فَبَالَ قَائمًا ,
===
هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، كذا قال الحافظ في "الفتح" (١)، وقال بعضهم: هي في الأصل قمامة البيت، ثم استعمل بمطرحها وملقاها مجازًا، ثم توسع واستعمل في الفناء، قاله القاري (٢).
قال الحافظ: وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك, لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، ولهذا بال ﷺ عليها، وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهن الجدار وفيه ضرر، فكيف هذا من النبي ﷺ .
(فبال قائمًا) اختلف العلماء في البول قائمًا، فأباحه سعيد بن المسيب وعروة وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلَّا فمكروه، وقال عامة العلماء: البول قائمًا مكروه إلَّا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وهو مذهبنا الحنفية.
وأما الجواب عن التعارض الذي وقع في الروايات الواردة في هذه المسألة، فما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "من حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدقوه ... إلخ" (٣).
فالجواب عنه: أنه مستند إلى علمها، أو يكون ما بال قائمًا يعني في منزله، ولا اطلاع لها على ما في الخارج، ويمكن أن يكون مرادها أنه ﷺ ما كان معتادًا بالبول قائمًا، بل كانت عادته الشريفة البول قاعدًا، وليس فيه نفي ما صدر منه لعذرٍ، وأما الأحاديث الأُخر التي وردت في هذا الباب من
стр. 247
ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ". [خ ٢٢٤، م ٢٧٣، ت ١٣، ن ١٨ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٨، جه ٣٠٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: "فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ،
===
حديث بريدة ومن حديث عمر، فلا تخالف المذهب، ولا هذا الحديث الذي رواه أبو داود وغيره، فلا حاجة إلى الجواب عنها.
ثم إن العلماء تكلموا في سبب بوله ﷺ قائمًا، فقال الشافعي ﵀: إن العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، فنرى أنه كان به إذ ذاك، وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول، ولم يمكن التباعد كعادته، وقال بعضهم: إنه ﷺ فعل ذلك (١) بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، وقيل غير ذلك من الأعذار.
(ثم دعا بماء) فجئته كما في البخاري (فمسح على خفيه)، ويذكر بحث المسح على الخفين في موضعه إن شاء الله تعالى.
(قال أبو داود: قال مسدد)، غرض المصنف من هذا أن شيخه مسددًا له زيادة على حديث حفص بن عمر، فإن المصنف قد صرح قبلُ أن الذي أخرجه هو لفظ حفص، ثم ذكر زيادة مسدد بعد قوله: "سباطة قوم" (قال؟ فذهبت أتباعد) لأجل أنه ظن أن عادة رسول الله ﷺ في قضاء
стр. 248
فَدَعَاني حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ".
(١٣) بَاب: في الرَّجُلِ يَبُولُ بِاللَّيْلِ في الإِنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ
٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا حَجَّاجٌ ,
===
الحاجة التباعد عن الناس (فدعاني) لأجل حصول التستر، ولأجل بيان جواز قضاء حاجة البول عند الناس (حتى كنت عند عَقِبه) العَقِب بفتح العين المهملة وكسر القاف، قال في "القاموس": وككتف: مؤخر القدم.
(١٣) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَبولُ بِاللَّيْلِ في الإنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ)
عقد هذا الباب إشارة إلى أنه يجوز ذلك، وإن ورد فيه رواية تدل على المنع.
٢٤ - (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، أبو جعفر ابن الطباع البغدادي، نزيل أذنة، قال السمعاني في "الأنساب" (١): وأذنة - بفتح الألف والذال المعجمة وفي آخرها النون - وهي من مشاهير البلدان بساحل الشام عند طرسوس، والنسبة أذني، ثقة، فقيه (٢)، قال البخاري: مات سنة ٢٢٤ هـ.
(ثنا حجاج) بن محمد المِصِّيْصي، بكسر ميم وشدة صاد مهملة أولى، الأعور، أبو محمد، ترمذي الأصل، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، ومات بها سنة ٢٠٦ هـ (٣).
стр. 249
عن ابْنِ جُرَيجٍ، عن حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ ابْنَة (١) رُقَيْقَةَ، عن أُمِّهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "كَان لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيدَانٍ
===
(عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن حكيمة) مصغرًا (بنت أميمة) مصغرًا (ابنة رُقيقة) مصغرًا، لا تعرف، ولكن قال الحافظ في "التهذيب": ذكرها ابن حبان في "الثقات"، (عن أمها) وهي أميمة (٢) بنت رقيقة وبنت عبد الله بن بجاد التيمي، صحابية، وهي غير أميمة بنت رقيقة الثقفية تلك تابعية، ورقيقة أم أميمة صحابية، أخت خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - (أنها) أي أميمة (قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عَيدان) بفتح مهملة فتحتية: النخلة الطوال المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، جمع عيدانة، كذا في "المجمع" (٣)، وفي "القاموس" في لفظ عود: والعيدان بالفتح: الطوال من النخل، واحدتها بهاء، ومنها كان قدح يبول فيه النبي ﷺ ، وفي آخر الباب: العَيْدانة أطول ما يكون من النخل يائية واوية، جمعه عيدان، انتهى.
وقال السندي في "شرحه (٤) على النسائي": اختلف في ضبطه، أهو بالكسر والسكون جمع عود، أو بالفتح والسكون جمع عيدانة بالفتح، وهي النخلة الطويلة المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، وقيل: الكسر أشهر رواية" ورُدَّ بأنه خطأ معنى, لأنه جمع عود، وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منه قدح لحفظ الماء بخلاف من فتح العين، فإن المراد حينئذ قدح من خشب، هذه صفته ينقر ليحفظ ما يجعل فيه.
قلت: والجمعية غير ظاهرة على الوجهين، وإن حمل على الجنس يصح
стр. 250
تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ". [ن ٣٢]
===
الوجهان، إلَّا أن يقال: حمل عيدان بالفتح على الجنس أقرب, لأنه مما فرق بينه وبين واحده بالتاء، ومثله يجيء للجنس، بل قالوا: إن أصله الجنس يستعمل في الجمع أيضًا، فلا إشكال فيه بخلاف العيدان بالكسر، جمع عود.
وأجاب بعضهم على تقدير الكسر بأنه جمع اعتبارًا للأجزاء، فارتفع الإشكال على الوجهين، ثم قيل: لا يعارضه (١) ما جاء "أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول"، إما لأن المراد أن ذلك إذا طال مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه غالبًا، أو لأن المراد هناك كثرة النجاسة في البيت، بخلاف ما في القدح، فإنه لا يحصل به النجاسة لمكان آخر، انتهى.
(تحت سريره) أي موضوع تحته، وفيه أن النوم على السرير لا ينافي (٢) الزهد (يبول فيه بالليل) (٣) رفقًا بنفسه أن يتعبها في القيام لذلك، وتعليمًا لأمته، ولبيان الجواز، قال في "درجات مرقاة الصعود": قال ولي الدين: يعارضه ما رواه الطبراني في "أوسطه" بسند جيد عن عبد الله بن يزيد عنه ﷺ قال:
стр. 251
(١٤) بَابُ الْمَواضِعِ الَّتِي نُهِي عَنِ الْبَوْلِ فِيهَا
٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ,
===
"لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقع" (١)، والجواب عنها قد نقلناه قبل، ويمكن أن يجاب عنه أن بوله ﷺ بالليل في القدح كان في الابتداء، ثم لما علم أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقع تركه، والحديث ليس فيه دليل (٢) على أن فعله ﷺ استمرّ إلى آخر عمره الشريف.
(١٤) (بَابُ الْمَوَاضِعِ (٣) الَّتِي نُهِيَ عَنِ الْبَوْلِ فِيها)
٢٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم، ابن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني، اسمه يحيى، وقيل: علي، وقتيبة لقبه، ثقة ثيت، مات سنة ٢٤٠ هـ، (ثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم، أبو إسحاق القارئ، ثقة ثبت، قدم بغداد فلم يزل بها حتى مات، توفي سنة ١٨٠ هـ.
(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي، بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، أبو شبل، بكسر المعجمة وسكون الموحدة، المدني، مولى
стр. 252
عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ". قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ ﷺ : "الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ". [م ٢٦٩، حم ٢/ ٣٧٢، خزيمة ٦٧]
===
الحرقة، صدوق ربما وهم، وقال الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقَّون حديثه، ووثّقه بعضهم، وقال الترمذي: هو ثقة عند أهل الحديث، مات سنة ١٣٢ هـ أو بعدها (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، مولى الحُرقة، بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، تابعي ثقة من أصحاب أبي هريرة.
(عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: اتقوا اللاعنين) هو تثنية الفاعل، فالفاعل إما بمعنى المفعول، كدافق بمعنى مدفوق، أو كالتامر واللَّابن، أي: ذو التمر واللبن، أو الفاعل على حقيقته يعني اللاعنين أنفسهما بالتسبيب فإنهما يفعلان ما ينجرُّ إلى اللعن، أو المعنى: اتقوا الفعلين اللاعنين اللذين هما سببا اللعن، وحينئذ يشكل الحمل وهو قوله: "الذي يتخلى"، فيحمل على المجاز.
(قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال ﷺ : الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم) أي يتغوط في محل يمر الناس فيه، فيتأذون به ويستقذرونه، وكذلك التغوط تحت شجرة أو غيرها يستظل الناس بظله (١)، فيتأذون به، والمراد بالظل ها هنا ما اتخذه الناس (٢) مقيلًا ومناخًا ينزلونه، فلا يحرم قضاء الحاجة بكل ظل، إذ قعد ﷺ تحت حائش (٣) نخل، وكذلك حكم كل ما يقصدونه لنزولهم.
стр. 253
٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيدٍ الرَّمْلِيُّ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ - وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ -، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: أَنا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ
===
٢٦ - (حدثنا إسحاق بن سويد الرملي) هو إسحاق بن إبراهيم بن سويد البلوي منسوب إلى بلي بن عمرو، أبو يعقوب الرملي، وقد ينسب إلى جده، ثقة، مات سنة ٢٥٤ هـ، (وعمر بن الخطاب أبو حفص) السجستاني القشيري مصغرًا، نزيل الأهواز، صدوق مات سنة ٢٦٤ هـ (وحديثه) أي حديث عمر بن الخطاب (أتم) من حديث (١) إسحاق بن سويد، وفيه إشارة إلى أن بين روايتهما اختلافًا في الجملة.
(أن سعيد بن الحكم) بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري، ثقة ثبت فقيه، المعروف بابن أبي مريم، مات سنة ٢٢٤ هـ (حدثهم) أي إسحاق بن سويد وعمر بن الخطاب وغيرهما، (قال: أنا نافع بن يزيد) الكلاعي بفتح الكاف واللام الخفيفة، أبو يزيد المصري، يقال: إنه مولى شرحبيل بن حسنة، ثقة عابد، مات سنة ١٦٨ هـ.
(قال: حدثني حيوة) بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو (ابن شريح) مصغرًا، ابن صفوان بن مالك التجيبي، بمضمومة، ويجوز فتحها وكسر جيم وسكون مثناة تحت فموحدة، منسوب إلى تجيب ابن ثوبان، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه عابد، وكان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة تتحول في يده تمرة ببركة دعائه، مات سنة ١٥٨ هـ.
стр. 254
أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيَّ حدَّثَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَة:
===
(أن أبا سعيد الحميري) (١) شامي مجهول، وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة، قال أبو في اود (٢): لم يسمع من معاذ، وفي "ميزان الاعتدال": لا يُدْرى من هو، (حدثه) أي حيوة بن شريح (عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي، من أعيان الصحابة، والإمام المقدام في علم الحلال والحرام، شهد بدرًا، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، مات في الشام (٣) سنة ١٨ هـ.
(قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا المَلاعن) وهي جمع ملعنة، وهو الموضع الذي يكثر فيه اللعن علي قضاء الحاجة فيه، أي اتقوا مجالب اللعن, لأن أصحابها يلعنهم المار على فعلهم القبيح، أو لأنهم أفسدوا على الناس منفعتهم، فكان ظلمًا، وكل ظالم ملعون، أو الملعنة أي الفعلة الموجبة لفاعلها اللعن، أي اجتنبوا الفعلات التي توجب اللعن لفاعلها عادة كأنه مَظِنَّة اللعن، وقال زين العرب: جمع ملعن مصدر ميمي، أو اسم مكان، فعلى تقدير كونه مصدرًا معناه اتقوا اللعنات أي أسبابها، أو المصدر بمعنى الفاعل، أي الحاملات والباعثات على اللعن، فيصير نظير قوله: اتقوا اللاعنين مع زيادة الثالث (الثلاثة) هكذا في النسخ، وفي نسخة الخطيب بلا تاء، فهو أصح منه بتاء لأنه مؤنث.
стр. 255
الْبَرَازَ في الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، والظِّلّ". [جه ٣٢٨، ق ١/ ٩٧، ك ١/ ١٦٧]
(١٥) بَابٌ: في الْبَوْلِ في الْمُسْتَحَمّ
٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمدُ بْن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ
===
(البراز في الموارد) أي قضاء الحاجة فيها، واحدة موردة، وهي طرق الماء أو منهل الماء الذي يرد عليه الناس من عين أو نهر، وقيل: المراد بالموارد الأمكنة التي يأتيها الناس كالأبنية، أي موضع ورود الناس للتحدث.
(وقارعة الطريق) بقاف، أي وسطه الذي يقرع الناس بأرجلهم وتدقها وتمر عليها، فهي فاعلة بمعنى المفعول.
(والظل) (١) أي ظل الشجر وغيره، قال الشيخ ابن حجر: والظل في الصيف، ومثله الشمس في الشتاء، أي في موضع يستدفئ فيه الناس بها.
(١٥) (بَابٌ: في الْبَوْلِ في المُسْتَحَمِّ)
المستحم الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، والمراد ها هنا المغتسل مطلقًا، وليست هذه الترجمة في بعض النسخ.
٢٧ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، ثم البغدادي، أبو عبد الله، خرجت به أمه من مرو وهي حامل فولدته ببغداد، أحد الأئمة، حافظ فقيه حجة، مات سنة ٢٤١ هـ، وله سبع وسبعون سنة (والحسن بن علي) بن محمد الهذلي بمضمومة
стр. 256
قِالَاِ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ: حَدَّثَنَا معمر
===
وفتح ذال معجمة، أبو علي الخلال، نزيل مكة، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٢ هـ.
(قالا) أي أحمد والحسن: (ثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف، عَمِي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيّع، وقد روى أحاديث في الفضائل لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث ولما رواه في مثالب غيرهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه على تشيّع فيه، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): قال العباس العنبري: لما قدم من صنعاء لقد تجَشَّمْتُ إلى عبد الرزاق وإنه لكذّاب، والواقدي أصدق منه (٢)، مات سنة ٢١١ هـ، وله خمس وثمانون سنة.
(قال أحمد) شيخ المصنف: (قال) عبد الرزاق: (حدثنا معمر) بن راشد الأسدي الحُدَّاني، بضم الحاء وتشديد الدال المهملة وفي آخره نون بعد الألف، هذه النسبة إلى حدان، وهم الأزد، أبو عروة البصري، سكن اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلَّا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، مات سنة ١٥٤ هـ (٣).
стр. 257
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عن أَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ الله، عن الْحَسَنِ، عن عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّل
===
(قال) أي معمر: (أخبرني أشعث) (١) بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني الأزدي، أبو عبد الله البصري، وقد ينسب إلى جده وهو الحملي بضم المهملة وسكون الميم، صدوق، وقال ابن حبان في "الثقات": ما أراه سمع من أنس، وقال العقيلي: في حديثه وهم، وثقه النسائي وغيره.
وغرض (٢) أبي داود من قوله: "قال أحمد إلى آخره" بيان الاختلاف في السندين بأن رواية أحمد فيها تصريح بالتحديث ورواية الحسن معنعنة، وبأن الأشعث في الثاني منتسب إلى أبيه دون الأول، ومما يجب التنبيه عليه أن النسائي أخرج هذه الرواية في "المجتبى" فقال: عن الأشعث بن عبد الملك، فالظاهر أنه سهو من الكاتب كما يدل عليه كلام الذهبي في "الميزان" (٣)، والصحيح النسخة التي كتبت على الحاشية.
(وقال الحسن) أي الشيخ الثاني للمصنف: (عن أشعث بن عبد الله) منسوبًا إلى أبيه بلفظ عن، أي قال الحسن: حدثنا عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن أشعث بن عبد الله.
(عن الحسن) البصري، (عن عبد الله بن مففل) (٤) بمعجمة وفاء ثقيلة مفتوحتين، ابن عبد نَهْم بفتح النون وسكون الهاء، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي، بايع تحت الشجرة، سكن المدينة، مات بالبصرة سنة ٥٧ هـ، وقيل بعدها.
стр. 258
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيْهِ" - قَالَ أَحْمَدُ: "ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيْهِ" -، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ" (١) [ت ٢١، ن ٣٦، جه ٣٠٤، حم ٥/ ٥٦، ق ١/ ٥٨، ك ١/ ١٦٧]
===
(قال) أي عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم في مستحمِّه) أي مغتسله، وفي معناه المتوضأ (ثم يغتسل (٢) فيه). قال القاري: والصواب أن النهي عن الجمع بدليل التعليل الآتي في نفس الحديث، ولأنه لو بال في المستحم ولم يغتسل فيه بأنه جعله مهجورًا من الاغتسال فيه، أو اغتسل فيه ابتداءً ولم يبل يجوز له ذلك.
(قال أحمد: ثم يتوضأ فيه)، وهذا بيان الاختلاف بين لفظَي أحمد بن حنبل والحسن، فإن أحمد قال: "ثم يتوضأ فيه"، وقال الحسن: "ثم يغتسل فيه"، ثم اتفقا وقالا (فإن عامة الوسواس منه) (٣) أي يحصل الوسواس من البول في المستحم ثم الغسل فيه أو الوضوء.
قال ابن الملك (٤): لأنه يصير ذلك الموضع نجسًا، فيقع في قلبه وسوسة، بأنه هل أصابه منه رشاش، أم لا؟ وقال ابن حجر: لأن ماء الطهارة حينئذ يصيب أرضه النجسة بالبول ثم يعود إليه، فكره البول فيه لذلك، ومن ثم لو كان أرضه بحيث لا يعود منه رشاش، أو كان له منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول لم يكره البول فيه، إذ لا يجر إلى وسواس لأمنه من عَود الرشاش إليه في الأول ويطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور يمر عليها.
стр. 259
٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنَا زُهَيْرٌ,
===
ويؤيده ما نقله ابن ماجه في "سننه" (١) عن علي بن محمد الطنافسي يقول: إنما هذا في الحفيرة، فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير، فإذا بال فأرسل عليه الماء لا بأس به، وكذلك ما حكى الترمذي عن عبد الله بن المبارك، قال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء (٢).
فما قال صاحب "غاية المقصود" وتبعه صاحب "عون المعبود": الأَولى أن لا يقيد المغتسل بلين ولا صلب، فإن الوسواس ينشأ منهما جميعًا فلا يجوز البول في المغتسل مطلقًا، غير صحيح، كيف؟ وقد قال قدوتهم وإمامهم العلامة الشوكاني (٣): وقد قيل: إنه إذا كان للبول مسلك ينفذ فيه فلا كراهة، وربط النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة، انتهى.
٢٨ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله بن يونس نسب إلى جده يونس بن عبد الله بن قيس الكوفي التميمي، ثقة حافظ، مات بالكوفة سنة ٢٢٧ هـ، وهو ابن أربع وتسعين، (ثنا زهير) مصغرًا، ابن معاوية بن حديج، بضم مهملة وفتح دال مهملة وبجيم، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلَّا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرةٍ (٤) بعد الاختلاط، وعاب عليه بعضهم أنه كان ممن يحرس خشبة زيد بن علي لما صلب، مات سنة ١٠٢ هـ أو بعدها.
стр. 260
عن دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ - وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ - قَالَ: "لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ
===
(عن داود بن عبد الله) الأودي، بمفتوحة فواو ساكنة فدال مهملة، منسوب إلى أود بن سعد الزعافري، بفتح الزاي والمهملة وكسر الفاء وراء، نسبة إلى الزعافر، بطن من أود، أبو العلاء الكوفي، ثقة، وهو غير عم عبد الله بن إدريس.
(عن حميد) مصغرًا (الحميري - وهو ابن عبد الرحمن -) الحميري (١) بكسر حاء وسكون ميم وفتح مثناة تحتانية، البصري، ثقة فقيه.
(قال) أي حميد: (لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه (٢) أبو هريرة) قال صاحب "درجات مرقاة الصعود" (٣): زاد البيهقي: "أربع سنين"، قلت: وكذا قال النسائي، قال ولي الدين: اختلف في من لم يسمه، فقيل: عبد الله بن سرجس، أو الحكم بن عمرو الغفاري، أو عبد الله بن مغفل المزني، حكاها ابن القطان بـ "بيان الوهم والإيهام"، انتهى.
قلت: لا خلاف في قبول ما لم يسم فيه الصحابي بعد ما علم أن المتروك هو الصحابي لا غير، إذ الصحابة كلهم عدول ولا خلاف لأحد فيهم.
стр. 261
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ أنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ في مُغْتَسَلِهِ". [ن ٢٣٨، حم ٤/ ١١١]
(١٦) بَابُ النَّهْيِ عنِ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ
٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ,
===
(قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط (١) أحدنا كل يوم) قال في "الدرجات": قال الشيخ ولي الدين: هو نهي تنزيه لا تحري, لأنه من باب ترفه وتنعم، فيجتنب، ولا فرق به بين رأس ولحية، قال: فإن قلت: روى الترمذي في "شمائله" (٢) عن أنس: "كان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته", قلت: لا يلزم من إكثاره فعله كل يوم، بل الإكثار يصدق على شيء يفعل بقدر حاجة إليه (٣) (أو يبول في مغتسله) وقد مرَّ شرحه فيما تقدم.
(١٦) (بابُ النَّهْيِ عَنِ البَوْلِ في الجُحْرِ)
بتقديم الجيم على الحاء
٢٩ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ثنا معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله، واسمه سنبر الدستوائي البصري، سكن اليمن ثم البصرة، صدوق ربما وهم، قال الدوري عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وقال ابن عدي: أرجو أنه صدوق وربما يغلط، وقال الحميدي بمكة لما قدم معاذ بن هشام: لا تسمعوا من هذا القدري، مات سنة ٢٠٠ هـ.
стр. 262
حَدَّثَثِي أَبِي، عن قَتَادَةَ، عن عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَالَ في الْجُحْرِ"، قَالَ: قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: إِنَّهَا
===
(حدثني أبي) هو هشام (١) بن أبي عبد الله سنبر، بمهملة ثم نون ثم موحدة كجعفر، أبو بكر البصري الدستوائي، بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم مد، كان يبيع الثياب التي تجلب من دستواء، وهي من كورة الأهواز، ثقة ثبت، وقد رُمي بالقدر، مات سنة ١٥٤ هـ وله ثمان وسبعون سنة.
(عن قتادة (٢)، عن عبد الله بن سرجس) (٣) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة، المزني، حليف بني مخزوم، صحابي، سكن البصرة (٤). (قال) أي عبد الله: (إن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر) هو بضم جيم وسكون حاء مهملة، ثقب في الأرض تحتفره الهوام والسباع لأنفسها. (قال) أي هشام: (قالوا) أي الناس (لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ ) ولفظة "ما" استفهامية، أي: لِمَ يُكره؟ ولفظة "من" زائدة، أو "ما" موصلة مبتدأ، ولفظة "من" بيانية لـ "ما"، و"يكره" صلة، والخبر مقدر: الذي يكره من البول في الجحر لماذا؟ (قال) أي قتادة: (كان يقال: إنها) وتأنيث
стр. 263
مَسَاكِنُ الجِنِّ. [ن ٣٤، حم ٥/ ٨٢، ق ١/ ٩٩، ك ١/ ١٨٦]
(١٧) بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ
٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمِّدٍ النَّاقِدُ، ثنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ،
===
الضمير باعتبار أفراد الجنس أو لمراعاة الخبر (مساكن الجن) (١) بصيغة الجمع، والجن ها هنا ليس أحد الثقلين فقط، بل المراد ما يكون مستورًا عن أعين الناس من حشرات الأرض والهوام وغيرها.
ووجه الكراهة إما ما ذكره قتادة أو لأنه لعله يؤذي ما فيها من الهوام.
(١٧) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُل) من الدعاء وذكر الله تعالى (إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ)، أي من محل قضاء الحاجة
٣٠ - (حدثنا عمرو بن محمد) بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي، نزيل الرقة، ثقة حافظ، وهم في حديث، ذكره في "التهذيب"، مات سنة ٢٣٢ هـ (٢)، (ثنا هاشم بن القاسم) بن مسلم الليثي، أبو النضر البغدادي الحافظ، خراساني الأصل، ولقبه قيصر، مشهور بكنيته، وثقه ابن المديني وابن سعد وأبو حاتم وابن قانع، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الحاكم: حافظ ثبت في الحديث، مات سنة ٢٠٧ هـ، وله ثلاث وسبعون سنة.
стр. 264
ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ
===
(ثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (١) الهمداني، أبو يوسف الكوفي، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، قال الحافظ في "التهذيب" (٢): وروى ابن البراء عن علي بن المديني: إسرائيل ضعيف، وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل وَرَدَّ به أحاديث من حديثه فما صنع شيئًا، وقال عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي: إسرائيل لص يسرق الحديث، مات سنة ١٦٠ هـ وقيل بعدها، قال في "الميزان" (٣): وكان إسرائيل مع حفظه وعلمه صالحًا خاشعًا لله كبير القدر.
(عن يوسف بن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، أخو بلال، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: ووثّقه العجلي (عن أبيه) هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الفقيه، اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، قال العجلي: كان على قضاء الكوفة (٤) بعد شريح، وكان كاتبه سعيد بن جبير، مات سنة ١٠٤ هـ، وقيل بعدها، وجاوز الثمانين.
(قال) أي أبو بردة: (حدثتني عائشة) (٥) - رضي الله تعالى عنها - (أن النبي ﷺ كان (٦) إذا خرج من الغائط)، وفي الترمذي: "إذا خرج من
стр. 265
قَالَ: "غُفْرَانَكَ". [ت ٧، جه ٣٠٠، دي ٦٨٠، ق ١/ ٩٨، ك ١/ ١٥٨، حم ٦/ ١٥٥]
(١٨) بَابُ كَرَاهِيَّةِ مَسِّ الذَّكَر بِاليَمِينِ في الاستِبْرَاءِ
===
الخلاء" (قال: غفرانك) نصبه بإضمار فعل مقدّر، قيل: التقدير اغفر غفرانك، أو أسألك غفرانك.
وفي مناسبة هذا القول بالخروج عن الخلاء قولان؛ أحدهما: أنه استغفر من ترك (١) الذكر مدة مكثه هناك، فإنه كان يذكر الله تعالى في كل أحيانه إلَّا عند الحاجة، وثانيهما: أنه ﷺ خاف تقصيره عن شكر هذه النعمة الجليلة، إذ أطعمه تعالى فهضمه فسهل خروجه، ورأى شكره قاصرًا عن بلوغ حق هذه النعمة، فلجأ إلى الاستغفار اعترافًا بالقصور (٢)، والأفضل أن يقول بعده ما ورد في رواية أخرى: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، وفي بعض الآثار: "الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى لي ما ينفعني".
(١٨) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ مَسِّ الذَّكَرِ بِاليَمِينِ في الاسْتِبْرَاءِ) (٣)
أي في الاستنجاء، وكذا الحكم في غيره من محل النجاسات يكره أن يستعمل يده اليمنى فيها
стр. 266
٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: ثَنَا أَبَانُ، ثَنَا يَحْيَى، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّه ﷺ : "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ ,
===
٣١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا) أي مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل: (ثنا أبان) بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة، كان يرى القدر ولا يتكلم فيه، وقد ذكره ابن الجوزي في "الضعفاء"، مات في حدود سنة ١٦٠ هـ، (ثنا يحيى) بن أبي كثير.
(عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري السلمي، أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى المدني، ثقة، مات سنة ٩٥ هـ، (عن أبيه) هو أبو قتادة الأنصاري السلمي، ولا يعلم في الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه، فارس (١) رسول الله ﷺ ، اسمه على المشهور الحارث بن ربعي، بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة، المدني، شهد أحدًا وما بعدها , ولم يصح شهوده بدرًا، مات سنة ٥٤ هـ (٢)، وهو ابن سبعين سنة (٣).
(قال) أي أبو قتادة: (قال نبي الله ﷺ : إذا بال أحدكم فلا يمسّ (٤) ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسَّح بيمينه)، قال العيني (٥): النهي فيه للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية.
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الحافظ في شرحه على "البخاري" (١): وقد أثار الخطابي ها هنا بحثًا وبالغ في التبجح به، وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه ناظر رجلًا من الفقهاء الخراسانيين، فسأله عن هذه المسألة، فأعياه جوابها، ثم أجاب الخطابي عنه بجواب فيه نظر، ومحصل الإيراد أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، ومحصل الجواب أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار، ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فيلصق مقعدته بالأرض، ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره، فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه، انتهى.
وهذه هيئة منكرة بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات.
وقد تعقبه الطيبي بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر، فبطل الإيراد من أصله، كذا قال، وما ادّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصًا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلَّا ما خُصّ.
والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي في "الوسيط"، والبغوي في "التهذيب": أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارة غير متحركة، فلا يُعَدُّ مستجمرًا
стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
باليمين ولا ماسًّا بها، ومن ادّعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمينه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء، انتهى كلام ابن حجر ﵁.
قلت: وأنا أتعجب من هؤلاء الكبراء الذين تحيَّروا من هذا الاعتراض، كأنهم استحالوا أخذ الحجر والذكر بيساره، وظنوا أنه لا يمكن عندهم أن يستنجي رجل بأن يأخذ حجرًا أو مدرًا بيساره ويضع عليه ذكره ويسحقه عليه، وفي زماننا وبلادنا جميع الأطفال والشيوخ والشبان كلهم يستنجون بيسارهم بأخذ المدر والذكر بيسارهم، ولا يخطر في بالهم هذا الإشكال، وهذا في المدر ظاهر، فإنه ينشف البول دفعة واحدة، وأما في الحجر فيمكن أن يكون الحجر صلبًا لا ينشف الماء، فحينئذ يمكن أن يستنجي بحجر واحد، ثم إذا بقي بقية من البول يزيله بآخر، ثم آخر، ولا يحتاج أن يمسك ذكره بيمينه أو أن يستنجي به، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، فبطل الإيراد من أصله.
وهذا الإيراد والجواب عنه حكيناه لغرابته، وإلَّا فلا ينبغي أن يذكر في الكتب مثل هذه المباحث الواهية، فإنه يرده ما فعله رسول الله ﷺ من الاستنجاء، فإن رسول الله ﷺ دعا للاستنجاء بثلاثة أحجار، ولم يثبت عنه ﷺ أنه استنجى بالجدار أو بحجر ثقيل لا يتحرك ولم يلصق مقعدته بالأرض، فهذه الأشكال والطرق كلها ظنون فاسدة لا يليق أن يلتفت إليه.
وأما ما قال: إن الصواب ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي والبغوي من أنه يأخذ الذكر بيساره وُيمِرُّه على ما يستنجى به من الحجر والمدر بعد ما أمسكه بيمينه أيضًا، بعيد، فإنه أيضًا في هذه الصورة
стр. 269
وَإِذَا شَرِبَ فَلَا يَشْرَبْ نَفَسًا وَاحِدًا ". [خ ١٥٣، م ٢٦٧، ت ١٥، ن ٢٤ - ٢٥، جه ٣١٠]
===
مستعمل يده اليمنى في النجاسة بأخذ الحجر النجس بيمينه، وأما في صورة الاستنجاء بالماء في صب الماء باليمنى، فليس فيه استعمال اليمنى في النجاسة، فالقياس عليه قياس مع الفارق، ولو سُلِّم أنه في هذه الصورة غير مستنج باليمين، فهذا مختص بصورة لا يمكن أن تحصل بدون استعمال اليمنى كما في التطهير بالماء، وأما في صورة يمكن أن تحصل باليسرى فقط، فلا نُسَلّمُ أنه يجوز استعمال اليمنى فيها، والله أعلم بالصواب.
فإن قلت: الحديث يقتضي النهي عن مسِّ الذكر باليمين حالة البول، فكيف الحكم في غير هذه الحالة؟ قلت: أخرج أبو داود (١) بسند صحيح عن حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه"، وظاهر هذا يدل على عموم الحكم (٢)، كذا في "العيني" (٣).
(وإذا شرب فلا يشرب (٤) نَفَسًا واحدًا)، نقل الشارح عن الطيبي: لأنه إن استوفى رِيّه نفسًا واحدًا تكاوس الماء بموارد حلقه وأثقل معدته، وإذا قطع شربه بأنفاس ثلاثة كان أنفع لِريّه، وأخفّ لمعدته، وأحسن أدبًا، وأبعد من فعل ذي شره، انتهى.
قلت: وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي بلفظ: "إذا
стр. 270
٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدم بْنِ سُلَيْمَانَ المصيصيُّ، نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نَا أَبُو أَيُّوبَ - يَعْنِي الإِفْرِيقِيَّ - عن عَاصمٍ، عن الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافعٍ وَمَعْبَدٍ ,
===
شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء"، فخالفهم أبو داود في سياق هذه الجملة، وقال: "وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا".
٣٢ - (حدثنا محمد بن آدم بن سليمان) الجهني (المصيصي) قال في "القاموس": والمَصِيْصَة كسفينة: القصعة، وبلدة بالشام، ولا تُشَدَّدُ، وقال السمعاني في "الأنساب" (١): المِصيصي بكسر الميم والتحتانية بين الصادين المهملتين، والأولى مشددة، هذه النسبة إلى بلدة كبيرة على ساحل بحر الشام، يقال لها المِصيصة، وقد استولى الفرنج عليها وهي في أيديهم إلى الساعة، واختلف في اسمها، والصحيح الصواب المشدد بكسر الميم، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: صدوق لا بأس به، كان يقال: إنه من الأبدال، مات سنة ٢٥٠ هـ.
(نا ابن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا، (نا أبو أيوب - يعني الأفريقي -) هو عبد الله (٢) بن علي الإفريقي الكوفي الأزرق، قال أبو زرعة: ليّن، في حديثه إنكار، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، فما قال صاحب "غاية المقصود": إنه عبد الرحمن بن زياد فغلط.
(عن عاصم) بن بهدلة، (عن المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأَعمى، ثقة، قال الدوري: لم يسمع من أحد من الصحابة إلَّا من البراء وأبي إياس، مات سنة ١٠٥ هـ (ومعبد) بن خالد بن
стр. 271
عن حَارِثَةَ بْنِ وَهْب الخُزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْعَلُ يمينه لطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثيَابِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ". [حم ٦/ ٢٨٧، ك ٤/ ١٠٩، حب ٥٢٢٧]
===
مُرير بمهملتين مصغرًا، الجدلي بفتح الجيم، من جديلة قيس، الكوفي القاص، ثقة، مات سنة ١١٨ هـ.
(عن حارثة بن وهب الخزاعي) أخو عبيد الله بن عمر لأمه، اسم أمه أم كلثوم بنت جرول الخزاعية، له صحبة، نزل الكوفة (١) (قال) أي حارثة: (حدثتني حفصة زوج النبي ﷺ ) وهي بنت عمر بن الخطاب ﵁ أم المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث، وماتت سنة ٤٥ هـ، أو إحدى وأربعين (٢).
(قالت) أي حفصة: (إن النبي ﷺ يجعل (٣) يمينه لطعامه وشرابه)، أي يأخذ الطعام والشراب بيده اليمنى ويأكل ويشرب بها، (وثيابه) قال الشارح: قال وليُّ الدين: يحتمل أنه أراد [أن] يأخذ بها ثيابه للباسه كأخذه بها طعامه لأكله، أو أنه يبدأ باللباس ميامنه أولًا قبل مياسره، (ويجعل شماله لما سوى ذلك) من الخلاء وما كان من أذى، كما يأتي في الحديث الآتي.
وقال النووي (٤): هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أنَّ ما كان من باب التكريم والتشريف - كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل
стр. 272
٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن أَبِي مَعْشَرٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتْ يَدُ رَسُولِ الله ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذى". [حم ٦/ ٢٦٥، ق ١/ ١١٣]
===
الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك بما هو في معناه - يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده - كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك - فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها، انتهى.
٣٣ - (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع الحلبي، سكن طرسوس، ثقة حجة عابد، مات سنة ٢٤١ هـ، (نا عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة) اسمه سعيد، (عن أبي معشر) زياد بن كليب الحنظلي الكوفي، وثقه العجلي والنسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين في حفظه، مات سنة ١١٩ هـ.
(عن إبراهيم) بن يزيد (١)، (عن عائشة) ﵂ (قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه) وغير ذلك من الأفعال الشريفة (وكانت يده اليسرى لخلائه) أي لاستنجائه في الخلاء (وما كان من أذى) فيستخدم اليسرى لذلك، سواء كان من النجاسة أو غيرها بما يستقذره الطبع.
стр. 273
٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ابْنُ عَطَاءٍ، عن سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. [انظر الحديث السابق]
===
٣٤ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع) بفتح الموحدة وكسر الزاي، أبو بكر البصري، ويقال: أبو سعيد، روى عنه البخاري وغيره، قال النسائي: ثقة، مات سنة ٢٤٩ هـ، (نا عبد الوهاب بن عطاء) الخفاف، أبو نصر، العجلي مولاهم، البصري، سكن بغداد، ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العباس، يقال: دَلَّسه عن ثور. قال البخاري وغيره: ليس بالقوي عندهم، وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، قال عثمان بن أبي شيبة: عبد الوهاب بن عطاء ليس بكَذَّاب، ولكن ليس ممن يُتَّكل عليه، مات سنة ٢٠٤ هـ وقيل بعدها.
(عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن، خال إبراهيم النخعي، مخضرمٌ، ثقة، مُكثر، فقيه، زاهد، مات سنة ٧٥ هـ.
(عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث السابق، ومراده أنه موافق للرواية السابقة في المعنى دون اللفظ.
وهذه الرواية تدل على أن في الرواية المارة انقطاعًا (١) بين إبراهيم النخعي وبين عائشة ﵂.
стр. 274
(١٩) بَابٌ: في الاِسْتِتَارِ في الْخَلاءِ
٣٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن ثَوْرٍ، عن الْحُصَيْنِ الْحُبْرَانِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ،
===
(١٩) (باب: في الاسْتِتَارِ (١) في الخَلَاءِ)
٣٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي، أبو إسحاق (الرازي) الفراء المعروف بالصغير, ثقة حافظ، فكان أحمد ينكر على من يقول له: الصغير, مات بعد سنة ٢٢٠ هـ، (نا عيسى بن يونس، عن ثور) بن يزيد بن زياد الكلاعي، ويقال: الرحبي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، إلَّا أنه يرى القدر، وكان جده قتل يوم صفين مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر عليًا قال: لا أحب رجلًا قتل جدي، وقال أبو مسهر: كان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه، مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها.
(عن الحصين) مصغرًا (الحبراني) (٢) ويقالى له: الحميري، وحبران بضم المهملة وسكون الموحدة: بطن من حمير، ويقال: إنه حصين بن عبد الرحمن، روى عن أبي سعيد الحبراني، ويقال: عن أبي سعيد الحمصي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي: لا يعرف (٣).
(عن أبي سعيد) (٤) هو الحبراني الحميري الحمصي، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، ويقال: إنهما اثنان، قيل: اسمه زياد، ويقال: عامر، ويقال: عمر بن سعد، روى عن أبي هريرة حديث "من اكتحل فليوتر"،
стр. 275
عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ،
===
الحديث، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أبو سعيد الحبراني، سألت أبا زرعة عنه، فقال: لا أعرفه، فقلت: ألقي أبا هريرة؟ فقال: على هذا يوضع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: أبو سعد من أصحاب النبي ﷺ .
قلت: الصواب التفريق بينهما، فقد نص على كون أبي سعد الخير صحابيًا: البخاري وأبو حاتم وابن حبان والبغوي وابن قانع وجماعة، وأما أبو سعيد الحبراني، فتابعيّ قطعًا، وإنما وهم بعض الرواة وقال في حديثه: عن أبي سعد الخير، ولعله تصحيف وحذف. كذا في "تهذيب التهذيب" (١).
(عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من اكتحل فليوتر) أي: من أراد الاكتحال فيستحب له أن يختار الوتر، وهذا بطريقين (٢)؛ أحدهما: أن يكون الاكتحال في كل واحد من العينين وترًا، مثلًا يكون ثلاثًا في هذه وثلاثًا في هذه (٣)، والثاني: أن يحصل الإيتار في مجموع العينين، مثلًا يكون ثلاثة في اليمنى واثنين في اليسرى (٤) ليكون المجموع وترًا، والتثليث علم من فعله ﷺ ، ففي "شمائل الترمذي": "أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه".
стр. 276
مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حرَجَ ,
===
(من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (١) يدل على استحباب الإيتار في الأمور. (ومن استجمر) أي استنجى بحجر، فعلى هذا فالاستجمار التمسح بالجمار (٢) وهي الأحجار الصغار، أو المراد بالاستجمار (٣) التبخر، كما يكون في الأكفان، (فليوتر) بواحدة أو ثلاث أو خمس أو سبع. (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (٤)، وهذا يدل دلالة واضحة على جواز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وعدم شرط الإيتار، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁.
قلت: هذا يدل على أن الإيتار أمر مندوب إليه، وهذا أمر متفق عليه، ولا يدل على وجوب التثليث بل يدل على عدم وجوبه، فإنه إذا استنجى بحجر واحد يكون ممتثلًا بهذا الحديث قطعًا، وكذلك الجزء الثاني يدل على أن من ترك الاستنجاء بالوتر، سواء كان واحدًا أو ثلاثة، واستنجى بحجرين، فلا حرج فيه، فلو كان التثليث واجبًا لا يصح أن يقال: "لا حرج" في تركه.
ثم نقول: ما المراد بقوله ﷺ : "فليوتر"؟ إما الإيتار بواحد أو ثلاثة
стр. 277
وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظ، وَمَا لَاكَ بلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أًتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ،
===
أو ما هو فوق الثلاث عندكم، فلا جائز أن يكون المراد واحدًا, لأنه يستلزم جواز الاستنجاء بواحد وهو خلاف المذهب، ولا جائز أن يكون المراد عدد الثلاث, لأنه يخالفه قوله: "من فعل فقد أحسن" ... إلخ، فإنه يدل على عدم وجوب التثليث وهو خلاف المذهب، ولا جائز أن يكون المراد ما فوق الثلاث, لأن الزيادة على الثلاث ليس بمندوب إليها، بل هو أمر ضروري نادر الوقوع، مثلًا إذا كان رجل في حالة لا يكفيه ثلاثة أحجار، ويضطرُّ إلى الزيادة عليها، فحينئذ يستحب له الإيتار، لكن لندرة وقوعه لا يصح أن يكون محملًا للحديث، فثبت بهذا أن الأمر بالتثليث في الاستنجاء للندب، كما أن الأمر بالإيتار للندب، فإن التثليث داخل في الإيتار.
(ومن أكل فما تخلل) أي ما أخرجه بالخلال من بين أسنانه (فليلفظ) أي فَلْيَرْم وليطرح، (وما لاك) أي ما أخرجه (بلسانه) أي بإدارة لسانه (فليبتلع). قال المظهر: إنما أمر بطرح ما تخلل؛ لأنه ربما يخرج مع الخلال دم، وأما ما لاك بلسانه فهو في حكم اللقمة، فإنها تبتلع بعد إدارة اللسان إياها في جوانب الفم وأطرافه.
(من فعل فقد أحسن) لأنه اختار الأحوط (ومن لا فلا حرج) لأنه لم يتيقن خروج الدم معه، وإن تيقن كره أكله.
(ومن أتى الغائط) أي الخلاء (فليستتر) (١) أمر بالتستر ما أمكن، حيث لا يكون قعوده بمكان يقع عليه أبصار الناظرين فيتهتك الستر، وأما إذا كان قعوده بمرأى من الناس أو بممرهم فليس فيه هذا الحكم،
стр. 278
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدم، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ". [جه ٣٣٧، حم ٢/ ٣٧١، دي ٦٦٢، ق ١/ ١٠٤، حب ١٤٠٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، عن ثَوْرٍ قَالَ: "حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ"، قَالَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عن ثَوْرٍ فَقَالَ: "أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ".
===
بل الاستتار إذ ذاك حتم. (فإن لم يجد إلَّا أن يجمع كثيبًا) وهو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير (من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب) أي إذا لم يستتر (بمقاعد بني آدم) المقاعد جمع مقعدة، هي أسفل البدن ومحل القعود وكلاهما محتمل ها هنا، أي يتمكن من وسوسة الغير إلى النظر إلى مقعده. (من فعل) أي جمع الكثيب وتستر (فقد أحسن ومن لا فلا حرج) أي إذا لم يره أحد، وأما عند الضرورة فالحرج على من نظر إليه.
(قال أبو داود: رواه أبو عاصم) هو ضحاك بن مخلد الملقب بالنبيل (١) البصري، ثقة ثبت، مات ٢١٢ هـ أو بعدها، (عن ثور قال) أي أبو عاصم: (حصين الحميري) بدل الحبراني. غرض أبي داود بهذا بيان الاختلاف بين رواية عيسى بن يونس ورواية أبي عاصم، فإن عيسى قال: عن الحصين الحبراني، وقال أبو عاصم: الحميري، وكلاهما صحيح كما مر، فإن حبران بطن من حمير.
(قال) أي أبو داود: (ورواه عبد الملك بن الصباح) المسمعي، أبو محمد الصنعاني، ثم البصري، صدوق، مات سنة ٢٠٠ هـ أو قبلها، (عن ثور فقال: أبو سعيد الخير) يعني: أن رواية عيسى بن يونس فيها عن
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبي سعيد من غير زيادة عليه، وفي رواية عبد الملك بن الصباح بزيادة لفظ الخير، أخرج رواية عبد الملك بن الصباح ابن ماجه، لكن فيها أبو سعد الخير بدون الياء بزيادة لفظ الخير.
وبالجملة فها هنا اختلافات ثلاثة؛ الأول: أنه أبو سعيد بالياء أو أبو سعد بغير الياء، والثاني: هل هو صحابي أو ليس بصحابي. والثالث: أنه ملقب بالخير أو لا.
فأما الاختلاف الأول، فقال الحافظ في "تهذيب التهذيب"، ونسب إلى أبي داود وابن ماجه فقال: أبو سعيد الحبراني الحميري الحمصي، ويقال: أبو سعد الخير الأنماري، ويقال: إنهما اثنان، ثم قال: قلت: الصواب التفريق بينهما، فقد نص على كون أبي سعد الخير صحابيًّا: البخاري وابن حبان وجماعة، وأما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا، وقال في "تقريب التهذيب" (١): أبو سعيد الحبراني، - ونسبه إلى أبي داود وابن ماجه -، الحمصي، اسمه زياد، مجهول، من الثالثة، ثم قال: وأبو سعيد الخير الأنماري، صحابي، له حديث، وقد وهم من خلطه بالذي قبله، ووهم أيضًا من صحّف الذي قبله به.
وقال في "ميزان الاعتدال" (٢): أبو سعيد، - ونسبه إلى أبي داود وابن ماجه -، الحبراني، حمصي، ويقال: أبو سعد الأنماري، والظاهر أنهما اثنان. وقال صاحب "درجات مرقاة الصعود": قال ولي الدين: ما بأصلنا من "سنن أبي داود" بسكون عينه كـ "سُنن ابن ماجه" و"البيهقي" و"صحيح ابن حبان"، وقالوا: سعد الخير، ويعلل الدارقطني أن
стр. 280
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ هُو مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
===
عبد الملك بن الصباح والحسن بن علي عن أبي عاصم قالا عن ثور: أبو سعد بسكون عينه، وأن عيسى بن يونس قال عن ثور: أبو سعيد، كأمير، وأنه الصحيح، وقال النووي: المشهور فيه أبو سعيد، كأمير، انتهى.
فهذه العبارات تدل على أن الظاهر أنه أبو سعيد، كأمير.
وأما الاختلاف الثاني: فيكفي لدفعه ما قال الحافظ: وأما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا، فقول البعض بكونه صحابيًا ليس بصحيح.
وأما الاختلاف الثالث: فيتكفل لدفعه ما قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": وإنما وهم بعض الرواة فقال في حديثه: عن أبي سعد الخير، ولعله تصحيف وحذف، انتهى.
فالتصحيف فيه في الجزء الأول بتبديل أبي سعيد بصورة أبي سعد، والحذف في الجزء الثاني، وكان في الأصل الحبراني فحذف الجزء الآخِر وأبقى لفظ الخير، أو يقال: إن التصحيف والحذف في كلا جزئيه، فالتصحيف والحذف في الجزء الأول بحذف الياء، وفي الجزء الثاني بجعل الحاء المهملة خاء معجمة، وجعل الباء الموحدة ياء تحتانية، وحذف الألف والنون والياء من آخرها، فعلم من هذا أن أبا سعيد هذا الذي يروي عن أبي هريرة لا يلقب بالخير.
وأما ما (قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ ) فغرضه بهذا الكلام دفع اشتباه يمكن أن يقع لبعضهم أن أبا سعيد الذي يروي عن أبي هريرة لعله يشتبه على بعضهم أنه صحابي يروي عن صحابي، فدفع ذلك الاشتباه بأن أبا سعيد الخير هو آخر (١) من أصحاب النبي ﷺ ,
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما هذا فليس بصحابي، وليس يلقب بالخير، بل هو أبو سعيد كما بيناه في رواية عيسى بن يونس عن ثور.
وأما ما قال صاحب "غاية المقصود": لكن يقال: إن أبا عاصم النبيل وعبد الملك بن الصباح اتفقا عن ثور بن يزيد على هذا اللفظ، يعني أبا سعيد الخير، فهو مقدم على رواية عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد فإنه متفرد.
فجوابه: أن هذا لا يلزم أبا داود، فإن أبا داود ذكر الاختلاف بين رواية أبي عاصم وبين رواية عيسى بن يونس، فقال: رواه أبو عاصم عن ثور قال: حصين الحميري، وغرضه أن أبا عاصم خالف عيسى بن يونس في قوله: الحميري، فإن عيسى بن يونس قال: الحبراني، وليس فيه إلَّا اختلاف في اللفظ، وأما في المعنى فليس فيه شائبة الاختلاف, لأن حبران بطن من حمير، فكونه حبرانيًا، وكونه حميريًا، كلاهما صحيح، ولم يذكر أبو داود في رواية أبي عاصم الاختلاف بزيادة لفظ "الخير".
فلو كان عند أبي داود رواية أبي عاصم مخالفة لرواية عيسى بن يونس بزيادة لفظ "الخير" لَذَكر لا محالة، وكذلك الاختلاف الذي وقع في رواية عبد الملك بن الصبّاح، عن (١) رواية عيسى بن يونس بزيادة لفظ "الخير"، فنسبه أبو داود إلى عبد الملك بن الصبّاح، فلو كان أبو عاصم متفقًا مع عبد الملك بن الصباح في زيادة لفظ "الخير" لذكره معه أبو داود ها هنا لا محالة.
فعلم بهذا أن هذه الزيادة مقصورة على رواية عبد الملك، وليس هذه الزيادة في رواية أبي عاصم، فلا يلزم هذا الإلزام على أبي داود، والله تعالى أعلم.
стр. 282
(٢٠) بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُستَنْجَى بِهِ
٣٦ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَوْهِبٍ الْهَمَدَانِيُّ، أَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِي ابنَ فَضَالَةَ الْمِصْرِيَّ -، عَنْ عَيَّاشِ ابْنِ عَبَّاًسٍ الْقتْبَانِيِّ، أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ
===
(٢٠) (بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُستَنْجَى بِهِ)
يعني: الغرضُ بعقد هذا الباب بيان الأشياء التي نهى عنها رسول الله ﷺ أن يستنجي بها أحد من الناس.
٣٦ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني) (١) قال في "التقريب" و"تهذيب التهذيب": يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب (٢) بفتح الهاء، الهمداني، أبو خالد الرملي، ثقة عابد، مشهور بكنيته، مات سنة ٢٣٢ هـ، (أنا المفضل، يعني ابن فضالة) بن عبيد بن ثمامة القتباني، أبو معاوية، (المصري) قاضيها، ثقة فاضل عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، مات سنة ١٨١ هـ.
(عن عياش بن عباس القتباني) بكسر القاف وسكون المثناة، الحميري، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة، مات سنة ١٣٣ هـ، قال في "الأنساب" (٣): وقتبان في اليمن: بطن من رعين، والمنتسب إليه عياش بن عباس القتباني. (أن شييم) بكسر أوله ويقال بضمه وفتح تحتانية وسكون مثلها (ابن بيتان) بلفظ تثنية بيت، القتباني البلوي البصري، ثقة، (أخبره) أي عياش بن عباس (عن شيبان القتباني) هو شيبان بن أمية، أو ابن قيس،
стр. 283
قَالَ: إِنَّ مَسْلَمَة بْنَ مُخَلَّدٍ اسْتَعْمَلَ رُويفِعَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى أَسْفَلِ الأَرْضِ ,
===
أبو حذيفة المصري، مجهول، وفي "الأنساب": شيبان بن أبي أمية القتباني، أبو حذيفة، شهد فتح مصر، روى عن رويفع بن ثابت وأبي عمرة المزني، روى عنه شييم بن بيتان وبكر بن سوادة الجذامي.
(قال) أي شيبان: (إن مسلمة (١) بن مُخَلَّدٍ) كمحمد، الأنصاري الزرقي، سكن مصر، وكان واليًا عليها أيام معاوية (٢)، قال علي بن رباح عن مسلمة: ولدت (٣) حين قدم النبي ﷺ المدينة، ومات وأنا ابن عشر سنين، قال البخاري: له صحبة، وقال الواقدي: رجع إلى المدينة أيام معاوية فمات بها، وقال ابن حبان: مات بمصر، وقال ابن عبد البر: كانت مدة ولايته على مصر والإفريقية ست عشرة سنة، مات سنة ٦٢ هـ.
(استعمل) أي جعل عاملًا وأميرًا (رويفع (٤) بن ثابت) بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، وأمّره معاوية على طرابلس سنة ٤٦ هـ، وولي إمرة برقة، وتوفي فيها، قال أحمد بن البرقي: توفي ببرقة، وقد رأيت قبره، وكذا قال ابن يونس، وزاد: سنة ٥٦ هـ، وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلّد.
(على أسفل الأرض) (٥) قال صاحب "الدرجات": قال المنذري:
стр. 284
قَالَ شَيْبَانُ: فَسِرْنَا مَعَهُ مِنْ كُومِ شَرِيكٍ إِلَى عَلْقَمَاءَ، أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ إِلَى كُومِ شَرِيكٍ، يُرِيدُ عَلْقَامَ ,
===
هو الوجه البحري من مصر، وقال بعضهم: أو أراد المغرب، فولاية رويفع المغرب مشهورة، وولايته للوجه البحري لا تكاد تعرف.
(قال شيبان: فسرنا معه من كوم (١) شريك) ذكر ابن يونس أنه بطريق الإسكندرية، وشريك كأمير، هو ابن سميّ المرادي الغطيفي، صحابي، شهد فتح مصر (٢)، وإنما أضيف له كوم إذ عمرو بن العاص لما سار لفتح الإسكندرية، وشريك على مقدمته خرج عليهم جمع عظيم من الروم، فخافهم على أصحابه، فلجأ إلى الكوم ودافعهم، وكوم كحوت، وهو المشهور، وضبطه بعض الحفاظ بالفتح، (إلى علقماء) (٣) ضبطه صاحب "درجات مرقاة الصعود" بعين فلام فقاف فمد كبيضاء، موضع في أسفل ديار مصر، وأما في النسخ الموجودة عندنا من المكتوبة والمطبوعة الهندية والمصرية فبزيادة الميم بعد القاف.
(أو من علقماء إلى كوم شريك) هذا شك من الراوي، ولم يتعين الشاك، فيمكن أن يكون شيبان أو غيره، والمراد به أن ابتداء السير كان من كوم شريك، أو من علقماء، وكان مصاحبتنا له منتهيًا إلى علقماء إن كان ابتداء السير من كوم شريك، وإلى كوم شريك إن كان ابتداء السير من علقماء، وكان رويفع بن ثابت ﵁ (يريد علقام) وهو موضع آخر غير علقماء.
стр. 285
فَقَالَ رُويفِعُ: إِنْ كَانَ أَحَدُنَا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّه ﷺ لَيَأخُذَ نِضْوَ أَخِيهِ عَلَى أَنَ لَهُ النّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ وَلَنَا النِّصْفَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ والرِّيشُ وَللآخَرِ الْقِدْحُ،
===
(فقال رويفعُ: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ) لفظة "إن" مخففة من الثقيلة، ولام (ليأخذ) فارقة (نضو) هو بكسر نون وسكون معجمة فواو، بعير مهزول، وقال في "لسان العرب": النِضْوُ: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها، (أخيه) المراد بالأخ الأخ في الدين، (على) شرط (أن له النصف بما يغنم ولنا النصف) وفي بعض النسخ: "وله النصف"، يعني يكون معاملة الشركة (١) بينهما على أن لصاحب البعير المهزول نصف الغنيمة حصة بعيره، ولآخذ البعير الذي يغزو عليه النصف لغزوه.
(وإن) مخففة (كان أحدنا ليطير له) اللام فارقة، ومعنى "ليطير" (٢) ليحصل في القسمة (النصل) حديدة السهم (والريش وللآخر القدح) (٣) بكسر القاف وسكون الدال كسِدْرِ، خشب السهم قبل أن يراش ويركب نصله، يعني: يحصل في الغنيمة شيء قليل، ففي بعض الأحيان يحصل سهم واحد فنقسمه بيننا، فيأخذ أحدنا القدح، والآخر النصل والريش.
وغرض رويفع ﵁ من هذا الكلام بيان حال ابتداء