة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من أشراط الساعة) وأشراط الساعة علاماتها الدالة على قربها (أن يتدافع (٣) أهل المسجد) أي يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه، ويقول: لست أهلاً لها لما ترك تعلم ما تصح به الإمامة، أو يدفع بعضهم بعضًا إلى المسجد أو المحراب ليؤم بالجماعة، فيأبى عنها لعدم صلاحيته لها.
(لا يجدون إمامًا يصلي بهم) أي قابلًا للإمامة يصلي بهم على وجه الصحة بأداء أركانها وسننها ومندوباتها، قال القاري (٤): ولذا أجاز المتأخرون من أصحابنا أخذ الأجرة على الإمامة والأذان ونحوهما من تعليم القرآن، بخلاف المتقدمين فإنهم يحرمون الأجرة على العبادة، فظاهره أن محل الكراهة
стр. 1781
(٦١) بَابٌ: مَنْ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ
٥٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, أَخْبَرَنِى (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ قال: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ,
===
ما إذا تدافعوها لا لغرض شرعي، وإلَّا فإن أعرض عنها غير الأفقه رجاء تقدم الأفقه فلا يكره.
(٦١) (بَابٌ: مَنْ أَحَقُّ (٢) بالإمامةِ)
٥٨٠ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، أخبرني إسماعيل بن رجاء) ابن ربيعة الزبيدي بضم الزاي، أبو إسحاق الكوفي، ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، (قال: سمعت أوس بن ضمعج) بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة مفتوحة ثم جيم بوزن جعفر، معناه ناقة غليظة، الكوفي الحضرمي (٣) أو النخعي، مخضرم (يحدث عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم) صيغة خبر بمعنى الأمر، أي ليؤم (أقرؤهم (٤) لكتاب الله).
стр. 1782
وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً, فَإِنْ كَانُوا فِى الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً,
===
قال ابن الملك (١): أحسنهم (٢) قراءة لكتاب الله، انتهى، والأظهر أن معناه أكثرهم قراءة بمعنى أحفظهم للقرآن، كما ورد "أكثركم قرآنًا"، قيل: إنما قدم النبي -صلي الله عليه وسلم- الأقرأ, لأن الأقرأ في زمانه كان أفقه، إذ لو تعارض فضل القراءة فضل الفقه قدم الأفقه إذا كان يحسن من القراءة ما تصح به الصلاة، وعليه أكثر العلماء، فيؤول المعنى إلى أن المراد أعلمهم بكتاب الله، وذهب جماعة إلى تقدم القراءة على الفقه، وبه قال أبو يوسف عملًا بظاهر الحديث.
وفي "شرح السنَّة": لم يختلفوا في أن القراءة والفقه مقدمان على غيرهما، واختلفوا في الفقه مع القراءة، فذهب جماعة إلى تقدمها على الفقه، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، أي بعضهم عملًا بظاهر الحديث، وذهب قوم إلى أن الفقه أولى إذا كان يحسن من القراءة ما تصح به الصلاة، وبه قال مالك والشافعي؛ لأن الفقيه يعلم ما يجب من القراءة في الصلاة, لأنه محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، وقد يعرض للمصلي ما يفسد صلاته وهو لا يعلم إذا لم يكن فقيهًا (٣).
(وأقدمهم قراءة) فإن الأقدم في القراءة يكون أكثرهم حفظًا للقرآن، (فإن كانوا في القراءة) أي في مقدارها أو حسنها أو عملها أو في العلم بها (سواء) أي مستوين (فليؤمهم أقدمهم هجرة) أي انتقالًا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، قال ابن الملك: والمعتبر اليوم الهجرة المعنوية وهي الهجرة من المعاصي، فيكون الأورع أولى.
стр. 1783
فَإِنْ كَانُوا فِى الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا,
===
وهذا الحديث وقع فيه اختصار من شعبة، فإن التي سيأتي من رواية الأعمش عن إسماعيل ففيه: "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة"، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" مثل سياق أبي داود، ولكن خالف النسائي أبا داود ومسلمًا في سياق هذا الحديث عن الأعمش عن إسماعيل، فقال فيه: "يؤم القوم أقرأهم بكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأقدمهم في الهجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأعلمهم بالسنَّة"، والظاهر أن الراجح ما اتفق عليه مسلم وأبو داود.
واستدل بتقديم الأفقه والأعلم بالسنَّة على الأقرأ بتقديمه ﷺ أبا بكر في الصلاة على غيره مع أن غيره كان أقرأ منه، كما قال رسول الله ﷺ : "أقرأكم أُبَىٌّ"، والمراد بالأقرأ في الحديث الأفقه في القرآن، فإذا استووا في القرآن فقد استووا في فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنَّة فهو أحق, فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقًا، بل على تقديم الأقرأ الأفقه في القراءة على من دونه، ولا نزاع فيه.
ولما كان الصديق مشتركًا مع غيره في ضبط القراءة وحسن أدائها قدم عليهم، فدل على أنه إذا تعارض الأقرأ والأعلم يقدم الأعلم، وقد كان مع هذا أورع وأسن وأسبق، فكان بها أولى وأحق, ويدل على كونه أعلم قول أبي سعيد: "كان أبو بكر أعلمنا"، إلَّا أن قصة الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مخصصة على أنها واقعة حال لا عموم لها، ومن ثم اختار جمع من المشايخ قول أبي يوسف.
(فإن كانوا) أي بعد استوائهم فيما سبق (في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا) أي في الإِسلام (١) لأنه في معنى الأقدم في الهجرة والأثبت في الإيمان, ويؤيده ما في رواية مسلم: "فأقدمهم سلمًا".
стр. 1784
وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِى بَيْتِهِ وَلَا فِى سُلْطَانِهِ وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ». قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لإِسْمَاعِيلَ: مَا تَكْرِمَتُهُ؟ قَالَ: فِرَاشُهُ. [م ٦٧٣، ن ٧٨٠، ت ٢٣٥، جه ٩٨٠، حم ٤/ ١١٨، خزيمة ١٥٠٧، حب ٢١٢٧، قط ١/ ٢٧٩، ك ١/ ٢٤٣، ق ٣/ ٩٠، عب ٣٨٠٨]
٥٨١ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِى, عن (١) شُعْبَةُ
===
(ولا يوم) بصيغة المجهول (الرجل في بيته ولا في سلطانه) (٢) أي محل ولايته، أو في محل يكون في حكمه، ولذلك كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم، فإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة، وكذا إذا أمه في قومه وأهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة لا سيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحي ورب البيت إلَّا بالإذن، نقله القاري (٣) عن الطيبي.
(ولا يجلس) على البناء للمفعول أي الرجل (على تكرمته) بفتح تاء وكسرها، هو موضع خاص لجلوسه من فراش أو سرير بما يعد لإكرامه (إلَّا بإذنه، قال شعبة: فقلت: لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه) والمراد بالفراش ما يفرش لإكرامه ويعد لخصوصه.
٥٨١ - (حدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (ثنا أبي) معاذ، (عن شعبة) أبي معاذ (٤)
стр. 1785
بِهَذَا الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ: "وَلَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ (١) ". [انظر تخريج الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ: «أَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً».
٥٨٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ, عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ الْحَضْرَمِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ: «فَإِنْ كَانُوا فِى الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ, فَإِنْ كَانُوا فِى السُّنَّةِ
===
(بهذا الحديث) المتقدم (قال فيه) أي معاذ: (ولا يؤم) بصيغة المعلوم (الرجل الرجل) الأول فاعل، الثاني مفعول به، والغرض بذكره بيان المخالفة في هذا اللفظ بين تلميذي شعبة أبي الوليد الطيالسي ومعاذ بأن أبا الوليد ذكر بصيغة المجهول وإقامة المفعول مقام الفاعل، وأن معاذًا ذكر بصيغة المعلوم وذكر الفاعل والمفعول.
(قال أبو داود: وكذا قال بحيى القطان عن شعبة: أقدمهم قراءة)، أي كما قال أبو الوليد عن شعبة: "وأقدمهم قراءة"، كذلك قال يحيى القطان عن شعبة هذا اللفظ، لعل الغرض من هذا الكلام تقوية رواية أبي الوليد في هذا اللفظ، ورواية يحيى أخرجها أحمد في "مسنده" (٢).
٥٨٢ - (حدثنا الحسن بن علي) الخلال، (ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج الحضرمي قال: سمعت أبا مسعود عن النبي -صلي الله عليه وسلم- بهذا الحديث) أي المتقدم متعلق بحدثنا (قال) الأعمش: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة، فإن كانوا في السنَّة)
стр. 1786
سَوَاءَ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً"، وَلَمْ يَقُلْ: "فَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً" (١). [انظر تخريج الحديث السابق]
٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحَاضِرٍ
===
أي في العلم بالسنَّة (سواء فأقدمهم هجرة، ولم يقل) الأعمش: (فأقدمهم قراءة).
حاصله: أن شعبة ذكر في روايته عن إسماعيل أولًا القراءة، ثم ذكر الهجرة، ثم السنن، ولم يذكر علم السنَّة، وأما الأعمش عن إسماعيل فخالف شعبة, لأنه ذكر أولًا القراءة، ثم العلم بالسنَّة، ثم تقدم الهجرة، ولم يذكر أقدمهم قراءة.
٥٨٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أنا أيوب، عن عمرو بن سلمة) (٢) بن قيس الجرمي، أبو بريد بالموحدة والراء، ويقال: بالتحتانية والزاء، صحابي صغير، نزل البصرة (٣) (قال) عمرو: (كنا بحاضر).
قال في "المجمع" (٤): الحاضر: القوم على ماء يقيمون به، ولا يرحلون عنه، ويقال للمناهل: المحاضِر للاجتماع والحضور عليها.
стр. 1787
يَمُرُّ بِنَا النَّاسُ إِذَا أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ , فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا مَرُّوا بِنَا, فَأَخْبَرُونَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَذَا (١) وَكَذَا, وَكُنْتُ غُلَامًا حَافِظًا, فَحَفِظْتُ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا, فَانْطَلَقَ أَبِى وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ, فَعَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ وقَالَ (٢): «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» , فكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ لِمَا كُنْتُ أَحْفَظُ, فَقَدَّمُونِى فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَىَّ بُرْدَةٌ لِى صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ, فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَكَشَّفَتْ (٣) عَنِّى, فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ
===
[قال] الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسمًا للمكان المحضور، يقال: نزلنا حاضر بني فلان، فاعل بمعنى مفعول.
(يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ﷺ ، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا) أي كنا في طريق الناس وممرهم، يمرون بنا إذا وفدوا إلى رسول الله ﷺ ، وإذا رجعوا من عنده يمرون بنا أيضًا.
(فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا، وكنت غلامًا) أي صبيًا صغير السنن (حافظًا) أي أحفظ ما أسمع، (فحفظت من ذلك) أي من أجل ذلك أو مما سمعت (قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه) أي داخلًا في نفر من قومه، أو بمعنى مع أي مع نفر من قومه.
(فعلمهم) أي رسول الله ﷺ القوم (الصلاة، وقال) أي رسول الله ﷺ :
(يومكم أقرأكم) أي أكثركم قرآنًا (فكنت أقرأهم) أي أكثرهم قرآنًا (لما كنت أحفظ) القرآن من الذين يصدرون عن رسول الله ﷺ ، (فقدموني) أي جعلوني إمامًا في الصلاة.
(فكنت أؤمهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني) أي تقلصت عني وزالت، فتظهر عورتي، (فقالت امرأة من
стр. 1788
النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ, فَاشْتَرَوْا لِى قَمِيصًا عُمَانِيًّا, فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ بَعْدَ الإِسْلَامِ فَرَحِى (١) بِهِ, فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ. [خ ٤٣٠٢، ن ٧٨٩، حم ٥/ ٣٠]
===
النساء) أي من نساء الحي: (واروا) أي غطوا وأشفوا (عنا عورة قارئكم) وإمامكم، (فاشتروا) أي القوم (لي قميصًا عمانيًا) بضم المهملة وتخفيف الميم، نسبة إلى عمان موضع عند البحرين (فما فرحت بشيء بعد الإِسلام فرحي به) أي مثل فرحي بالقميص، (فكنت أؤمهم) أي أصلي بهم إمامًا (وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين).
قال الحافظ في "الفتح" (٢): وفي الحديث حجة للشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة، وهي خلافية مشهورة، ولم ينصف من قال: فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي ﷺ على ذلك, لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي ﷺ ، ولو كان منهيًا عنه لنهي عنه في القرآن، وكذا من استدل به بأن ستر العورة في الصلاة ليس شرطًا لصحتها بل هو سنَّة، ويجزئ بدون ذلك لأنها واقعة حال، فيحتمل أن يكون ذلك بعد علمهم بالحكم.
قال العيني في "شرح الهداية" (٣): وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجوز اقتداء المفترض به أي بالمتنفل, لأن صلاة الإِمام متضمنة صلاة المقتدي صحًة وفسادًا لقوله ﵇: "الإِمام ضامن"، ولا شك أن الشيء يتضمن ما هو دونه لا ما هو فوقه، فلم يجز اقتداء البالغ بالصبي لهذا، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأحمد وإسحاق، وفي النفل روايتان، وقال ابن المنذر: وكرهها عطاء والشعبي ومجاهد، وقال الحسن والشافعي:
стр. 1789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تصح إمامته، وفي الجمعة له قولان: قال في "الأم" (١): لا تجوز، وقال في "الإملاء": تجوز.
وقال الخطابي (٢): كان الحسن يضعف حديث عمرو بن سلمة، وقال مرة: دعه ليس بشيء بين.
قال أبو داود: وقيل لأحمد: حديث عمرو؟ قال: لا أدري ما هذا؟ فلعله لم يتحقق بلوغ أمر النبي- ﷺ ، قال: وقد خالفه أمثال الصحابة، وقد قال عمرو: "كنت إذا سجدت خرجت استي"، وهذا غير بالغ.
والعجب أنهم لم يجعلوا قول أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وكبار الصحابة ﵃ وأفعالهم حجة، واستدلوا بفعل صبي ست سنين، ولا يعرف فرائض الوضوء والصلاة، فكيف يتقدم في الإمامة، ومنعه أحوط في الدين، وعن ابن عباس: "لا يؤم الغلام حتى يحتلم"، وعن ابن مسعود: "لا يؤم الغلام الذي لا تجب عليه الحدود"، رواهما الأثرم في "سننه"، انتهى.
قلت: وما قال الحافظ: ولم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم ولم يطلع النبي ﷺ على ذلك, لأنها شهادة نفي، عجيب من مثل الحافظ، فإنّ الحديث صريح بأن رسول الله ﷺ قال: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا أو أقرأكم" فاجتهدوا وفهموا الخطاب عامًا، فبهذا ظهر أن جعلهم عمرو بن سلمة إمامًا كان باجتهاد منهم، ولم يصرح رسول الله ﷺ بإمامته حتى يكون نصًا، ومع هذا فهذا منع لاستدلال المستدلين من المانعين، وليس هذا شهادة على النفي، فإن المانع لا يحتاج إلى الشهادة.
وأعجب من هذا ما قال الشوكاني في "النيل" (٣): وأما القدح في الحديث
стр. 1790
٥٨٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ بِهَذَا (١) الْخَبَرِ قَالَ: "فَكُنْتُ (٢) أَؤُمُّهُمْ فِى بُرْدَةٍ مُوصَلَةٍ, فِيهَا فَتْقٌ, فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ خَرَجَتِ اسْتِى". [ن ٧٦٧، وانظر سابقه]
===
بأن فيه كشف (٣) العورة في الصلاة وهو لا يجوز، كما في ضوء النهار، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: "لا ترفعن رؤسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا"، زاد أبو داود: "من ضيق الأزر"، فإن كلامه هذا يدل على أن ستر العورة ليس بشرط لصحة الصلاة، فلو صلَّى أحد عاريًا بحضرة الرجال تجوز صلاته، وقد قال فيما تقدم في أبواب ستر العورة: والحق وجوب الستر في جميع الأوقات إلَّا وقت قضاء الحاجة وإفضاء الرجل إلى أهله، انتهى.
٥٨٤ - (حدثنا النفيلي) عبد الله بن محمد، (ثنا زهير) بن معاوية، (ثنا عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة) المتقدم (بهذا الخبر) المتقدم (قال) عمرو: (فكنت أؤمهم) أي أصلي بهم إمامًا (في بردة موصلة) أي مرقعة (فيها فتق) أي خرق وشق، (فكنت إذا سجدت خرجت) من الخرق (استي).
قال في "لسان العرب": السَّتْهُ والسَّتَهُ والاسْتُ معروفة، وهو المحذوف المُجْتَلَبَة له ألفُ الوَصْلِ، الجوهري: والاسْتُ: العَجُزُ، وقد يراد به حلقة الدبر، وأصله سَتَهٌ على فَعَلٍ بالتحريك، يدل على ذلك أن جمعه أستاه مثل جمل وأجمال.
وغرض المصنف بسوق رواية عاصم عن عمرو بن سلمة بيان الاختلاف