← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو - يَعْنِي السَّدُوسِي - قَالَ: أَنَا وَكِيعٌ، عن شُعْبَةَ، عن عَبْدِ الْعَزِيزِ- هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ -، عن أَنسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ", === ٥ - (حدثنا الحسن بن عمرو - يعني السدوسي-" (١) البصري، صدوق، ولم يصب الأزدي في تضعيفه حيث ذكر في "الضعفاء" الحسن بن عمرو السدوسي البصري، منكر الحديث، مات سنة ٢٢٤ هـ. (قال: أنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤاسي بضم الراء والهمزة ثم مهملة، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ، قال حسين بن حبان عن ابن معين: كان وكيع يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة، مات سنة ١٩٦ هـ أو ١٩٧ هـ. (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، قال الدارقطني في "العلل": كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرًا لتشاغله بحفظ المتون، ولد سنة ٨٢ هـ ومات سنة ١٦٠ هـ، قال البخاري في "تاريخه": وهو أكبر من الثوري بعشر سنين. (عن عبد العزيز - هو ابن صهيب -، عن أنس) بن مالك (بهذا الحديث) أي المذكور سابقًا ولفظه: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء" (قال) ضمير الفاعل إما أن يرجع إلى شعبة فيكون تقدير العبارة: قال شعبة عن عبد العزيز: (اللَّهُمَّ إني أعوذ بك)، أو يرجع إلى عبد العزيز فيكون التقدير: قال شعبة: قال عبد العزيز مرة: اللَّهُمَّ، ويحتمل أن يرجع إلى رسول الله ﷺ .

стр. 177

وَقَالَ شُعْبَةُ: وَقَالَ مَرَّةً: "أَعُوذُ بِاللهِ". [خ ١٤٢، ٦٣٢٢، م ٣٧٥، ن ١٩، ت ٥، جه ٢٩٨] وَقَالَ وُهَيْب: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: === (وقال شعبة: وقال) عبد العزيز (مرة) أخرى: (أعوذ بالله)، وهذا يدل على أن الأَولى في الجملة الأُولى أن يكون مرجع ضمير "قال" عبد العزيز أو شعبة. (وقال وهيب) (١) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، صاحب الكرابيس، قال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: وهيب، وثقه أبو داود، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: ما أنقى حديثه! لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء وهو ثقة، وقال ابن سعد: كان قد سجن فذهب بصره، وكان ثقة حجة، وقال الآجري عن أبي داود: تغير وهيب بن خالد، وكان ثقة، وروى البخاري أنه مات سنة ١٦٥ هـ، وكان متقنًا. (عن عبد العزيز) بن صهيب، هذا الذي ذكره إما أن يكون مرويًّا بالسند السابق، ويحتمل أن يكون ذكره تعليقًا، ولم نجد رواية وهيب في كتب الحديث. وحاصل ما ذكره المؤلف في الحديثين أن عبد العزيز له أربعة أصحاب: حماد بن زيد، وعبد الوارث في الرواية الأولى، وشعبة، ووهيب في الرواية الثانية، والمراد بيان اختلاف ألفاظهم. وتفصيل ذلك: أن حمادًا وعبد الوارث اختلفا، فقال عبد الوارث عن عبد العزيز: "أعوذ بالله"، وقال حماد عنه: قال "اللهُمَّ إني أعوذ بك"، وفي الرواية الثانية روى شعبة عن عبد العزيز، فمرة وافق شعبة حمادًا،

стр. 178

فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ. ٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ , === فقال: "اللَهُمَّ إني أعوذ بك"، ومرة وافق عبد الوارث، وهذا الاختلاف في لفظ التعوذ. والاختلاف الثاني الذي يوهم من هذا الكلام: أن الاختلاف الواقع في الرواية الأولى بين حماد وعبد الوارث، هو الاختلاف منهما لا من عبد العزيز. وأما الاختلاف المروي عن شعبة فصريح في أنه اختلاف من عبد العزيز، وأما لفظ وهيب فلم يوافق أحدًا منهم، بل لفظه: (فليتعوذ بالله) بصيغة الأمر، وهذا يدل على أن هذه رواية مستقلة غير الحديث الأول، لم يرو فيها فعل النبي ﷺ ، بل فيها أمرٌ بالتعوذ لمن أراد دخول الخلاء. ٦ - (حدثنا عمرو (١) بن مرزوق) الباهلي ثقة، سئل عنه أحمد بن حنبل؟ فقال: ثقة مأمون، فتَّشْنا على ما قيل فيه فلم نجد له أصلًا، وعن ابن معين: ثقة مأمون وحمده جدًا، وقال أبو حاتم: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال سليمان بن حرب: جاء بما ليس عندهم فحسدوه، قال القواريري: كان يحيى القطان لا يرضاه في الحديث، وكان أبو الوليد يتكلم فيه، وقال ابن المديني: اتركوا حديث العَمْرَين: عمرو بن حكام، وعمرو بن مرزوق، وقال ابن عمار الموصلي: ليس بشيء، وقال العجلي: عمرو بن مرزوق، بصري، ضعيف، يحدث عن شعبة، ليس بشيء، وقال الحاكم عن الدارقطني: صدوق، كثير الوهم، وقال الحاكم: سيِّئ الحفظ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، روى عنه البخاري مقرونًا بآخر، مات سنة ٢٢٤ هـ.

стр. 179

أَنَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَة، عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عن رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، === (أنا شعبة (١) عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، لكنه مدلس، ورُمِي بالقدر، قاله يحيى بن معين، يقال: وُلد أكمه، مات سنة ١١٧ هـ، (عن النضر بن أنس) بن مالك الأنصاري، أبو مالك البصري، ثقة، مات سنة بضع ومئة. (عن زيد بن أرقم) (٢) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، وأول مشاهده الخندق، ونزل الكوفة وشهد صفين مع علي وكان من خواصِّه، قال خليفة: مات بالكوفة أيام المختار سنة ٦٦ هـ (٣). (عن رسول الله ﷺ قال: إن هذه الحشوش) بضم الحاء المهملة وشينين معجمتين: المراد به الْكُنُفُ ومواضع قضاء الحاجة، واحدها حش (٤) مثلثة، وأصله جماعة نخل كثيف, لأنهم كانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ الكنف في البيوت (محتضرة) أي تحضرها الشياطين، ولفظة "هذه" إشارة إلى ما هي كانت موجودة في الخارج في ذاك الوقت، والمقصود بإيراد هذه الرواية بيان العلة للتعوذ.

стр. 180

فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ والْخَبَائِثِ". [جه ٢٩٦، حم ٤/ ٣٦٩، خزيمة ٦٩، ق ١/ ٩٦] (٤) بَابُ كَرَاهِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ === (فإذا أتى (١) أحدكم الخلاء) أي أراد إتيان الخلاء، وقد تقدم الكلام فيه (فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث). (٤) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ (٢) اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) القبلة ما يُستقبل وُيتَوَّجَهُ إليها، والمراد بها ها هنا جهة الكعبة، فكما أمر في الصلاة بالاستقبال إليها تعظيمًا واحترامًا لها، كذلك نُهِي عن استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة احترامًا وتكريمًا لها. واختلف العلماء في ذلك على أقوال ومذاهبَ، قال العيني في "شرح البخاري" (٣): ثم اعلم أن حاصل ما للعلماء في ذلك أربعة مذاهب، أحدها: المنع المطلق وقد ذكرناه، الثاني: الجواز مطلقًا، الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال في الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀، الرابع: أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في رواية, انتهى. ثم ذكر العيني ها هنا ثلاثة مذاهب أخرى (٤) لا نطوِّل الكلام بذكرها.

стр. 181

٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدِ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (١)، عن الأعمَشِ , === والحديث دليل على عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، سواء كان في الصحراء أو في البنيان (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، وبه قال أبو أيوب الأنصاري ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وأبو ثور وأحمد في رواية, ونسبه في "البحر" إلى الأكثر، ذكره الشوكاني في "النيل" (٣). ٧ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا أبو معاوية) بضم الميم وألف بعد العين، محمد بن خازم- بمعجمتين - التميمي السعدي مولاهم، الكوفي، الضرير، عمي وهو صغير (٤)، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، وقد رمي بالإرجاء، وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات، ربما دلَّس، وكان يرى الإرجاء، وقال الآجري عن أبي داود: كان مرجئًا، وقال مرة: كان رئيس المرجئة بالكوفة، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظًا متقنًا، ولكنه كان مرجئًا خبيثًا، مات سنة ١٩٥ هـ، وله اثنتان وثمانون سنة. (عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد، الكوفي، ثقة حافظ، لكنه يدلس، ولد يوم قتل الحسين - رضي الله تعالى عنه -، ومات سنة ٤٧ هـ، أو سنة ٤٨ هـ (٥).

стр. 182

عن إِبْرَاهِيمَ , === (عن إبراهيم) (١) بن يزيد بن قيس بن أسود النخعي بنون ومعجمة مفتوحتين، أبو عمران الكوفي، قال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحبُّ إليّ من مراسيل الشعبي، ثقة إلَّا أنه يرسل كثيرًا، قال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صحَّحوا مراسيله (٢)، قال ابن المديني: لم يلق النخعي أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقلت له: فعائشة؟ قال: هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف، ورواية سعيد عن أبي معشر ذكرها ابن حبان بسند صحيح إلى سعيد عن أبي معشر أن إبراهيم حدثهم: أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبًا أحمر، وقال ابن معين: أُدخل على عائشة ﵂ وهو صغير، ونقموا عليه قوله: "لم يكن أبو هريرة فقيهًا". قال الذهبي: قلت: استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، مات سنة ٩٦ هـ، وهو ابن خمسين، قلت: قول علي بن المديني: إن إبراهيم لم يلق أحدًا من الصحابة، وكذا قول أبي حاتم: لم يلق النخعي أحدًا من الصحابة إلَّا عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه، مات سنة ٩٦ هـ، وولادته سنة ٥٥ هـ عجيب؛ لأنه ذكره ابن حبان في "ثقات التابعين" (٣)، وقال: سمع المغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، ودخل على عائشة وكان مولده سنة خمسين، ومات [سنة] خمس أو ست وتسعين. وقال الترمذي في "كتاب العلل" (٤): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر

стр. 183

عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ عن سَلْمَانَ (١) === الكوفي، نا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود؟ فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله، انتهى. وقد عرفت أنه وُلد باعترافهم سنة خمس وخمسين وهو زمان جمع كثير وجم غفير من الصحابة في الكوفة والبصرة ومكة والمدينة وغيرها، كابن أبي أوفى وابن أنيس وأنس وأبي الطفيل وابن الأسقع وغيرهم كثيرون، بل أبو الطفيل وغيره ماتوا بعده بكثير، فكيف لا يسمع منهم مع وجود كثير منهم، والكوفة وغيرها مملوءة منهم؟ وفي "مسند الخوارزمي" (٢) تصريح بسماعه عن أنس بن مالك في فرضية طلب العلم، فإنكارهم سماعه عن الصحابة ولقاءه لا يُعبأ به. (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي والدارقطني، مات أو قتل في الجماجم سنة ٨٣ هـ، قال الدارقطني: هو أخو الأسود وابن أخي علقمة وكلهم ثقات. (عن سلمان) الفارسي أبو عبد الله ابن الإِسلام، ويقال له: سلمان الخير، أسلم عند قدوم النبي ﷺ المدينة، وتوفي في خلافة عثمان (٣) ﵁ سنة ٣٦ هـ. يقال: إنه بلغ ثلاث مئة وخمسين سنة، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): وقرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب ثلاث مئة أو زاد عليها، وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك.

стр. 184

قَالَ: قِيلَ لَهُ: "لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ! قَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ , === (قال) عبد الرحمن: (قيل له) أي لسلمان، والقائلون (١) كفار المدينة، وهذا القول صدر منهم طعنًا وتنقيصًا: (لقد علَّمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة) (٢) بكسر الخاء والمد، أدب التخلي والقعود للحاجة، قال الخطابي (٣): أكثرهم يفتحون الخاء، وقال الجوهري: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، (قال) أي سلمان: (أجل) حرف إيجاب، أي: نعم يعلمنا كل شيء حتى الخراءة، أجاب على أسلوب الحكيم (٤) ولم يلتفت إلى استهزائهم. (لقد نهانا (٥) ﷺ أن نستقبل القبلة (٦) بغائط (٧) أو بول وأن لا نستنجي) (٨) لفظة "لا" زائدة (باليمين) أما النهي عن الاستنجاء باليمين، فقال النووي (٩): وقد أجمع العلماء على أنه منهي عنه، ثم الجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه

стр. 185

وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ , === حرام، قال: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا, ولا تعويل على إشارتهم، انتهى. وعلة النهي عن الاستنجاء باليمين احترامها. (وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) (١) لفظة "لا" ها هنا أيضًا زائدة، وقد سقط عن بعض النسخ. اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال، قال الشوكاني في "النيل" (٢): وقد ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء، وأنه يجب أن يكون بثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، وإذا استنجى للقبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات، قالوا: والأفضل أن يكون بست أحجار، فإن اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه، وذهب مالك وداود إلى أن الواجب الإنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب، انتهى. فالنهي الذي ورد في هذا الحديث عند الحنفية محمول على أن في غالب الأحوال لا تحصل التنقية إلَّا بها، وأما إذا حصلت التنقية بأقل منها، أو كانت الحالة أنه لم يتلطخ المحل بالنجاسة، ولا يحتاج إلى الاستنجاء كما يشاهد في بعض الأحيان، فحينئذ لو اكتفى على حجرين أو حجر أو لم يستنج أصلًا فالظاهر أنه لا يكره ذلك. ونظير قولنا في عدم وجوب التثليث قول الشافعية في غسل الطيب عن المحرم، فإنه ﷺ قال في رجل جاءه وعليه جبة متضمخة بطيب:

стр. 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات"، قال النووي: إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرة كفته ولم تجب الزيادة، انتهى. وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلامة العيني في شرحه على البخاري ذيل حديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود يقول: "أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالثة فلم أجدها، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس". قال العلامة العيني (١): قال الخطابي: فيه إيجاب عدد الثلاثة في الاستنجاء إلى آخر ما نقل عن الخطابي، ثم أجاب عنه بقوله: قلت: لا نسلم أن فيه إيجاب عدد الثلاث بل كان ذلك للاحتياط, لأن التطهير في الواحد أو الاثنين لم يكن محققًا، فلذلك نص على الثلاث, لأن في الثلاث يحصل التطهر غالبًا، ونحن نقول أيضًا: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلَّا بالثلاث يتعين عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلم جرًّا يتعين عليه ذلك، على أن الحديث متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع. وقوله: وليس في قوله: "فأخذ الحجرين" دليل على أنه اقتصر عليهما لجواز أن يكون بحضرته ثالث، فيكون قد استوفاها عددًا ليس كذلك، بل فيه دليل على ذلك, لأنه لو كان الثلاث شرطًا لطلب الثالث، فحيث لم يطلب دل على ما قلناه، وتعليله بقوله: لجواز أن يكون بحضرته

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثالث، ممنوع؛ لأن قعوده ﵊ للغائط كان في مكان ليس فيه أحجار، إذ لو كانت هناك أحجار لما قال له: "ائتني بثلاثة أحجار"، لأنه لا فائدة لطلب الأحجار وهي حاصلة له، وهذا معلوم بالضرورة. وقوله: ولو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، قلنا: إن ذكر الثلاث لم يكن للاشتراط بل للاحتياط إلى آخر ما ذكرناه الآن، قوله: ونظيرها العدة بالأقراء، غير مسلَّم, لأن العدد فيه شرط بنص القرآن والحديث، ولم يعارضه نص آخر بخلاف العدد ها هنا, لأنه ورد: "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج". قلت: أخرجه أبو داود في باب الاستتار في الخلاء، وابن ماجه في باب الارتياد للغائط والبول، وأحمد أيضًا (١). قال الشوكاني (٢): أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي، ومداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي، قال الحافظ: ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في "العلل"، انتهى. قلت: وأيضًا يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود في "باب الاستنجاء بالأحجار" عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه"، قال الشوكاني: روى أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني

стр. 188

أَوْ يَسْتَنْجِيَ بِرَجِيع أَوْ عَظْمٍ". [م ٢٦٢، ت ١٦، ن ٤١، جه ٣١٦] === وقال: إسناده صحيح حسن، فإن العلة التي ذكرت في الحديث تدل على أنهم أمروا بالاستطابة بثلاثة أحجار, لأن هذا العدد يكفي في غالب الأحوال لحصول الإنقاء، وهذا هو الذي تقول به الحنفية، ويقولون لمن أوجب ذلك: إن الحديث متروك الظاهر عندكم أيضًا، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز عندكم، فعُلِمَ من هذا أن تثليث الأحجار عندكم غير واجب. (أو يستنجي برجيع) كأمير: عذرة (١) وروث، سمِّي به إذ رجع عن كونه طعامًا أو علفًا (أو عظم) والاستنجاء برجيع أو عظم يكره اتفاقًا إلَّا أن البعض قالوا: لو استنجى برجيع أوعظم لا يطهر محل النجاسة, لأنه ورد في رواية الدارقطني (٢): "إنهما لا تطهران"، وعندنا يكره ذلك، فلو استنجى بهما أحد يجوز ذلك مع الكراهة. وحاصل البحث في ذلك أن عندهم قليل النجاسة وكثيرها يمنع الصلاة، فإذا استنجى أحد بثلاثة أحجار أو بحجر واحد له ثلاثة أحرف يطهر محل الاستنجاء بذلك، ولو لم يستنج بثلاثة أحجار أو بحجر له ثلاثة أحرف لا يطهر محل الاستنجاء، وإن حصلت التنقية بالكلية كما تحصل بثلاثة أحجار، واستدلوا على هذا بمفهوم ذلك الحديث، وقالوا: لما وقع التنصيص بأن الروث والعظم لا يطهران فغيرهما من الحجر والمدر وما يلحقهما يطهران بشرط أن يبلغ العدد الثلاث. وأما عندنا معشر الحنفية، فالاستنجاء سواء كان بحجر أو مدر أو روث أو بعر أو عظم: غير مطهّر، بل مُنْق ومقلِّل للنجاسة، ولهذا يبقى

стр. 189

٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: ثَنَا ابنُ الْمُبَارَكِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ , === المحل بعد الاستنجاء نجسًا، ولكن الله لما رأى ضعفنا وعجزنا وأراد اليسر بنا عفا عنا ذلك القدر من النجس , فإذا استنجى أحد بشيء منها يبقى المحل نجسًا بعد الاستنجاء، فإن بدن الإنسان إذا تنجّس بنجاسة رطبة لا يتطهّر إلَّا بالماء أو ما في معناه، فكذا هذا المحل لا يتطهر إلَّا بالماء أو ما في معناه، حتى لو أن الذي لم يستنج بالماء دخل في الماء القليل أفسده، فعلى هذا قوله ﵊: "إنهما لا تطهران"، لا يخالف الحنفية، فإنهم قائلون بأنهما لا تطهران كما أنهم قائلون بأن الحجر والمدر أيضًا لا يطهران. وأما الاستدلال بالمفهوم فلا يعتبر عندنا، ووجه كراهة الاستنجاء بالرجيع نجاسته، وكراهة الاستنجاء بالعظم كونه زاد الجن، كما ورد في الأحاديث. ٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد) بن علي بن نفيل، بنون وفاء مصغرًا، القضاعي (النفيلي) أبو جعفر الحراني، الحافظ، أحد الأئمة، ثقة مأمون، مات سنة ٢٣٤ هـ. (قال: ثنا ابن المبارك) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإِسلام، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، ولد سنة ١١٨ هـ، ومات ١٨١ هـ. (عن محمد بن عجلان) القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين، وثقه أحمد وابن معين، وذكره البخاري في "الضعفاء"، قال في "ميزان الاعتدال" (١): وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه، قال يحيى القطان: كان مضطربًا في حديث نافع، قال مالك بن أنس: لم يكن

стр. 190

عن الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيم، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ === ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالمًا، مكث ابن عجلان في بطن أمه ثلاث سنين، فَشُقَّ بطنها لما ماتت، وأُخرج وقد نبتت أسنانه، وكان عجلان مولى لفاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، توفي سنة ١٤٨ هـ. (عن القعقاع بن حكيم) الكناني المدني، قال أحمد وابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبي صالح) السمان الزيات، اسمه ذكوان المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، مات سنة ١٠١ هـ. (عن أبي هريرة) (١) الدوسي اليماني صاحب رسول الله ﷺ وحافظ الصحابة، كناه أبا هريرة، قيل لأجل هرة كان يحمل أولادها، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا (٢)، توفي سنة ٥٧ هـ، وهو ابن ثمان وسبعين. (قال: قال رسول الله): إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم) كلام تأنيس، كما أن الوالد يؤدّب ولده (٣)، كذلك أنا أعلمكم أمور دينكم وأؤدبكم بآداب الشرع. (فإذا أتى (٤) أحدكم) أي أراد

стр. 191

الْغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِنهِ" , === (الغائط) أي إتيان الغائط (فلا يستقبل (١) القبلة) وقد تقدم الكلام عليه (ولا يستدبرها). قال العيني (٢): احتج أبو حنيفة ﵀ بهذا الحديث على عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، أخذًا في ذلك بعموم الحديث، انتهى (٣). والرواية الثانية عن الإِمام الأعظم - رحمه الله تعالى - أن الاستدبار غير منهي عنها لحديث ابن عمر الآتي قريبًا" قال: لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته". قال الحلبي في "شرحه الكبير على المنية" (٤): والصحيح الأول, لأنه إذا تعارض قوله ﵇ وفعله رجِّح القول؛ لأن الفعل يحتمل الخصوص والعذر وغير ذلك، وكذلك إذا تعارض المحرم والمبيح رجح المحرم، انتهى. (ولا يستطب بيمينه) (٥) أي: لا يستنج باليمنى.

стр. 192

وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارِ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ. [م ٢٦٥، ن ٤٠، جه ٣١٣، حم ٥/ ٤٣٧، خزيمة ٧٤] ٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، ثنَا سُفْيَانُ , === (وكان) أي رسول الله ﷺ (يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث) (١) بفتح الراء وسكون الواو: رجيع ذات الحوافر (والرمة) جمع رميم وهو العظم البالي، قال في "المجمع" (٢): ونهى عنه لاحتمال كونها نجسة ميتة أو لأنها لا تقوم مقام الحجر لملامستها، قلت: وقد وقع التصريح بعلة النهي عنه, لأنها زاد إخوانكم من الجن وهي أولى بالبيان. ٩ - (حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا سفيان) (٣) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإِسلام. قال في "ميزان الاعتدال" (٤): أجمعت الأمة على الاحتجاج به وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلَّا عن ثقة، وقال أحمد: كنت أنا وابن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان، فقلت أنا: مالك، فإن مالكًا أقل خطأ، وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثًا عن الزهري، ثم ذكرت ثمانية عشر منها، فقلت: هات ما أخطأ فيه مالك فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فإذا ما أخطأ فيه سفيان أكثر من عشرين حديثًا، قال أحمد: وعند مالك عن الزهري نحو من ثلاث

стр. 193

عن الزُّهْرِيِّ , === مئة حديث، وكذا عند ابن عيينة عنه نحو ثلاث مئة، وروى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة ١٩٧ هـ، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء، قلت: سمع منه فيها محمد بن عاصم، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع (١)، وأنا أستبعد هذا الكلام من القطان، وأعدّه غلطًا من ابن عمار، مع أن يحيى متعنّتٌ جدًا في الرجال وسفيان ثقة مطلقًا، انتهى ملخصًا. وردّ ذلك الاستبعاد الحافظ العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (٢) وقال: وهذا الذي لا يتّجه غيره, لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة ممن حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيرًا، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما روى أبو سعد بن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد": أن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم، فتزيد في إسناده أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سمنتُ، وقد ذكر أبو معين الرازي أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بأخرة، وأن سليمان بن حرب قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب، انتهى ملخصًا، ولد سنة ١٠٧ هـ، ومات سنة ١٩٨ هـ، وله إحدى وتسعون سنة. (عن الزهري) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن

стр. 194

عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَن أَبِي أَيُّوبَ رِوَايةً === شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري، أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، متفق على جلالته وإتقانه، قال في "الميزان" (١): محمد بن مسلم الزهري الحافظ الحجة، كان يُدَلِّسُ في النادر، قال الحافظ: قال خليفة: ولد سنة ٥١ هـ، وقال يحيى بن بكير: سنة ٥٦ هـ، وقال الواقدي: سنة ٥٨ هـ، وكانت وفاته سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومئة. (عن عطاء بن يزيد) الليثي ثم الجُنْدُعي بمضمومة ونون ساكنة فضم دال وبعين مهملة، ثقة، توفي سنة ١٠٥ هـ أو ١٠٧ هـ، وهو ابن ثمانين سنة. (عن أبي أيوب) (٢)، هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري النجاري الخزرجي المدني، شهد العقبة وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، نزل عنده رسول الله ﷺ لما قدم المدينة حتى بني بيوته ومسجده، ولزم الجهاد بعد رسول الله ﷺ إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية سنة ٥٢ هـ، ودفن إلى أصل حصن بالقسطنطينية، وأهل الروم يستسقون به. (رواية) أي عن النبي ﷺ هي من صيغ الرفع، نصب مصدرًا بفعل حذف عنه أي: رواه رواية , قال الحافظ في "شرح النخبة" (٣): ويلتحق بقولي: "حكمًا" ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه ﷺ ، كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث أو يرويه أو ينميه أو رواية أو يبلغ به أو رواه، انتهى. فهذه صيغ الرفع حكمًا، فالحديث الذي يقول التابعي فيه عن الصحابي من هذه الألفاظ يكون مرفوعًا حكمًا.

стр. 195

قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ". [خ ١٤٤، م ٢٦٤، ت ٩، ن ٢٠ - ٢١ - ٢٢، جه ١٨] === (قال) أي رسول الله ﷺ : (إذا أتيتم الغائط) أراد به المعنى الحقيقي وهو المطمئن من الأرض، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة, لأن العادة أن يقضي في المنخفض من الأرض, لأنه أستر له، ثم اتسع حتى أطلق على النجو نفسه - أي الخارج - تسمية للحال باسم محله. (فلا تستقبلوا القبلة بغائط (١) ولا بول)، والمراد بالغائط ها هنا المعنى المجازي، يعني الخارج المعروف وهو النجو، فتقديره عند إخراج غائط أو بول. أخرج هذا الحديث الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه بألفاظ مختلفة، ولكن الألفاظ التي في رواية أبي داود ومسلم متقاربة، أما في رواية البخاري ومسلم: "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها"، فهذه الجملة الأخيرة سقطت من رواية أبي داود، فلا ندري هذا اختصار من المصنف أو أحد من الرواة أو سقوط من الناسخ. (ولكن شرّقوا (٢) أو غرّبوا) (٣)، أي: توجهوا إلى جهة المشرق

стр. 196

فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَكُنَّا نَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ الله. === والمغرب لئلا يقع استقبالكم واستدباركم إلى القبلة، وهذا خطاب مختص لأهل المدينة ومن في حكمهم من الساكنين في جهة الشمال والجنوب من الكعبة، فأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب أو الشرق، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. (فقدمنا الشام) (١) أي غزاة ففتحناها (فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبَلَ القبلة)، مراحيض بفتح الميم والحاء المهملة والضاد المعجمة كمصابيح، جمع مرحاض (٢) كمحراب، أمكنة غسل وخلاء، والظاهر أن قدوم أبي أيوب ﵁ الشام كان عند فتح الشام، وكانت المراحيض التي بنيت فيها من بناء الكفار النصارى الذين يسكنون فيها قبل فتح المسلمين، فبنوها متوجهًا إلى جهة الكعبة، وبعيد غاية البعد أن يكون بناؤها من المسلمين مستقبل الكعبة. (فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله) تعالى، يعني كنا نجلس (٣) مستقبَل القبلة نسيانًا على وفق بناء المراحيض، ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة، فننحرف عنها، ونستغفر الله تعالى (٤) عنها، وتأويل الاستغفار لباني الكنف في غاية البعد.

стр. 197

١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا وُهَيْب قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عن أَبِي زيد، عن مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأسَدِيِّ === ١٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب) بالتصغير، ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بأخرة، مات سنة ١٦٥ هـ، وقيل بعدها (قال: ثنا عمرو بن يحيى) هو ابن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني (١) المدني، ثقة عند أكثر المحدثين، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صويلح وليس بالقوي، مات ١٤٠ هـ. قال في "تهذيب التهذيب" (٢): وقول المصنف: "إنه ابن بنت عبد الله بن زيد" وهم، تبع فيه صاحب "الكمال"، وسببه ما في رواية مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه أن رجلًا سأل عبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، فظنوا أن الضمير يعود إلى عبد الله وليس كذلك، بل إنما يعود إلى الرجل وهو عمرو بن أبي حسن عم يحيى، وقيل له جد عمرو بن يحيى تجوُّزًا، لأن العم صنو الأب، فما قال صاحب "غاية المقصود" في ترجمة عمرو بن يحيى: "سبط عبد الله بن زيد بن عاصم" وهم وغلط، هذا من آفة التقليد وقلة تتبع الكتب، وفقنا الله للصواب. (عن أبي زيد) مولى بني ثعلبة، قيل: اسمه الوليد، قال ابن المديني: ليس بالمعروف، وقال في "التقريب": مجهول (عن معقل (٣) بن أبي معقل الأسدي) (٤) حلفًا، والأنصاري نسبًا أو بالعكس، ويقال له: ابن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن الهيثم، ويقال: معقل بن أم معقل، صحابي، له ولأبيه صحبة، مات في زمن معاوية ﵁.

стр. 198

قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ". [جه ٣١٩، حم ١٧٣٨٣] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَبُو زيدٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ. ١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْن فَارِس قَالَ: ثَنَا صَفْوَانُ ابْنُ عِيسَى , === (قال) أي معقل: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين) (١) أي الكعبة وبيت المقدس (ببول أو غائط) فيحتمل أنه احترام لبيت المقدس مدة كونه قبلة لنا، أو لأن باستقباله تستدبر الكعبة لمن كان بنحو طيبة، فليس النهي لحرمة المقدس، وهو نهي تنزيه لا تحريم اتفاقًا، وقال أحمد: هو منسوخ بحديث ابن عمر. (قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة). ١١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس) هو محمد بن يحيى (٢) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي (٣)، الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الإِمام، ثقة حافظ جليل، مات سنة ٢٥٨ هـ على الصحيح (قال: ثنا صفوان بن عيسى) الزهري، أبو محمد البصري القسام (٤)، ثقة، مات ١٩٨ هـ.

стр. 199

عن الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عن مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ: "رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ في الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ === (عن الحسن بن ذكوان) بفتح معجمة وسكون كاف، أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ضعفه كثير من المحدثين، ورمي بالقدر، وكان يُدلِّس. (عن مروان الأصفر) أبو خلف البصري، يقال: هو مروان بن خاقان، وقيل: سالم، ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (قال) أي مروان: (رأيت ابن عمر) (١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستُصْغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعًا للأثر، مات سنة ٧٣ هـ في آخرها. (أناخ راحلته مستقبل (٢) القبلة ثم جلس) أي ابن عمر (يبول إليها) أي متوجهًا إلى الراحلة، فكان متوجهًا بالبول إلى الكعبة، (فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا) أي عن الاستقبال بالبول إلى القبلة؟ (قال) أي ابن عمر: (بلى، إنما نهي عن ذلك) أي عن الاستقبال بالبول إلى القبلة (في الفضاء) أي الصحراء والأرض الواسعة (فإذا كان بينك وبين القبلة

стр. 200

شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ" (١). [قط ١/ ٥٨، ق ١/ ٩٢، ك ١/ ١٥٤] === شيء يسترك (٢) فلا بأس). قال الشوكاني في "النيل" (٣): وقول ابن عمر يدل على أن النهي عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساتر، وهو يصلح دليلًا لمن فرَّق بين الصحراء والبنيان، ولكنه لا يدل على المنع في الفضاء على كل حال، كما ذهب إليه البعض بل مع عدم الساتر، وإنما قلنا بصلاحيته للاستدلال, لأن قوله: "إنما نهي عن هذا في الفضاء"، يدل على أنه قد علم ذلك من رسول الله ﷺ ، ويحتمل أنه قال ذلك استنادًا إلى الفعل الذي شاهده ورآه، فكأنه لما رأى النبي في بيت حفصة مستدبرًا للقبلة فهم اختصاص (٤) النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وأقل شيء الاحتمال، فلا ينتهض لإفادة المطلوب، وأيضًا قال: أخرجه أبو داود وسكت عنه، وقد صح عنه أنه لا يسكت إلَّا عن ما هو صالح للاحتجاج، وكذلك سكت عنه المنذري، ولم يتكلم عليه في تخريج "السنن"، وذكره الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ولم يتكلم عليه بشيء، وذكر في "الفتح" أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن. قلت: سكوت المحدثين عليه وقول الحافظ: إسناده حسن، عجيب، فإن حسن بن ذكوذان راوي الحديث ضعفه كثير من المحدثين، فكيف يصلح

стр. 201

(٥) بَابُ الرُّخْصَة في ذَلِك ١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن عَمّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، === للاحتجاج به، فقد قال ابن معين وأبو حاتم: ضعيف، وقال أبو حاتم والنسائي أيضًا: ليس بالقوي، قال يحيى بن معين: صاحب الأوابد، منكر الحديث، وضعفه، وقال ابن أبي الدنيا: ليس عندي بالقوي، وقال الإِمام أحمد: أحاديثه أباطيل، وقال عمرو بن علي: كان يحيى يحدث عنه، وما رأيت عبد الرحمن حدَّث عنه قط. (٥) (بَابُ الرُّخْصَة (١) في ذَلِك) أي في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١٢ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، أبو عبد الله المدني، الفقيه، أحد أعلام الإِسلام، وإمام دار الهجرة، ولد سنة ٩٣ هـ، وتوفي سنة ١٧٩ هـ، ودفن بالبقيع. (عن يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري النجاري، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٣ هـ، (عن محمد بن يحيى بن حَبَّان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن منقذ بن عمرو المازني الأنصاري، أبو عبد الله المدني، الفقيه، ثقة، مات ١٢١ هـ، (عن عمه واسع بن حبان) (٢)

стр. 202

عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: "لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ === ابن منقذ بن عمرو الأنصاري النجاري المازني المدني، صحابي (١) ابن صحابي، وقيل: من الطبقة الثانية من كبار التابعين، ثقة. (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال) عبد الله: (لقد ارتقيت) أي صعدت (على ظهر البيت) وهو السقف، أي على سقف بيت حفصة كما هو مصرح في رواية مسلم (٢)، واختلفت الروايات في هذا اللفظ، ففي بعضها "على ظهر البيت"، وفي بعضها " على ظهر بيت لنا"، وفي أخرى "على ظهر بيتنا"، وفي بعضها "بيت حفصة"، وطريق الجمع أن يقال: أضاف البيت إلى نفسه على سبيل المجاز إما لكونه بيت أخته، أو أضافه إلى نفسه باعتبار ما آل إليه الحال, لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونه شقيقها، وأضافه إلى حفصة؛ لأنه البيت الذي أسكنها فيه رسول الله ﷺ ، كذا في "النيل" (٣). (فرأيت رسول الله ﷺ ) وهذه الرؤية كانت اتفاقية من دون قصد منه ولا من الرسول ﷺ ، فلو كان يترتب على هذا الفعل حكم لعامة الناس لبَيَّنَه لهم، فإن الأحكام العامة لا بد من بيانها (على لبنتين) أي قاعدًا (٤) على لبنتين - بفتح اللام وكسر الباء الموحدة (٥) -

стр. 203

مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ". [خ ١٤٥، م ٢٦٦، ت ١١، ن ٢٣، جه ٣٢٢] === (مستقبل بيت المقدس (١) لحاجته) أي لقضاء حاجته مستدبر القبلة كما هو مصرح في رواية مسلم. قال الشوكاني: استدل به من قال بجواز الاستقبال والاستدبار، ورأى أنه ناسخ، واعتقد الإباحة مطلقًا، وبه احتج من خص عدم الجواز بالصحارى كما تقدم، ومن خص المنع بالاستقبال دون الاستدبار بالصحارى والعمران، ومن جَوَّز الاستدبار في البنيان، وهي أربعة مذاهب من المذاهب الثمانية التي تقدمت، ولكنه لا يخفى أن الدليل باعتبار المذاهب الثلاثة الأول من هذه الأربعة أخص من الدعوى، إلى آخره. قلت: هذا الحديث (٢) لا يدل على جواز (٣) استدبار الكعبة فضلًا عن أن يستدل به على جواز استقبال الكعبة، فإن الاستدلال به موقوف على أن يكون وقع ذلك بعد النهي ولم يثبت تأخره، فلا يجوز أن يقال: إن هذا الحديث ناسخ للنهي، وغاية ما في الباب أنه لما لم يثبت التقدم والتأخر

стр. 204

١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ === في النهي ووقوع هذا الفعل لزم أن يقال: إنهما وقعا في وقت واحد فيتعارضان ثم يترجح المحرِّم. والأولى في الجواب عنه ما قال الشوكاني (١): إن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول، ويمكن أن يؤيد هذا بأن هذا الفعل الذي وقع عنه ﷺ في الخلوة، حيث أحبّ أن لا يطلع عليه أحدٌ من أمته لا يكون تشريعًا للفعل، بل يكون مخصوصًا بذاته الشريفة قطعًا، وأيضًا يمكن أن يكون ﷺ منهيًا عن استقبال عين الكعبة الشريفة واستدبارها، ويكون ﷺ منحرفًا عن عينها مستدبرًا جهتها، وكانت الأمة ممنوعة عن استقبال الجهة واستدبارها، ففهم ابن عمر ﵁ أنه مستقبل بيت المقدس ومستدبر الكعبة. والحديث لا يطابق الترجمة، فإنه عقد الباب في جواز استقبال القبلة، والحديث لا يدل عليها، بل يدل على جواز استدبار الكعبة، إلَّا أن يقال: إنه لما كان حكم الاستقبال والاستدبار واحدًا فلما ثبت جواز الاستدبار فهم منه جواز الاستقبال أيضًا. ١٣ - (حدثنا محمد بن بشّار) بن عثمان العبدي البصري، أبو بكر بندار، قال الذهبي: انعقد الإجماع بعد على الاحتجاج ببندار، كذا في "الخلاصة" (٢)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): قال عبد الله بن محمد بن سيّار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندارًا يكذب فيما يروي عن يحيى، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي وسألته عن

стр. 205

قَالَ: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: نَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ === حديث رواه بندار عن ابن مهدي إلى آخره، فقال: هذا كذب وأنكره أشد الإنكار، وقال عبد الله بن الدورقي: كنا عند ابن معين وجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به، ويستضعفه، قال: ورأيت القواريري لا يرضاه، قال: كان صاحب همام، قال الأزدي: بندار قد كتب عنه الناس وقبلوا، وليس قول يحيى والقواريري بما يجرحه، ما رأيت أحدًا ذكره إلَّا بخير وصدق، قال البخاري وغيره: مات في رجب سنة ٢٥٢ هـ. (قال: ثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد الأزدي، أبو العباس البصري، الحافظ، ثقة. قال الحافظ في "التهذيب" (١): قال العجلي: بصري تابعي ثقة، كان عفان يتكلم فيه، وقال ابن حبان: كان يخطئ، وقال أحمد: ما روى وهب قط عن شعبة، وقال العقيلي: ها هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عنده يَعْرَضُ بوهب، مات سنة ٢٠٦ هـ. (قال: نا أبي) وهو جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام من قِبل حفظه، اختلط في آخر عمره، لكن لم يحدث في اختلاطه (٢)، وثقه ابن معين إلَّا في قتادة، وقال البخاري: ربما يهم في الشيء، مات سنة ١٧٠ هـ. (قال: سمعت محمد بن إسحاق) بن يسار، أبو بكر أو أبو عبد الله، المطلبي المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، اختلف العلماء في جرحه وتعديله، حتى قال يحيى بن كثير وغيره: سمعنا شعبة يقول: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال

стр. 206

يُحَدِّثُ، عن أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عن مُجَاهِدٍ , === الدارقطني: لا يحتج به، وقال سليمان التيمي: كذاب، وقال وهيب: سمعت هشام بن عروة يقول: كذاب، قال عبد الرحمن بن مهدي: كان يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك يجرحان ابن إسحاق، وقال يحيى بن آدم: حدثنا ابن إدريس قال: كنت عند مالك فقيل له: إن ابن إسحاق يقول: اعرضوا علي علم مالك فإني بَيْطاره، فقال مالك: انظروا إلى دجالٍ من الدجاجلة، وقال وهيب: سألت مالكًا عن ابن إسحاق فاتهمه، ورُمي بالتشيع والقدر، مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها (١). (يحدث) أي محمد بن إسحاق (عن أبان بن صالح) بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن عبد البر في "التمهيد": حديث جابر ليس صحيحًا؛ لأن أبان بن صالح ضعيف، وقال ابن حزم في "المحلي" عقب هذا الحديث: أبان ليس بالمشهور، انتهى (٢). وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يُضَعِّفْ أبانًا هذا أحدٌ قبلهما. (عن مجاهد) بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجّاج المخزومي مولاهم، المكي المقرئ، ثقة، إمام في التفسير وفي العلم، وأجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، مات سنة ١٠٤ هـ أو قبلها.

стр. 207

عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: "نَهَى نَبِيُّ اللَّه ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْل، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا". [ت ٩، جه ٣٢٥، حم ٣/ ٣٦٠، ق ١/ ١٩٢، ك ١/ ١٥٤] (٦) بَابٌ: كيْفَ التَكَشُّفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ؟ === (عن جابر بن عبد الله قال) أي جابر: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)، استدل (١) بهذا الحديث من جوَّز استقبال القبلة والاستدبار قياسًا على الاستقبال بالبول. واختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، فقال الشوكاني (٢): حسّنه الترمذي، ونقل عن البخاري تصحيحه, وحَسَّنه أيضًا البزار، وصححه أيضًا ابن السكن، وتوقف فيه النووي لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وغيره، وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح القرشي، قال الحافظ: ووهم في ذلك فإنه ثقة بالاتفاق، وادَّعى ابن حزم أنه مجهول فغلط، والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث ما تقدم قبل، وأجاب الحافظ بأنها حكايته فعل لا عموم لها، فيحتمل أن يكون لعذر وأن يكون في بنيان، ومع هذا فقد ضَعَّفه ابنُ القيم في "تهذيب السنن" (٣) وأتى ببحث طويل. (٦) (بَاب: كَيْفَ (٤) التكَشُّفُ) أي: التجرد عن الثوب (عِندَ الْحَاجَةِ؟ ) أي عند قضاء الحاجة؟

стр. 208

١٤ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْب قَالَ: نَا وَكِيع، عن الأعمشِ، عن رَجُلٍ، عن ابنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثوْبَهُ === ١٤ - (حدثنا زهير بن حرب) بن شدّاد أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، كان اسم جده أشتال فَعُرّبَ شدَّادًا، ثقة ثبت، مات سنة ٢٣٤ هـ وهو ابن أربع وسبعين. (قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن رجل) لم يسم الرجل، قال في "درجات مرقاة الصعود": قال الضياء المقدسي: قد سَمَّاهُ بعضهم القاسم بن محمد. قال الخطابي (١): هو "بسنن البيهقي" [١/ ٩٦] كذلك بطريق أحمد بن محمد بن رجاء المِصِّيصي عن وكيع عن الأعمش عن القاسم ابن محمد عن ابن عمر ﵁، انتهى. وكذلك قال الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" في باب المبهمات: سليمان الأعمش عن رجل عن ابن عمر في قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، قيل: هو قاسم بن محمد، انتهى. فلا يتوهم (٢) أنه غياث بن إبراهيم أحد الضعفاء، وكيف يتوهم ذلك فإنه وقع في رواية الأعمش عن أنس، وهذا (٣) رواية الأعمش عن ابن عمر، فهذا بعيد جدًا ليس عليه دليل ولا قرينة. (عن ابن عمر) ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة) أي قضاءها (لا يرفع ثوبه) أي إزاره

стр. 209

حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ". [ت ١٤، ق ١/ ٩٦] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَام بْنُ حَرْبٍ، عن الأعْمَش، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ ضعِيف (١) (٢). === (حتى يدنو) أي يقرب (٣) (من الأرض)، وهذا لأن النبي ﷺ نهى عن التعري في الخلوة أيضًا، وقال: "فالله أحق أن يُستحيى منه من الناس". وهذا يدل على أن جواز التعري في الخلوة للضرورة، فلا ينبغي أن يرفع ثوبه قبل الضرورة، قال في "درجات مرقاة الصعود": والظاهر أن ضمير "يدنو" إلى رسول الله ﷺ ، وقال: والذي فيما بلغني أنه للثوب. (قال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف) الضمير يرجع إلى الحديث الذي رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس لا إلى عبد السلام بن حرب، قال في "درجات مرقاة الصعود": ولم يرد تضعيف عبد السلام؛ لأنه حافظ ثقة من رجال الصحيحين، بل تضعيف طريق من قال: عن أنس؛ لأن الأعمش لم يسمع عن أنس، فلهذا قال الترمذي: مرسلًا، انتهى. قلت: وعبد السلام بن حرب هذا ليس هو أخا زهير بن حرب المذكور في أول سند حديث الباب عن ابن عمر، فإنه عبد السلام بن

стр. 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حرب بن سلمة النهدي أبو بكر الكوفي، أصله بصري، ثقة حافظ، وهو عند الكوفيين ثقة ثبت. وأما زهير بن حرب المتقدم فهو زهير بن حرب بن شدّاد أبو خيثمة النسائي من العاشرة، وهذه الرواية أخرجها الترمذي في "سننه" (١) وقال: هكذا روى محمد بن ربيعة عن الأعمش عن أنس هذا الحديث، وروى وكيع والحِمَّاني عن الأعمش قال: قال ابن عمر، الحديث، وكلا الحديثين مرسل، انتهى. وحاصل ما قال أبو داود أن ها هنا روايتين؛ رواية عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر، ورواية عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس، فضَعَّف أبو داود رواية أنس بن مالك, لأن هذه الرواية مرسلة، فإن الأعمش (٢) لم يلق أنس بن مالك ولا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يحكم بضعف رواية ابن عمر, لأن الأعمش لا يرويها عن ابن عمر بلا واسطة، بل يرويها عن رجل عن ابن عمر، فالظاهر أن الرجل المبهم عنده ثقة، فلهذا لم يحكم بضعفها , ولو كان الرجل المبهم عنده مجهولًا، أو كان غياث بن إبراهيم أحد الكَذَّابين لحكم بضعفه، وأما الترمذي - رحمه الله تعالى- فإنه أخرج الروايتين كلتيهما عن أنس وابن عمر مرسلتين، فلهذا قال في آخره: وكلا الحديثين مرسل، فلم تصح عنده الروايتان، والله أعلم.

стр. 211

(٧) بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلَاء (١) ١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، ثنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ , === (٧) (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلاءِ) أي عند قضاء الحاجة وغيرها في الخلاء ١٥ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة)، هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري الجُشمي مولاهم، أبو سعيد البصري، هكذا ذكر كنيته الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب"، وكذا ذكر كنيته البخاري في "التاريخ الصغير"، وذكر في "الخلاصة" (٢): أبو شعيب البصري، ولعله غلط من الناسخ، ثقة ثبت، مات سنة ٢٣٥ هـ. (ثنا ابن مهدي) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، الحافظ الإِمام العَلَم، حتى قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، مات سنة ١٩٨ هـ، وهو ابن ثلاث وستين سنة. (ثنا عكرمة بن عمار)، أبو عمار اليماني العجلي، أصله من البصرة، يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه الدارقطني، وكذا وثقه يعقوب بن شيبة والعجلي وابن معين، وقال: ثقة ثبت، وقال علي بن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة ثبتًا، مات سنة ١٥٩ هـ بالبصرة.

стр. 212

عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ عِيَاض قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ === (عن يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر- كتب في "التقريب" (١) و"تهذيب التهذيب" (٢) بنون وصاد مهملة لم ينقط عليها، وأما في الخلاصة (٣) فبضاد منقوط عليها , ولعل النقطة غلط من الكاتب - اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، قال في "الميزان" (٤): قال يحيى القطان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، وكذا في "تهذيب التهذيب"، قال أبو حاتم: لم يدرك أحدًا من الصحابة إلَّا أنسًا رآه رؤية، مات سنة ١٣٢ هـ، وقيل قبلها. (عن هلال بن عياض)، وهو مرجوح، والراجح عياض بن هلال (٥) , وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن أبي زهير الأنصاري، قال الذهلي وأبو حاتم: هلال بن عياض أشبه، وقال ابن حبان في "الثقات": ومن زعم أنه هلال بن عياض فقد وهم، وقال الحافظ في "التقريب": مجهول، من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه. (قال: حدثني أبو سعيد)، هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخدري الأنصاري، له ولأبيه صحبة، استصغر يوم أحد ثم شهد ما بعدها (٦)، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين.

стр. 213

قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَخْرُج الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتهمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ الله يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ". [جه ٣٤٢، حم ٣/ ٣٦، ق ١/ ١٠٠، ك ١/ ١٧٥، خزيمة ٧١] === (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يخرُج الرجلان (١) يضربان الغائط) (٢)، قال في "مجمع البحار" (٣): ذهب يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة، فالمعنى: يقضيان الحاجة، (كاشفين (٤) عن عورتهما) حال من ضمير يضربان، (يتحدثان) أي وهما يتحدثان (٥) (فإن الله يمقت) المقت أشد البغض، يعني أن الله يغضب (علي ذلك) (٦) أي على كشف العورة عند آخر، والتحدث في تلك الحالة. قال في "مجمع البحار" (٧): استدلوا به على كراهة الكلام عند التغوط، ولا يدل المقت على الحرمة لحديث: "أبغض الحلال الطلاق" (٨)، ويجوز التكلم لضرورة، كإنقاذ الحرقى والغرقى وقتل حية. وقال "الشوكاني" (٩): الحديث معلول يدل على وجوب ستر العورة

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وترك الكلام، فإن التعليل بمقت الله يدل على حرمة الفعل المعلَّل ووجوب اجتنابه، وقيل: إن الكلام في تلك الحالة مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن الكلام غير محرم في هذه الحالة، ذكره الإِمام المهدي في "الغيث"، فإن صح الإجماع صلح للصرف عند القائل بحجيته، ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة، انتهى ملخصًا. قلت: لا يبعد حمل النهي على الكراهة, لأن رسول الله ﷺ جعل الفعلين علة للمقت، فلا يلزم أن يكون كل واحد منهما علة مستقلة، بل يجوز أن يكون المجموع من حيث المجموع علة، أو أن يكون أحد الفعلين أو كل واحد منهما علة، وقد اتفقت الأمة على أن التعري وكشف العورة حرام، وسبب لمقت الله (١)، فضم إليه رسول الله ﷺ التحدث لزيادة الشناعة والقبح، فعلى هذا لا يدل ربطه بالعلة على حرمة التحدث. وأيضًا أخرج مسلم والنسائي (٢) عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فيبادرني وأبادره حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي"، هذا لفظ النسائي. وأما لفظ مسلم: "قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي"، وهذه الرواية تدل على التحدث والكلام في حالة الغسل وهي حالة الكشف غالبًا، وهذه الرواية وإن كانت لا تدل صريحًا على التكشف ولا على التستر، ولكن

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القرينة الظاهرة تدل على أن في هذه الحالة لم يكن بينهما حجاب ولا عليهما ثياب، فإنه ورد أن رسول الله ﷺ إذا اغتسل هو وعائشة ﵂ يكون عندهما قليل من الماء، فلو كان عليهما ثياب لا يكفيهما ذلك الماء القليل. أخرج النسائي (١) وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد وهو قدر الفَرَقِ، والفرق مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًا، وقد كانا هو ﷺ وعائشة ﵂ ذَوَي جمَّة من الشعر، ويبالغ في غسل الأيدي حتى إنه ليغسل بالتراب ويبالغ في الاستنجاء، فالذي يقتضيه الظاهر أنه لا يكون في هذه الحالة عليهما ثياب, لأنه لو كان عليهما ثياب لا يكفيهما ذلك الماء القليل، وينشف أكثره الثوب، ولو سلم نظرًا إلى كمال حيائه ﷺ كونهما متسترين في هذه الحالة، فاحتمال التجرد عن الثوب لبيان الجواز غير مدفوع. ويؤيده رواية أم هانئ ﵂، أخرجها البخاري وغيره (٢): ذهبت إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب، فسلَّمت، فقال: "من هذه"؟ فقلت: أم هانئ، الحديث. وهذا الحديث إن لم يكن فيه التصريح بعدم وجود الثوب عليه ﷺ ، ولكن الاحتمال غير مدفوع، واتفقت الأمة على جواز النظر إلى جميع بدن الزوجة والأمة للزوج والسيد وعكسه، فلو سلم أنه ﷺ داوم على التستر من أزواجه وما ملكت يمينه يكون النظر من أحدهما إلى الآخر حرامًا. وأيضًا يؤيده ما رواه الشيخان (٣) من قصة موسى ﵇، قال:
следующие страницы →