٦٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ فَتَوَضَّأَ, ثُمَّ أَوْكَأَ الْقِرْبَةَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ, فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ كَمَا تَوَضَّأَ, ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ, فَأَخَذَنِى بِيَمِينِي (١) فَأَدَارَنِى مِنْ وَرَائِهِ, فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ, فَصَلَّيْتُ مَعَهُ". [خ ٦٩٩، م ٧٦٣، ن ٨٠٦، ت ٢٣٢، جه ٩٧٣، ق ٣/ ٢٨، حم ١/ ٣٦٠]
===
٦٠٨ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد، (ثنا يحيى) القطان، (عن عبد الملك بن أبي سليمان) واسمه ميسرة، أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، وقيل: أبو عبد الله العرزمي بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة، قال في "التقريب": صدوق له أوهام، (عن عطاء) بن أبي رباح، (عن ابن عباس قال: بت) أي رقدت أو كنت ليلًا (في بيت خالتي ميمونة) أم المؤمنين، (فقام رسول الله ﷺ من الليل فأطلق القربة) أي حل وكاءها (فتوضأ، ثم أوكأ القربة) أي ربط رأسها، (ثم قام إلى الصلاة) وظاهر التهجد، (فقمت فتوضأت كما توضأ) أي رسول الله ﷺ (ثم جئت فقمت عن يساره) (٢) أي النبي ﷺ ، (فأخذني بيميني) (٣) أي بيدي اليمنى (فأدارني) أي صرفني (من ورائه) أي خلف ظهره (فأقامني عن يمينه، فصليت معه).
قال القاري (٤): قال في "شرح السنَّة": في الحديث فوائد، منها: جواز صلاة النافلة بالجماعة، ومنها: أن المأموم الواحد يقف على يمين الإِمام،
стр. 1857
٦٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ أَبِى بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: "فَأَخَذَ بِرَأْسِى أَوْ بِذُؤَابَتِى, فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ". [انظر سابقه]
===
ومنها: جواز العمل اليسير في الصلاة، ومنها: عدم جواز تقدم المأموم (١) على الإِمام، ومنها: جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة (٢).
وفي "الهداية": وان صلَّى خلفه أو يساره جاز وهو مسيء، قال ابن الهمام (٣): هذا هو المذهب، ثم قال: أورد كيف جاز النفل بجماعة وهو بدعة؟ أجيب بأن أداءه بلا أذان ولا إقامة بواحد أو اثنين يجوز على أنا نقول: كان التهجد عليه ﵇ فرضًا فهو اقتداء المتنفل بالمفترض، ولا كراهة فيه، انتهى ملخصًا.
٦٠٩ - (حدثنا عمرو بن عون ثنا هشيم) بن بشير، (عن أبي بشر) جعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية، (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه القصة) أي القصة المتقدمة عن ابن عباس (قال) أي ابن عباس: (فأخذ برأسي أو بذؤابتي) لفظ "أو" للشك من الراوي، قال في "القاموس": والذؤابة: الناصية، أو منبتها من الرأس، وشَعَرٌ في أعلى ناصية الفَرَس، انتهى، وقيل: هي الشعر المضفور من الرأس، (فأقامني عن يمينه) قلت: وهذا يخالف ما في "الصحيحين": "فأخذ بيدي"، فلعله (٤) أخذ أولًا بذؤابة الرأس ثم بيده، أو على العكس، وإلَّا فما في "الصحيحين" أصح.
стр. 1858
(٧١) بَابٌ: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً كَيْفَ يَقُومُون ؟
٦١٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: "إِنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ
===
(٧١) (بَابٌ: إِذا كَانُوا) أي: المقتدون (١) (ثَلَاثَةً كَيْفَ يَقُومُونَ؟ )، أي: مع الإِمام؟
٦١٠ - (حدثني القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) الإِمام، (عن إسحاق بن عبد لله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: إن جدته مليكة) (٢)، قال الحافظ في "الفتح" (٣): مليكة بضم الميم تصغير ملكة، والضمير في جدته يعود على إسحاق، جزم به ابن عبد البر وعبد الحق وعياض، وصححه النووي، وجزم ابن سعد وابن منده وابن الحصار بأنها جدة أنس والدة أمه أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في "النهاية" ومن تبعه، وكلام عبد الغني في "العمدة"، وهو ظاهر السياق، ويؤيده ما رويناه في "فوائد العراقيين" لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدمي، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: "أرسلتني جدتي إلى النبي ﷺ ، واسمها مليكة، فجاءنا فحضرت الصلاة" الحديث.
وقال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت ملحان، فساق نسبها إلى عدي بن النجار، وقال: وهي الغميصاء، [ويقال: الرميساء]، ويقال: اسمها سهلة، ويقال: أنيفة بالنون والفاء مصغرة، ويقال: رميثة، وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، فساق نسبها إلى مالك بن النجار.
стр. 1859
دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ, فَأَكَلَ مِنْهُ (١) ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّىَ لَكُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا
===
ومقتضى كلام من أعاد الضمير في جدته إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: "صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا" هكذا أخرجه المصنف كما سيأتي في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طولها مالك واختصرها سفيان، ويحتمل تعددها فلا يخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق لما بيناه، لكن الرواية التي سأذكرها عن "غرائب مالك" ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها، انتهى ملخصًا.
قلت: ويؤيد القول الأول ما أخرجه النسائي (٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلَّى، فأتاها فعمدت إلى حصير، فنضحته بماء، فصلَّى عليه، وصلُّوا معه"، فهذا يؤيد أن ضمير جدته لإسحاق لا لأنس.
(دعت رسول الله ﷺ لطعام (٣) صنعته) أي لأجل أكل طعام طبخته لرسول الله ﷺ ، (فأكل منه (٤) ثم قال) أي رسول الله ﷺ : (قوموا فلأُصَلِّي لكم (٥) قال أنس: فقمت إلى حصير لنا) الحصير ما اتخذ من سعف النخل قدر
стр. 1860
قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ, فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ, فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَصَفَفْتُ (١) أَنَا وَالْيَتِيمُ
===
طول الرجل وأكبر منه الذي يبسط في البيوت (قد اسودّ) أي تغير لونه (من طول ما لُبِسَ) (٢) أي استعمل (فنضحته بماء) أي غسلته بماء ليزول عنه الغبار والوسخ، ويحتمل أن يكون معناه رشته ليلين (٣)، أو للشك في نجاسته كما هو مذهب مالك، فإن النجاسة المشكوكة فيها تطهر بالرش عنده من غير غسل خلافًا للجمهور، (فقام عليه) أي على الحصير (رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم) (٤).
قال الحافظ في "الفتح" (٥): قال صاحب "العمدة": اليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله، أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة، مولى رسول الله ﷺ ، واختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح، وقيل غير ذلك، انتهى.
وقال القاري في "المرقاة" (٦): قيل: اسم علم لأخي أنس، ولم أر هذا القول لغيره.
وقال الحافظ في موضع آخر (٧): ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور "صليت أنا وسليم" بسين مهملة ولام مصغرًا، فتصفحت على الراوي من لفظ "يتيم".
стр. 1861
وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. [خ ٣٨٠، م ٦٥٨، ن ٨٠١، ت ٢٣٤، حم ٣/ ١٣١، دي ١٣٨١، حب ٢٢٠٥، ق ٣/ ٩٦]
٦١١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ,
===
(وراءه) أي خلفه (والعجوز) (١) هي مليكة المذكورة أولًا (من ورائنا) أي خلفنا، (فصلَّى لنا) أي رسول الله ﷺ (ركعتين ثم انصرف) أي إلى بيته أو عن الصلاة (٢).
قال الحافظ (٣): وفي الحديث من الفوائد: إجابة الدعوة ولو لم تكن عرسًا ولو كان الداعي امرأة لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وفيه تنظيف مكان المصلي، وقيام الصبي مع الرجل صفًا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها إلى آخره (٤).
٦١١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل) مصغرًا، (عن هارون بن عنترة) قال في "الميزان" (٥): وثَّقه أحمد ويحيى بن معين،
стр. 1862
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ - وَقَدْ كُنَّا أَطَلْنَا الْقُعُودَ عَلَى بَابِهِ - فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ لَهُمَا, فَأَذِنَ لَهُمَا, ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بَيْنِى وَبَيْنَهُ, ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ". [ن ٧٩٩، م ٥٣٤، حم ١/ ٤٢٦]
===
وقال ابن حماد: لا يجوز أن يحتج به، وهو الذي يقال له: هارون بن أبي وكيع، حدث عنه الثوري، مات سنة ١٤٢ هـ، منكر الحديث جدًا، قلت: الظاهر أن النكارة عن الراوي عنه، وقد قال الدارقطني: يحتج به.
وقال في "تهذيب التهذيب" (١): هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن بن أبي وكيع الكوفي، عن أحمد: ثقة، وكذا عن ابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث، وقال البرقاني: سألت الدارقطني عنه، فقال: متروك يكذب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وفي "الضعفاء" أيضًا، وقال: منكر الحديث جدًا، يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها, لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال العجلي وابن سعد: ثقة، وممن كناه أبا عمرو يحيى بن سعيد وابن المديني والبخاري والحاكم وغيرهم، وهو الصحيح، انتهى ملخصًا.
(عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال أي الأسود، ويحتمل أن يكون عبد الرحمن بتقدير قال قبل قوله: "وقد كنا أطلنا القعود": (استأذن علقمة) بن قيس (والأسود على عبد الله) أي استأذنا للدخول على عبد الله بن مسعود، (وقد كنا أطلنا القعود) أي قعدنا زمانًا طويلًا في انتظار الإذن (على بابه) أي باب عبد الله، (فخرجت الجارية) أي إليهما فرأتهما جالسين فدخلت البيت (فاستأذنت لهما، فأذن) عبد الله بن مسعود (لهما) أي فدخلا، (ثم قام) أي عبد الله بن مسعود (فصلَّى بيني وبينه) أي علقمة، فأقام أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله (ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل).
стр. 1863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "البدائع" (١): وإذا كان سوى الإِمام اثنان يتقدمهما في ظاهر الرواية" وروي عن أبي يوسف أنه يتوسطهما، لما روي عن عبد الله بن مسعود: أنه صلَّى بعلقمة والأسود وقام وسطهما، وقال: "هكذا صنع بنا رسول الله ﷺ " (٢)، ولنا ما روينا: "أن النبي ﷺ صلَّى بأنس واليتيم وأقامهما خلفه"، وهو مذهب علي وابن عمر، وأما حديث (٣) ابن مسعود فهذه الزيادة وهي قوله: "هكذا صنع بنا رسول الله ﷺ " لم ترو في عامة الروايات فلم تثبت، وبقي مجرد الفعل، وهو محمول على ضيق المكان، قاله إبراهيم (٤) النخعي، وهو كان أعلم بأحوال عبد الله ومذهبه، ولو ثبتت الزيادة فهي أيضًا محمولة على هذه الحالة، أي هكذا صنع بنا رسول الله ﷺ عند ضيق المكان، غير أن هاهنا لو قام الإِمام وسطهما لا يكره لورود الأثر وكون التأويل من باب الاجتهاد، انتهى ملخصًا.
قال القاري في "شرح المشكاة" (٥): وإذا صح الرفع فالجواب إما بأنه فعله لضيق المكان، أو ما قال الحازمي بأنه منسوخ, لأنه إنما نعلم هذه الصلاة بمكة إذ فيها التطبيق وأحكام أخرى هي الآن متروكة، وهذه من جملتها، ولما قدم ﵇ المدينة تركه بدليل حديث جابر، فإنه شهد المشاهد التي بعد بدر، انتهى.
قال ابن الهمام (٦): وغاية ما فيه خفاء النسخ على عبد الله وليس ببعيد، إذ لم يكن دأبه ﵇ إلَّا إمامة الجمع الكثير دون الاثنين، إلَّا في الندرة
стр. 1864
(٧٢) بَابُ الإِمَامِ يَنْحَرِفُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ
٦١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, حَدَّثَنِى يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ انْحَرَفَ". [السنن الْكبرى للنسائي ١١٦٦]
===
كهذه القصة، وحديث اليتيم وهو داخل في بيت امرأة فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه، انتهى.
قلت: واحتمال النسخ بعيد، فإن هذا الفعل لا يعارض الفعل المتقدم على أن تقدم أحد الفعلين على الآخر غير ثابت، بل الظاهر أن عبد الله بن مسعود فعل ذلك عند عدم ضيق المقام بناء على أنه حمل الفعلين على الجواز، فكان كلا الفعلين عنده جائزين.
(٧٢) (بَابُ الإمَامِ يَنْحَرِفُ) (١)
أي: ينصرف ويتحول إلى شقه الأيمن أو الأيسر (بَعْدَ التَّسْلِيمِ) أي بعد الفراغ من الصلاة
٦١٢ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان) الثوري، (ثني يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه) أي يزيد بن الأسود (قال) أي يزيد: (صليت خلف رسول الله ﷺ فكان) أي رسول الله ﷺ (إذا انصرف) عن الصلاة (انحرف) (٢) أي تحول، وقد وردت الروايات المختلفة في الانصراف عن الصلاة، فروى البخاري (٣) من حديث سمرة بن جندب قال:
стр. 1865
٦١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،
===
"كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى صلاة أقبل علينا بوجهه"، وأخرج مسلم (١) من حديث أنس قال: "كان النبي ﷺ ينصرف عن يمينه"، وأخرجا (٢) عن عبد الله بن مسعود قال: "لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلَّا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيرًا ينصرف عن يساره".
وقال في "البدائع" (٣): إذا فرغ الإِمام من الصلاة فلا يخلو إما إن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنَّة أو كانت صلاة تصلَّى بعدها سنَّة، فإن كانت صلاة لا تصلَّى بعدها سنَّة كالفجر والعصر، فإن شاء الإِمام قام وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء, لأنه لا تطوع بعد هاتين الصلاتين، فلا بأس بالقعود إلَّا أنه يكره المكث على هيئة مستقبل القبلة فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد يصلي، وإن شاء انحرف.
ثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة تبركًا بالتيامن، وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون (٤) يساره إلى اليمين، وقال بعضهم هو مخير إن شاء انحرف يمنة وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح، لأن ما هو المقصود من الانحراف وهو زوال الاشتباه يحصل بالأمرين جميعًا، وإن كانت صلاة بعدها سنَّة يكره له المكث قاعدًا، وكراهة القعود مروية عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم-، انتهى ملخصًا.
٦١٣ - (حدثنا محمد بن رافع، ثنا أبو أحمد الزبيري) هو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي مولاهم، أبو أحمد الزبيري الكوفي، ثقة ثبت، إلَّا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ٢٠٣ هـ.
стр. 1866
حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ, عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْبَرَاءِ, عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ فَيُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ﷺ ". [م ٧٠٩، ن ٨٢٢، جه ١٠٠٦، حم ٤/ ٣٠٤]
(٧٣) بابُ الإِمَامِ يَتَطَوَّعُ فِى مَكَانِهِ
٦١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِىُّ,
===
(نا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي، له عندهم هذا الحديث الواحد، وقال في "التقريب": ثقة.
(عن البراء بن عازب قال) أي البراء: كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببنا أن نكون عن يمينه) لأنه ﷺ كثيرًا ما كان ينحرف إلى اليمين بعد الفراغ من الصلاة (فيقبل علينا بوجهه ﷺ ) فنتشرف برؤية وجهه الشريف والنظر إليه ﷺ .
(٧٣) (بَابُ الإمَامِ يَتَطَوَّعُ في مَكَانِهِ)
أي: مكانه الذي صلَّى فيه الفرض، هل يجوز له أن يتطوع فيه أم لا؟
٦١٤ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا عبد العزيز بن عبد الملك القرشي) قال في "التهذيب": روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الصلاة من مسند المغيرة بن شعبة، قلت: قال مسلمة: شيخ قديم لم يقع في التواريخ، وقال أبو الحسن القطان: مجهول، وقد رأيت من اعتقد أنه ابن أبي محذورة، قال: وإن ذلك ليغلب على الظن، فإنه في هذه الطبقة وهو قرشي.
وفي "التقريب": عبد العزيز بن عبد الملك القرشي، مجهول، ووهم من زعم أنه الذي قبله.
وفي "الضعفاء" للأزدي: عبد العزيز بن عبد الملك الدمشقي، متروك
стр. 1867
حَدَّثَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُصَلِّى الإِمَامُ فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ». [جه ١٤٢٨، ق ٢/ ١٩٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ.
===
الحديث، روى عنه مخلد بن يزيد، فكأنه صاحب الترجمة، وبذلك جزم الذهبي في "الميزان".
(ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (قال رسول الله ﷺ : لا يصلي الإِمام) أي التطوع (في الموضع الذي صلَّى فيه) أي المكتوبة (حتى يتحول) (١) أي ينتقل من هذا المكان إلى مكان آخر.
قال في "البدائع" (٢): روي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف، ولأن المكث يوجب اشتباه الأمر على الداخل فلا يمكث، ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان، ثم يتنفل لما روي عن أبي هريرة (٣) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر".
وعن ابن عمر أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أم فيه، ولأن ذلك يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه أو استكثارًا من شهوده على ما روي أن مكان المصلى يشهد له على ذلك يوم القيامة.
(قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) لأنه قال
стр. 1868
(٧٤) بَابُ الإِمَامِ يُحْدِثُ بَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ
٦١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ
===
ابنه عثمان بن عطاء: كان مولده سنة خمسين، ومات المغيرة بن شعبة سنة خمسين على الصحيح، فكان ولادة عطاء في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وقال الطبراني: لم يسمع عطاء الخراساني من أحد من الصحابة إلَّا من أنس.
(٧٤) (بَابُ الإمَامِ يُحْدِثُ)
أي: يصير محدثًا، ويحتمل أن يكون معناه يتعمد الحدث (بَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ)، وفي بعض النسخ: "من آخر الركعة"
٦١٥ - (حدثنا أحمد بن يونس) أي أحمد بن عبد الله بن يونس، (ثنا زهير) أي ابن معاوية، (ثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع) التنوخي، أبو الجهم، ويقال: أبو الحجر المصري، قاضي إفريقية، قال البخاري: في حديثه مناكير، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أنعم، وإنما وقع المناكير في حديثه من أجله، وقال أبو العرب: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل الإفريقية، وقال الساجي: فيه نظر، وقال البناني: فيه نظر، وهو غير مشهور.
وقال في "الميزان" (١): قال ابن المبارك: حدثنا ابن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "إذا رفع أحدكم رأسه من آخر السجود ثم أحدث فقد تمت صلاته"، رواه أبو داود والترمذي، وهذا من مناكيره.
стр. 1869
وَبَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى الإِمَامُ الصَّلَاةَ وَقَعَدَ, فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ, فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَمَنْ كَانَ خَلْفَهُ مِمَّنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ». [ت ٤٠٨، قط ١/ ٣٩٧]
===
(وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قضى) أي أتم (الإِمام الصلاة) أي أدى أركانها (وقعد) أي قدر التشهد (فأحدث قبل أن يتكلم) أي بالسلام (فقد تمت صلاته ومن كان) أي وصلاة من كان (خلفه ممن أتم الصلاة) من المقتدين.
وقد أخرجه الطحاوي (١) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وبكر بن سوادة الجذامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها"، فهذا الحديث يدل على أن السلام ليس بفرض.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أن الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فرض عندهم، وعندنا ليس بفرض، وقد قال علي القاري في "كتاب الرد على صلاة القفال" على ما نقله مولانا الشيخ عبد الحي ﵀ (٢): وذكر الشيخ أبو الحسن ابن بطال في "شرح البخاري" أن لفظ السلام ليس بواجب، أي ليس بفرض، وهو قول علي وابن مسعود وابن المسيب والنخعي والثوري والأوزاعي.
واستدل الإِمام الشافعي ومن وافقه بحديث أخرجه الخمسة إلَّا النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، وأخرجه أيضًا الشافعي والبزار والحاكم وغيرهم.
стр. 1870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وطريق الاستدلال بهذا الحديث بأن الإضافة في قوله: "وتحليلها" تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيرها.
والحنفية ومن وافقهم استدلوا بحديث الباب (١)، فإنه يدل على عدم فرضية السلام، واعترضوا عليه بأن إسناده ليس بالقوي, لأن فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل العلم.
قال الشوكاني (٢): قال النووي في "شرح المهذب": إنه ضعيف باتفاق الحفاظ، وفيه نظر، فإنه قد وثَّقه غير واحد، منهم زكريا الساجي وأحمد بن صالح المصري، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس.
وفي "كتاب الرد على صلاة القفال" لشرف الدين أبي القاسم بن عبد العلي القربتي على ما نقله مولانا الشيخ عبد الحي في "السعاية" (٣): الحجة لنا في عدم وجوب السلام ما رواه أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وعن علي مرفوعًا وموقوفًا، وإن قيل: قال الترمذي (٤): هذا الحديث ليس [إسناده] بالقوي، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل الحديث، منهم يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل، قيل له: قد قوى أمره
стр. 1871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
البخاري وهو يقول فيه: مقارب الحديث، فلم يسقط الاحتجاج به، وقد سكت أبو داود عن هذا الحديث، وهو إذا سكت عن حديث كان عنده حسنًا أو صحيحًا، وقد عضده ما روى أبو داود عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي [فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله] فعلمه التشهد، إذا قلت هذا أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، وهذا نص في أن السلام ليس بفرض (١)، انتهى ملخصًا.
ثم استدل الطحاوي (٢) ﵀ على أن السلام ليس بفرض فقال: ثم قد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا ما يدل على أن ترك السلام غير مفسد للصلاة، وهو: "أن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر خمسًا ولم يسلِّم، فلما أخبر بصنيعه فثنى رجله فسجد سجدتين"، كما حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ بذلك.
ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام، ولم ير ذلك مفسدًا للصلاة، ولو رآه مفسدًا لها إذًا لأعادها، فلما لم يعدها وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم دل ذلك أن السلام ليس من صلبها، ألا ترى أنه لو كان جاء بالخامسة، وقد بقي عليه بما قبلها سجدة كان ذلك مفسدًا للأربع، لأنه خلطهن بما ليس منهن، فلو كان السلام واجبًا كوجوب سجود الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه بخلافه فهو سنَّة.
وأما ما استدل به الشافعي ومن وافقه ﵏ بقوله ﵇: "وتحليلها التسليم"، فسيأتي بيانه في شرح الحديث الآتي.
стр. 1872
(٧٥) بَابٌ (١) تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيم
٦١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ, عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ, عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ:
===
وقال الخطابي في "المعالم" (٢): ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهره، لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد، على ما رووه عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك, لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس أو كان متيممًا، فرأى الماء، وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم، فقد فسدت صلاته، وقال فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد: إن ذلك لا تفسد صلاته ويتوضأ، ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض الوضوء، إلَّا أن تكون في الصلاة، والأمر في هذه الأقاويل واختلافها ومخالفتها الحديث بَيّنٌ، انتهى.
قلت: مبنى هذا القول عدم التدبر فيما قالت الحنفية، وإن شئت أن تعرف حقيقتها فعليك بكتب الحنفية من "الهداية" وغيرها, ولا نطول الكلام بذكرها.
(٧٥) (بابٌ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ)
هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها لم يعقد الباب في هذا الموضع، بل أدخل الحديث تحت الباب المتقدم
٦١٦ - (حدثنا (٣) عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، (عن محمد بن الحنفية، عن علي) بن أبي طالب (قال:
стр. 1873
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،
===
قال رسول الله ﷺ : مفتاح) بكسر الميم، والمراد أنه أول شيء يفتتح به من أعمال الصلاة, لأنه شرط من شروطها (الصلاة الطهور) بضم الطاء، وفي رواية: "الوضوء مفتاح الصلاة"، (وتحريمها التكبير).
قال العيني (١): اختلف العلماء في تكبيرة الإحرام، فقال أبو حنيفة: هي شرط، وقال مالك والشافعي وأحمد: هي ركن، وقال الزهري: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير، قال أبو بكر: ولم يقل به غيره، ثم اختلف العلماء هل يجزئ الافتتاح بالتسبيح والتهليل مكان التكبير؟ فقال مالك وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجزئ إلَّا الله أكبر، وعن الشافعي أنه يجزئ (٢) الله الأكبر، وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم.
وذكر في "الهداية": قال أبو يوسف: إن كان المصلي يحسن التكبير لم يجز إلَّا الله أكبر، أو الله الأكبر، أو الله الكبير، وإن لم يحسن جاز، وقال بعضهم: استدل بحديث عائشة: "أن النبي - صلي الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير"، وبحديث ابن عمر: "رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة" على تعيين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم.
وكذلك استدلوا بحديث رفاعة في قصة المسيء صلاته أخرجه أبو داود: "ولا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر"، وبحديث أبي حميد (٣): "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة عقد قائمًا ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر"، أخرجه الترمذي.
стр. 1874
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ". [مضى برقم ٦١]
===
قلت: التكبير هو التعظيم من حيث اللغة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ (١) أي عظمنه ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ (٢) أي فعظم، فكل لفظ دل على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به، ومن أين قالوا: إن التكبير وجب بعينه حتى يقتصر على لفظ: أكبر؟ والأصل في خطاب الشرع أن يكون نصوصه معلومة معقولة، والتقييد خلاف الأصل، وقال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣)، وذكر اسمه تعالى أعم من أن يكون باسم الله أو باسم الرحمن، فجاز الرحمن أعظم كما جاز الله أكبر, لأنهما في كونهما ذكرًا سواء، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤)، وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله"، فمن قال: لا إله إلَّا الرحمن أو العزيز كان مسلمًا، فإذا جاز ذلك في الإيمان الذي هو أصل، ففي فروعه أولى، انتهى ملخصًا بقدر الحاجة.
(وتحليلها التسليم) قال العيني (٥): اختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، حتى قال النووي: ولو أخلَّ بحرف من حروف: السلام عليكم، لم تصح صلاته، واحتجوا على ذلك بقوله ﷺ : "تحليلها التسليم"، رواه أبو داود وأخرجه [الترمذي] وابن ماجه أيضًا، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٦)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
стр. 1875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: اختلفوا في صحته بسبب ابن عقيل، فقال محمد بن سعد: كان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم، وقال ابن المديني عن بشر بن عمر الزهراني: كان مالك لا يروي عنه، وكان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وعن يحيى بن معين: ليس حديثه بحجة، وعنه: ضعيف الحديث، وعنه: ليس بذلك، وقال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم بعض أهل العلم من قبل حفظه.
وعلى تقدير صحته أجاب الطحاوي (١) عنه بما محصله: أن عليًا ﵁ روي عنه من رأيه: "إذا رفع رأسه من آخر سجدة، فقد تمت صلاته"، فدل على أن معنى الحديث المذكور لم يكن على أن الصلاة لا تتم إلَّا بالتسليم، إذا كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم، فكان معنى: "تحليلها التسليم"، التحلل الذي ينبغي أن يحل به لا بغيره.
وجواب آخر أن الحديث المذكور من أخبار الآحاد فلا يثبت بها الفرض.
فإن قلت: كيف أثبت فرضية التكبير به ولم تثبت فرضية التسليم؟ قلت: أصل فرضية التكبير في الصلاة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، غاية ما في الباب يكون الحديث بيانًا لما يراد به من النص، والبيان به يصح كما في مسح الرأس.
وذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن جرير الطبري بهذا إلى أن التسليم ليست بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته، انتهى.
قال في "البدائع" (٢): أما صفته فإصابة لفظ السلام ليس بفرض عندنا،
стр. 1876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولكنها واجبة، حتى لو تركها عامدًا كان مسيئًا، ولو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو عندنا، وعند مالك والشافعي فرض لو تركها تفسد صلاته، احتجا بقوله ﷺ : "وتحليلها التسليم"، خص التسليم بكونه محللًا، فدل على أن التحليل بالتسليم على التعيين، فلا يتحلل بدونه، ولأن الصلاة عبادة لها تحريم وتحليل، فيكون التحليل فيها ركنًا قياسًا على الطواف في الحج.
ولنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن مسعود حين علمه التشهد: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت ما عليك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه جعله قاضيًا ما عليه عند هذا القول أو الفعل، وما للعموم فيما لا يعلم، فيقتضي أن يكون قاضيًا جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضًا لم يكن قاضيًا جميع ما عليه بدونه, لأن التسليم يبقى عليه.
والثاني: أنه خيَّره بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم، ولو كان فرضًا ما خيَّره، ولأن ركن الصلاة ما تتأدى به الصلاة، والسلام خروج عن الصلاة وترك لها , لأنه كلام وخطاب لغيره، فكان منافيًا للصلاة، فكيف يكون ركنًا لها.
وأما الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلَّا أنه خص التسليم لكونه واجبًا، والاعتبار بالطواف غير سديد, لأن الطواف ليس بمحلل، إنما المحلل هو الحلق، إلَّا أنه توقف بالإحلال على الطواف، فإذا طاف حل بالحلق لا بالطواف، والحلق ليس بركن، فنزل السلام في باب الصلاة منزلة الحلق في باب الحج، وينبني على هذا أن السلام ليس من الصلاة عندنا، وعند الشافعية التسليمة الأولى من الصلاة، والصحيح قولنا لما بينا.
стр. 1877
(٧٦) بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ مِنَ اتِّبَاعِ الإِمَامِ
٦١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُبَادِرُونِى بِرُكُوعٍ وَلَا بِسُجُودٍ (١) , فَإِنَّهُ مَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِى بِهِ إِذَا رَفَعْتُ,
===
(٧٦) (بَابُ (٢) مَا جَاءَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ المَأْمُومُ مِنَ اتِّباعِ الإمَامِ)
أي: يلزم على المأموم أن يتبع الإِمام في أداء أفعال الصلاة، ولا يتقدم عليه
٦١٧ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان، (عن) محمد (بن عجلان، حَدّثني محمد بن يحيى بن حبان، عن) عبد الله (بن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبادروني) أي لا تسبقوني (بركع ولا بسجود) أي بأداء ركوع ولا سجود (فإنه مهما أسبقكم به) أي إذا أسبقكم بجزء من الركوع (إذا ركعت) وقت خروري في الركوع قبلكم (تدركوني به) أي بذلك الجزء (إذا رفعت) أي قبلكم، والحاصل أن الجزء الذي فاتكم بسبب التقديم مني في أداء الركوع والسجود تدركون ذلك الجزء من الركوع والسجود بتأخيركم
стр. 1878
إِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ". [جه ٩٦٣، حم ٤/ ٩٢، حب ٢٢٢٩]
٦١٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِىَّ يَخْطُبُ النَّاسَ, حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ
===
في الرفع (إني قد بدنت) أبو عبيد روى بالتخفيف (١)، وإنما هو بالتشديد أي كبرت، والتخفيف من البدانة، وهي كثرة اللحم ولم يكن من صفته.
وقال الطيبي (٢): روي بالتشديد والتخفيف مفتوحة ومضمومة، والعلماء اختاروا الأول إذ السمن لم يكن من وصفه (٣)، ولعل هذا القول إشارة إلى أنه ﷺ يريد أني لا أسارع ولا أبادر, لأني قد كبرت وضعفت، وأنتم أقوياء لعلكم تسبقوني، فلا تفعلوا هذه المسابقة واتبعوني.
٦١٨ - (حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق) السبيعي هو عمرو بن عبد الله (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين الأنصاري (الخطمي) (٤) بفتح المعجمة وسكون المهملة، صحابي صغير، ولي الكوفة لابن الزبير، (يخطب الناس) حين كان واليًا على الكوفة، (ثنا البراء وهو) أي البراء (٥) (غير كذوب) أي ثقة ثبت صادق، والمراد تقوية الحديث وتوثيقه لا نفي تهمة الكذب عنه، فإنه صحابي جليل لا يظن به الكذب،
стр. 1879
"أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامُوا قِيَامًا, فَإِذَا رَأَوْهُ قَدْ سَجَدَ سَجَدُوا". [خ ٦٩٠، م ٤٧٤، ن ٨٢٩، ت ٢٨١]
===
وكذلك صيغة المبالغة في معنى نفس الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١).
(أنهم) أي الصحابة ﵃ (كانوا إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع مع رسول الله ﷺ قاموا قيامًا) أي قيامًا طويلًا، أو يقال: بقوا قائمين (فإذا رأوه) (٢) أي الصحابة رسول الله ﷺ (قد سجد سجدوا) والحاصل أنه لما منعهم رسول الله ﷺ عن المبادرة، خافوا أنهم إذا سجدوا مع رسول الله ﷺ لعلهم يسبقونه، فكانوا ينتظرون سجوده قيامًا، فإذا رأوه سجد سجدوا.
قال الشامي في "حاشية الدر المختار" (٣) بعد ما أطال الكلام في المتابعة: والحاصل أن المتابعة في ذاتها على ثلاثة أنواع: مقارنة لفعل الإِمام مثل أن يقارن إحرامه لإحرام إمامه، وركوعه لركوعه، وسلامه لسلامه، ويدخل فيها ما لو ركع قبل إمامه ودام حتى أدركه إمامه فيه، ومعاقبة لابتداء فعل إمامه مع المشاركة في باقيه، ومتراخية عنه، فمطلق المتابعة الشامل لهذه الأنواع الثلاثة يكون فرضًا في الفرض، وواجبًا في الواجب، وسنَّة في السنَّة عند عدم المعارض أو عدم لزوم المخالفة.
ثم قال بعد عدة أسطر: إذا علمت ذلك ظهر لك أن من قال: إن المتابعة فرض أو شرط كما في "الكافي" وغيره أراد به مطلقها بالمعنى الذي ذكرناه، ومن قال: إنها واجبة كما في شرح "المنية" وغيره أراد به المقيدة بعدم التأخير، ومن قال: إنها سنَّة أراد به المقارنة، الحمد لله على توفيقه وأسأله هداية الطريق.
стр. 1880
٦١٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا الْكُوفِيُّونَ: أَبَانُ وَغَيْرُهُ,
===
٦١٩ - (حدثنا زهير بن حرب وهارون بن معروف، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا) أي زهير وهارون: (ثنا سفيان، عن أبان بن تغلب) بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، أبو سعد الكوفي، وثَّقه أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي، وقال الجوزجاني: زائغ مذموم المذهب مجاهر، وقال ابن عدي: هو من أهل الصدق في الروايات وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح لا بأس به، قلت: هذا قول منصف، وأما الجوزجاني فلا عبرة بحطه على الكوفيين، فالتشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن عليًا كان مصيبًا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن عليًا أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ ، وإذا كان معتقد ذلك ورعًا دَيِّنا صادقًا مجتهدًا، فلا ترد روايته بهذا لا سيما إذا كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة، وقال الحاكم: كان قاص الشيعة وهو ثقة، وقال ابن عجلان: رجل من أهل العراق من النساك، ثقة، وقال الأزدي: كان غاليًا في التشيع، وما أعلم به في الحديث بأسًا، مات سنة ٢٤١ هـ.
(قال أبو داود: قال زهير: ثنا الكوفيون: أبان وغيره) وغرض المصنف بهذا القول أمران: أحدهما: بيان الاختلاف بين لفظ زهير وبين لفظ هارون، فإن هارون روى هذا الحديث عن سفيان عن أبان بن تغلب ولم يذكر غيره، وأما زهير بن حرب فرواه عن سفيان، فقال: حدثنا الكوفيون: أبان وغيره.
وثانيهما: الجواب عن ما يرد عليه من الاختلاف الواقع في السند بأن أبانًا خالف فيه الحفاظ المتقنين، فذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يذكر
стр. 1881
عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَا يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَرَى النَّبِىَّ ﷺ يَضَعُ". [م ٤٧٤، ن ٨٢٩]
===
أحد منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، بل ذكروا عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن البراء، وحاصل الجواب أن أبانًا لم ينفرد في هذا، بل روى هذا الحديث كثير من الكوفيين، فلا يكون ما ذكره أبان غير محفوظ، قال النووي: هذا مما تكلم فيه الدارقطني، وقال: الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد عن البراء، ولم يقل أحد عن ابن أبي ليلى غير أبان بن تغلب عن الحكم، وقد خالفه ابن عرعرة، فقال: عن الحكم عن عبد الله بن يزيد عن البراء، وغير أبان أحفظ منه، هذا كلام الدارقطني، وهذا الاعتراض لا يقبل، بل أبان ثقة نقل شيئًا فوجب قبوله، ولم يتحقق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مرويًا عن ابن يزيد وابن أبي ليلى، والله أعلم.
(عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال) أي البراء: (كنا نصلي مع النبي ﷺ ) أي خلف رسول الله ﷺ مقتديًا به (فلا يحنوا (١) أحد منا) أي لا يثني ولا يقوس للسجود، وهو واوي ويائي من باب ضرب ونصر (ظهره حتى يرى) أحدنا أو نحن (النبي ﷺ يضع) أي جبهته على الأرض في السجود، كما تدل عليه الرواية اللاحقة، هكذا قال الشيخ علي القاري في شرحه على "المشكاة" ولفظه: أي لم يعوج أحد منا ظهره، أو لم يثنه من القومة قاصدًا للسجود، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد حنو الظهر في الجلسة بين السجدتين، ويدل عليه ما قال الحافظ العسقلاني في "فتح الباري" والعيني في "شرحه على البخاري" (٢)
стр. 1882
٦٢٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ, حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ -, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ
===
في "باب متى يسجد من خلف الإِمام": إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين، وهذا يدل على أن يكون المراد في لفظ الحديث: "لا يحنو أحد منا ظهره" إما في القومة أو الجلسة، فما قال في "النهاية" ونقله عنه صاحب "المجمع" (١) وتبعهما صاحب "عون المعبود": أي لم يثنه للركوع، فغير موجه، ويأبى عنه روايات الحديث.
قلت: وكذلك حمله على الجلسة بين السجدتين في الحديث بعيد، فإن الرواية اللاحقة مصرحة بأن المراد عدم حنو الظهر في القومة للسجود، فإنه وقع فيها: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده لم نزل قيامًا"، أي في القومة بعد الركوع، والله تعالى أعلم.
٦٢٠ - (حدثنا الربيع بن نافع، ثنا أبو إسحاق يعني الفزاري) هو إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء، أبو إسحاق الكوفي، متفق على توثيقه، لم يتكلم فيه أحد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ولد بواسط، وابتدأ في كتابة الحديث وهو ابن ٢٨ سنة، وكان من الفقهاء والعباد، وذكر النديم (٢) في "الفهرست": أنه أول من عمل في الإِسلام أسطرلابًا (٣) وله فيه تصنيف.
(عن أبي إسحاق) أي الشيباني كما هو مصرح في "صحيح مسلم"، وهو سليمان بن أبي سليمان، (عن محارب بن دثار) محارب بضم أوله وكسر الراء، ابن دثار بكسر المهملة وتخفيف المثلثة، ابن كردوس بن
стр. 1883
قَالَ: "سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: حَدَّثَنِى الْبَرَاءُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ (١) اللَّهِ ﷺ , فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنهُ (٢) قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ, ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ ﷺ ". [خ ٨١١، م ٤٧٤]
===
قرواش بن جعونة السدوسي، أبو دثار، ويقال: أبو مطرف، ويقال: أبو كردوس، ويقال: أبو النضر الكوفي القاضي، متفق على توثيقه وزهده.
(قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول على المنبر) أي في خطبته: (حدثني البراء) أي ابن عازب (أنهم) أي الصحابة (كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ ، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قيامًا حتى يرونه) أي رسول الله ﷺ (قد وضع جبهته بالأرض) قال القاري (٣): يريد أن يضع جبهته على الأرض.
فإن قلت: لما نهى رسول الله ﷺ عن المبادرة بالركوع والسجود فكان عليهم أن يركعوا بعد خروره ﷺ للركوع ولم يزالوا قيامًا حتى يرونه قد ركع، فما وجه الفرق بينهما؟ قلت: قوله: "فإذا ركع ركعوا" لا يدل على المقارنة، بل يشمل ما إذا حتى ظهره للركوع يحنون أظهرهم بعده على أنه وجه الفرق بينهما أن مسافة ما بين القيام والركوع أقل من المسافة التي بين القيام والسجود، فاحتمال المتقدم في الركوع بسبب قصر المسافة بعيد، وأما في المسافة التي بين القيام والسجود باعتبار طوله لم يكن بعيدًا، فكانوا يراعون ذلك فيه، والله تعالى أعلم. (ثم يتبعونه ﷺ ).
стр. 1884
(٧٧) بَابُ مَا جَاءَ في التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ قَبْلَ الإِمَامِ أَوْ يَضَعُ قَبْلَهُ
٦٢١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا يَخْشَى, أَوْ: أَلَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ, أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ». [خ ٦٩١، م ٤٢٧، ت ٥٨٢، ن ٨٢٨، جه ٩٦١، حم ٢/ ٢٦٠، دي ١٣٢٢، ق ٢/ ٩٣]
===
(٧٧) (بَابُ مَا جَاءَ في التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ) أي رأسه (قَبْلَ الإمَامِ) أي من الركوع والسجود (أَوْ يَضَعُ) (١) رأسه في الركوع والسجود (قَبْلَه) أي قبل الإِمام
٦٢١ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد) القرشي الجمحي مولاهم، أبو الحارث المدني، سكن البصرة، وثَّقه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي، وأثنى عليه أبو داود، وذكره ابن حبان في "الثقات" (عن أبي هريرة قال) أي أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أما يخشى أو ألا يخشى) لفظة "أو" للشك من الراوي (أحدكم إذا رفع رأسه) قبل الإِمام (والإمام ساجد (٢) أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار).
قال الحافظ في "شرح البخاري" (٣): الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية
стр. 1885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: "رأس"، وأما يونس فقال: "صورة"، وأما الربيع فقال: "وجه"، والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه، قلت: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإِمام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم (١) وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في رواية وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد.
واختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من متابعة الإِمام، وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا.
وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، والدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة حديث أبي مالك الأشعري، فإن فيه: "ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة"، ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد "أن يحول الله رأسه رأس كلب"، فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.
ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار، وإنما قلت ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك
стр. 1886
(٧٨) بَابٌ: فِيمَنْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الإِمَامِ
٦٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ بُغَيْلٍ الْمُرْهِبِىُّ (١)،
===
عند الفعل المذكور، فلا يحسن أن يقال: يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة، انتهى ملخصًا.
والحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإِمام في الرفع من السجود، ويلتحق به الركوع لكونه في معناه، وأما المتقدم على الإِمام في الخفض للركوع والسجود، فقيل: يلتحق به من باب الأولى, لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإِمام في حديث آخر أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعًا: "الذي يخفض ويرفع قبل الإِمام إنما ناصيته بيد الشيطان"، انتهى كلام الحافظ.
قلت: ولأجل ذلك عقد الباب أبو داود "فيمن يرفع أو يضع قبله"، فأدخل الوضع فيه أيضًا.
(٧٨) (بَابٌ: فِيمَنْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الإمَامِ)
٦٢٢ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا حفص بن بغيل) (٢) مصغرًا بفتح المعجمة الهمداني (المرهبي) بمضمومة وسكون راء وكسر الهاء، الكوفي، قال ابن حزم: مجهول، وقال ابن القطان: لا يعرف له حال، ولكن سكوت أبي داود عنه بعد تخريج حديثه يدلس على أنه غير المتكلم فيه، وقال في "ميزان الاعتدال" بعد نقل قول ابن القطان: قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا، فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل أو أخذ عمن
стр. 1887
حَدَّثَنَا زَائِدَةُ, عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ, عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ". [حم ٣/ ١٢٦، ك ١/ ٢١٨، ق ٢/ ١٩٢]
===
عاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل.
(ثنا زائدة، عن المختار بن فلفل) بفائين مضمومتين ولامين الأولى ساكنة، المخزومي، مولى عمرو بن حريث، وثَّقه كثيرون، وتكلم فيه أبو الفضل السليماني، فعده في رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبي عياش وغيره.
(عن أنس أن النبي ﷺ حضهم) أي حثهم ورغبهم أي أصحابه (على الصلاة) أي على الصلوات المكتوبة كلها، أو على ملازمة صلاة الجماعة (ونهاهم) أي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- (أن ينصرفوا) أي الصحابة (قبل انصرافه من الصلاة) أي يخرجوا من الصلاة، ويسلموا قبل خروجه وسلامه ﷺ ، أو يقال: معناه (١) ينصرفوا من المسجد قبل انصرافه ﷺ ، وهذا لأن النساء (٢) ينصرفن بعد فراغهن من الصلاة، فلو انصرف الرجال في ذلك الوقت لاختلط الرجال بالنساء فلذلك نهاهم.
وقد روى البخاري عن أم سلمة: "أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال"، ولكن التأويل الأول أوفق بلفظ الحديث، نقل القاري الاحتمال الأول عن ميرك، والثاني عن الطيبي، ثم قال: قلت: ويحتمل أن يكون المراد من الانصراف قيام المسبوق قبل سلام الإِمام، فإنه عندنا حرام، وهذا أيضًا بعيد عن اللفظ.
стр. 1888
(٧٩) بَابُ جُمَّاع أَثْوَابِ (١) مَا يُصَلَّى فِيهِ
٦٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِى ثَوْبٍ
===
(٧٩) (بَابُ جُمَّاع أَثْوَابِ مَا يُصَلَّى (٢) فِيهِ)
الجماع إما على وزن كتاب، قال في "القاموس": وجِماعُ الشيء جَمْعُه يقال: جِماعُ الخِباءِ الأخبيةُ أي جمعها؛ لأن الجِماعَ ما جَمَعَ عددًا، وقال في "لسان العرب": وفي الحديث: "حَدِّثْني بكلمة تكون جماعًا فقال: اتق الله فيما تعلم"، الجماع ما جمع عددًا أي كلمة تجمع كلمات، انتهى.
وإما على وزن رمان، قال في "القاموس": وجُمَّاعُ الناس كرُمَّانٍ أخلاطُهم من قبائل شتى، ومن كل شيء مجتمع أصله، وكل من جمع وانضم بعضه إلى بعض، وحاصل معناه أن هذا الباب جامع لأحاديث وردت في أثواب المصلي، فكأنه بمنزلة الكتاب أو الأبواب في أثواب المصلي.
٦٢٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سئل (٣) عن الصلاة في ثوب
стр. 1889
وَاحِدٍ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ». [خ ٣٥٨، م ٥١٥، ن ٧٦٣، جه ١٠٤٧، حم ٢/ ٢٣٨، دي ١٣٧٠]
٦٢٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ (١) مِنْهُ شَىْءٌ». [خ ٣٥٩، م ٥١٦، ن ٧٦٩، ق ٢/ ٢٣٨]
===
واحد) أي هل يجوز الصلاة في الثوب الواحد أم لا؟ (فقال النبي ﷺ : أو لكلكم ثوبان؟ ).
حاصله: أنه إذا صلَّى رجل في ثوب واحد ساترًا عورته يكفيه ذلك إذا لم يقدر على غيره، وهذا أمر متفق عليه، ولكن الأفضل لمن كان عنده سعة وقدرة أن يصلي في ثوبين، وأما صلاة النبي ﷺ في ثوب واحد فكان تارة لعدم ثوب آخر، وتارة لبيان الجواز، كما قال جابر: "ليراني الجهال مثلكم".
٦٢٤ - (حدثنا مسدد، ثنا سفيان، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لا يصل) بصيغة النهي، وفي نسخة: "لا يصلي" بصيغة الخبر (أحدكم في الثوب الواحد (٢) ليس على منكبيه منه) أي من الثوب (شيء) المنكب بفتح ميم وكسر كاف: مجتمع رأس الكتف والعضد.
قال الحافظ (٣): والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في
стр. 1890
٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, الْمَعْنَى, عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى ثَوْبٍ (١) فَلْيُخَالِفْ بِطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ». (٢). [خ ٣٦٠، حم ٢/ ٢٥٥]
٦٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ,
===
حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة، وقد حمل الجمهور هذا النهي (٣) على التنزيه، وعن أحمد (٤): لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه، فجعله من الشرائط، وعنه: تصح ويأثم, جعله واجبًا مستقلًا، وجمع الطحاوي بين أحاديث الباب بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق اتّزر، انتهى ملخصًا.
٦٢٥ - (حدثنا مسدد، أنا يحيى) القطان، (ح: وحدثنا مسدد، ثنا إسماعيل) بن علية (المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (عن هشام بن أبي عبد الله) الدستوائي، (عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إذا صلَّى أحدكم في ثوب) أي واحد وكان واسعًا (فليخالف بطرفيه) أي بطرفي الثوب (على عاتقيه) أي إن كان واسعًا يشده على عنقه، وإن كان أوسع ولا تحتمل كشف العورة فيلقيه على عواتقه.
٦٢٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد،
стр. 1891
عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ". [خ ٣٥٤، م ٥١٧، ت ٣٣٩، ن ٧٦٤، حم ٤/ ٢٦ - ٢٧، خزيمة ٧٦١، حب ٢٢٩٢]
٦٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ, عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَبِىِّ (١) ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ, مَا تَرَى فِى الصَّلَاةِ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: فَأَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِزَارَهُ طَارَقٌ بِهِ رِدَاءَهُ, فَاشْتَمَلَ بِهِمَا,
===
عن أبي أمامة بن سهل، عن عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، أبو حفص المدني، ربيب النبي ﷺ ، أمه أم سلمة أم المؤمنين، صحابي (٢) صغير، أمَّره علي -رضي الله تعالى عنه - على البحرين. (٣)
(قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد ملتحفًا) أي مشتملًا ومتوشحًا (مخالفًا بين طرفيه على منكبيه) أي واضعًا طرفيه على منكبيه.
٦٢٧ - (حدثنا مسدد، ثنا ملازم بن عمرو الحنفي، ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه) طلق بن علي الحنفي، (قال: قدمنا على (٤) النبي ﷺ فجاء رجل فقال: يا نبي الله ﷺ ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ ) أي هل يجوز ذلك أم لا؟ (قال) أي طلق: (فأطلق) أي حل (رسول الله ﷺ إزاره طارق) أي طبق، وفي نسخة: "طابق" (به) أي بالإزار (رداءه) أي جمع أحدهما فوق الآخر (فاشتمل بهما) أي بالإزار
стр. 1892
ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا أَنْ قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ». [حم ٤/ ٢٢، ق ٢/ ٢٤٠]
(٨٠) بَابُ الرَّجُلِ يَعْقِدُ الثَّوْبَ في قَفَاهُ ثُمَّ (١) يُصَلِّي
٦٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِى حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ
===
والرداء (ثم قام فصلَّى بنا نبي الله ﷺ ، فلما أن قضى الصلاة) أي أتمها (قال: أو كلكم يجد ثوبين؟ ).
وحاصل الجواب: أنه يكفي للرجل في الصلاة ثوب واحد، فإن قلت: كان على رسول الله ﷺ ثوبان طابق بهما، وكان السؤال عن ثوب واحد، فلا يطابق الجواب السؤال، نعم لو وضع رسول الله ﷺ رداءه وصلَّى في إزار لكان الجواب موافقًا للسؤال، قلت: لما جمع بين الثوبين وطبق بينهما فصارا كثوب واحد، ووافق الجواب السؤال.
(٨٠) (بَابُ الرَّجُلِ يَعْقِدُ الثَّوْبَ)
أي: إزاره (في قَفَاهُ) أي: على قفاه (ثُمَّ يُصَلِّي) أي في ذلك الإزار
٦٢٨ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا وكيع , عن سفيان، عن أبي حازم) سلمة بن دينار، (عن سهل بن سعد قال) سهل: (لقد رأيت الرجال) اللام فيه للعهد أي بعضهم، وهم أهل الصفة، وقال الحافظ (٢): اللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة لأن التنكير فيه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك.
стр. 1893
عَاقِدِى أُزُرِهِمْ فِى أَعْنَاقِهِمْ مِنْ ضِيقِ الأُزُرِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الصَّلَاةِ كَأَمْثَالِ الصِّبْيَانِ, فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ". [خ ٣٦٢، م ٤٤١، ن ٧٦٦]
===
(عاقدي) صيغة جمع لعاقد، حذفت النون للإضافة (أزرهم) بضم الهمزة وبضم الزاي وسكونها، جمع الإزار، ككتاب وكتب، وحمار وحمر، والإزار معروف (في أعناقهم) أي على أعناقهم كما في رواية البخاري (من ضيق الأزر) أي من أجل قصرها ,لأنه لو كان واسعًا لأمكن لهم أن يلقوا طرفيها على مناكبهم، قال في "الفتح": ويؤخذ منه أن الثوب إذا أمكن الالتحاف به كان أولى من الاتزار, لأنه أبلغ في التستر.
(خلف رسول الله ﷺ في الصلاة) أي مقتدين به ﷺ كأمثال الصبيان) وفي رواية البخاري: كهيئة الصبيان، أي كما يعقد الصبيان أزرهم على قفاهم.
(فقال قائل) وفي رواية البخاري: "وقال"، قال الكرماني: وفاعل قال هو النبي-صلي الله عليه وسلم-، فكأن النبي ﷺ أمر من يقول لهن ذلك، والغالب على الظن أنه بلال (يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن) أي من السجود (حتى يرفع الرجال) أي رؤوسهم من السجود، وفي رواية البخاري: "حتى يستوي الرجال جلوسًا".
قال في "الفتح": وإنما نهى النساء عن ذلك لئلا يلمحن (١) عند رفع رؤوسهن من السجود شيئًا من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهم، ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل.
стр. 1894
(٨١) باب الرَّجُلِ يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ
٦٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا زَائِدَةُ, عَنْ أَبِى حَصِينٍ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَىَّ". [حم ٦/ ٧٠ - ٢٥١، وانظر الحديث رقم ٣٧٠]
(٨٢) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُصَلِّي في قَمِيصٍ وَاحِدٍ
===
(٨١) بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي في ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُه عَلَى غيْرِهِ
٦٢٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (ثنا زائدة، عن أبي حصين) بفتح المهملة وكسر الصاد، قال الأزدي في "المؤتلف والمختلف": وحصين بفتح الحاء المهملة، أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، سمع من ابن عباس والشعبي وأبي صالح وغيرهم، وفي "المغني": وحصين كله فيهما بمضمومة وفتح مهملة إلَّا أبا حصين عثمان بن عاصم بمفتوحة وكسر مهملة، هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي.
(عن أبي صالح) السمان، (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ صلَّى في ثوب واحد بعضه علي) ولعله هذا الثوب كان رداء أو كساء، والظاهر أنه ﷺ كان يصلي قاعدًا، وكان زمن شتاء، فكان بعض الثوب عليه وبعضه على عائشة، ويمكن أن يكون الثوب واسعًا، وكان يصلي قائمًا، فكان عليه بعضه وعلى عائشة ﵂ بعضه.
(٨٢) (بَابٌ (١): في الرَّجُلِ يُصَلِّي في قَمِيصٍ وَاحِدٍ)
هل يجوز ذلك أم لا؟
стр. 1895
٦٣٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -, عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى رَجُلٌ أَصِيدُ
===
٦٣٠ - (حدثنا القعنبي، ثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد-) الضمير في يعني يرجع إلى القعنبي، وإنما زاد لفظ يعني, لأن لفظ ابن محمد لم يكن من القعنبي، ولو لم يزد لفظ يعني لتوهم أن القعنبي قال: ثنا عبد العزيز بن محمد.
(عن موسى بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، قال في "الميزان": روى عن سلمة بن الأكوع، وعنه الدراوردي في زر الثوب ولو بشوكة، قال البخاري: في هذا الحديث نظر، وقال أبو داود: ضعيف، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في الكتابين (أي: د، س) حديثه عن سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص، قال أبو داود: موسى ضعيف، وهو موسى بن محمد بن إبراهيم، وقال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، قلت: وفرق البخاري أيضًا بين موسى بن إبراهيم المخزومي وبين موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، انتهى.
قلت: كأنه إشارة إلى أن صاحب "الميزان" وهم في نقله التضعيف عن البخاري وأبي داود إياه.
(عن سلمة بن الأكوع قال) أي سلمة: (قلت: يا رسول الله ﷺ إني رجل أصيد) صيغة متكلم من صاد يصيد أي أخرج للصيد، وقال بعضهم: هو أصيد على وزن أفعل الصفة كأحمر، وهو من في رقبته علة لا يمكن الالتفات معها، ويرده ما ورد في هذه الرواية من لفظ أحمد والنسائي: "قال: قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد"، ويرده أيضًا ما نقله الحافظ عن ابن حبان من طريق الدراوردي عن سلمة بن الأكوع: "قال: قلت: يا رسول الله إني رجل أتصيد"،