← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(٧) بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلَاء (١) ١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، ثنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ , === (٧) (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الْخَلاءِ) أي عند قضاء الحاجة وغيرها في الخلاء ١٥ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة)، هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري الجُشمي مولاهم، أبو سعيد البصري، هكذا ذكر كنيته الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب"، وكذا ذكر كنيته البخاري في "التاريخ الصغير"، وذكر في "الخلاصة" (٢): أبو شعيب البصري، ولعله غلط من الناسخ، ثقة ثبت، مات سنة ٢٣٥ هـ. (ثنا ابن مهدي) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، الحافظ الإِمام العَلَم، حتى قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، مات سنة ١٩٨ هـ، وهو ابن ثلاث وستين سنة. (ثنا عكرمة بن عمار)، أبو عمار اليماني العجلي، أصله من البصرة، يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه الدارقطني، وكذا وثقه يعقوب بن شيبة والعجلي وابن معين، وقال: ثقة ثبت، وقال علي بن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة ثبتًا، مات سنة ١٥٩ هـ بالبصرة.

стр. 212

عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ عِيَاض قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ === (عن يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر- كتب في "التقريب" (١) و"تهذيب التهذيب" (٢) بنون وصاد مهملة لم ينقط عليها، وأما في الخلاصة (٣) فبضاد منقوط عليها , ولعل النقطة غلط من الكاتب - اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، قال في "الميزان" (٤): قال يحيى القطان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، وكذا في "تهذيب التهذيب"، قال أبو حاتم: لم يدرك أحدًا من الصحابة إلَّا أنسًا رآه رؤية، مات سنة ١٣٢ هـ، وقيل قبلها. (عن هلال بن عياض)، وهو مرجوح، والراجح عياض بن هلال (٥) , وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن أبي زهير الأنصاري، قال الذهلي وأبو حاتم: هلال بن عياض أشبه، وقال ابن حبان في "الثقات": ومن زعم أنه هلال بن عياض فقد وهم، وقال الحافظ في "التقريب": مجهول، من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه. (قال: حدثني أبو سعيد)، هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخدري الأنصاري، له ولأبيه صحبة، استصغر يوم أحد ثم شهد ما بعدها (٦)، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين.

стр. 213

قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَخْرُج الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتهمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ الله يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ". [جه ٣٤٢، حم ٣/ ٣٦، ق ١/ ١٠٠، ك ١/ ١٧٥، خزيمة ٧١] === (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يخرُج الرجلان (١) يضربان الغائط) (٢)، قال في "مجمع البحار" (٣): ذهب يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة، فالمعنى: يقضيان الحاجة، (كاشفين (٤) عن عورتهما) حال من ضمير يضربان، (يتحدثان) أي وهما يتحدثان (٥) (فإن الله يمقت) المقت أشد البغض، يعني أن الله يغضب (علي ذلك) (٦) أي على كشف العورة عند آخر، والتحدث في تلك الحالة. قال في "مجمع البحار" (٧): استدلوا به على كراهة الكلام عند التغوط، ولا يدل المقت على الحرمة لحديث: "أبغض الحلال الطلاق" (٨)، ويجوز التكلم لضرورة، كإنقاذ الحرقى والغرقى وقتل حية. وقال "الشوكاني" (٩): الحديث معلول يدل على وجوب ستر العورة

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وترك الكلام، فإن التعليل بمقت الله يدل على حرمة الفعل المعلَّل ووجوب اجتنابه، وقيل: إن الكلام في تلك الحالة مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن الكلام غير محرم في هذه الحالة، ذكره الإِمام المهدي في "الغيث"، فإن صح الإجماع صلح للصرف عند القائل بحجيته، ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة، انتهى ملخصًا. قلت: لا يبعد حمل النهي على الكراهة, لأن رسول الله ﷺ جعل الفعلين علة للمقت، فلا يلزم أن يكون كل واحد منهما علة مستقلة، بل يجوز أن يكون المجموع من حيث المجموع علة، أو أن يكون أحد الفعلين أو كل واحد منهما علة، وقد اتفقت الأمة على أن التعري وكشف العورة حرام، وسبب لمقت الله (١)، فضم إليه رسول الله ﷺ التحدث لزيادة الشناعة والقبح، فعلى هذا لا يدل ربطه بالعلة على حرمة التحدث. وأيضًا أخرج مسلم والنسائي (٢) عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فيبادرني وأبادره حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي"، هذا لفظ النسائي. وأما لفظ مسلم: "قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي"، وهذه الرواية تدل على التحدث والكلام في حالة الغسل وهي حالة الكشف غالبًا، وهذه الرواية وإن كانت لا تدل صريحًا على التكشف ولا على التستر، ولكن

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القرينة الظاهرة تدل على أن في هذه الحالة لم يكن بينهما حجاب ولا عليهما ثياب، فإنه ورد أن رسول الله ﷺ إذا اغتسل هو وعائشة ﵂ يكون عندهما قليل من الماء، فلو كان عليهما ثياب لا يكفيهما ذلك الماء القليل. أخرج النسائي (١) وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد وهو قدر الفَرَقِ، والفرق مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًا، وقد كانا هو ﷺ وعائشة ﵂ ذَوَي جمَّة من الشعر، ويبالغ في غسل الأيدي حتى إنه ليغسل بالتراب ويبالغ في الاستنجاء، فالذي يقتضيه الظاهر أنه لا يكون في هذه الحالة عليهما ثياب, لأنه لو كان عليهما ثياب لا يكفيهما ذلك الماء القليل، وينشف أكثره الثوب، ولو سلم نظرًا إلى كمال حيائه ﷺ كونهما متسترين في هذه الحالة، فاحتمال التجرد عن الثوب لبيان الجواز غير مدفوع. ويؤيده رواية أم هانئ ﵂، أخرجها البخاري وغيره (٢): ذهبت إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب، فسلَّمت، فقال: "من هذه"؟ فقلت: أم هانئ، الحديث. وهذا الحديث إن لم يكن فيه التصريح بعدم وجود الثوب عليه ﷺ ، ولكن الاحتمال غير مدفوع، واتفقت الأمة على جواز النظر إلى جميع بدن الزوجة والأمة للزوج والسيد وعكسه، فلو سلم أنه ﷺ داوم على التستر من أزواجه وما ملكت يمينه يكون النظر من أحدهما إلى الآخر حرامًا. وأيضًا يؤيده ما رواه الشيخان (٣) من قصة موسى ﵇، قال:

стр. 216

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يُسْنِدْهُ إِلا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ (١). === "فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففَرَّ الحَجَرُ بثوبه، قال: فجمح موسى ﵇ بأثره يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر"، الحديث، فتكلم حال كونه عاريًا، ولم يعاتبه الله تعالى على ذلك، فإن التعري كان للضرورة، ولم يكن بد منه، وأما التكلم فلم يكن مضطرًا إليه، فإن قيل: شرع من قبلنا ليس شرعنا، قلنا: قال الشوكاني (٢): والذي يظهر وجه الدلالة أن النبي ﷺ قص القصتين ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، فلو كان فيهما شيء غير موافق لبيَّنه، انتهى. فهذا يدل على أن هذا موافق لشرعنا. فالحاصل أن حكم التكلم عند التعري لا يزيد على الكراهة، ولا يدخل في حد الحرمة، ولا دليل يدل على حرمته. (قال أبو داود: لم يسنده إلَّا عكرمة بن عمار) يشير إلى أن هذا الحديث من طريق عكرمة بن عمار ضعيف لتفرد عكرمة في كونه مسندًا، ولأن بعض الحفاظ ضعَّف حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير. قال في "درجات مرقاة الصعود": وقد أخرجه البيهقي (٣) بطريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن النبي ﷺ مرسلًا. قال أبو حاتم: وهذا هو الصحيح، وما لعكرمة غلط، انتهى. قال الشوكاني (٤): ولا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضًا.

стр. 217

(٨) بَاب: في الرَّجُلِ يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ ؟ ١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ === (٨) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ؟ ) (١) بتقدير حرف الاستفهام، وفي نسخة: "أيرد السلام" بذكر حرف الاستفهام، وفي نسخة: "لا يرد السلام" ١٦ - (حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة)، أما عثمان فهو ابن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ، روى عنه البخاري ومسلم، أنكر عليه أحمد أحاديث، وكان يصحف في القرآن، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): قال الدارقطني في "كتاب التصحيف": حدثنا أبو القاسم بن كأس، ثنا إبراهيم الخصاف، قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير، فلما جهزهم بجهازهم جعل السفينة في رحل أخيه، فقيل له: إنما هو جعل السقاية في رحل أخيه، قال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم، قال الدارقطني: وقيل: إنه قرأ عليهم في التفسير "واتبعوا ما تتلو الشياطين" بكسر الباء، قال: وحدثنا أحمد بن كامل، ثني الحسن بن حباب المقرئ أن عثمان بن أبي شيبة قرأ عليه في التفسير ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ قالها "أل م تر كيف فعل"، يعني كأول البقرة، وقيل: لا يحفظ القرآن، مات سنة ٢٣٩ هـ. وأما أبو بكر بن أبي شيبة فهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم ابن عثمان العبسي الواسطي الكوفي، ثقة حافظ، صاحب "المصنف"، روى عنه البخاري ومسلم، مات سنة ٢٣٥ هـ، قال أبو حاتم: كان عثمان أكبر من أبي بكر.

стр. 218

قَالَا: ثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْد، عن سُفْيَانَ، عن الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عن نَافِعٍ , === (قالا) أي عثمان وأبو بكر: (ثنا عمر بن سعد) (١) بن عبيد، أبو داود الحفري بفتح المهملة والفاء، نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ هـ. (عن سفيان) (٢) بن سعيد بن مسروق الثوري من ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دَلَّس، قال ابن معين: مرسلاته شبه الريح، وكذا قال أبو داود، توفي سنة ١٦١ هـ ومولده سنة ٧٧ هـ. (عن الضحاك (٣) بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي بكسر أوله وبالزاي، أبو عثمان المدني القرشي، صدوق يهم، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعيد، وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو صدوق، وقال ابن عبد البر: كثير الخطإ ليس بحجة، لَيَّنَه يحيى القطان، مات بالمدينة سنة ١٥٣ هـ. (عن نافع) (٤) أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، كان يقول: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع، ثقة ثبت فقيه مشهور، لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة ١٢٠ هـ.

стр. 219

عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: "مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ". [م ٣٧٠، ت ٩٠، ن ٣٧، جه ٣٥٣، ق ١/ ٩٩، خزيمة ٧٣] === (عن ابن عمر) أي عبد الله (قال: مرَّ رجل على النبي ﷺ وهو يبول (١)، فسلم عليه فلم يرد عليه) يعني لم يرد السلام عليه ولم يجبه، وقد كان جواب السلام ورده واجبًا، فعُلِم من ذلك أن في هذه الحالة لا ينبغي أن يسلم عليه، ولو سلم لا يستحق الجواب، وقد صرح علماء الحنفية وغيرهم بكراهة السلام في مثل هذه الحالة، قال في "الدر المختار" (٢) نظمًا: سَلَامُكَ مَكْرُوْهٌ على مَنْ سَتَسْمَعُ ... ومِن بعدِ ما أَبْدَى يُسَنُ ويُشْرَعُ مُصَلّ وتالٍ ذَاكِر وَمُحَدِّثٌ ... خَطيب وَمَنْ يُصْغي إليهم وَيسْمَعُ مُكَرِّرُ فِقْه جَالس لقَضَائِهِ ... وَمَنْ بَحَثُوا في الفِقْه دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا مُؤذن أيضًا أَوْ مُقِيمٌ مُدَرس ... كَذَا الأجْنَبِيَّاتُ الفَتِيَّاتُ أَمْنَعُ وَلُعَّابُ شَطْرَنْج وَشِبْهٍ بِخُلْقِهِمْ ... وَمَنْ هُو مع أهل لَهُ يَتَمَتَّعُ وَدَعْ كَافرًا أيضًا وَمَكْشُوفَ عَوْرَة ... وَمَنْ هُو في حالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ ووجه كراهة السلام نهيه ﷺ عن السلام في هذه الحالة كما في ابن ماجه (٣) عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا مَرَّ على النبي ﷺ وهو يبول فسلَّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة

стр. 220

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ. [م ٣٧٠] === فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك"، ووجه كراهة الجواب في مثل هذه الأحوال ما قد مرَّ من أن الكلام عند كشف العورة مكروه، فكيف بذكر الله تعالى فإنه يكون أشد كراهة، فإن قيل: يخالفه ما ورد "أنه ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه"، قلنا: المراد من الأحيان حالة الطهارة والحدث لا حالة كشف العورة والخلاء، والله تعالى أعلم. (قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره) هاتان تعليقتان وصلهما المؤلف في باب التيمم في الحضر، والمراد من الغير أبو الجهيم وابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ تيمم (١) ثم رد (٢) على الرجل السلام). لعل غرض المصنف بذكر هذا التعليق أنه ﷺ لم يرد على المسلم الجواب, لأنه لم يكن على طهر، فلما حصل له الطهر بالتيمم رد ﵇، فيمكن أنه ﷺ اختار الأفضل، فإنه وإن كان رد السلام وذكر الله تعالى بعد الفراغ من البول جائزًا، لكن الذكر على الطهر أفضل، وأما قبل أن يفرغ من البول فكان رد السلام في تلك الحالة مكروهًا، وما ورد، أنه ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" أو قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، محمول على بيان الجواز، أو يقال: إن هذه الأذكار مختصة بذلك الوقت.

стр. 221

١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا سَعِيد، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ , === ١٧ - (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي، بفتح العين والنون، أبو موسى البصري، المعروف بالزمن، مشهور بكنيته واسمه، ثقة ثبت حافظ، كان هو وبندار فرسَي رهان، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): قال صالح بن محمد: صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء، وقال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه، قال: وقد سئل عمرو بن علي عنهما، فقال: ثقتان، يقبل منهما كل شيء إلَّا ما تكلم به أحدهما في الآخر، ولد سنة ١٦٧ هـ، ومات سنة ٢٥٢ هـ. (ثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي من بني سامة بن لؤي، أبو محمد، ويلقب أبا همام، وثقه كثيرون، وقال: محمد بن سعد: لم يكن بالقوي، وقال أحمد: كان يرى القدر، وقال ابن حبان: كان متقنًا في الحديث، قدريًا غير داعية إليه، سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وقال بندار: والله ما كان يدري أي رجليه أطول، مات سنة ١٨٩ هـ (٢). (ثنا سعيد) بن أبي عروبة، بفتح العين، واسمه مهران العدوي، مولى بني عدي بن يشكر، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، ورمي بالقدر، مات سنة ١٥٦ هـ. (عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، بالتحتانية والمهملة، أبو سعيد الأنصاري مولاهم، وأمه خيرة مولاة أم سلمة ﵂، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا، ويدلس، مات سنة ١١٠ هـ، وقد قارب التسعين.

стр. 222

عن حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قنْفُذ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ === (عن حضين) بمهملة ثم معجمة مصغرًا (ابن المنذر) بن حارث الرقاشي، بتخفيف القاف وبالمعجمة (أبي ساسان) البصري بمهملتين، وهو لقبه (١)، وأبو محمد كنيته، كان صاحب راية علي يوم صفين، ولا يعرف حضين غيره، مات على رأس المئة (٢). (عن المهاجر بن قنفذ) (٣) بضم القاف والفاء، ابن عُمَيْر بن جُدْعان، بضم الجيم وسكون المعجمة، التيميّ القرشي، أسلم يوم فتح مكة، استعمله عثمان على شرطته، سكن البصرة، ومات بها (أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ (٤)، ثم اعتذر إليه) (٥)، وهكذا في رواية النسائي "وهو يبول"، وفي رواية ابن ماجه "وهو يتوضأ"، وهكذا في رواية أحمد بن حنبل في "مسنده"، وفي رواية لأحمد "أن النبي ﷺ كان يبول أو قد بال". قال الشيخ عبد الغني في "إنجاح الحاجة": قوله: "وهو يتوضأ": يحتمل أن يكون المراد من التوضؤ البول بطريق الاستعارة, لأن الاستعارة

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بين السبب والمسبب وغيرهما من المناسبات، والمناسبة ها هنا ظاهرة، وعلى هذا فمناسبة الحديث بالترجمة صريحة، وأما إذا كان المراد من الوضوء الاستنجاء العرفي فتكون المناسبة بالاستنباط، وهو أنه إذا سلم على الرجل وهو غير متوضٍ وَسِعَه تأخير رد السلام، ففي حالة البول أولى، انتهى. فإن قلت: قد ثبت عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂: أنه كان إذا خرج من الخلاء يقول: "غفرانك". أخرجه أبو داود (١) وصححه الحاكم وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبان، وعن أنس: كان يقول إذا خرج من الخلاء: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، أخرجه ابن ماجه (٢)، فهذا يدل على أن الدعاء بعد أن يخرج من الخلاء مندوب، وحديث الباب يدل على كراهة ذكر الله على غير طهارة. قلت: قد ثبت عنه ﷺ أنه يذكر الله تعالى في كل أحيانه محدثًا وطاهرًا، وأيضًا أن ذكر الله تعالى بالطهارة أفضل، والذكر على نوعين: إما مختص بوقت أو غير مختص به، فالذكر المختص بالوقت يستحب أن يؤتى به في ذلك الوقت، سواء كان طاهرًا أو محدثًا، فالأذكار التي وردت عقيب الخروج من الخلاء مستحب إتيانها بذلك الوقت، فالأفضل فيه أن يأتي بها عقيب الخروج من الخلاء، وهو وقت الحدث ضرورة. وأما السلام فإنه ذكر غير مختص بوقت، فإذا سلّم أحدٌ لا يجب ردُّه على الفور، بل يجوز أن يؤخر الجواب إلى أن لا يفوت، فإذا تطهير بالوضوء أو التيمم ثم أجاب يكون آتيًا بالجواب مع الأفضلية، ولكن إذا خاف الفوت

стр. 224

فَقَالَ: "إِنّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى ذكره إِلَّا عَلَى طُهْرٍ"، أَوْ قَالَ: "عَلَى طَهَارَةٍ". [ن ٣٨، جه ٣٥٠، حم ٥/ ٨٠، ق ١/ ٩٠، ك ١/ ١٦٧] (٩) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى غيرِ طُهْرٍ ١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدةَ، === يرده مُحْدثًا، فعلى هذا الأَفضل لهذا الذكر أن يكون على طهر، فوضح الفرق (١) بين الذكرين وحصل التوفيق، والحمد لله رب العالمين. (فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى ذكره إلَّا على طهر، أو قال) أي الراوي: (على طهارة) أو للشك في لفظ طهر أو طهارة، ولعل المراد بالكراهة خلاف الأولى والأفضل، قال الخطابي (٢): فيه دليل على أن السلام الذي يحيي به الناس بعضهم بعضًا، اسم من أسمائه تعالى كما جاء مرفوعًا. (٩) (بَابٌ: في الرّجُلِ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى غيرِ طُهْرٍ) هل يجوز ذلك؟ ١٨ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، حافظ، أحد الأثبات المكثرين. مات سنة ٢٤٨ هـ. (ثنا ابن أبي زائدة) وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني، بسكون الميم، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن حافظ، نسب إلى جده, لأن

стр. 225

عن أَبِيهِ، عن خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ - يَعْنِي الْفَأْفَاءَ -، عن الْبَهِيِّ، عن عُرْوَةَ، === أبا زائدة جده، وإنما أبوه زكريا بن أبي زائدة، مات سنة ١٨٣ هـ وله ثلاث وستون سنة. (عن أبيه) وهو زكريا بن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: خالد الهمداني الوادعي، بكسر الدال المهملة ثم عين مهملة، نسبة إلى وادعة بطن من همدان، مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يُدَلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بأخرة، مات سنة ١٤٨ هـ. (عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي الكوفي أبو سلمة، ويقال: أبو المقسم المعروف بالفَأفَاء، أصله مدني، رُمي بالإرجاء والنصب، قُتِل بواسط سنة ١٣٢ هـ، لما زال (١) دولة بني أمية. قال محمد بن حميد عن جرير: كان الفأفاء رأسًا في المرجئة، وكانَ يُبْغض عليًّا (يعني الفَأْفَاءَ) (٢) لقبٌ يُعْرَفُ به. (عن البهي) بفتح الموحدة وكسر الهاء وتشديد التحتانية، مولى مصعب بن الزبير، أبو محمد، والبهي لقبه، واسمه عبد الله، وبقال: اسم أبيه يسار، هكذا كتب بالمثناة التحتانية والمهملة المخففة في "التقريب" و"تهذيب التهذيب"، وفي شرحَي أبي داود: "غاية المقصود" و"عون المعبود" كتب بالموحدة والشين المعجمة، ولعله غلط من الناسخ، صدوق يخطئ، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ذكره ابن حبان في "الثقات". قلت: قال ابن سعد: كان ثقة معروفًا بالحديث. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا يحتج بالبَهي، وهو مضطرب الحديث. (عن عروة) بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله

стр. 226

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلَ أَخيَانِهِ". [م ٣٧٣، ت ٣٣٨١، جه ٣٠٢، حم ٦/ ٧٠] === المدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة ٩٤ هـ، ومولده في أوائل (١) خلافة عمر ﵁ وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما -، فهو ابن أخت عائشة ﵂. (عن عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، تكنى أم عبد الله، وأمها أم رومان، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس، وتزوّجها رسول الله ﷺ وهي بنت ست، وقيل: سبع، ودخل بها وهي بنت تسع، وقُبض رسول الله ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة، ماتت سنة ٥٧ هـ ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وَدُفِنَتْ بالبقيع (٢). (قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله (٣) على كل أحيانه)، المراد من عموم الأحيان حالة التطهر والحدث، سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، إلَّا أن الأكبر يحجزه عن قراءة القرآن، وأما الحدث الأصغر فلا يمنعه عن تلاوة القرآن وغيرها من الأذكار (٤)، وكذلك حالة كشف

стр. 227

(١٠) بَابُ الْخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكرُ الله تَعَالَى يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ ١٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عن أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عن هَمَّام , === العورة كالجماع، وقضاء الحاجة من البول والغائط، فإنه أيضًا لا يذكر الله تعالى في تلك الأحوال، بل لا يتكلم فيها مطلقًا، إلَّا لبيان الجواز في حالة كشف العورة، فالذي ورد من الحديث في الباب المتقدم الدال على كراهة ذكر الله تعالى يحمل على خلاف الأولى، كما ذكرناه قبل، ويمكن أن يكون المراد من ذكر الله الذكر القلبي، وهو المعبَّر بالحضور، فحينئذ يكون عموم الأحيان شاملًا لجميع أحيانه لا يُستثنى منه حين, لأنه ﷺ كان دائم الذكر، لا ينقطع ذكره القلبي في يقظة ولا نوم ولا في وقت ما. (١٠) (بَابُ الخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى) أي يكون فيه النقوش الدالة على ألفاظ مدلولها ذكر الله تعالى (يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ) بحذف حرف الاستفهام، يعني: أيدخل به الخلاء أم لا؟ ١٩ - (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٥٠ هـ. (عن أبي علي الحنفي) عبيد الله بن عبد المجيد البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي والدارقطني وابن قانع، وضعفه العقيلي، وعن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، مات سنة ٢٠٩ هـ. (عن همام) بن يحيى بن دينار العوزي، بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة، مولاهم، أبو عبد الله وأبو بكر البصري، ثقة ربما وهم، قال الساجي: صدوق سيِّئ الحفظ، ما حدَّث عن كتابه فهو صالح، وما حدَّث عن حفظه فليس بشيء، مات سنة ١٦٤ هـ.

стр. 228

عن ابْنِ جُرَيْج، عن الزهْرِيِّ، عن أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ". [ت ١٧٤٦، ن ٥٢١٣، جه ٣٠٣ , حم ٢/ ٣١١، ق ١/ ٩٥، ك ١/ ١٨٧، حب ١٤١٣] === (عن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، منسوب إلى جده، أبو الوليد أو أبو خالد المكي، ثقة فقيه فاضل، أحد الأعلام، وكان يُدَلّسُ ويُرْسِل، مات سنة ١٥٠ هـ، قال الحافظ: قال المخراقي عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل، وعن ابن معين: ليس بشيء في الزهري، وقال الدارقطني: تَجَنَّبْ تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يُدَلِّسُ إلَّا فيما سمعه من مجروح. (عن الزهري، عن أنس) بن مالك (قال) أنس: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول الخلاء (وضع (١) خاتمه). وفي رواية الترمذي والنسائي "نزع" بدل "وضع"، فمعنى وضع خاتمه يعني ينزع خاتمه من الأصبع، ثم يضعه خارج الخلاء، ولا يدخل الخلاء مع الخاتم، وهذا لتعظيم (٢) اسم الله . ويدخل فيه كل ما كان فيه اسم الله تعالى من القرطاس والدراهم إذا كان فيه اسم الله تعالى، بل إذا كان منقوشًا فيه الحروف ينبغي لمن دخل الخلاء أن يضعه قبل دخول الخلاء, لأن الحروف مادة كلامه وأسمائه تعالى، فلها أيضًا شرف وعظمة، وكذلك عند الجماع والاستنجاء وغير ذلك من الحالات.

стр. 229

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ". وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ همامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا همَّامٌ. === (قال أبو داود (١): هذا حديث منكر) ولعل الحكم بنكارته لأمرين؛ الأَول: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، والثاني: تبديل المتن بمتن آخر، (وإنما يعرف (٢) عن ابن جريج، عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهري، (عن الزهري، عن أنس: أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلَّا همام)، وخالفه الترمذي، وقال بعد تخريج هذه الرواية: هذا حديث حسن صحيح غريب (٣)، ولعل الحق مع الترمذي، لأن المنكر من الحديث ما كان فيه الراوي الضعيف بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك مخالفًا للقوي، فالراجح المعروف، ومقابله المنكر. قال الحافظ في "شرح النخبة" (٤): وإن وقعت المخالفة مع الضعف أي إن كان الراوي المخالف ضعيفًا بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر. وأيضًا قال الحافظ في موضع آخر من ذلك الكتاب: والثالث: المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة، يعني ما يكون الطعن فيه بسبب كثرة الغلط لا يكون منكرًا، إلَّا على رأي من لا يشترط في المنكر مخالفة الثقة الضعيف كما تقدم، وأما من يشترط فيه ذلك فلا.

стр. 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فقول أبي داود: "وهذا حديث منكر" لا يكاد يصح على المذهبين، لأن همامًا ثقة حافظ، روى له الشيخان واحتجَّا به فليس بضعيف، ولا ممن يطعن بفحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الجهالة، أو ظهور الفسق، فلا يكون حديثه منكرًا على المذهبين، نعم لو قال أبو داود: وهذا حديث مدلس لكان له وجه؛ لأن أصحاب ابن جريج رووا عن ابن جريج بزيادة واسطة بينه وبين الزهري وخالفهم همام فحذفه. وقوله: "والوهم فيه من همام" مراده بذلك أن أصحاب ابن جريج أخرجوا بهذا السند، أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، فغَيَّرَ همام وقلب هذا المتن بمتن آخر، وهو "كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه"، فهذا هو الوهم الذي وقع في الحديث من همام. وهذه الدعوى أيضًا لا دليل عليها، بل يمكن أن يكون هذان حديثين مختلفين مرويين بهذا السند كما قال في "درجات مرقاة الصعود" (١): ولا مانع أن يكون هذا متنًا آخر في ذلك المتن، وقد مال إليه ابن حبان فصحَّحهما معًا، فلا علة له عندي إلَّا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه تصريحه بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في تنقيده، انتهى. وأما قول الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، فلعل حكمه بالصحة يكون مبنيًا على أن يكون المتنان عند الترمذي بسندين مختلفين، ويكون المتن الأول عنده بدون واسطة زياد بن سعد، ولم يكن بين ابن جريج والزهري في رواية ذلك المتن واسطة، ويكون المتن الثاني مرويًا بزيادة زياد بن سعد بين ابن جريج والزهري، فيكون الحديثان عند الترمذي

стр. 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === صحيحين بسندين، ويمكن أن يكون حكمه بالصحة مبنيًا على أن لهذا الحديث شاهدًا. قال الشارح في "درجات مرقاة الصعود": أخرج البيهقي (١) من طريق يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس: "أن رسول الله ﷺ لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه"، وابن المتوكل هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ، وقال ابن معين: لا أعرفه. فلما تعاضدت رواية همام برواية يحيى بن المتوكل - ولعله عند الترمذي ثقة - حكم بصحته، نعم يشكل على هذا حكم الترمذي بأنه غريب، اللهُمَّ إلَّا أن يقال: إن حكم الصحة لغيره، والغرابة مبنية على الاختلاف في يحيى بن المتوكل، فعلى رأي من وثقه حكم بالصحة، وأما على رأي من ضعفه كابن المديني والنسائي وابن معين فحكم بالغرابة, لأن وجوده كما لعدم. وأما رواية ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه"، فأنكرها المحدثون وقالوا: هذا وهم من الزهري، إذ الذي ثبت من طرحه ﷺ خاتمه فإنما هو خاتم ذهب لا خاتم فضة، وكان خاتم فضة عنده ﷺ إلى آخر عمره الشريف، ثم عند أبي بكر كذلك، ثم عند عمر كذلك، ثم عند عثمان حتى سقط في زمانه في "بئر أريس"، فهذا الوهم ليس من همام بل من الزهري، ولعل همامًا أراد أن يصحح الرواية التي أنكرها المحدثون يحمل الإلقاء على إلقائه ووضعه عند قضاء الحاجة، لا على الإلقاء تحريمًا له، حتى يلزم الخلاف،

стр. 232

(١١) بَابُ الاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ ٢٠ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وهَنَّاد === هذا ما حكاه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي رحمة الله عليه. (١١) (بَابُ (١) الاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ) والاستبراء (٢): استنقاء الذَّكَر عن البول، قال في "المجمع" (٣): وكذلك الاستبراء الذي يذكر مع الاستنجاء في الطهارة، وهو أن يستفرغ بقية البول وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه، فاستبراء الذكر طلب براءة من بقية بول فيه بتحريكه ونثره وما أشبه ذلك (٤)، حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء منه. ٢٠ - (حدثنا زهير بن حرب وهناد) بفتح الهاء وتشديد النون، ابن السري بفتح مهملة وكسر راء خفيفة وشدة تحتانية، ابن مصعب

стр. 233

قَالَا: ثَنَا وَكِيع، ثَنَا الْأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عن طَاوُس، عنِ ابنِ عَبَّاس قَالَ: "مَرَّ النَّبِيّ ﷺ علَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا يُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ في كبِير: === التميمي، أبو السري الكوفي، ثقة، ولد سنة ١٥٢ هـ، ومات سنة ٢٤٣ هـ (١). (قالا) أي زهير وهناد: (ثنا وكيع، ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدًا يحدث (٢) عن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحِمْيريّ مولاهم، الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ١٠٦ هـ (٣). (عن ابن عباس) أي عبد الله (قال: مر النبي ﷺ على قبرين) (٤) اختلف هل هما كافران أو مسلمان؟ كذا في "درجات مرقاة الصعود" (٥) (فقال: إنهما (٦) يعذبان (٧) وما يعذبان في كبير)، المراد بالكبير ها هنا فعل يشق تركه وإن كان كبيرًا عند الله تعالى، فعلى هذا يحصل التوافق (٨) بين الروايات.

стр. 234

أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْب فَشَقَّهُ باثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا === (أما هذا) أي ذاك الرجل، وأشار إلى أحد القبرين (فكان لا يستنزه من البول) (١)، أي: لا يستبرئ ولا يجتنب من ملاقاة البول أو لا يطهره، وهذا الفعل وإن كان بظاهره غير كبير لكنه يؤدي إلى أمور كبيرة, لأنه يتسبب (٢) بطلان الصلاة. (وأما هذا) أي ذاك الرجل الآخر، وأشار إلى القبر الثاني (فكان يمشي بالنميمة) وهي: نقل الحديث على جهة الفساد (٣) والشر، نَمَّ الحديث ينمّه فهو نَمَّام، وهو من أقبح القبائح، والإصرار المفهوم من لفظ "كان" يشعر بأنها كبيرة. (ثم دعا (٤) بعسيب رطب) أي جريدة (فشقه باثنين، ثم غرس) (٥) أي غرز (على هذا) أي القبر (واحدًا، وعلى هذا) أي القبر (٦) الآخر

стр. 235

وَاحِدًا، وَقَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" === (واحدًا، وقال) أي رسول الله ﷺ : (لعله (١) يخفف عنهما ما لم ييبسا) (٢). قال الحافظ في "فتح الباري": قال المازري: يحتمل أن يكون (٣) أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة، انتهى. فعلى هذا "لعل" ها هنا للتعليل، وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح (٤)، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة كالذكر وتلاوة القرآن من باب الأولى، وقد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملاً بهذا الحديث، قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده، وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيَّب وهو قوله: "ليعذبان". قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عُذب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسّى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن توضع على قبره جريدتان، كما سيأتي في

стр. 236

قَالَ هَنَّادٌ: "يَسْتَتِرُ" مكان "يَسْتَنْزِهُ". [خ ٢١٨، م ٢٩٢، ت ٧٠، ن ٣١، جه ٣٤٧، حم ٥/ ٢٦٦] === الجنائز من هذا الكتاب، وهو أولى أن يتبع من غيره (١)، انتهى. وأما الاختلاف الذي وقع في أنهما كانا كافرين أو مسلمين، فرجَّح الاحتمال الثاني الحافظ العسقلاني ﵀، وقال: أما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمَيْن، ففي رواية ابن ماجه: "مر بقبرين جديدين"، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد: "أنه ﷺ مر بالبقيع (٢) فقال: من دفنتم اليوم ها هنا"، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، ويقوي كونهما مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: "يعذبان وما يعذبان في كبير"، و"بلى وما يعذبان إلَّا في الغيبة والبول"، فهذا الحصر ينفيِ كونهما كافرين, لأن الكافر وإن عُذبَ على ترك أحكام الإِسلام، فإنه يُعَذبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف، قال: وجزم ابن العطار في "شرح العمدة" بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين، لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما لتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما , ولو كان ذلك من خصائصه لبيَّنه، يعني كما في قصة أبي طالب، انتهى. (قال هناد (٣): "يستتر" (٤) مكان "يستنزه")، الغرض منه بيان اختلاف الألفاظ لزهير وهناد، فإن زهيرًا قال: "لا يستنزه"، بالنون والزاء بعدها

стр. 237

٢١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، ثنَا جَرِير، عن مَنْصُورٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَبِيَّ ﷺ بِمَعْنَاهُ === هاء، وقال هناد: "لا يستتر" بالمثناتين الفوقيتين، فمعنى ما روى هناد من لفظ "يستتر" يحتمل أن يكون معناه (١): لا يستتر عن أعين الناس، والأولى أن يقال: معنى لا يستتر، أي: لا يجعل بينه وبين البول سترًا، حتى لا يصيبه البول، فحينئذ يوافق هذا معنى ما روى زهير. ٢١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط، بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، الضبي الكوفي، نزيل ري وقاضيها، ثقة، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة ١٨٨ هـ. (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، أحد الأعلام المشاهير، قال أبو حاتم: متقن لا يخلط ولا يدلس، مات سنة ١٣٢ هـ. (عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بمعناه)، والغرض من نقل هذا السند بيان الاختلاف في رواية مجاهد، فإن الأعمش أدخل في روايته بين مجاهد وابن عباس طاوسًا، ولم يذكر منصور بين مجاهد وبين ابن عباس أحدًا، وكذلك البخاري أخرج الروايتين. قال الحافظ (٢): روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوسًا، كما أخرجه المؤلف بعد قليل، وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه عن طاوس

стр. 238

قَالَ: "كَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ"، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: "يَسْتَنْزِهُ". [انظر الحديث السابق] === عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقتين معًا، انتهى. قلت: وعلى هذا يدل صنيع أبي داود وتخريجه إياهما بأن الطريقين عنده صحيحان، ولكن قال أبو عيسى الترمذي في "سننه" (١): ورواية الأعمش أصح، واستدل عليه بقوله: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، وهذا يدل على أن رواية الأعمش أرجح عنده من رواية منصور عن مجاهد، ولعل الحق مع المصنف والبخاري والجمهور، والله أعلم. ثم بعد ذلك ذكر الاختلاف الواقع في قوله: يستتر ويستنزه عن منصور والأعمش، كما ذكر ذلك الاختلاف في روايتي زهير وهناد. (قال) أي جرير: (كان لا يستتر من بوله، وقال أبو معاوية: يستنزه). ظاهر صنيع أبي داود يقتضي أن يكون رواية أبي معاوية وهو محمد بن خازم عن منصور، ولكن ليس الأمر هكذا، بل رواية أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، كما يدل عليه رواية "صحيح البخاري" وغيره من كتب الصحاح، فعلى هذا كان الأنسب للمصنف أن يذكره في رواية وكيع عن الأعمش، ويمكن أن يعتذر عنه أنه ذكره ها هنا ليقابل رواية جرير عن منصور، وكونه برواية الأعمش كان غير خافٍ عند المحدثين، ولكن وقع في البخاري برواية أبي معاوية لفظ: "فكان لا يستتر"، مخالفًا لقول أبي داود ومسلم.

стр. 239

٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا الأعْمَشُ، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ === ٢٢ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم، أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش وحده مقال، مات سنة ١٧٩ هـ (١)، (ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب) الجهني، أبو سليمان الكوفي، أسلم في حياة النبي ﷺ ، ورحل إليه مهاجرًا، فقبض وهو في الطريق فلم يدركه، قال الحافظ في "التهذيب": قال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، وقال الحافظ في "التقريب": لم يصب من قال: في حديثه خلل، مات سنة ٩٠ هـ، أو بعدها. (عن عبد الرحمن (٢) بن حسنة)، وحسنة أمه، فهو عبد الرحمن بن عبد الله بن مطاع بن عبد الله الغطريف، صحابي، أخو شرحبيل بن حسنة، وأنكر العسكري تبعًا لابن أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرحبيل. (قال) أي عبد الرحمن: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص) (٣) بن وائل السهمي الصحابي المشهور، أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، ولي إمرة مصر مرتين، فالمرة الأولى في زمن عمر بن

стр. 240

إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا ثُمَّ بَالَ، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ , === الخطاب ﵁، والثانية لمعاوية من صفر سنة ٣٨ هـ، إلى أن مات سنة ٤٣ هـ، وهو ابن تسعين سنة. (إلي النبي ﷺ ) وفي رواية لأحمد: "قال: كنت أنا وعمرو بن العاص جالسًا". (فخرج)، وفي رواية لأحمد: "فخرج علينا"، وكذلك في رواية النسائي وابن ماجه، والظاهر من هذا السياق أنهما كانا أسلما قبل ذلك، (ومعه درقة) (١) الدرقة الحجفة، وأراد بها الترس من جلد ليس فيها خشب ولا عصب، (ثم استتر بها) أي وضعها وجعلها ساترًا بينه وبين الناس (ثم بال) أي مستقبلًا إليها، وفي رواية لأحمد: "فوضعها ثم جلس فبال إليه"، وفي أخرى له: "فاستتر بها فبال جالسًا". (فقلنا) وفي رواية لأحمد: "فقال بعض القوم"، وكذا في رواية النسائي، وفي رواية ابن ماجه: "فقال بعضهم"، فعلى هذه الروايات القائل لهذا الكلام الآتي بعض القوم لا هذان، وأما ما ورد في بعض الروايات لفظ "فقلنا" كما في حديث الباب، فنسبه إلى أنفسهم مجازًا. (انظروا إليه) أي إلى رسول الله ﷺ (يبول كما تبول المرأة) (٢) وفي رواية لأحمد: "أيبول رسول الله ﷺ كما تبول المرأة"، يعني يبول جالسًا - وكانت عادة العرب أنهم كانوا يبولون قائمين - أو يبول متسترًا، أو يكون وجه الشبه كلا الأمرين معًا، فإن كان هذا القول صدر منهما وهما كانا مسلمين صحابيين فلا يكون على وجه الطعن والتنقيص، بل على وجه التعجب على خلاف العادة المعروفة، ولكن كان في صورة الطعن والاعتراض.

стр. 241

فَسَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ، === قال العيني في "شرحه (١) على البخاري": وهذا القول وقع منهما من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل، فلذلك قال ﵊: "ألم تعلموا" ... إلخ، ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف, لأن الصحابة براء من هذا، انتهى. وإن كان صدر منهما وهما لم يسلما إلى ذلك الوقت أو من غيرهما من بعض القوم من الكفار، فيكون صدوره على وجه الطعن والاعتراض. (فسمع) أي رسول الله ﷺ (ذلك) أي قولهم (فقال: ألم تعلموا) وفي رواية لأحمد: فجاءنا فقال: "أو ما علمتم"، وفي رواية له: "ويحك أما علمت"، وكذلك في رواية ابن ماجه، (ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ (٢) وفي رواية لأحمد، وكذا في رواية النسائي وابن ماجه: "ما أصاب صاحب بني إسرائيل" (كانوا) أي بنو إسرائيل (إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم) وفي رواية لأحمد: "كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض"، وهكذا في النسائي، وفي أخرى له: "كان الرجل منهم إذا أصابه شيء من البول". والظاهر (٣) أن المراد من الذي يصيبه البول هو الثوب وغيره، لا الجلد، ويكون معنى الحديث الذي وقع في أبي داود: "وكانوا إذا أصابهم"، أي أصاب ثوبهم، بحذف المضاف، يعني: ما كان يجوز لهم أن يطهِّروا أثوابهم بالماء، وكان التطهير في شرعهم بقطع المتنجس , وأما قطع

стр. 242

فَنَهَاهُمْ، فَعُذّبَ في قَبْرِهِ". [ن ٣٠، جه ٣٠٩ - ٣٤٦، حم ٤/ ١٩٦] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَنْصُورٌ: عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى، في هذا الْحَدِيثِ قَالَ: "جِلْدَ أَحَدِهِمْ", === الجلد من النجاسة، فقال الشارح: لو صح حمله على ظاهره ليؤدي إلى قطع كل أجسادهم، إذ هذا أمر عادي متكرر الوقوع، ولا أراه تعالى يكلف عباده بمثله، وهو أرحم الراحمين، فتكليف القتل أسهل شيء كلفوه. (فنهاهم) أي صاحب بني إسرائيل، (فعُذّب في قبره) ومحصل جوابه ﷺ أن ما فعلته من البول جالسًا لأَجل التنزه من البول، أو التستر بالدَّرَقة أمر شرعيّ، كما كان قطع المتنجس بالبول في بني إسرائيل أمرًا شرعيًا، فكما عُذّب الناهي عن الأمر الشرعي الذي هو القطع، كذلك الطاعن فينا على الأمر الشرعي ناه عنه، فيستحق العذاب. والعجب من العيني، فإنه قال في "شرحه على البخاري" (١): وأراد بصاحب بني إسرائيل موسى ﵊، فإن قلت: كيف يترتب قوله: "فعذب" على قوله: "فنهاهم"؟ قلت: فيه حذف، تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا فعذب الله تعالى، انتهى. (قال أبو داود: قال منصور: عن أبي وائل)، هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي ﷺ ، وقيل: مخضرم، مولده سنة إحدى من الهجرة، ثقة، لا يسأل عن مثله، مات بعد الجماجم سنة ٨٢ هـ، وقيل: في خلافة عمر بن عبد العزيز، (عن أبي موسى، في هذا الحديث) أي حديث عبد الرحمن بن حسنة في قصة صاحب بني إسرائيل (قال) أي أبو موسى: (جلد أحدهم) وهكذا في "صحيح مسلم" برواية جرير عن منصور عن أبي

стр. 243

وَقَالَ عَاصِمٌ: عن أَبِي وَائِلٍ، عن أَبِي مُوسَى، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "جَسَدَ أَحَدِهِمْ". === وائل "جلد أحدهم"، وفي البخاري برواية شعبة عن منصور عن أبي وائل "ثوب أحدهم". (وقال عاصم) بن بهدلة، وبهدلة اسم أبيه بقول أحمد وطائفة، واسم أمه بقول كالفلاس (١)، وهو ابن أبي النجود، بنون وجيم، الأسدي الكوفي، أحد السبعة القراء، ثبت حجة في القراءة. قال يحيى القطان: ما وجدت رجلًا اسمه عاصم إلَّا وجدته رديء الحفظ، وقال النسائي: ليس بحافظ، وقال أبو بكر البزار: ولم يكن بالحافظ، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه على ذلك. (عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: جسد أحدهم) غرض المصنف من هذا الكلام بيان الاختلاف في سند الحديث والمتن، فرواية عبد الرحمن بن حسنة مرفوعة، وقوله: "ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابهم البول منهم"، الحديث من قول رسول الله ﷺ ، وأيضًا فيها: "قطعوا ما أصابه"، ولم يذكر فيه الثوب ولا الجلد ولا الجسد، ورواية منصور عن أبي وائل عن أبي موسى موقوفة عليه غير مرفوعة، وفيها لفظ "جلد أحدهم" في رواية أبي داود ومسلم (٢)، وفي رواية البخاري "ثوب أحدهم"، ورواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى رفعه إلى النبي ﷺ بلفظ: "جسد أحدهم"، وتتبعت

стр. 244

(١٢) بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا ٢٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ === رواية عاصم فلم أجدها في كتب الحديث، وذَكَرَ هاتين الروايتين تعليقًا، ولم يذكر السند. وأخرج البخاري بسنده موصولًا عن منصور عن أبي وائل قال: "كان أبو موسى الأشعري يُشَدِّد في البول ويقول: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه"، قال الحافظ في "شرحه على البخاري" (١): وقع في مسلم "جلد أحدهم" (٢)، قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود ففيها: "كان إذا أصاب جسد أحدهم"، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه بالمعنى، انتهى. (١٢) (بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا) أي: هل يجوز أم لا؟ ٢٣ - (حدثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سَخْبَرة الأزدي النمري، بفتح النون والميم، أبو عمرو الحوضي البصري وهو بها أشهر، ثقة ثبت، عِيْبَ بأخذ الأجرة على الحديث، مات سنة ٢٢٥ هـ (٣)، (ومسلم ابن إبراهيم) الأزدي الفَراهيدي، أبو عمرو البصري، ثقة مأمون مكثر، عمي بأخرة، وهو أكبر شيخ لأبي داود، مات سنة ٢٢٢ هـ بالبصرة (٤).

стр. 245

قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - وهَذَا لَفْظ حَفْص -، عن سُلَيْمَانَ، عن أَبِي وَائِل، عن حُذَيْفَةَ قَالَ: "أَتَى رَسُول اللَّه ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ === (قالا: ثنا شعبة، (ح (١): وثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضّاح، بتشديد المعجمة ثم المهملة، ابن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، كان من سبي جرجان، مولى يزيد بن عطاء، رأى الحسن وابن سيرين، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت فيما حدَّث من كتابه، وقال: إذا حدَّث من حفظه ربما غلط، وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفًا, لأنه كان قد ذهب كتابه، وقال أبو طالب: إذا حدَّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث عن غير كتابه ربما وهم، وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدَّث من كتابه، وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا، وهو صدوق، ثقة، مات سنة ١٧٥ هـ (٢). (وهذا) أي المذكور في الكتاب (لفظ حفص) دون مسلم ومسدد (عن سليمان) الأعمش، ويجتمع عليه السَّنَدَان، (عن أبي وائل، عن حذيفة) (٣) بن اليمان، واسم اليمان حُصيب مصغرًا، ويقال: حصن بكسر ثم سكون مهملة، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار. صحابي جليل من السابقين، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد بأحد، ومات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين. (قال: أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم) بضم المهملة بعدها موحدة،

стр. 246

فَبَالَ قَائمًا , === هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، كذا قال الحافظ في "الفتح" (١)، وقال بعضهم: هي في الأصل قمامة البيت، ثم استعمل بمطرحها وملقاها مجازًا، ثم توسع واستعمل في الفناء، قاله القاري (٢). قال الحافظ: وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك, لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، ولهذا بال ﷺ عليها، وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهن الجدار وفيه ضرر، فكيف هذا من النبي ﷺ . (فبال قائمًا) اختلف العلماء في البول قائمًا، فأباحه سعيد بن المسيب وعروة وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلَّا فمكروه، وقال عامة العلماء: البول قائمًا مكروه إلَّا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وهو مذهبنا الحنفية. وأما الجواب عن التعارض الذي وقع في الروايات الواردة في هذه المسألة، فما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "من حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدقوه ... إلخ" (٣). فالجواب عنه: أنه مستند إلى علمها، أو يكون ما بال قائمًا يعني في منزله، ولا اطلاع لها على ما في الخارج، ويمكن أن يكون مرادها أنه ﷺ ما كان معتادًا بالبول قائمًا، بل كانت عادته الشريفة البول قاعدًا، وليس فيه نفي ما صدر منه لعذرٍ، وأما الأحاديث الأُخر التي وردت في هذا الباب من

стр. 247

ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ". [خ ٢٢٤، م ٢٧٣، ت ١٣، ن ١٨ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٨، جه ٣٠٥] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: "فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ، === حديث بريدة ومن حديث عمر، فلا تخالف المذهب، ولا هذا الحديث الذي رواه أبو داود وغيره، فلا حاجة إلى الجواب عنها. ثم إن العلماء تكلموا في سبب بوله ﷺ قائمًا، فقال الشافعي ﵀: إن العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، فنرى أنه كان به إذ ذاك، وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول، ولم يمكن التباعد كعادته، وقال بعضهم: إنه ﷺ فعل ذلك (١) بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، وقيل غير ذلك من الأعذار. (ثم دعا بماء) فجئته كما في البخاري (فمسح على خفيه)، ويذكر بحث المسح على الخفين في موضعه إن شاء الله تعالى. (قال أبو داود: قال مسدد)، غرض المصنف من هذا أن شيخه مسددًا له زيادة على حديث حفص بن عمر، فإن المصنف قد صرح قبلُ أن الذي أخرجه هو لفظ حفص، ثم ذكر زيادة مسدد بعد قوله: "سباطة قوم" (قال؟ فذهبت أتباعد) لأجل أنه ظن أن عادة رسول الله ﷺ في قضاء

стр. 248

فَدَعَاني حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ". (١٣) بَاب: في الرَّجُلِ يَبُولُ بِاللَّيْلِ في الإِنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ ٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا حَجَّاجٌ , === الحاجة التباعد عن الناس (فدعاني) لأجل حصول التستر، ولأجل بيان جواز قضاء حاجة البول عند الناس (حتى كنت عند عَقِبه) العَقِب بفتح العين المهملة وكسر القاف، قال في "القاموس": وككتف: مؤخر القدم. (١٣) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَبولُ بِاللَّيْلِ في الإنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ) عقد هذا الباب إشارة إلى أنه يجوز ذلك، وإن ورد فيه رواية تدل على المنع. ٢٤ - (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، أبو جعفر ابن الطباع البغدادي، نزيل أذنة، قال السمعاني في "الأنساب" (١): وأذنة - بفتح الألف والذال المعجمة وفي آخرها النون - وهي من مشاهير البلدان بساحل الشام عند طرسوس، والنسبة أذني، ثقة، فقيه (٢)، قال البخاري: مات سنة ٢٢٤ هـ. (ثنا حجاج) بن محمد المِصِّيْصي، بكسر ميم وشدة صاد مهملة أولى، الأعور، أبو محمد، ترمذي الأصل، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، ومات بها سنة ٢٠٦ هـ (٣).

стр. 249

عن ابْنِ جُرَيجٍ، عن حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ ابْنَة (١) رُقَيْقَةَ، عن أُمِّهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "كَان لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيدَانٍ === (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن حكيمة) مصغرًا (بنت أميمة) مصغرًا (ابنة رُقيقة) مصغرًا، لا تعرف، ولكن قال الحافظ في "التهذيب": ذكرها ابن حبان في "الثقات"، (عن أمها) وهي أميمة (٢) بنت رقيقة وبنت عبد الله بن بجاد التيمي، صحابية، وهي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تلك تابعية، ورقيقة أم أميمة صحابية، أخت خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - (أنها) أي أميمة (قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عَيدان) بفتح مهملة فتحتية: النخلة الطوال المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، جمع عيدانة، كذا في "المجمع" (٣)، وفي "القاموس" في لفظ عود: والعيدان بالفتح: الطوال من النخل، واحدتها بهاء، ومنها كان قدح يبول فيه النبي ﷺ ، وفي آخر الباب: العَيْدانة أطول ما يكون من النخل يائية واوية، جمعه عيدان، انتهى. وقال السندي في "شرحه (٤) على النسائي": اختلف في ضبطه، أهو بالكسر والسكون جمع عود، أو بالفتح والسكون جمع عيدانة بالفتح، وهي النخلة الطويلة المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، وقيل: الكسر أشهر رواية" ورُدَّ بأنه خطأ معنى, لأنه جمع عود، وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منه قدح لحفظ الماء بخلاف من فتح العين، فإن المراد حينئذ قدح من خشب، هذه صفته ينقر ليحفظ ما يجعل فيه. قلت: والجمعية غير ظاهرة على الوجهين، وإن حمل على الجنس يصح

стр. 250

تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ". [ن ٣٢] === الوجهان، إلَّا أن يقال: حمل عيدان بالفتح على الجنس أقرب, لأنه مما فرق بينه وبين واحده بالتاء، ومثله يجيء للجنس، بل قالوا: إن أصله الجنس يستعمل في الجمع أيضًا، فلا إشكال فيه بخلاف العيدان بالكسر، جمع عود. وأجاب بعضهم على تقدير الكسر بأنه جمع اعتبارًا للأجزاء، فارتفع الإشكال على الوجهين، ثم قيل: لا يعارضه (١) ما جاء "أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول"، إما لأن المراد أن ذلك إذا طال مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه غالبًا، أو لأن المراد هناك كثرة النجاسة في البيت، بخلاف ما في القدح، فإنه لا يحصل به النجاسة لمكان آخر، انتهى. (تحت سريره) أي موضوع تحته، وفيه أن النوم على السرير لا ينافي (٢) الزهد (يبول فيه بالليل) (٣) رفقًا بنفسه أن يتعبها في القيام لذلك، وتعليمًا لأمته، ولبيان الجواز، قال في "درجات مرقاة الصعود": قال ولي الدين: يعارضه ما رواه الطبراني في "أوسطه" بسند جيد عن عبد الله بن يزيد عنه ﷺ قال:
следующие страницы →