← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وحاصل [المنع] الثاني: أن هذه الزيادة ليست من كلام رسول الله ﷺ ولا من كلام معاذ، وهذا ظاهر جدًا، فيحتمل أن يكون من قول ابن جريج أو من قول ابن دينار أو من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا, لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك. فأجاب عنه الحافظ ابن حجر: وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه: أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه لا سيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه. ورده العيني بقوله: قلت: لا دليل على كونها غير مدرجة لجواز أن تكون من ابن جريج، وجواز أن تكون من عمرو بن دينار، ويجوز أن تكون من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان هذا القول فليس فيه دليل على حقيقة ما كان يفعل معاذ، وقول الحافظ: فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، غير صحيح, لأنه يوجب أن لا يوجد مدرج أصلًا، انتهى. قلت: وأما قول الحافظ: فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه، رده في "آثار السنن" (١) بقوله: قلت: هذا الوجه الآخر لا يصلح أن يذكر في المتابعة، لأن الشافعي أخرجها عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، عن ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر. وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي متروك، قال الذهبي في "الميزان": قال يحيى بن معين: سمعت القطان يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب،

стр. 1822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وروى أبو طالب عن أحمد بن حنبل قال: تركوا حديثه، وقال البخاري: تركه ابن المبارك والناس، وروى عباس عن ابن معين: كذاب رافضي، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة سمعت عليًا يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب، وكان يقول بالقدر، وأخوه أنيس ثقة، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك، انتهى. قلت: فحاصل الكلام أن هذه الزيادة قد تفرد بها ابن جريج، ولا يتابع عليها بمتابع صحيح، انتهى. وحاصل المنع الثالث: لو ثبت أن هذه الزيادة نقله جابر عن معاذ وسمعه منه، لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر رسول الله ﷺ ، ولا أن رسول الله لو أخبره به لأقره عليه أو غَيَّره، فهذا الفعل لو ثبت أن معاذًا فعله في عهد رسول الله ﷺ ، لم يكن في ذلك دليل على أنه بأمر رسول الله ﷺ . وأجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: فجوابه: أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيًا، وأربعون بدريًا، قاله ابن حزم، قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر وابن عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم، انتهى. فرده العيني بقوله: قلت: يحتمل أن يكون عدم مخالفة غيره له بناء على ظنهم أن فعله كان بأمر النبي ﷺ ، ويكون من هذا الوجه أيضًا عدم امتناع غيره من ذلك. وأقول: يمكن أن يجاب بأن سكوت الصحابة وعدم مخالفتهم ليس فيه دليل, لأن رسول الله ﷺ لما بلغه هذه القصة غضب على معاذ وقال له: "لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك"، فلما ثبت عن رسول الله ﷺ إنكاره على معاذ فسكوت الصحابة لا يكون حجة، وسيأتي بحث هذا الحديث.

стр. 1823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وحاصل المنع الرابع: لو سلمنا أن الذي كان يفعل معاذ من الصلاة مرتين كان بأمر رسول الله ﷺ وبإذنه، فيمكن أن يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ في وقت كانت الفريضة تصلَّى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإِسلام حتى نهى عنه رسول الله ﷺ ، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف، ففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي فنسخه، ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد الوقتين، إلَّا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، انتهى. ونقل الحافظ ابن حجر الجواب عن هذا المنع بقوله: فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة. ثم اعترض الحافظ على الجواب الثاني بقوله: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث ابن عمر رفعه: "لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين"، ومن وجه آخر مرسل: "إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم، ثم يصلون مع النبي ﷺ ، فبلغه ذلك فنهاهم". ثم قال الحافظ: ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ، لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة، لأن صاحبها (١) استشهد بأحد, لأنا نقول كانت أحد في أواخر الثالثة فلا مانع في أن يكون المنع في الأولى، والإذن في الثالثة مثلًا، انتهى. فرد العلامة العيني الجواب الأول الذي أجاب به ابن دقيق العيد بقوله:

стр. 1824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قلت: يستدل على ذلك بوجه حسن، وذلك لأن إسلام معاذ متقدم، وقد صلَّى النبي ﷺ بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة، فيقال: لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المناقضات والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك، انتهى. فقال الحافظ في جوابه بقوله: وأما تقوية بعضهم لكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن, فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لَصلَّى النبي ﷺ بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دل ذلك على المنع، فجوابه أنه ثبت أنه ﷺ صلَّى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان الجواز، انتهى. وأجاب الطحاوي (١) عن رواية أبي بكرة وجابر بن عبد الله بعد ما ساقهما بقوله: ولا حجة لهم عندنا في هذه الآثار, لأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ صلاها كذلك, لأنه لم يكن في سفر يقصر في مثله الصلاة، فصلَّى بكل طائفة ركعتين، ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين، وهكذا نقول نحن إذا حضر العدو في مصر، فأراد أهل ذلك العصر أن يصلوا صلاة الخوف فعلوا هكذا، يعني بعد أن تكون تلك الصلاة ظهرًا أو عصرًا أو عشاءً، قالوا: فإن القضاء ما ذكر، قيل لهم: قد يجوز أن يكونوا قد قضوا ولم ينقل ذلك في الخبر، وقد يجيء في الأخبار مثل هذا كثيرًا وإن كانوا لم يقضوا، فإن ذلك عندنا لا حجة لهم فيه أيضًا, لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ والفريضة تصلَّى حينئذ مرتين، فيكون كل واحد منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإِسلام ثم نسخ، انتهى.

стр. 1825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قلت: وكذلك نقل القاري (١) عن صاحب "المصابيح" الشافعي: قال في "شرح السنَّة": يحتمل أن يكون هذا في حال كون النبي ﷺ مقيمًا، والمقيم يصلي صلاة الخوف في العصر كذلك، إلَّا أنه لم يذكر في الحديث أن القوم قضوا, ويجوز أن يكونوا قضوا، ومثل هذا جائز في الأحاديث، ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الآية بالقصر، فهذا بحمد الله شافعي منصف غاية الإنصاف، ومجتهد مجتمع جميع الأوصاف، حمل الحديث على ما اخترناه فيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، انتهى. قلت: وهذا الجواب الذي أجاب به الطحاوي أولًا وصاحب "المصابيح" يتمشى على الروايات التي ساقها الطحاوي عن أبي بكرة وجابر بأنه ليس فيها لفظ: "ثم سلم"، وكذلك ما أخرجه الشيخان من رواية جابر فإنهما لم يذكرا فيه لفظ: "ثم سلم"، وكذلك ما أخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، ومن طريق يونس، عن الحسن حديث جابر، فإن هذه الروايات كلها ليس فيها ذكر السلام على الركعتين الأوليين، وكذلك ما روى عن جابر يزيدُ الفقير وعطاء وأبو الزبير فإنهم لم يذكروا السلام ولا الركعتين. وأما على الرواية التي أخرجها أبو داود من طريق أشعث عن الحسن عن أبي بكرة، وما رواه النسائي من هذا الطريق عن أبي بكرة، وكذلك ما أخرجه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر، فلا يتمشى الجواب، فإنها ذكر فيها: "ثم سلم على الركعتين الأوليين"، فلا يمكن أن يحمل على أنهم كانوا مقيمين، وقد صلَّوا مع رسول الله ﷺ ركعتين ركعتين وقضوا ركعتين ركعتين, لأن السلام مانع عن ذلك. فعلى هذه الروايات التي ذكر فيها السلام لا يجاب إلَّا ما أجاب به

стр. 1826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الطحاوي ثانيًا بقوله: وإن كانوا لم يقضوا، فإن ذلك عندنا لا حجة لهم فيه أيضًا, لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله ﷺ ، والفريضة تصلَّى حينئذ مرتين، فيكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإِسلام ثم نسخ، أو يقال: إن ذكر السلام اختلفت الرواية فيه، ولم يذكر أكثر الرواة، فوقع الشك فيه، فلا يفيد ثبوت الحكم، والله أعلم. قلت: وهذا تبرع من العلامة العيني، فليس على المانع أن يستدل على منعه، فإن الاحتمال يكفيه، وقول ابن دقيق العيد: بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، عجيب من مثله، فإن جواز الصلاة في اليوم مرتين ونسخه ثابت ليس فيه احتمال أصلًا، نعم وقوع فعل معاذ إما أن يكون قبل النسخ، ويحتمل أن يكون بعده، فلما احتمل أن يكون وقوعه قبل النسخ فسد الاستدلال به حتى يثبت أنه وقع بعد النسخ، ودون إثباته خرط القتاد. ثم رد العلامة العيني ما أجاب به الحافظ بقوله: وفي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، بقوله: قلت: إن كان الرد بالاحتمال، ونحن أيضًا نقول: [يحتمل] أن يكون النهي في ذلك لأجل أن أحدًا يقتدي به في واحدة من الصلاتين اللتين صلاهما على أنهما فرض، وفي نفس الأمر فرضه إحداهما من غير تعيين، فيكون الاقتداء به في صلاة مجهولة، فلا يصح، انتهى. ثم استدل الطحاوي (١) على أن فعل معاذ هذا لم يكن بأمر رسول الله ولا بعلمه، فإنه روينا عن رسول الله ﷺ ما يدل على خلاف ذلك، حدثنا فهد، ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، ح وثنا علي بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قالا: ثنا سليمان بن بلال، ثنا عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة الزرقي أن رجلًا من بني سلمة يقال له: سليم أتى رسول الله ﷺ فقال: إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي فيأتي

стр. 1827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطول علينا فقال له النبي ﷺ : "يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن (١) قومك". فقول رسول الله ﷺ هذا لمعاذ يدل على أنه عند رسول الله ﷺ كان يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه أو بقومه، وأنه لم يكن يجمعهما, لأنه قال: "إما أن تصلي معي" أي ولا تصل بقومك، "وإما أن تخفف قومك" أي ولا تصل معي. فلما لم يكن في الآثار الأول من قول رسول الله ﷺ شيء، وكان في هذا الأثر ما ذكرنا، ثبت بهذا الأثر أنه لم يكن من رسول الله في ذلك لمعاذ شيء متقدم، ولا علمنا أنه كان في ذلك أيضًا منه شيء متأخر، فيجب به الحجة علينا، انتهى. فأجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: وأما استدلال الطحاوي أنه ﷺ نهى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف بقومك"، ودعواه أن معناه "إما أن تصلي معي ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصل معي" ففيه نظر, لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي، وهو أولى من تقديره، لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف, لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه، انتهى. فرده العيني بقوله: قلت: الذي قدره المخالف باطل, لأن لفظ الحديث: "لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك"، فهذا يدل على أنه يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه أو بقومه، ولا يجمعهما، فدل على أن المراد عدم الجمع والمنع، وكل أمرين بينهما منع الجمع كان بين نقيضيهما منع الخلو، كما قد بين هكذا في موضعه.

стр. 1828

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأما الحنفية ومن وافقهم في عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل استدلوا عليه أولًا: بما روي أن النبي ﷺ صلَّى بالناس صلاة الخوف، فجعل الناس طائفتين، وصلَّى بكل طائفة شطر الصلاة لينال فريق فضيلة الصلاة، ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لأتم الصلاة بالطائفة الأولى، ثم نوى النفل، وصلى بالطائفة الثانية، لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير الحاجة إلى المشي وأفعال كثيرة ليست من الصلاة. وثانيًا: بما أخرجه الإِمام أحمد بسند صحيح عنه ﷺ قال: "الإِمام ضامن"، بمعنى أنه تضمن صلاته صلاة المقتدي، والمفترض أقوى حالًا من المتنفل، والشئ لا يتضمن ما هو فوقه. وثالثًا: بما أخرجه الطحاوي بسنده أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك"، والذي صح عند أئمتنا وترجح أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ نفلًا، وبقومه فرضًا، لقوله حين شكوا تطويله بهم: "يا معاذ إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك"، فشرع له أحد الأمرين: الصلاة معه ولا يصلي بقومه، أو الصلاة بقومه على وجه التخفيف ولا يصلي معه، هذا حقيقة اللفظ، فأفاد منعه من الإمامة إذا صلَّى معه ﵇، ولا تمتنع إمامته مطلقًا بالاتفاق، فعلم أنه منعه من الفرض. ورابعًا: بما أخرجه مسلم في "صحيحه" في "باب ائتمام المأموم بالإمام": حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا المغيرة يعني الحِزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، الحديث. قال النووي (١): قوله ﵇: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به"، فمعناه

стр. 1829

(٦٩) بابُ الإِمَامِ يُصَلِّى مِنْ قُعُودٍ ٥٩٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ, فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ, فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ === عند الشافعي وطائفة في الأفعال الظاهرة، وإلَّا فيجوز أن يصلي الفرض خلف النفل وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، وقالوا: معنى الحديث ليؤتم به في الأفعال والنيات، انتهى. (٦٩) (بَابُ (١) الإمامِ يُصَلِّي مِنْ قعودٍ) من بمعنى الباء أو زائدة، وفي نسخة مكتوبة على الحاشية: "باب إذا صلَّى الإِمام قاعدًا" وهو أوضح ٥٩٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرع) (٢) بصيغة المجهول أي سقط (عنه) أي عن الفرس، (فجحش) بضم الجيم وكسر حاء، أي انخدش، وجحش متعد (شقه) أي جنبه (الأيمن) أي تأثر تأثرًا منعه استطاعة القيام. قال الحافظ (٣): قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام، قلت: وليس كذلك، وإنما كان قدمه ﷺ انفكت، وفي رواية يزيد عن حميد عن أنس: "جحش ساقه (٤) أو كتفه"، وأفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة. (فصلَّى صلاة من الصلوات) وفي رواية سفيان عن الزهري: "فحضرت

стр. 1830

وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا (١) وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: === الصلاة"، والمراد بها الفرض, لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة، ومن قال: إنها كانت نفلًا، فغير معتد به، إلَّا أن في حديث أنس: "فصلَّى بنا يومئذ"، فكأنها نهارية الظهر أو العصر. (وهو قاعد) لأنه لم يقدر (٢) على القيام (فصلينا وراءه) أي خلفه (قعودًا) أي قاعدين، ظاهره يخالف حديث عائشة الذي عند البخاري ولفظه: "فصلَّى جالسًا وصلَّى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا"، والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصارًا، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس، وهذا الذي حكته عائشة، وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه ﷺ بأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد, لأن فرض القادر في الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بُعد, لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" إلى آخره, لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودًا لكونه قاعدًا، قاله الحافظ في "الفتح" (٣). (فلما انصرف) أي من صلاته بالسلام (قال) أي رسول الله ﷺ :

стр. 1831

"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ". [خ ٣٧٨، م ٤١١، ت ٣٦١، ن ٨٣٢، جه ٨٧٦، حم ٣/ ١١٠، دي ١٢٩٦، ق ٢/ ٩٦] === (إنما جعل الإِمام ليؤتم به) (١) أي ليقتدى به، وظاهره شمول النهي عن مخالفة الإِمام في هيئة الصلاة من القيام والقعود، (فإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا)، إما مصدر أي ذوي قيام، أو جمع أي قائمين. (وإذا ركع فاركعوا (٢)، وإذا رفع) أي رأسه (فارفعوا، وإذا (٣) قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى) أي الإِمام (جالسًا، فصلوا جلوسًا) جمع جالس، وهو حال بمعنى جالسين (أجمعون). قال الحافظ (٤): استدل به على صحة إمامة الجالس، وادّعى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدى به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين, لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود، قال: فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له، فأمرهم للجلوس تواضعًا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر: "إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود" [فلا تفعلوا].

стр. 1832

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد وبأن سياق طرق الحديث يأباه، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله: "وإذا سجد فاسجدوا"، فلما عدل عن ذلك إلى قوله: "وإذا صلَّى جالسًا" كان كقوله: وإذا صلَّى قائمًا، فالمراد بذلك جميع الصلاة، ويؤيد ذلك قول أنس: "فصلينا وراءه قعودًا". ونقل في "مشكاة المصابيح": وقال الحميدي: قوله: "إذا صلَّى جالسًا" أي بعذر "فصلوا جلوسًا هو في مرضه القديم" حين آلى من نسائه، "ثم صلَّى بعد ذلك" أي ذلك المرض "النبي ﷺ " أي قبل موته بيوم، "جالسًا والناس خلفه قيام"، قال الطيبي (١): عند أحمد وإسحاق أن الإِمام إذا صلَّى جالسًا أي بعذر وافقه المأموم، وعند مالك: لا يجوز أن يؤم الناس قاعداً، ودليل مالك ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤم أحد بعدي جالسًا"، وهو مرسل ومحمول على التنزيه. "لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ"، أي يعمل "بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ ". وعندنا معشر الحنفية: يجوز اقتداء القائم الذي يركع ويسجد بالقاعد الذي يركع ويسجد استحسانًا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، والقياس أن لا يجوز وهو قول محمد، وعلى هذا الاختلاف اقتداء القائم المومئ بالقاعد المومئ. وجه القياس ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالسًا" أي لقائم، لإجماعنا على أن الجالس لو أم الجالس لجاز. وجه الاستحسان ما روي أن آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ في ثوب واحد متوشحًا به قاعدًا وأصحابه خلفه قيام يقتدون به، فقد ثبت الجواز على وجه لا يتوهم ورود النسخ عليه.

стр. 1833

٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِى سُفْيَانَ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ (١) , فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْمِ نَخْلَةٍ, فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ, فَأَتَيْنَاهُ نَعُودُهُ, فَوَجَدْنَاهُ فِى مَشْرَبَةٍ لِعَائِشَةَ يُسَبِّحُ جَالِسًا, قَالَ: فَقُمْنَا خَلْفَهُ, فَسَكَتَ عَنَّا, === ٦٠٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان) هو طلحة بن نافع القرشي مولاهم، أبو سفيان الواسطي، ويقال: المكي الإسكاف، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قال أحمد والنسائي وابن عدي: ليس به بأس، وقال ابن معين: لا شيء، وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة. (عن جابر) أي ابن عبد الله الأنصاري ﵁ (قال: ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة، فصرعه) أي أسقطه (على جذم نخلة) قال في "القاموس": الجِذم بالكسر: الأصل، ويفتح، جمعه أجذام وجُذوم، (فانفكت قدمه (٢)) الفك نوع من الوهن والخلع، وانفك العظم: انتقل من مفصله، يقال: فككت الشيء: أبنت بعضه من بعض. (فأتيناه) أي رسول الله ﷺ (نعوده) (٣) قال في "القاموس": العود زيارة المريض كالعياد والعيادة، (فوجدناه) أي رسول الله ﷺ (في مشربة) بفتح الراء وضمها، وهي الغرفة والعلية يخزن فيه الطعام وغيره (لعائشة) ﵂ (يسبح) أي يصلي السبحة (جالسًا، قال) جابر: (فقمنا خلفه، فسكت عنا) أي لم يمنعنا من القيام، وأجاز قيامنا خلفه.

стр. 1834

ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى نَعُودُهُ, فَصَلَّى الْمَكْتُوبَةَ جَالِسًا, فَقُمْنَا خَلْفَهُ, فَأَشَارَ إِلَيْنَا, فَقَعَدْنَا. قَالَ: فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا, وَإِذَا صَلَّى الإِمَامُ قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا, وَلَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا». [حب ٢١١٢، حم ٣/ ٣٠٠، خزيمة ١٦١٥، جه ٣٤٨٥] ٦٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, الْمَعْنَى, عَنْ وُهَيْبٍ, عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ, === (ثم أتيناه مرة أخرى (١) نعوده، فصلَّى المكتوبة جالسًا، فقمنا (٢) خلفه) أي كما قمنا قبل (فأشار إلينا) أي بالقعود (فقعدنا، قال) أي جابر: (فلما قضى) رسول الله ﷺ (الصلاة قال) أي رسول الله ﷺ : (إذا صلَّى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا) أي لا تخالفوه بأنكم تصلون قيامًا وهو جالس، (وإذا صلَّى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها) فإنهم يقومون لعظمائها وهم جلوس. ٦٠١ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى) أي معناهما واحد وإن اختلفا في الألفاظ (عن وهيب) بن خالد بن عجلان، (عن مصعب بن محمد) بن عبد الرحمن بن شرحبيل العبدري المكي، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري: روى عنه ابن عيينة وقال: كان رجلًا صالحًا، وقال أبو حاتم: صالح يكتب حديثه ولا يحتج به.

стр. 1835

عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ, فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا, وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ, وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا, وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ, وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» - قَالَ مُسْلِمٌ: «وَلَكَ الْحَمْدُ» - «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا, وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ, وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا, وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ». (٢). [حم ٢/ ٣٤٠] === (عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإِمام ليؤتم) أي ليقتدى (به، فإذا كبر فكبروا , ولا تكبروا حتى يكبر) أي لا تسبقوه بالتكبير، (وإذا ركع فاركعوا, ولا تركعوا حتى يركع) أي لا تسبقوه بالخرور في الركوع، (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهُم ربنا لك الحمد، قال مسلم) أي ابن إبراهيم أستاذ أبي داود: (ولك الحمد) بزيادة الواو، وهذه إشارة إلى الاختلاف الواقع بين أستاذيه سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم، فإن سليمان بن حرب قال بدون الواو، (وإذا سجد فاسجدوا, ولا تسجدوا حتى يسجد) أي لا تسبقوه في السجود (وإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون). قال الخطابي (٣): ذكر أبو داود هذا الحديث من رواية أنس وجابر وأبي هريرة وعائشة، ولم يذكر صلاة رسول الله ﷺ آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهذا آخر الأمرين من فعله، ومن عادة أبي داود في ما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أنه يذكر الحديث في بابه، ويذكر الذي يعارضه في باب آخر على إثره، ولم أجده في شيء من النسخ، فلست أدري كيف أغفل

стр. 1836

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». أَفْهَمَنِى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ سُلَيْمَانَ. ٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمَصِّيصِىُّ, حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» بِهَذَا الْخَبَرِ زَادَ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا». [ن ٩٢٢، جه ٨٤٦، حم ٢/ ٤٢٠] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ, والْوَهَمُ عِنْدَنَا مِنْ أَبِى خَالِدٍ. (١). === بذكر هذه القصة، وهي من أمهات السنن؟ وإليه ذهب أكثر الفقهاء (٢)، انتهى. (قال أبو داود: اللهُمَّ ربنا لك الحمد) أي هذه الكلمة (أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان) حاصل هذا الكلام أن أبا داود يقول: لما حدّث سليمان بن حرب بهذا الحديث لم أفهم هذا اللفظ منه فأفهمني بعض أصحابي الذين كانوا معي في سماع الحديث. ٦٠٢ - (حدثنا محمد بن آدم المصيصي، نَا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان بتحتانية، الأزدي الكوفي الجعفري، نزل فيهم، (عن ابن عجلان) محمد، (عن زيد بن أسلم) العدوي، (عن أبي صالح) السمان، (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال) أي النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم) أي ليقتدى (به بهذا الخبر) أي المتقدم متعلق بلفظ حدثنا (زاد) أي أبو خالد: (وإذا قرأ فأنصتوا، قال أبو داود: هذه الزيادة: وإذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد) وتعقبه المنذري في "مختصره" (٣)، فقال: هذا فيه نظر، فإن أبا خالد

стр. 1837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأحمر هذا هو سليمان بن حيان، وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحيهما، ومع هذا لم يتفرد بهذه الزيادة، بل قد تابعه عليها أبو سعد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني، نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان، وهو ثقة، وثَّقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المُخَرِّمي والنسائي. وقد أخرج هذه الزيادة النسائي في "سننه" (١) من حديث أبي خالد الأحمر، ومن حديث محمد بن سعد، وقد أخرج مسلم في "الصحيح" (٢) هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من حديث سليمان التيمي عن قتادة، وضعف أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم لتفرد سليمان التيمي به، وقال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة. وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ منهم هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة فلم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا"، قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه، ولم يؤثر عند مسلم تفرده بها لثقته وحفظه، وصححها من حديث أبي موسى وأبي هريرة، انتهى. وقد أخرج أبو داود هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من رواية سليمان التيمي، وقال: زاد: "وإذا قرأ فأنصتوا"، قال أبو داود: قوله: "أنصتوا" ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلَّا سليمان التيمي في هذا الحديث، وكذلك روي عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني وأبي علي النيسابوري، وصححها مسلم في "صحيحه"، قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث: [أيّ طعن فيه؟ ] فقال مسلم: تريد

стр. 1838

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة هو صحيح؟ يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"، فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لم تضعه هاهنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا (١) عليه، انتهى. قلت: أما ادّعاؤهم في حديث أبي هريرة بتفرد أبي خالد، كما قال البخاري في "جزئه": ولم يتابع أبو خالد في زيادته، وكذلك ادعاؤهم الإجماع على خطأ هذه اللفظة في الحديث غلط فاضح وتعصب واضح، فإنه قد تابع أبا خالد أبو سعد محمد بن سعد الأنصاري عن ابن عجلان أخرجه النسائي، ومحمد بن سعد الأنصاري ثقة، وقال الدارقطني بعد تخريج رواية أبي خالد الأحمر: تابعه محمد بن سعد الأشهلي، ثم أخرج روايته بسنده، ثم ذكر في آخرها: قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمي يقول: هو ثقة يعني محمد بن سعد، فالعجب من البخاري كيف يدعي عدم متابعة أبي خالد، والعجب من البيهقي كيف يدعي الإجماع على خطأ هذه الزيادة مع أنها صححها مسلم في "صحيحه" على رؤوس الأشهاد. قلت: وقد قال البيهقي في "كتاب القراءة خلف الإِمام" (٢): قال الإِمام أحمد ﵀: وقد روي ذلك عن حسان بن إبراهيم الكرماني وإسماعيل بن أبان الغنوي عن محمد بن عجلان، وإسماعيل ضعيف، ويقع في أحاديث حسان بن إبراهيم بعض ما ينكر، انتهى. أما قوله: إسماعيل ضعيف فمسلم، وأما تضعيف هذه الجملة برواية

стр. 1839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حسان بن إبراهيم وتكلمه فيه فغير مقبول، فإنه قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): قال حرب الكرماني: سمعت أحمد يوثق حسان بن إبراهيم، ويقول: حديثه حديث أهل الصدق، وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس به بأس، وقال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن المديني: كان ثقة وأشد الناس في القدر، وقال ابن عدي: قد حدث بأفراد كثيرة وهو عندي من أهل الصدق إلَّا أنه يغلط في الشيء ولا يتعمد. ثم قال البيهقي: قال الإِمام أحمد ﵀: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي عن زيد بن أسلم، ويحيى بن العلاء متروك، جرحه يحيى بن معين وغيره من أهل العلم بالحديث، وروي بإسناد ضعيف عن عمر بن هارون عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم، ولا يفرح (٢) بمتابعة هؤلاء في خلاف أهل الثقة والحفظ، ثم قال: وخارجة بن مصعب أيضًا ليس بالقوي. قلت: وأما خارجة بن مصعب فذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣)، ونقل تضعيفه عن جمع من المحدثين، وقال في أثنائه: قال مسلم: سمعت يحيى بن يحيى وسئل عن خارجة فقال: مستقيم الحديث عندنا, ولم يكن ينكر من حديثه إلَّا ما يدلس عن غياث بن إبراهيم، فإنا كنا قد عرفنا تلك الأحاديث، فلا نعرض لها. ثم أخرج البيهقي (٤) بسنده حديث أبي سعد محمد بن مُيَسَّر: نا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ الإِمام فأنصتوا" وهذا باطل، أخطأ فيه أبو سعد الصغاني هذا على ابن عجلان فَغَيَّر إسناده وزاد في متنه،

стр. 1840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وخالف ما روى الثقات عن ابن عجلان، وأبو سعد جرحه يحيى بن معين. قلت: قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): قال أبو داود عن أحمد: صدوق، ولكن كان مرجئًا، قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم. وأما ادعاؤهم في حديث أبي موسى الأشعري تفرد سليمان التيمي بهذه الزيادة، فهذا أيضًا غلط وباطل، فإن عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة تابعاه كما في الدارقطني من حديث سالم بن نوح. قال العلامة النيموي (٢): وسالم بن نوح هذا وإن قال الدارقطني: ليس بالقوي، فقد أخرج له مسلم وابن خزيمة وابن حبان في "صحاحهم"، قلت: قال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، ثقة، وقال الساجي: صدوق ثقة، وأهل البصرة أعلم به من ابن معين، وذكره ابن حبان وابن شاهين في "الثقات"، وقال ابن قانع: هو بصري ثقة، قاله الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣). وقد ذكر العلامة النيموي متابعًا آخر لسليمان التيمي من "صحيح أبي عوانة": ثنا سهل بن بحر، ثنا عبد الله بن رشيد، ثنا أبو عبيدة، عن قتادة وفيه: "وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا"، فبطل بذلك دعوى تفرد سليمان. ثم أخرج البيهقي (٤) هذه الزيادة من حديث أنس من طريق حسن بن علي بن شبيب المعمري، نا أحمد بن المقدام، نا الطفاوي، نا أيوب، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ الإِمام فأنصتوا". أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ قال: لم يحدث به عن أيوب غير الطفاوي، وحدث به المعمري عن أبي الأشعث،

стр. 1841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وهو أحمد بن المقدام، عن الطفاوي، فزاد في متنه: "فإذا قرأ فأنصتوا" فتكلم الناس فيه من أجله. قال أبو أحمد: وقال لنا عبدان يعني الأهوازي الحافظ: لما حدث المعمري بهذه الزيادة عن أبي الأشعث كتبوا إليّ من بغداد، فكتبت إليهم أن محمد بن بكار وإسماعيل بن سيف وأبا الأشعث ثلاثتهم حدثونا عن الطفاوي، وليس فيه هذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا"، انتهى. قلت: لا يجوز أن يتكلم في المعمري، فإنه قال في "ميزان الاعتدال" (١): حسن بن علي بن شبيب المعمري الحافظ، واسع العلم والرحلة، سمع علي بن المديني وشيبان، قال الدارقطني: صدوق حافظ، وقال عبدان: ما رأيت في الدنيا صاحب حديث مثله، قال البردعي (٢): ليس بعجب أن يتفرد المعمري بعشرين أو ثلاثين حديثًا في كثرة ما كتب، وقال عبدان: سمعت فضيلًا (٣) الرازي وجعفر بن الجنيد يقولان: المعمري كذاب، ثم قال عبدان: حسداه، لأنه كان رفيقهم، فكان إذا كتب حديثًا غريبًا لا يفيدهما، انتهى. وقال السمعاني في "الأنساب" (٤): وأبو علي حسن بن علي بن شبيب المعمري الحافظ إنما اشتهر بها , لأنه عني بجمع حديث معمر. وأما أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي، فقال في "الميزان" (٥): أحد

стр. 1842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأثبات المسندين، قال ابن خزيمة: كان كيسًا صاحب حديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وإنما ترك أبو داود الرواية عنه لمزاح فيه. وفي "تهذيب التهذيب" (١): قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال صالح جزرة: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود: كان يُعَلِّمُ المَجَّانَ المُجُون، فأنا لا أحدث عنه، قال ابن عدي: وهذا لا يؤثر فيه, لأنه من أهل الصدق، وكان أبو عروبة يفتخر بلقبه ويثني عليه. قلت: ووثَّقه مسلمة بن قاسم وابن عبد البر وآخرون، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأما الطفاوي فقال في "الميزان" (٢): الطفاوي شيخ مشهور ثقة، روى عنه أحمد بن حنبل والناس، قال ابن معين: ما به بأس، وقد وثَّقه ابن المديني. وفي "تهذيب التهذيب" (٣): قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال ابن حبان عن ابن معين: لم يكن به بأس، البصريون يرضونه، وقال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أبو داود وأبو حاتم: ليس به بأس، زاد أبو حاتم: صدوق صالح إلَّا أنه يهم أحيانًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: قد احتج به البخاري، وقال ابن عدي: وعامة رواياته إفرادات وغرائب وكلها يحتمل، ويكتب حديثه، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، فعلى هذا حديثهم صحيح، وإلَّا فلا ينحط هذا الحديث عن درجة الحسن بأن رجال السند كلهم إما ثقات بالإجماع، وإما من هو وثَّقه كثير من المحدثين، وإن تكلم فيه بعضهم. وقد أخرج الترمذي في "صحيحه" (٤) في تفسير سورة الشعراء: حدثنا

стр. 1843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، الحديث، ثم قال بعد نقل الحديث: هذا حديث حسن صحيح، فصرح الترمذي بصحة حديثهما، وحكم بأن حديثهما صحيح. ثم قال البيهقي (١): وروي عن سليمان بن أرقم عن الحسن والزهري عن أنس: أن النبي ﷺ ركب فرسًا فوقع منه، فوثئت رجله، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة، فصلَّى بأصحابه وهو قاعد، فقاموا، فأومأ إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما فرغ من الصلاة قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا"، وذكر الحديث. ثم قال البيهقي: وهذا بما يتفرد به سليمان بن أرقم، وهو متروك، جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، ثم نقل عن البخاري أنه قال: سليمان بن أرقم مولى قريظة أو النضير، عن الحسن والزهري، تركوه. ويؤيد حديث أنس هذا ما أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢): حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يوسف بن عدي، نا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: صلَّى رسول الله ﷺ ، ثم أقبل بوجهه فقال: "أتقرأون والإمام يقرأ"، فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل، قال: "فلا تفعلوا"، انتهى. ثم أخرج البيهقي هذه الزيادة من رواية سيدنا عمر بن الخطاب، فقال: وروى بعض الناس بإسناد له عن عبد المنعم بن بشير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه - قال: صلَّى رسول الله ﷺ يومًا صلاة الظهر، فقرأ معه رجل من الناس في

стр. 1844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === نفسه، فلما قضى صلاته قال: "هل قرأ معي منكم أحد؟ " قال ذلك ثلاثًا، فقال له الرجل: نعم يا رسول الله أنا كنت أقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، قال: "ما لي أنازع القرآن؟ أما يكفي أحدكم قراءة إمامه، إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا". ثم تكلم فيه البيهقي بأن هذا يخالف ما ثبت عن عمران بن حصين في هذه القصة، فإنه ليس في رواية عمران لفظة "في نفسه"، وفي رواية عمران: أن النبي-صلي الله عليه وسلم-قال: "أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ " وذلك يدل على أنه سمع صوته بالقراءة، ثم قال: "قد عرفت أن بعضكم خالجنيها"، ولولا رفع الرجل الصوت بالقراءة لم يكن في قراءته مخالجة قراءة النبي ﷺ ومنازعته فيما قرأ. ثم تكلم في رواته وقال: عبد المنعم بن بشير ذكره ابن عدي في "كتاب الضعفاء"، وقال: له أحاديث مناكير لا يتابع عليها، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم من الضعفاء المشهورين الذين جرحهم مزكو الأخبار مالك بن أنس ومن بعده من أهل العلم بالحديث، انتهى ملخصًا. قلت: دعوى مخالفة حديث عمران بن حصين ليس بشيء, لأن هذه الصلاة كانت صلاة الظهر، فلم يكن من الصحابة إلَّا ويعرف أن هذه الصلاة يسر فيها القراءة، مع أن الصحابة الذين كانوا خلف رسول الله ﷺ كلهم كانوا إما ساكتين أو مسرين القراءة، فكيف يمكن مع هذا أن يجهر الصحابي بالقراءة؟ وسؤال رسول الله ﷺ : "أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ "، لا يدل على أنه كان يجهر بالقراءة، فيحتمل أنه كان يهمس بالقراءة، فسمع رسول الله ﷺ صوت الهمس، أو ظهر منه كلمة جهرًا، ولعله كشف له قراءته بسبح اسم ربك الأعلى. وكذلك قول البيهقي: لولا رفع الرجل صوته بالقراءة لم يكن في قراءته مخالجة قراءة رسول الله ﷺ ومنازعته فيما قرأ، بعيد عن الصواب،

стр. 1845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فإن المخالجة والمنازعة يتحقق في الهمس والصوت الخفي الذي يخرج مع النفس أيضًا. فالحاصل أن هذه الزيادة مروية من عدة طرق: أولها: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق سليمان التيمي عن قتادة. وثانيها: تابعه على هذه الزيادة عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عند الدارقطني والبيهقي والبزار من حديث سالم بن نوح. والثالث: ما أخرجه أبو عوانة من طريق عبد الله بن رشيد قال: ثنا أبو عبيدة عن قتادة في حديث أبي موسى الأشعري، فثبت بهذا أن سليمان التيمي ليس بمنفرد، بل تابعه على ذلك عمر بن عامر وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة من رواية سالم بن نوح، وأبو عبيدة. والرابع: ما أخرجه الخمسة وغيرهم إلَّا الترمذي في حديث أبي هريرة من طريق أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم. والخامس: ما أخرجه النسائي والدارقطني من طريق أبي سعد محمد بن سعد الأنصاري، ثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، وقال الدارقطني (١): قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمي يقول: هو ثقة، يعني محمد بن سعد. والسادس: ما أخرجه البيهقي وقال: وقد روي ذلك عن حسان بن إبراهيم الكرماني وإسماعيل بن أبان الغنوي عن محمد بن عجلان، وقد أخرج الدارقطني حديث إسماعيل بن أبان الغنوي فقال: حدثنا محمد بن جعفر المطيري، نا أحمد بن حازم، ثنا إسماعيل بن أبان الغنوي، ثنا محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم ومصعب بن شرحبيل، عن أبي صالح عن أبي هريرة.

стр. 1846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والسابع: ما ذكره البيهقي: قال الإِمام أحمد: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي عن زيد بن أسلم. والثامن: ما قال البيهقي: وروي بإسناد ضعيف عن عمر بن هارون عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم. والتاسع: ما أخرجه البيهقي والدارقطني من طريق أبي سعد محمد بن مُيَسَّر، حدثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. والعاشر: ما قال البيهقي من حديث أنس بن مالك: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا جعفر الخدري، نا الحسن بن شبيب المعمري، نا أحمد بن المقدام، نا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، نا أيوب، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ فأنصتوا". والحادي عشر: ما ذكره البيهقي من حديث أنس قال الإِمام أحمد ﵀: وروي عن سليمان بن أرقم عن الحسن والزهري عن أنس أن النبي ﷺ ، الحديث، وفيه: "وإذا قرأ فأنصتوا". والثاني عشر: ما ذكره البيهقي من حديث عمر بن الخطاب، وروى بعض الناس بإسناده له عن عبد المنعم بن بشير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب ﵃، وفيه: "فإذا قرأ فأنصتوا". فهذا الحديث ثابت من اثني عشر طريقًا، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، ولو كانت الطرق كلها ضعيفة لكانت بتعدد طرقها، وكثرتها حسنة، فكيف إذا كانت الطرق الكثيرة منها صحيحة؟ (تنبيه): قد تقدم أن المحدثين الحفاظ اختلفوا في تصحيح هذه الزيادة وتضعيفها، فضعفها أبو داود والدارقطني والبيهقي وأبو حاتم الرازي، وغيرهم جمع كثير من المحدثين، وأنا أتعجب من هؤلاء الكبراء كيف غفلوا

стр. 1847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عن قواعدهم، فإن مذهب جمهور المحدثين في قبول الزيادة وعدم قبولها ما ذكره الحافظ في "شرح النخبة" (١) بقوله: وزيادة راويهما أي الحسن والصحيح مقبولة ما لم تقع منافية برواية من هو أوثق ممن لم يذكر هذه الزيادة, لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقًا, لأنها في حكم الحديث المستقل الذي يتفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذا يقع به الترجيح بينها وبين معارضها، فيقبل الراجح، ويرد المرجوح، واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، انتهى. وكذلك قال السيوطي في "تدريب الراوي" (٢): النوع الثالث عشر: الشاذ، وهو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز ما روى الثقة مخالفة لرواية الناس، لا أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، انتهى. وفي "فتح المغيث شرح ألفية الحديث" (٣): وقد قسمه أي ما ينفرد به الثقة من الزيادة الشيخ ابن الصلاح، فقال: ما انفرد بروايته دون الثقات ثقة خالفهم فيه، أي فيما انفرد به صريحًا في المخالفة بحيث لا يمكن الجمع بينهما، ويلزم من قبولها رد الأخرى، فهو رد أي مردود عندهم أي المحققين ومنهم الشافعي، أو لم يخالف في ما انفرد به ما رووه أو الأحفظ أصلًا، فأَقْبَلَنْهُ- بنون التوكيد الخفيفة- لأنه جازم بما رواه، وهو ثقة ولا معارض لروايته، إذ الساكت عنها لم ينفها لفظًا ولا معنى، ولا في سكوته دلالة على وهمها، بل هي كالحديث المستقل الذي تفرد بجملته ثقة، ولا مخالفة فيه

стр. 1848

٦٠٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى بَيْتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ, فَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا, فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا, فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ, فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا, وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا, وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا, فَصَلُّوا جُلُوسًا». [خ ١١١٣، م ٤١٢، ق ٣/ ٧٩] === أصلًا، وادعى فيه أي في قبول هذا القسم الخطيب الاتفاق بين العلماء حال كونه مجمعًا، انتهى ملخصًا. وحاصل هذه العبارات أن الراوي الثقة إذا زاد شيئًا وكان منفردًا في زيادته، ولم يخالف زيادته رواية من لم يزده، تقبل زيادته عند المحققين من المحدثين، وها هنا كذلك، فإن هذه الزيادة رواتها ليسوا بمنفردين فيما رووا، بل تابعهم في هذه الزيادة ثقات وغير ثقات، ثم بعد ذلك ليست هذه الزيادة مخالفة لرواية من لم يزدها بحيث يلزم من قبول هذه الزيادة رد الرواية الأخرى، فكانت في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الراوي الثقة، وحكمه وجوب القبول بالاتفاق، فعلى هذا يجب قبول هذه الزيادة على مذهب المحققين من المحدثين، فمن لم يقبلوا منهم فحسن ظننا يحكم بأنهم غفلوا عن قواعدهم، والله تعالى أعلم. ٦٠٣ - (حدثنا القعنبي) محمد بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة، (عن عائشة قالت: صلَّى رسول الله ﷺ في بيته) أي في مشربة له، كما تقدم في رواية جابر -رضي الله تعالى عنه - (وهو) أي النبي ﷺ (جالس) لأنه كان شاكيًا سقط عن فرس فانفكت رجله، (فصلَّى وراءه) أي خلف رسول الله ﷺ (قوم قيامًا) أي قائمين (فأشار) أي رسول الله ﷺ (إليهم) أي إلى القوم (أن اجلسوا) أي اتبعوا الإِمام في الجلوس (فلما انصرف) أي عن الصلاة، وفرغ عنها (قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا) أي اتبعوا الإِمام في الركوع والرفع والجلوس، ولا تخالفوه.

стр. 1849

٦٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ, الْمَعْنَى, أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ, عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "اشْتَكَى النَّبِىُّ ﷺ , فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُكَبِّرُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ", ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٤١٣، ن ٧٩٨، حم ٣/ ٣٣٤، ق ٣/ ٧٩] === ٦٠٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد وبزيد بن خالد بن) عبد الله بن (موهب) الرملي (المعنى) أي معنى حديثهما واحد (أن الليث) بن سعد (حدثهم) أي قتيبة ويزيد وغيرهما، (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم، (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري (قال) أي جابر: (اشتكى النبي ﷺ ) والظاهر أن هذه الشكاية حدثت لسقوطه عن الفرس. (فصلينا وراءه) أي خلف رسول الله ﷺ (وهو قاعد) أي بعذر (وأبو بكر ﵁ يكبر) أي يجهر بالتكبير (ليسمع الناس تكبيره) (١)، أي تكبير رسول الله ﷺ ، فإنه ﷺ لا يستطيع أن يجهر بالتكبير حتى يسمعه الناس. (ثم ساق الحديث) أي كل واحد من قتيبة ويزيد بن خالد، ويمكن أن يرجع الضمير إلى الليث، وهذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا وفيه: "فإذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا".

стр. 1850

٦٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَخْبَرَنَا زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحُبَابِ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ, حَدَّثَنِى حُصَيْنٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ, عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُمْ. قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَعُودُهُ, فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِمَامَنَا مَرِيضٌ. فَقَالَ «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ. === ٦٠٥ - (حدثنا عبدة بن عبد الله) الصفار الخزاعي، أبو سهل البصري، ثقة، (نا زيد -يعني ابن الحباب-، عن محمد بن صالح) المدني الأزرق، مولى بني فهر، قال في "التقريب": مقبول، وقال في "تهذيب التهذيب": ذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم قال: قلت: وذكره ابن حبان في "الضعفاء" أيضًا، وقال: يروي المناكير، وقال أبو حاتم: شيخ. (ثني حصين من ولد سعد بن معاذ) هو حصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي، أبو محمد المدني، روى عن أسيد بن حضير ولم يدركه، ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، فلذا قال أبو داود بعد سوق حديثه عن أسيد بن حضير: ليس بمتصل، قال في "التقريب": مقبول، وقال في "الميزان": فما ضَعّفه أحمد، وهو صالح الأمر. (عن أسيد بن حضير أنه) أي أسيدًا (كان يؤمهم) أي قومه فمرض (قال) أي أسيد: (فجاء رسول الله ﷺ يعوده، فقال) هكذا في النسخ الدهلوية (١)، أي أحد من حضر، وأما في المصرية والكانفورية ففيهما: "فقالوا" أي قومه، وهو الأوضح، (يا رسول الله إن إمامنا مريض، فقال: إذا صلَّى قاعدًا فصلوا قعودًا، قال أبو داود: وهذا الحديث) أي وسنده بحذف المضاف (ليس بمتصل) لأن الحصين لم يدرك أسيد بن حضير. قلت: نقل صاحب "العون" عن المنذري على قوله: ليس بمتصل،

стр. 1851

(٧٠) بَابُ الرَّجُلَيْنِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (١)، كَيْفَ يَقُومَانِ؟ ٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا ثَابِتٌ، === قال المنذري (٢): وما قاله ظاهر، فإنَّ حُصينًا هذا إنما يروي عن التابعين، ولا يحفظ له رواية عن الصحابة سيما أسيد بن حضير، فإنه قديم الوفاة، انتهى. قلت: قال في "تهذيب التهذيب": روى عن أسيد بن حضير ولم يدركه، وأنس وابن عباس وعبد الرحمن بن ثابت الأشهلي ومحمود بن لبيد ومحمود بن عمرو الأنصاري وزيد بن محمد بن مسلمة، انتهى. وظاهر العبارة على أنه أدركهم غير أسيد بن حضير، نعم ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، فكان روايته عن الصحابة عنده مرسلة، أما أنس بن مالك فقد توفي سنة ٩٢ هـ، وحصين مات سنة ١٢٦ هـ، فلا يبعد أن يروي عنه من غير واسطة، وكذلك محمود بن لبيد توفي سنة ٩٦ هـ، فلا دليل على عدم لقائه إياه، والحديث محمول على الابتداء، وهو منسوخ (٣) عندنا وعند الشافعي وغيره من الأئمة بفعل رسول الله ﷺ في مرض موته، فإنه ﷺ كان يصلي قاعدًا، والناس خلفه قيام. (٧٠) (باب (٤) الرَّجُلَيْنِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, كَيْفَ يَقُومَانِ؟ ) (٥) ٦٠٦ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (ثنا ثابت)

стр. 1852

عَنْ أَنَسٍ قال: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ, فَقَالَ: «رُدُّوا هَذَا فِى وِعَائِهِ وَهَذَا فِى سِقَائِهِ فَإِنِّى صَائِمٌ» , ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا, فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنَا. قَالَ ثَابِتٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ قَالَ: أَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ. [خ ١٩٨٢، م ٢٤٨١، ق ٣/ ٥٣] === البناني، (عن أنس) بن مالك (قال) أي أنس: (إن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام (١)) وهي خالة أنس، أخت أمه أم سليم (فأتوه) أي أهل البيت رسول الله ﷺ (بسمن وتمر، فقال) أي رسول الله ﷺ : (ردوا هذا) أي السمن (في وعائه) الوعاء بكسر الواو، قال في "القاموس": ويضم، والإعاء: الظرف، والجمع أوعية (وهذا) أي التمر (في سقائه) بكسر السين القربة، وربما كانوا يحفظون الرطب فيه فلا يفسدها الدود، ويمكن أن يرجع الضمير على العكس (فإني صائم (٢)، ثم قام) أي رسول الله ﷺ (فصلَّى بنا ركعتين تطوعًا) وفيه جواز الجماعة في النافلة، وعند الحنفية جوازها مقيد بما إذا لم يزيدوا على الثلاثة , فيدخل في التداعي فيكره. (فقامت (٣) أم سليم وأم حرام خلفنا، قال ثابت) وهذا قول حماد: (ولا أعلمه) أي أنسًا (إلَّا قال) أي أنس: (أقامني) أي رسول الله ﷺ (عن يمينه على بساط (٤) فأقام رسول الله ﷺ أنسًا عن يمينه حذاءه، والمرأتين خلفهما,

стр. 1853

٦٠٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ (١) , عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ يُحَدِّثُ, عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَّهُ وَامْرَأَةً مِنْهُمْ, فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَ ذَلِكَ". [م ٦٦٠، ن ٨٠٣، جه ٩٧٥، ق ٣/ ٩٥] === وهذا هو مذهبنا إذا كان مع الإِمام رجل أو صبي يقف بحذاء الإِمام عن يمينه، وإذا كانت امرأة تقف خلفه، وإذا كان رجل وامرأة يقف الرجل حذاءه والمرأة خلفهما. ٦٠٧ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن المختار) البصري، قال في "التقريب": لا بأس به، وقال في "الخلاصة": وثَّقه النسائي، (عن موسى بن أنس) بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة، ثقة (يحدث عن أنس) بن مالك (إن رسول الله ﷺ أَمّه) أي صار له إمامًا (وامرأة منهم) ولعلها أمه أم سليم، (فجعله) أي فأقام أنسًا (عن يمينه والمرأة) أي أقام المرأة (خلف ذلك) أي خلف أنس. وفي هذا الحديث دلالة على أنه إذا كانت مع القوم امرأة فعليها أن تقوم خلف الرجل، ولا تصف معهم بحذائهم ولا قدامهم، وهذا متفق عليه (٢). واختلف فيما إذا حاذت الرجال (٣) أو تقدمت، فعند الجمهور تجوز صلاتهم وصلاتها, ولا تفسد صلاة أحد منهم، وهكذا عند الحنفية في حكم القياس، وفي حكم الاستحسان تفسد صلاته إن نوى الإِمام إمامتها، وإلَّا فتفسد صلاتها.

стр. 1854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واستدلوا عليها بأن الرجال مأمورون بالتقدم عليهن، كما روي عن ابن مسعود موقوفًا، وهو في حكم المرفوع, لأنه لا دخل للقياس فيه: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، فصار تاركًا لفرض المقام، ولحديث أنس أنه صف هو واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من ورائهما, ولولا أن المحاذاة مُفسدة لما تأخرت العجوز عنهما, لأن الانفراد خلف الصف إما مفسد كما عند أحمد أو مكروه، والحديث الموقوف رواه الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود، وفيه: وكان ابن مسعود يقول: "أخروهن كما أخروهن الله"، وقال تقي الدين بن دقيق العيد: إنه حديث صحيح، قاله القاري في "النقاية". وقال في "فتح القدير" (١): وقد يستدل بحديث إمامة أنس واليتيم المتقدم حيث قامت العجوز من وراء أنس واليتيم منفردة خلف صف، وهو مفسد، كما هو مذهب أحمد لما ذكرنا من الأمر بالإعادة، أو لا يحل وهو معنى الكراهة السابق ذكرها، وبدلالة الإجماع على عدم جواز إمامتها للرجل، فإنه إما لنقصان حالها، أو لعدم صلاحيتها للإمامة مطلقًا، أو لفقد شرط، أو لترك فرض المقام، والحصر بالاستقراء وعدم وجود غير ذلك، وهذا كافٍ ما لم يرد صريح النقض لما عرف أنه يكفي في حصر الأوصاف قول السابر العدل - بحثت فلم أجد-: لا يجوز الأول لجواز الاقتداء بالفاسق والعبد، ولا الثاني لصلاحيتها لإمامة النساء، ولا الثالث لأن المفروض حصول الشروط فتعين الرابع. وتعقب الحافظ في "الفتح" (٢) على قول الحنفية، وقال: وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف حيث قال

стр. 1855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قائلهم: دليله قول ابن مسعود: "أخروهن من حيث أخرهن الله"، والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلَّا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل, لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تعني عن تكلف جوابه، والله المستعان. وأجاب عنه العلامة العيني (١)، وقال: قلت: هذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية ههنا ما قال: وهو عجيب، وتوجيهه ما ذكرنا, وليس فيه تعسف، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم، انتهى. ثم استدل الحافظ ابن حجر على قوله المتقدم بأنه قد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف فصلَّى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟ وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة فصلَّى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته، وأثم, وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه، انتهى. قلت: وهذا عجيب من مثل العلامة ابن حجر، فإن الأفعال التي أمر بها أو نهي عنها، إما أن تكون من الأركان والشروط أو الموانع أو لا، فعلى التقدير الأول لو خالفها يكون مفسدًا، وعلى الثاني يكون مكروهًا، ولا يجوز أن يقاس أحدهما على الآخر، مثاله أن الإِمام مأمور بالتقدم، فلو تأخر عن المقتدي تفسد صلاة المقتدي، ولا يقال: كره له ذلك واجزأته صلاته، وأوضح من ذلك أن التكلم في الصلاة منهي عنه، فلو تكلم أحد متعمدًا يحكم بفساد صلاته، ولا يقال: إنه يكره وتجوز صلاته، وأمثلته كثيرة.

стр. 1856

٦٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ فَتَوَضَّأَ, ثُمَّ أَوْكَأَ الْقِرْبَةَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ, فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ كَمَا تَوَضَّأَ, ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ, فَأَخَذَنِى بِيَمِينِي (١) فَأَدَارَنِى مِنْ وَرَائِهِ, فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ, فَصَلَّيْتُ مَعَهُ". [خ ٦٩٩، م ٧٦٣، ن ٨٠٦، ت ٢٣٢، جه ٩٧٣، ق ٣/ ٢٨، حم ١/ ٣٦٠] === ٦٠٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا يحيى) القطان، (عن عبد الملك بن أبي سليمان) واسمه ميسرة، أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، وقيل: أبو عبد الله العرزمي بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة، قال في "التقريب": صدوق له أوهام، (عن عطاء) بن أبي رباح، (عن ابن عباس قال: بت) أي رقدت أو كنت ليلًا (في بيت خالتي ميمونة) أم المؤمنين، (فقام رسول الله ﷺ من الليل فأطلق القربة) أي حل وكاءها (فتوضأ، ثم أوكأ القربة) أي ربط رأسها، (ثم قام إلى الصلاة) وظاهر التهجد، (فقمت فتوضأت كما توضأ) أي رسول الله ﷺ (ثم جئت فقمت عن يساره) (٢) أي النبي ﷺ ، (فأخذني بيميني) (٣) أي بيدي اليمنى (فأدارني) أي صرفني (من ورائه) أي خلف ظهره (فأقامني عن يمينه، فصليت معه). قال القاري (٤): قال في "شرح السنَّة": في الحديث فوائد، منها: جواز صلاة النافلة بالجماعة، ومنها: أن المأموم الواحد يقف على يمين الإِمام،

стр. 1857

٦٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ أَبِى بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "فَأَخَذَ بِرَأْسِى أَوْ بِذُؤَابَتِى, فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ". [انظر سابقه] === ومنها: جواز العمل اليسير في الصلاة، ومنها: عدم جواز تقدم المأموم (١) على الإِمام، ومنها: جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة (٢). وفي "الهداية": وان صلَّى خلفه أو يساره جاز وهو مسيء، قال ابن الهمام (٣): هذا هو المذهب، ثم قال: أورد كيف جاز النفل بجماعة وهو بدعة؟ أجيب بأن أداءه بلا أذان ولا إقامة بواحد أو اثنين يجوز على أنا نقول: كان التهجد عليه ﵇ فرضًا فهو اقتداء المتنفل بالمفترض، ولا كراهة فيه، انتهى ملخصًا. ٦٠٩ - (حدثنا عمرو بن عون ثنا هشيم) بن بشير، (عن أبي بشر) جعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه القصة) أي القصة المتقدمة عن ابن عباس (قال) أي ابن عباس: (فأخذ برأسي أو بذؤابتي) لفظ "أو" للشك من الراوي، قال في "القاموس": والذؤابة: الناصية، أو منبتها من الرأس، وشَعَرٌ في أعلى ناصية الفَرَس، انتهى، وقيل: هي الشعر المضفور من الرأس، (فأقامني عن يمينه) قلت: وهذا يخالف ما في "الصحيحين": "فأخذ بيدي"، فلعله (٤) أخذ أولًا بذؤابة الرأس ثم بيده، أو على العكس، وإلَّا فما في "الصحيحين" أصح.

стр. 1858

(٧١) بَابٌ: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً كَيْفَ يَقُومُون ؟ ٦١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: "إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ === (٧١) (بَابٌ: إِذا كَانُوا) أي: المقتدون (١) (ثَلَاثَةً كَيْفَ يَقُومُونَ؟ )، أي: مع الإِمام؟ ٦١٠ - (حدثني القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن إسحاق بن عبد لله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: إن جدته مليكة) (٢)، قال الحافظ في "الفتح" (٣): مليكة بضم الميم تصغير ملكة، والضمير في جدته يعود على إسحاق، جزم به ابن عبد البر وعبد الحق وعياض، وصححه النووي، وجزم ابن سعد وابن منده وابن الحصار بأنها جدة أنس والدة أمه أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في "النهاية" ومن تبعه، وكلام عبد الغني في "العمدة"، وهو ظاهر السياق، ويؤيده ما رويناه في "فوائد العراقيين" لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدمي، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: "أرسلتني جدتي إلى النبي ﷺ ، واسمها مليكة، فجاءنا فحضرت الصلاة" الحديث. وقال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت ملحان، فساق نسبها إلى عدي بن النجار، وقال: وهي الغميصاء، [ويقال: الرميساء]، ويقال: اسمها سهلة، ويقال: أنيفة بالنون والفاء مصغرة، ويقال: رميثة، وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، فساق نسبها إلى مالك بن النجار.

стр. 1859

دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ, فَأَكَلَ مِنْهُ (١) ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّىَ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا === ومقتضى كلام من أعاد الضمير في جدته إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: "صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا" هكذا أخرجه المصنف كما سيأتي في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طولها مالك واختصرها سفيان، ويحتمل تعددها فلا يخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق لما بيناه، لكن الرواية التي سأذكرها عن "غرائب مالك" ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها، انتهى ملخصًا. قلت: ويؤيد القول الأول ما أخرجه النسائي (٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلَّى، فأتاها فعمدت إلى حصير، فنضحته بماء، فصلَّى عليه، وصلُّوا معه"، فهذا يؤيد أن ضمير جدته لإسحاق لا لأنس. (دعت رسول الله ﷺ لطعام (٣) صنعته) أي لأجل أكل طعام طبخته لرسول الله ﷺ ، (فأكل منه (٤) ثم قال) أي رسول الله ﷺ : (قوموا فلأُصَلِّي لكم (٥) قال أنس: فقمت إلى حصير لنا) الحصير ما اتخذ من سعف النخل قدر

стр. 1860

قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ, فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ, فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَصَفَفْتُ (١) أَنَا وَالْيَتِيمُ === طول الرجل وأكبر منه الذي يبسط في البيوت (قد اسودّ) أي تغير لونه (من طول ما لُبِسَ) (٢) أي استعمل (فنضحته بماء) أي غسلته بماء ليزول عنه الغبار والوسخ، ويحتمل أن يكون معناه رشته ليلين (٣)، أو للشك في نجاسته كما هو مذهب مالك، فإن النجاسة المشكوكة فيها تطهر بالرش عنده من غير غسل خلافًا للجمهور، (فقام عليه) أي على الحصير (رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم) (٤). قال الحافظ في "الفتح" (٥): قال صاحب "العمدة": اليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله، أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة، مولى رسول الله ﷺ ، واختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح، وقيل غير ذلك، انتهى. وقال القاري في "المرقاة" (٦): قيل: اسم علم لأخي أنس، ولم أر هذا القول لغيره. وقال الحافظ في موضع آخر (٧): ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور "صليت أنا وسليم" بسين مهملة ولام مصغرًا، فتصفحت على الراوي من لفظ "يتيم".
следующие страницы →