. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة:
منها: ما رواه أبو سعيد قال ﷺ : "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب وسورة معها"، رواه ابن عدي في "الكامل"، وفي لفظ: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ الفاتحة وما تيسر"، وفي لفظ: "لا تجزئ صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها"، وفي لفظ: "وسورة في فريضة أو في غيرها".
ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو في غيرها".
وروى أبو داود من حديث أبي نضرة عنه قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر"، ورواه أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما".
وروى ابن عدي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ المكتوبة إلَّا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا".
وروى أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها".
وقد عمل أصحابنا بكل الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها , لأن هذه الأخبار أخبار آحاد، فلا تثبت بها الفريضة، وليس الفرض عندنا إلَّا مطلق القراءة لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، وقلنا: إن قوله: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب"، مثل معنى قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد"، وصح عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك.
стр. 2242
قَالَ سُفْيَانُ: لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ. [خ ٧٥٦، م ٣٩٤، ن ٩١٠، ت ٢٤٧، حم ٥/ ٣١٤، جه ٨٣٧]
٨٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
===
وأما استدلال الإِمام الشافعي ﵀ بقول أبي هريرة فليس بسديد، لأنه قد تقدم قريبًا أنه ليس بحديث مرفوع ولا في حكم الرفع، بل هو قول أبي هريرة فقط، فلا حجة فيه.
(قال سفيان) أي ابن عيينة، وهذا الحكم أي نفي الصلاة بعدم القراءة بفاتحة الكتاب فصاعدًا (لمن يصلي وحده)، فأما إذا كان مقتديًا بإمام فليس له هذا الحكم، بل يكفيه قراءة إمامه، قال الخطابي (١): هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلَّا بدليل.
قلت: والدلائل على تخصيصه كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢)، ومنها: ما رواه مسلم (٣) وغيره: "وإذا قرأ فأنصتوا"، ومنها: ما قال جابر: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلَّا وراء الإِمام (٤)، وهذا الحديث وإن كان موقوفًا لكنه في حكم المرفوع، ومنها: حديث جابر المرفوع: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة"، وإسناده صحيح (٥).
٨٢٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة (٦) بن
стр. 2243
الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ (١) اللَّهِ ﷺ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ, فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ, فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ » قُلْنَا: نَعَمْ, هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ,
===
الصامت قال: كنا خلف رسول الله ﷺ ) أي مقتدين به (في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ ، فثقلت عليه القراءة) لقراءة بعض أصحابه خلفه ﷺ (فلما فرغ) (٢) أي من الصلاة (قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ ) وهذا يدل على أن الصحابة يقرؤون خلف رسول الله ﷺ برأيهم بغير إذنه ﵇ وأمره (قلنا: نعم) أي نقرأ خلفك (هَذًّا) والهَذُّ سرعة القطع أي سريعًا (يا رسول الله ﷺ . قال) رسول الله ﷺ : (لا تفعلوا) أي قراءة القرآن إذا كنتم خلفي (إلَّا بفاتحة الكتاب) النهي للكراهة، فيكره القراءة وقت قراءة الإِمام للوسوسة، قال الخطابي (٣): يحتمل أن يكون النهي من الجهر، ويحتمل أن يكون من الزيادة على الفاتحة، كذا في "الأزهار": قال ميرك: أقول: الاحتمال الثاني أظهر بل الصواب، إذ لو كان المراد الجهر لم يستقم استثناء فاتحة الكتاب.
قلت: يؤيده الرواية الثانية الآتية، وينصره سؤاله ﵇ أيضًا، لأنه لو كانت قراءتهم جهرًا لما قال: "لعلكم تقرؤون"، لكن لا يفيد الأمر بالسر في القراءة للمأموم مع أنه المقصود في المقام، لئلا يتشوش الإِمام، انتهى ما قاله القاري (٤).
قلت: الذي يظهر من الروايات أنهم يقرؤون سرًّا بالهمس، ويخرج منهم
стр. 2244
فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا". [ت ٣١١، حم ٥/ ٣١٣، قط ١/ ٣٢٠، خزيمة ١٥٨١]
٨٢٣ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَزْدِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ, أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ, عَنْ مَكْحُولٍ,
===
صوت الهمس، فحصل به المنازعة في قراءة رسول الله ﷺ ، فنهاهم عن القراءة إلَّا بفاتحة الكتاب، والاستثناء بعد النهي يفيد الإباحة، فأباح لهم قراءة الفاتحة.
ووجه الفرق بين الفاتحة وغيرها من السور أن فاتحة الكتاب كثيرة الدوران على الألسنة لا تخلو عنها صلاة تكرر في الركعات كلها، فلهذا لا تقع المنازعة فيها، وأما السور الأخرى فليست كثيرة الدوران على الألسنة، فتقع المنازعة فيها، فنهاهم عنها، وأباح لهم الفاتحة، ثم لما كان لا يخلو قراءة الفاتحة أيضًا عن شيء من المنازعة نهاهم عنها أيضًا، وقال: "إذا قرأ فأنصتوا" فبهذا تتوافق الروايات.
(فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) أي لا صلاة موجودة بالوجود الشرعي لمن لم يقرأ بها، ويحتمل أن يكون معناه: لا صلاة موجودة بالوجود الحسي لمن لم يقرأ بها في الصلاة، والمعنى الثاني يناسب استثناء فاتحة الكتاب، ودليل عليه بأنه ليست صلاة خالية عن فاتحة الكتاب، فلكثرة قراءتها في الصلاة لا يقع المنازعة بها، والاحتمال الثالث في معنى هذه الجملة أن يقال: إن معنى قوله: لا صلاة أي لا صلاة كاملة إلَّا بفاتحة الكتاب، كما في قوله ﵇: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، ونظائره في الحديث كثيرة.
٨٢٣ - (حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي، نا عبد الله بن يوسف، نا الهيثم بن حميد) قال أبو داود: ثقة، قدري، وقال أبو مسهر الغساني: ضعيف، قدري، (أخبرني زيد بن واقد) الدمشقي، (عن مكحول)، قال الذهبي
стр. 2245
عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِىِّ, قَالَ نَافِعٌ: أَبْطَأَ عُبَادَةُ (١) عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ, فَأَقَامَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ, فَصَلَّى أَبُو نُعَيْمٍ بِالنَّاسِ, وَأَقْبَلَ عُبَادَةُ (٢) وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى صَفَفْنَا خَلْفَ أَبِى نُعَيْمٍ, وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ, فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لِعُبَادَةَ: سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ. قَالَ: أَجَلْ,
===
في "الميزان": وثَّقه غير واحد، وقال ابن سعد: ضعَّفه جماعة، قلت: هو صاحب تدليس وقد رمي بالقدر، وقال يحيى بن معين: كان قدريًّا ثم رجع، وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه "طبقات المدلسين" في الطبقة الثالثة منهم، وهي مَنْ أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلَّا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي، وقال في ترجمته: يقال: إنه لم يسمع من الصحابة إلَّا عن نفر قليل، ووصفه بذلك ابن حبان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلس، ولم أره للمتقدمين إلَّا في قول ابن حبان.
(عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري) يروي عن عبادة، لا يعرف بغير هذا الحديث، وقال ابن عبد البر: نافع مجهول، وقال الحافظ في "التقريب": مستور، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال نافع: أبطأ عبادة عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة) أي أكبر لها (فصلى أبو نعيم بالناس) أي تقدم لهم إمامًا وصلّى بهم، (وأقبل عبادة وأنا- معه حتى صففنا) أي دخلنا في الصف (خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن) أي خلف إمامه.
(فلما انصرف) من الصلاة (قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم) أي والحال أن أبا نعيم إمامك (يجهر) بالقراءة (قال: أجل) أقرأها
стр. 2246
صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِى يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ (١).
قَالَ: فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ, فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ (٢): «هَلْ تَقْرَؤْونَ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ؟ » فَقَالَ بَعْضُنَا: إِنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ, قَالَ: «فَلَا, وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِى يُنَازَعُنِى الْقُرْآنُ؟ ! فَلَا تَقْرَأُوا بِشَىْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ». [قط ١/ ٣١٩، ق ٢/ ١٦٥]
٨٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِىُّ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ ابْنِ جَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ عُبَادَةَ نَحْوَ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالُوا: "فَكَانَ (٣) مَكْحُولٌ (٤) يَقْرَأُ (٥)
===
خلف الإِمام, لأنه (صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها القراءة. قال: فالتبست عليه القراءة) أي بسبب قراءة المقتدين خلفه.
(فلما انصرف) عن الصلاة (أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك) أي نقرأ خلفك (قال) رسول الله ﷺ : (فلا) تقرأوا من القرآن خلفي، (وأنا أقول: مالي ينازعني القرآن؟ ) أي تقع المنازعة في قراءتي القرآن بأني أقرأ ويقرأ من خلفي (فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت) بالقراءة (إلَّا بأم القرآن).
٨٢٤ - (حدثنا علي بن سهل الرملي، نا الوليد) بن مسلم، (عن) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة نحو حديث الربيع بن سليمان قالوا) أي تلامذة مكحول: (فكان مكحول يقرأ
стр. 2247
فِى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا, قَالَ مَكْحُولٌ: اقْرَأْ بِهَا فِيمَا جَهَرَ بِهِ الإِمَامُ, إِذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ سِرًّا, فَإِنْ لَمْ يَسْكُتِ, اقْرَأْ بِهَا (١) قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ, لَا تَتْرُكْهَا (٢) عَلَى حَالٍ".
===
في المغرب والعشاء والصبح بفاتحة الكتاب في كل ركعة سرًّا، قال مكحول: اقرأ) على صيغة الأمر، ويحتمل أن يكون على صيغة المضارع المتكلم (فيما جهر به الإِمام، إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت) (٣) عن قراءتها (سرَّا) أي اقرأ سرًّا في السكتة، (فإن لم يسكت) الإِمام (اقرأ بها قبله ومعه وبعده، لا تتركها) على صيغة النهي، وفي نسخة: لا نتركها (على حال).
وهذه مسألة (٤) اختلف فيها العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، فقالت الحنفية ومن وافقهم: إنه لا يقرأ خلف الإِمام لا في السرية ولا في الجهرية، وقالت الشافعية ومن وافقهم: إنه يقرأ الفاتحة في السرية والجهرية كلتيهما، وقالت المالكية ومن وافقهم: إنه يقرأ الفاتحة في السرية دون الجهرية، ومذهب الإِمام أحمد كمذهب مالك إلَّا أنه قال: إن سمع المقتدي قراءة الإِمام لم يقرأ، وإن لم يسمع بأن كان بعيدًا من الإِمام قرأ.
قال العيني في "شرح البخاري" (٥): ثم وجه استدلال الشافعي ومن معه بهذا الحديث وهو أنه نفى جنس الصلاة عن الجواز إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب،
стр. 2248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القراءة مطلقًا، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذا لا يجوز, لأنه نسخ، فيكون أدنى ما يطلق القرآن فرضًا لكونه مأمورًا به، وأن القراءة خارج الصلاة ليست بفرض، فتعين أن يكون في الصلاة.
فإن قلت: هذه الآية في صلاة الليل، وقد نسخت فرضيتها، فكيف يصح التمسك بها؟
قلت: ما شرع ركنًا لم يصر منسوخًا، وإنما نسخ وجوب قيام الليل دون فروض الصلاة وشرائطها وسائر أحكامها، ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، والصلاة بعد النسخ بقيت نفلًا، وكل من شرط الفاتحة في الفرض شرطها في النفل، ومن لا فلا، والآية تنفي اشتراطها في النفل، فلا تكون ركنًا في الفرض لعدم القائل بالفصل.
فإن قلت: كلمة "ما" مجملة، والحديث معين ومبين، فالمعين يقضي على المبهم؟
قلت: كل من قال بهذا يدل على عدم معرفته بأصول الفقه, لأن كلمة "ما" من ألفاظ العموم يجب العمل بعمومها من غير توقف، ولو كانت مجملة لما جاز العمل بها قبل البيان كسائر مجملات القرآن والحديث، ومعناه: أي شيء تيسر، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه، فيلزم الترك بالقرآن والحديث، والعام عندنا لا يحمل على الخاص مع ما في الخاص من الاحتمالات.
فإن قلت: هذا الحديث مشهور، فإن العلماء تلقته بالقبول فتجوز الزيادة بمثله؟
стр. 2249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: لا نسلم أنه مشهور, لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول، وقد اختلف التابعون في هذه المسألة، ولئن سلمنا أنه مشهور فالزيادة بالخبر المشهور إنما تجوز إذا كان محكمًا، أما إذا كان محتملًا فلا، وهذا الحديث محتمل, لأن مثله يستعمل لنفي الجواز، ويستعمل لنفي الفضيلة كقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" والمراد نفي الفضيلة كذا هو.
ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (١) معناه أنهم لا أيمان لهم موثوقًا بها , ولم ينف وجود الأيمان منهم رأسًا, لأنه قد قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ (٢)، وعقب ذلك أيضًا بقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٣).
فثبت أنه لم يرد بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ نفي الأيمان أصلًا، وهذا يدل على إطلاق لفظة "لا"، والمراد بها نفي الفضيلة دون الأصل، كما ذكرنا من النظير.
وقال بعضهم: ولأن نفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، ولأنه السابق إلى الفهم فيكون أولى، ويؤيده رواية الإسماعيلي بلفظ: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
قلت: لا نسلم قرب نفي الإجزاء إلى نفي الحقيقة؛ لأنه محتمل لنفي الإجزاء ولنفي الفضيلة، والحمل على نفي الكمال أولى، بل يتعين لأن نفي الإجزاء يستلزم نفي الكمال، فيكون فيه نفي شيئين، فتكثر المخالفة فيتعين نفي الكمال، ودعواه التأييد بحديث الإسماعيلي وابن خزيمة لا يفيده، لأن هذا ليس
стр. 2250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
له من القوة ما يعارض ما أخرجه الأئمة الستة، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إلَّا شعبة، ولا عنه إلَّا وهب بن جرير.
وقال هذا القائل أيضًا: وقد أخرج ابن خزيمة (١)، عن محمد بن الوليد القرشي، عن سفيان حديث الباب، ولفظه: "لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب" فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: "لا صلاة" نفي بمعنى النهي، أي لا تصلوا إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم (٢) من طريق القاسم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة الطعام"، فإنه في "صحيح ابن حبان" (٣) بلفظ: "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام".
قلت: تنظيره بحديث مسلم غير صحيح, لأن لفظ حديث ابن حبان غير نهي بل هو نفي الغائب، وكلامه يدل على أنه لا يعرف الفرق بين النهي والنفي، وقال أيضًا: استدل من أسقطها -أي من أسقط قراءة الفاتحة عن المأموم- مطلقًا يعني أسرَّ الإِمام أو جهر كالحنفية بحديث: "من صلَّى خلف الإِمام فقراءة الإِمام قراءة له"، لكنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره.
قلت: هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس وأنس بن مالك.
فحديث جابر أخرجه ابن ماجه (٤) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فإن قراءة الإِمام قراءة له".
стр. 2251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحديث ابن عمر أخرجه الدارقطني في "سننه" (١) عنه عن النبي ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
وحديث أبي سعيد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
وحديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في "سننه" (٣) من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه سواء.
وحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (٤) أيضًا عنه عن النبي ﷺ قال: "تكفيك قراءة الإِمام خافت أو جهر".
وحديث أنس أخرجه ابن حبان في "كتاب الضعفاء" عن غنيم بن سالم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
فإن قلت: في حديث جابر بن عبد الله جابر الجعفي وهو مجروح، كذبه أبو حنيفة وغيره، وفي حديث أبي سعيد إسماعيل بن عمر بن نجيح وهو ضعيف، وحديث ابن عمر موقوف، قال الدارقطني: رفعه وهم، وحديث ابن عباس عن أحمد هو حديث منكر، وقال الدارقطني: حديث أبي هريرة لا يصح عن سهيل، وتفرد به محمد بن عباد وهو ضعيف، وفي حديث أنس غنيم بن سالم، قال ابن حبان: هو مخالف الثقات في الروايات فلا تعجبني الرواية عنه، فكيف الاحتجاج؟
قلت: أما حديث جابر فله طرق أخرى يشد بعضها بعضًا، منها طريق
стр. 2252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صحيح، وهو ما رواه محمد بن الحسن في "الموطأ" (١) عن أبي حنيفة، قال: أخبرنا الإِمام أبو حنيفة، حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر، عن النبي ﷺ : "من صلَّى خلف الإِمام فإن قراءة الإِمام له قراءة".
فإن قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢) ثم البيهقي (٣) عن أبي حنيفة مقرونًا بالحسن بن عمارة، وعن الحسن بن عمارة وحده بالإسناد المذكور، ثم قال: هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان، وقد رواه سفيان الثوري وأبو الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالاني وسفيان بن عيينة وغيرهم عن أبي الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو الصواب.
قلت: لو تأدب الدارقطني واستحيى لما تلفظ بهذه اللفظة في حق أبي حنيفة، فإنه إمام طبق علمه الشرق والغرب، ولما سئل ابن معين عنه فقال: ثقة مأمون ما سمعت أحدًا ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث وشعبة شعبة، وقال أيضًا: كان أبو حنيفة ثقة من أهل الدين والصدق، ولم يتهم بالكذب، وكان مأمونًا على دين الله تعالى صدوقًا في الحديث، وأثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار مثل عبد الله بن المبارك ويعد من أصحابه، وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الرزاق ووكيع وكان يفتي برأيه، والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وآخرون كثيرون، وقد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطني عليه وتعصبه الفاسد، وليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم في إمام متقدم على هؤلاء في الدين والتقوى والعلم، وبتضعيفه إياه
стр. 2253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يستحق هو التضعيف، أفلا يرضى بسكوت أصحابه عنه، وقد روى في "سننه" أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة؟ ولقد روى أحاديث ضعيفة في كتابه "الجهر بالبسملة"، واحتج بها مع علمه بذلك، حتى إن بعضهم استحلفه على ذلك فقال: ليس فيه حديث صحيح، ولقد صدق القائل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... والقوم أعداء له وخصوم
وأما قوله: وقد رواه سفيان الثوري إلى آخره، فلا يضرنا, لأن الزيادة من الثقة مقبولة، ولئن سلمنا فالمرسل عندنا حجة، وجوابنا عن الأحاديث التي قالوا: في أسانيدها ضعفاء، أن الضعيف يتقوى بالصحيح، ويقوي بعضها بعضًا.
وأما قوله في بعضها: فهو موقوف، فالموقوف عندنا حجة, لأن الصحابة عدول، ومع هذا روي منع القراءة خلف الإِمام عن ثمانين من الصحابة الكبار منهم: المرتضى والعبادلة الثلاثة، وأساميهم عند أهل الحديث، فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع، فمن هذا قال صاحب "الهداية" (١) من أصحابنا: وعلى ترك القراءة خلف الإِمام إجماع الصحابة، فسماه إجماعًا باعتبار اتفاق الأكثر، ومثل هذا يسمى إجماعًا عندنا، وذكر الشيخ الإِمام عبد الله بن يعقوب الحارثي السبذموني في كتاب "كشف الأسرار" عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ينهون عن القراءة خلف الإِمام أشد النهي: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهم-.
قلت: روى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): أخبرني موسى بن عقبة
стр. 2254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإِمام، وأخرج عن داود بن قيس عن محمد بن بجاد- بكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم-، عن موسى بن سعد بن أبي وقاص قال: [ذكر لي أن سعد بن أبي وقاص قال: ] وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر.
وأخرج الطحاوي (١) بإسناده عن علي ﵁ أنه قال: من قرأ خلف الإِمام فليس على الفطرة، أراد أنه ليس على شرائط الإِسلام، وقيل: ليس على السنَّة.
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٢) عن ابن أبي ليلى عن علي -رضي الله تعالى عنه -: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة، وأخرجه الدارقطني كذلك من طرق.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) عن داود بن قيس عن محمد بن عجلان عنه (٤) قال: قال علي: من قرأ مع الإِمام فليس على الفطرة، قال: وقال ابن مسعود: مُلِئَ فوه ترابًا، قال: وقال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -: وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر.
وفي "التمهيد": ثبت عن علي وسعد وزيد بن ثابت أنه لا قراءة مع الإِمام لا فيما أسَرَّ ولا فيما جهر.
وأخرج عبد الرزاق (٥) عن الثوري عن أبي منصور عن أبي وائل قال: جاء
стр. 2255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رجل إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن أقرأ خلف الإِمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام.
وأخرجه الطبراني عن عبد الرزاق وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) نحوه عن أبي الأحوص عن منصور إلى آخره.
قلت: روى الطحاوي (٢) من حديث أبي إبراهيم التيمي قال: سألت عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه - عن القراءة خلف الإِمام، فقال لي: اقرأ، قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، قلت: وإن قرأت؟ قال: وإن قرأت.
وأخرج أيضًا عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإِمام في صلاة الظهر من سورة مريم.
ثم أجاب بقوله: وقد روي عن غيرهم من أصحاب النبي ﷺ خلاف ذلك، ثم روى حديث علي الذي ذكرنا آنفًا، وأخرج حديث ابن مسعود الذي أخرجه عبد الرزاق الذي ذكرناه آنفًا، ثم أخرج عن أبي بكرة: حدثنا أبو داود، حدثنا حُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: ليت الذي يقرأ خلف الإِمام مُلِئَ فوه ترابًا.
وأخرج أيضًا عن يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبيد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله، فقالوا: لا تقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات.
ثم قال الطحاوي: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على
стр. 2256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ترك القراءة خلف الإِمام، وقد وافقهم على ذلك ما قد روي عن النبي ﷺ مما قدمنا ذكره، وأشار به إلى أحاديث الصحابة الذين رووا ترك القراءة خلف الإِمام.
فإن قلت: أخرج البيهقي من حديث الجريري عن أبي الأزهر قال: سئل ابن عمر عن القراءة خلف الإِمام، فقال: إني لأستحيي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن.
قلت: هذه معارضة باطلة، فإن إسناد ما ذكره منقطع، والصحيح عن ابن عمر عدم وجوب القراءة خلف الإِمام.
فإن قلت: قوله ﷺ : "قراءة الإِمام قراءة له" معارض لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ فلا يجوز تركه بخبر الواحد.
قلت: جعل المقتدي قارئًا بقراءة الإِمام فلا يلزم الترك، أو نقول: إنه خص منه المقتدي الذي أدرك الإِمام في الركوع فإنه لا يجب عليه القراءة بالإجماع، فتجوز الزيادة عليه حينئذٍ بخبر الواحد.
فإن قلت: قد حمل البيهقي في "كتاب المعرفة" (١) حديث "من كان له إمام فقراءة الإِمام قراءة له" على ترك الجهر بالقراءة خلف الإِمام، وعلى قراءة فاتحة دون السورة (٢)، واستدل عليه بحديث عبادة بن الصامت المذكور.
قلت: ليس في شيء من الأحاديث بيان القراءة خلف الإِمام فيما جهر، والفرق بين الإسرار والجهر لا يصح, لأن فيه إسقاط الواجب بمسنون على زعمهم، قاله إبراهيم بن الحارث.
стр. 2257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قلت: أخرج مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام"، فهذا يدل على الركنية.
قلت: لا نسلم, لأن معناه ذات خداج، أي نقصان، بمعنى صلاته ناقصة، ونحن نقول به, لأن النقصان في الوصف لا في الذات، ولهذا قلنا بوجوب قراءة الفاتحة.
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ عام خص منه البعض، وهو ما دون الآية، فإن عند أبي حنيفة أدنى ما يجزئ عن القراءة آية تامة, لأن ما دون الآية خارج بالإجماع، فإذا كان كذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس أيضًا.
قلت: القرآن يتناول ما هو معجز عرفًا، فلا يتناول ما دون الآية.
فإن قلت: روى أبو داود: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا جعفر، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد".
قلت: هذا الحديث روي بوجوه مختلفة، فرواه البزار ولفظه: "أمر مناديًا فنادى"، وفي "كتاب الصلاة" لأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف: "لا صلاة إلَّا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد"، وفي "الصلاة" للفريابي: "أنادي في المدينة أن لا صلاة إلَّا بقراءة أو بفاتحة الكتاب فما زاد"، وفي لفظ: "فناديت: أن لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب"، وعند البيهقي: "إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد"، وفي "الأوسط": "في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب".
وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة، بل غالبها ينفي الفرضية، فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلَّا بالفاتحة دلَّت
стр. 2258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأخرى على جوازها بلا فاتحة، فنعمل بالحديثين، ولا نهمل أحدهما بأن نقول بفرضية مطلق القراءة، وبوجوب قراءة الفاتحة، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار.
وأيضًا في حديث أبي داود المذكور أمران:
أحدهما: أن جعفرًا المذكور في سنده هو جعفر بن ميمون فيه كلام حتى صرح النسائي أنه ليس بثقة.
والثاني: أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة, لأن معنى قوله: فما زاد، الذي زاد على الفاتحة، أو بقراءة زيادة على الفاتحة، وليس ذلك مذهب الشافعي.
وقد روى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت يبلغ به النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا"، قال سفيان: لمن يصلي وحده.
قلت: معناه: لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب زائدة على الفاتحة، وقال سفيان هو ابن عيينة أحد رواة هذا الحديث: هذا لمن يصلي وحده، يعني في حق من يصلي وحده، وأما المقتدي فإن قراءة الإِمام قراءة له، وكذا قال الإسماعيلي في روايته: إذا كان وحده، فعلى هذا يكون الحديث مخصوصًا في حق المنفرد، فلم يبق للشافعية بعد هذا دعوى العموم، وحديث عبادة هذا أخرجه البخاري كما ذكر وليس فيه لفظة: فصاعدًا.
فإن قلت: قال البخاري في "كتاب القراءة خلف الإِمام": وقال معمر عن الزهري: فصاعدًا، وعامة الثقات لم تتابع معمرًا في قوله: فصاعدًا.
قلت: هذا سفيان بن عيينة قد تابع معمرًا في هذه اللفظة، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم كلهم عن الزهري.
فإن قلت: أخرج أبو داود عن القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن
стр. 2259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن" الحديث، وقد ذكرناه عن قريب وفيه: "فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإِمام، قال: فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي"، الحديث، والخطاب لأبي السائب، وقال النووي: هذا يؤيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، ومعناه: اقرأها سرًّا بحيث تسمع نفسك.
قلت: هذا لا يدل على الوجوب, لأن المأموم مأمور بالإنصات لقوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ والإنصات: الإصغاء، والقراءة سرًّا بحيث يسمع نفسه تخل بالإنصات، فحينئذٍ يحمل ذلك على أن المراد تدبر ذلك وتفكره، ولئن سلمنا أن المراد هو القراءة حقيقة، فلا نسلم أنه يدل على الوجوب، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية، ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإِمام لحَّانًا.
ومما يؤيد ما ذهب إليه أصحابنا ما أخرجه أبو داود من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" بهذا الخبر، وزاد: "وإذا قرأ فأنصتوا" رواه النسائي وابن ماجه والطحاوي، وهذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإِمام أصلًا على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر.
فإن قلت: قد قال أبو داود عقيب إخراجه هذا الحديث: وهذه الزيادة يعني: "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد، وأبو خالد أحد رواته، واسمه سليمان بن حيان بفتح الحاء وتشديد الياء آخر الحروف، وهو من رجال الجماعة.
وقال البيهقي في "المعرفة" (١): أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة،
стр. 2260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأسند عن ابن معين في "سننه الكبير"، قال في حديث ابن عجلان: وزاد: "إذا قرأ فأنصتوا" ليس بشيء، وكذا قال الدارقطني في حديث أبي موسى الأشعري: "وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا"، وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه، منهم: هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة ولم يقل واحدٌ منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا"، قال: وإجماعهم يدل على وهمه، وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة بمحفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان.
قلت: في هذا كله نظر، أما ابن عجلان فإنه وثَّقه العجلي، وفي "الكمال" ثقة كثير الحديث، وقال الدارقطني: إن مسلمًا أخرج له في "صحيحه"، قلت: أخرج له الجماعة والبخاري مستشهدًا وهو محمد بن عجلان المدني، فهذه زيادة ثقة فتقبل، وقد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء كما ذكره البيهقي في "سننه الكبير".
وأما أبو خالد فقد أخرج له الجماعة كما ذكرنا، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعًا عنه، فقال: أبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال أبو هشام الرافعي: حدثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين، ومع هذا لم ينفرد بهذه الزيادة.
وقد أخرج النسائي كما ذكرنا هذا الحديث بهذه الزيادة من طريق محمد بن سعد الأنصاري، ومحمد بن سعد ثقة، وثَّقه يحيى بن معين، وقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد، وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان، كما أخرجه البيهقي في "سننه".
وقد صحَّح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث أبي هريرة، وقال أبو بكر: لمسلم حديث أبي هريرة، يعني "إذا قرأ فأنصتوا"، قال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لا تضعه هاهنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه، وتوجد هذه الزيادة أيضًا في بعض نسخ مسلم عقيب الحديث المذكور.
стр. 2261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي "التمهيد" بسنده عن ابن حنبل أنه صحَّح الحديثين، يعني حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة، والعجب من أبي داود أنه نسب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك، ولم ينسب إلى ابن عجلان، وفيه كلام، ومع هذا أيضًا فابن خزيمة صحَّح حديث ابن عجلان، انتهى كلام العيني (١).
وقد تقدم البحث منا في قوله: "إذا قرأ فأنصتوا" في "باب الإِمام يصلي من قعود"، وأورد العلَّامة النيموي في "باب قراءة خلف الإِمام" من كتابه "آثار السنن" (٢) حديث عبادة بن الصامت المختصر الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو حديث مرفوع صحيح.
ثم قال بعد إيراده: وفي الاستدلال بهذه الأحاديث نظر، وقال في تعليقه عليه، قال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: معنى قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" إذا كان وحده، وقال أبو داود: وقال سفيان: لمن يصلي وحده، قلت: والأولى أن يقال: إن هذا الحكم لمن كان ضامنًا للصلاة ومتكفلًا لها إمامًا كان أو منفردًا.
ويؤيده ما رواه مسلم في رواية, والنسائي من طريق معمر عن الزهري في آخر حديث الباب لفظ: فصاعدًا.
فإن قلت: قال البخاري في "جزء القراءة": وقال معمر عن الزهري: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا، وعامة الثقات لم تتابع معمرًا في قوله: فصاعدًا مع أنه أثبت فاتحة الكتاب، وقوله: فصاعدًا غير معروف، ثم قال: ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا، انتهى كلامه.
стр. 2262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: تابعه سفيان بن عيينة أيضًا عن الزهري في قوله: فصاعدًا عند أبي داود، فالزيادة صحيحة، وأخرج أحمد والبخاري في "جزء القراءة" وأبو داود وابن الجارود عن أبي هريرة أن النبي- ﷺ أمره أن يخرج فينادي: "لا صلاة إلَّا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد"، انتهى، رجاله ثقات إلَّا جعفر بن ميمون، قال ابن معين: ليس بذاك، وقال مرة: صالح الحديث، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال ابن عدي: لم أر أحاديثه منكرة، كذا في "الميزان"، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ، انتهى، قلت: فالحديث حسن.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن جعفر بن ميمون، وقال: هذا حديث صحيح لا غبار عليه، فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إلَّا عن الثقات، انتهى.
وأخرج أبو داود وأبو يعلى وابن حبان بإسناد صحيح عن أبي سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر، انتهى، فقوله: فصاعدًا، وما زاد، وما تيسر يدل على أن قراءة ما زاد على الفاتحة من السورة واجبة في الصلاة، وعند الجمهور ليس هذا الحكم إلَّا لمن كان إمامًا أو يصلي وحده، لا على المأموم، فكذلك تحمل قراءة الفاتحة عليهما لا على المأموم.
فإن سلمنا أن قراءة الفاتحة واجبة على كل من يصلي إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا.
قلنا: إن القراءة أعم من أن يكون حقيقة أو حكمًا، والمأموم يقرأ حكمًا لقوله ﵊: "قراءة الإِمام له قراءة"، وسيجيء البحث على هذا الحديث.
стр. 2263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قلت: أخرج البيهقي في "كتاب القراءة" (١) على ما نقله السيوطي في "جمع الجوامع": عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإِمام"، ثم قال: إسناده صحيح، والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة، قلت: الحديث ضعيف وإن كان إسناده على ما زعمه البيهقي صحيحًا, لأن زيادة قوله: "خلف الإِمام" شاذة لا يتابع عليها، ويدل عليه الحديث الذي أخرجه الشيخان، وكذلك سائر طرق عبادة، وتأويل البيهقي بأنها صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة يشير إلى ذلك، انتهى.
قلت: وعندي وجه النظر في الاستدلال بحديث عبادة أن هذا الحديث مختصر من حديث طويل أخرجه أبو داود والترمذي والبخاري في "جزء القراءة" والآخرون من حديث عبادة، ولفظه: "قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم هذّا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، فاختصر الراوي هذا الحديث، وأخذ من قوله: "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، وروى على ما فهم منه بلفظ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
فالأصل في الحجة هذا الحديث لا الحديث المختصر، فإن مبناه على ما فهمه الراوي من حديث رسول الله ﷺ ، والحجة في قول رسول الله ﷺ لا فيما فهمه الراوي من لفظ الحديث، ولفظ أصل الحديث لا يستدل به على ركنية فاتحة الكتاب, لأن قوله ﷺ : "فإنه لا صلاة" دليل على إباحة فاتحة الكتاب للمأموم, لأن في قوله ﷺ استثنى الفاتحة بعد نهيه عن القراءة، والاستثناء بعد النهي يفيد الإباحة، فلو كان معنى قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بهما"، أن الصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب باطلة لناقض آخر الكلام أوله، بل معناه أن ليس حال الفاتحة مثل حال السور الآخر، فإن السور لا تقرأ
стр. 2264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الصلاة إلَّا أحيانًا، وأما الفاتحة فلا تخلو صلاة عنها، أي لا صلاة موجودة بالوجود الحسي لمن لم يقرأ الفاتحة في الصلاة، ولأجل ذلك كانت كثيرة الدوران على الألسنة، فلا يختلج بها إلَّا القليل، فعلى هذا يوافق آخر الكلام أوله، ولا يثبت وجوب فاتحة الكتاب فضلًا عن كونها ركنًا.
فإن قلت: ثبت بقولكم إباحة قراءة فاتحة الكتاب خلف الإِمام وأنتم تمنعونها.
قلت: نمنعها بما صح عنه ﷺ لحديث أبي موسى الأشعري كما ذكره مسلم، وبحديث أبي هريرة صححهما مسلم ﵀: "وإذا قرأ فأنصتوا" لتتوافق الأحاديث.
ثم العلامة النيموي (١) بعد ما أخرج الحديث الطويل لعبادة بن الصامت، قال: فيه مكحول، وهو يدلس، رواه معنعنًا، وقد اضطرب في إسناده، ومع ذلك قد تفرد بذكر محمود بن الربيع عن عبادة في طريق مكحول محمدُ بن إسحاق، وهو لا يحتج بما انفرد به، فالحديث معلول بثلاثة أوجه.
وقال في "التعليق": قال في "الجوهر النقي" (٢): والكلام في ابن إسحاق معروف، والحديث مع ذلك مضطرب الإسناد، والبيهقي بين بعضه، انتهى كلامه.
قلت: رواه مكحول مرة عن عبادة بن الصامت مرسلًا وأخرى عن نافع بن محمود عن عبادة، وتارةً عن محمود عن عبادة، وآوِنةً (٣) عن محمود عن أبي نعيم أنه سمع عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال، الحديث، أخرجه الدارقطني (٤) من طريق الوليد بن مسلم حدثني غير واحد منهم سعيد بن عبد العزيز عن مكحول
стр. 2265
(١٣٩) بَابُ مَنْ كَرِهَ القِراءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ
٨٢٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِىِّ,
===
بهذا، رواته كلهم ثقات، قلت: فأدخل بين محمود وعبادة رجلًا آخر وهو أبو نعيم فاضطرب إسناده، والاضطراب مورث للضعف.
(١٣٩) (بَابُ مَنْ كَرِهَ القِراءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ) (١)
وليست هذه الترجمة إلَّا في النسخة المجتبائية، وعلى الحاشية نسختان أخريان، الأولى: باب من ترك القراءة فيما جهر الإِمام، وهذه الترجمة مثل الترجمة السابقة، ولم توجد إلَّا على حاشية المجتبائية، والثانية: باب من رأى القراءة إذا لم يجهر، وهذه الترجمة موجودة في جميع النسخ الموجودة، واختارها صاحب "العون" (٢) في شرحه، ولم يذكر غيرها، وهذه الترجمة لا يوافقها الأحاديث المذكورة إلَّا بالاستدلال والتكلف، وأما على الأوليين فالمطابقة واضحة.
٨٢٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي) ثم الجندعي، اسمه عمارة بضم العين وتخفيف الميم، وقيل: عمار بفتح العين وتخفيف الميم، قاله الزرقاني (٣)، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، قال في "الميزان" (٤): قال أبو حاتم: صحيح الحديث، وقال ابن سعد: منهم من لا يحتج به، يقول: شيخ مجهول.
стр. 2266
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِى أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ » فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ, يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِنِّى أَقُولُ: مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ ». قَالَ:
===
وقال الحافط في "التقريب" (١): ثقة، وقال في "تهذيب التهذيب" (٢): قال أبو حاتم: صالح الحديث مقبول، وقال ابن سعد: توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن ٧٩ سنة، روى عنه الزهري حديثًا واحدًا، ومنهم من لا يحتج بحديثه، ويقول: هو مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدوري عن يحيى بن سعيد: عمارة بن أكيمة ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: هو من مشاهير التابعين بالمدينة، وقال أبو بكر البزار: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلَّا الزهري، وقال الحميدي: هو رجل مجهول، وكذا قال البيهقي.
(عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف) أي توجه إلى الناس بعد ما فرغ (من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي) أي مع قراءتي (أحد منكم آنفًا؟ ) أي قريبًا، ومدها هو المشهور، وقد يقصر، يقال: فعلته آنفًا، أي في أول وقت، وهذا الكلام بظاهره يدل على أن قراءتهم لم يكن بعلم منه- ﷺ وأنها كانت سرًّا، فإنها لو كانت جهرًا لا يخفى عليه ﷺ .
(فقال رجل) لم أقف على تسميته: (نعم، يا رسول الله) أي قرأت (قال) أي رسول الله ﷺ : (إني أقول) أي في نفسي (ما لي أنازع) بفتح الزاي (القرآن؟ ) بالنصب على أنه مفعول ثان، كذا نقل القاري (٣) عن "الأزهار"، أي أداخل في القراءة وأشارك فيها وأغالب عليها، فكأنهم نازعوه، والأظهر حمله على قراءتهم سرًّا قبل فراغه من قراءة الفاتحة، أو على قراءتهم بعد فراغهم منها ما عدا الفاتحة سرًّا.
(قال) أبو هريرة، قاله ابن الملك، وهو الظاهر، لكن نقل ميرك
стр. 2267
فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِيمَا جَهَرَ فِيهِ (١) النَّبِىُّ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ
===
عن ابن الملقن أن قوله: "فانتهى الناس ... " إلخ هو من كلام الزهري لا مرفوعًا، قاله البخاري والذهبي وابن فارس وأبو داود وابن حبان والخطابي وغيرهم.
قلت: أخرجه مالك في "موطئه" (٢) والإمام محمد أيضًا عن مالك في "موطئه" (٣) والنسائي من طريق قتيبة عن مالك، وليس فيها لفظة "قال"، وهذا يدل على أن قوله: فانتهى الناس من كلام أبي هريرة لا من كلام الزهري، وفي رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه بلفظة: "قال"، وهو محتمل بأن يكون مرجع الضمير الزهري أو أبا هريرة، والرواية الأولى يدفع هذا الاحتمال، فإن المتيقن قاض على المحتمل.
ويؤيده أيضًا ما أخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤) عن ابن بحينة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "هل أحد قرأ منكم معي آنفًا؟ "، قالوا: نعم، قال: "إني أقول: ما لي أنازع القرآن" فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك، رواه أحمد والطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصحيح، ويأتي الكلام عليه بعد هذا الحديث، انتهى، وليس فيه لفظ "قال"، ثم ذكر بعد هذا الحديث، وقال فيه: إلَّا أن البزار قال: أخطأ فيه ابن أخي ابن شهاب حيث قال: عن ابن بحينة، ورواه معمر وابن عيينة عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة.
(فانتهى الناس عن القراءة) أي امتنعوا عنها (مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي- ﷺ بالقراءة من الصلوات) ومفهومه أنهم كانوا يسرون بالقراءة فيما كان يخفي فيه رسول الله ﷺ ، وهو مذهب الأكثر، وعليه الإِمام محمد من أئمتنا.
стр. 2268
حِينَ (١) سَمِعُوا ذَلِكَ من رَسُولِ اللَّه ﷺ . [ت ٣١٢، ن ٩١٩، جه ٨٤٨، ط ١/ ٨٦/ ٤٤، حم ٢/ ٢٨٤، حب ١٨٤٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى حَدِيثَ ابْنِ أُكَيْمَةَ هَذَا مَعْمَرٌ، وُيونُسُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عَلَى مَعْنَى مَالِكٍ.
===
قلت: وهذا المفهوم تدفعه العلة المذكورة في الحديث وهي المنازعة، فإنها كما تحققت في الجهرية فتحققها في السرية أولى وأقوى.
(حين سمعوا ذلك) أي ما ذكر (من رسول الله ﷺ ) قال ابن الملك: ومن قال بقراءتها خلف الإِمام في الجهرية حمله على ترك رفع الصوت خلفه، انتهى، وهو خلاف ظاهر قوله ﵇: "هل قرأ معي أحد منكم"، قال الترمذي: هذا حديث حسن، قال النووي: وأنكر الأئمة على الترمذي تحسينه، واتقفوا على ضعف هذا الحديث, لأن ابن أكيمة مجهول، على أنَّ جملة "فانتهى الناس عن القراءة" ليست من الحديث، بل هي من كلام الزهري مدرجة فيه، هذا متفق عليه عند الحفاظ المتقدمين والمتأخرين، منهم الأوزاعي ومحمد بن يحيى الذهلي والبخاري وأبو داود والخطابي وغيرهم، كذا قال القاري (٢)، ثم قال: قال ميرك نقلًا عن ابن الملقن: قال الترمذي: حسن، وصحَّحه ابن حبان، وضعفه الحميدي والبيهقي، انتهى، وبهذا يعلم أن قول النووي: اتفقوا على ضعف هذا الحديث، غير صحيح.
(قال أبو داود: روى حديث ابن أكيمة هذا معمر ويونس وأسامة بن زيد (٣) عن الزهري على معنى مالك) حاصل هذا الكلام أنهم رووا عن الزهري كما رواه مالك عنه موافقًا في معنى حديث مالك لا في لفظه.
стр. 2269
٨٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ وَابْنُ السَّرْحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِىِّ قال: سَمِعْتُ ابْنَ أُكَيْمَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً نَظُنُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ - بِمَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ -: «مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ». [حم ٢/ ٢٤٠، وانظر سابقه]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ مَعْمَرٌ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْتَهَى النَّاسُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِىُّ مِنْ بَيْنِهِمْ: قَالَ سُفْيَانُ:
===
٨٢٦ - (حدثنا مسدد وأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي خلف وعبد الله بن محمد الزهري وابن السرح قالوا: نا سفيان عن الزهري، قال) أي الزهري: (سمعت ابن أكيمة يحدث) بصيغة المعلوم (سعيد بن المسيب) أي كان ابن أكيمة يحدث هذا الحديث سعيد بن المسيب وكنت حاضرًا في المجلس، فسمعت منه الحديث.
(قال) ابن أكيمة: (سمعت أبا هريرة يقول: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة نظن أنها الصبح بمعناه) أي بمعنى حديث مالك المتقدم (إلى قوله: ما لي أنازع القرآن) والاختلاف بين هذا الحديث والحديث المتقدم أن في هذا الحديث تصريحًا بسماع الزهري من ابن أكيمة وسماعه من أبي هريرة، وتشريحًا بأن الصلاة التي جهر فيها بالقراءة هي الصبح على الظن.
(قال أبو داود: قال مسدد في حديثه: قال معمر: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ ، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس، وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان:
стр. 2270
وَتَكَلَّمَ الزُّهْرِىُّ بِكَلِمَةٍ لَمْ أَسْمَعْهَا, فَقَالَ مَعْمَرٌ: إِنَّهُ قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِىِّ, وَانْتَهَى حَدِيثُهُ إِلَى قَوْلِهِ «مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ». وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ, عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ فِيهِ:
===
وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها) أي بعد قوله: "ما لي أنازع القرآن" فسألت معمرًا عما قال (فقال معمر: إنه) أي الزهري (قال: فانتهى الناس).
وغرض المصنف بهذا الكلام بيان اختلاف مشايخه في قوله: فانتهى الناس عن القراءة إلخ، بأن مسددًا يقول: إن شيخي سفيان بن عيينة لم يرو هذا القول، بل انتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن"، ولكن الشيخ الثاني وهو معمر فروى في حديثه بعد قوله: "ما لي أنازع القرآن" "فانتهى الناس عن القراءة ... إلخ"، وأما ابن السرح فإنه قال في حديثه عن معمر، عن الزهري: إن هذا الكلام من قول أبي هريرة، وأما عبد الله بن محمد الزهري فذكر عن سفيان أنه لم يسمع هذا الكلام من الزهري، وسأل عنه معمرًا فقال معمر: إن الزهري قال بعد قوله: "ما لي أنازع القرآن": "فانتهى الناس"، ففهم منه أن هذا الكلام قول الزهري، وهذا الفهم خطأ منه.
(قال أبو داود: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق (٢) عن الزهري، وانتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن")، وهذا يدل على أن قوله: "فانتهى الناس" لم يذكر الزهري، ولا مضايقة في أنه ذكره مرة ولم يذكره مرة أخرى، ولكن يوهم أن قوله: "فانتهى الناس" لو كان في الحديث لم يتركه، فيستدل على أنه من كلامه، وهذا الاستدلال غير سديد.
(ورواه الأوزاعي (٣) عن الزهري قال (الأوزاعي (فيه) أي في هذا
стр. 2271
قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَاتَّعَظَ الْمُسْلِمُونَ (١) بِذَلِكَ, فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ مَعَهُ فِيمَا يَجْهَرُ (٢) بِهِ ﷺ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ: قَوْلُهُ: "فَانْتَهَى النَّاسُ" مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِىِّ.
===
الحديث: (قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون معه) ﷺ (فيما يجهر به ﷺ ، قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس) أي محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي (قال: قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري) (٣).
قلت: وحاصل هذا الاختلاف أن مالكًا ذكر في حديثه قال: فانتهى الناس، ولم يذكر القائل، فيحتمل أن يكون الزهري أو أبا هريرة، وقد تقدم أن عند مالك في "موطئه" ليس لفظ "قال".
وأما معمر فذكر عنه مسدد في حديثه بأنه قال بعد قوله: "ما لي أنازع القرآن": فانتهى الناس عن القراءة، وهذا يدل على أنه من قول أبي هريرة أيضًا أو من قول معمر.
وأما على ما روى عنه ابن السرح في حديثه، قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس، وفيه تصريح بأن هذا الكلام من قول أبي هريرة، فاتفق مسدد وابن السرح على أن في حديث معمر هذا القول من كلام أبي هريرة، إلَّا أن في حديث ابن السرح صراحة، وفي حديث مسدد ضمنًا.
стр. 2272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما سفيان فحاصل قوله أنه لم يسمع هذا الكلام من الزهري، ولكن سأل عنه معمرًا فقال معمر: إن الزهري قال بعد قوله: "ما لي أنازع القرآن" قوله: فانتهى الناس، وهذا أيضًا يدل أن قوله: "فانتهى الناس" ليس من كلام الزهري بل من كلام أبي هريرة, لأن على هذا سياق الحديث يكون هكذا: قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن، فانتهى الناس، فقول صاحب "عون المعبود" (١): إن معمرًا قد اختلف عليه، محل تأمل، وكذلك قوله: وأما غيره من أصحاب الزهري كسفيان وعبد الرحمن والأوزاعي ومحمد بن يحيي فيجعلونه من كلام الزهري، محل بحث.
فإن سفيان لم يسمع هذا الكلام من الزهري، فكيف يمكن أن يجعله من كلام الزهري؟ ولكن سمعه من معمر، والذي سمعه معمر لا يدل على أنه من كلام الزهري، بل يدل على أنه من كلام أبي هريرة كما ذكرناه.
وأما عبد الرحمن بن إسحاق فانتهى حديثه إلى قوله: "ما لي أنازع القرآن" ولم يذكر قوله: "فانتهى الناس"، فلا يدل على أن هذا الكلام من الزهري.
وأما الأوزاعي فقال في حديثه عن الزهري: قال الزهري: فاتّعظ المسلمون ... إلخ، حاصله أن الأوزاعي يقول: قال الزهري بعد قوله: "ما لي أنازع القرآن" بلفظ: "فاتعظ المسلمون"، لا بلفظ: "فانتهى الناس"، فلا يدل على أن هذا القول عند الأوزاعي من كلام الزهري, لأن قوله: "قال الزهري"، يحتمل أن يكون معناه من عند نفسه، فعلى هذا يكون قوله، ويحتمل أن يكون معناه: قال الزهري بسنده عن أبي هريرة، أو غيره من الصحابة، فلا يكون قوله.
نعم محمد بن يحيى بن فارس جعل هذا القول من كلام الزهري، ودعواه هذا بغير دليل, لأن صدور هذا الكلام من الزهري مشكل، فإنه لم يكن حاضرًا في ذلك الوقت، فلو كان هذا القول من كلام الزهري ظاهرًا يكون من قول
стр. 2273
(١٤٠) باب مَنْ رَأَى (١) القِرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَجْهَر
٨٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ, أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ, الْمَعْنَى, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ, فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَرَأَ خَلْفَهُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ؟ ».
===
أبي هريرة أو من غيره من الصحابي حكمًا كالحديث المرفوع حكمًا، فالعجب من بعض المحدثين الذين قالوا: إن هذا الكلام من كلام الزهري، كيف حكموا بأنه من كلام الزهري مع أنه لا دليل عليه ولا قرينة، بل الدليل على خلافه ظاهر، والله تعالى أعلم.
(١٤٠) (بَابُ مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَجْهَر)
هذه الترجمة موجودة في جميع النسخ الموجودة إلَّا في نسخة "عون المعبود"، فإنها ليست فيها هاهنا ترجمة، وفي النسخة المجتبائية على حاشيتها "باب من لم ير القراءة إذا لم يجهر"، والأحاديث المذكورة في الباب تناسب هذه الترجمة لا الترجمة المذكورة في المتن.
٨٢٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، ح: وحدنا محمد بن كثير العبدي، أنا شعبة، المعنى) أي معنى حديث أبي الوليد عن شعبة وحديث محمد بن كثير عن شعبة واحد، وإن كان في بعض ألفاظهما اختلاف (عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ صلّى الظهر فجاء رجل فقرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) وهذا يدل على أن قراءته كانت سرّا, لأن صلاة الظهر سرية، وكان رسول الله ﷺ يقرأ سرًّا، فبعيد من الصحابي أن يجهر بالقراءة، ولكن لما كان يهمس بها صار سببًا للمخالجة.
(فلما فرغ) رسول الله ﷺ عن الصلاة (قال: أيكم قرأ؟ ) أي معي في
стр. 2274
قَالُوا: رَجُلٌ، قَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكَمْ خَالَجَنيهَا". [م ٣٩٨، ن ٩١٧، حم ٤/ ٤٢٦]
===
الصلاة (قالوا: رجل) أي قرأ رجل واحد، ولم يقرأ الجماعة (قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعني القراءة، وهذا الحديث يدل على منع القراءة خلف الإِمام مطلقًا.
وأما قول البيهقي في "كتاب القراءة خلف الإِمام" (١): ثم إن كان كره النبي ﷺ من قراءته شيئًا، فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإِمام، ألا تراه قال: أيكم قرأبـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة وإلَّا لم يسم له ما قرأ، انتهى، فبعيد, لأنه تقدم أن هذه القصة وقعت في صلاة الظهر وهي سرية، وأما المخالجة فلا يلزم أن يكون من رفع الصوت، بل يمكن أن تكون هذه المخالجة من ارتكاب المكروه من بعض من خلفه، وهو القراءة خلفه.
ونظيره ما رواه النسائي (٢) من طريق شبيب بن أبي الروح عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : "أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الصبح، فقرأ الروم، فالتبس عليه، فلما صلى قال: ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، وإنما يلبس علينا القرآن أولئك".
قال الحافظ ابن حجر (٣): إسناد حديث شبيب حسن، فكما لبس على رسول الله ﷺ تركهم إحسان الطهور، كذلك أثر في قراءة رسول الله ﷺ قراءتهم السرية، وصار سببًا للمخالجة بكونها غير مأذونة فيها لا بخصوص جهرها، ويحتمل أن يكون قرأها سرًّا , ولشدة همسه وقعت المخالجة.
وأما تسمية السورة من رسول الله ﷺ فغير ثابت، فأما الحجاج بن أرطأة
стр. 2275
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ في حَدِيثِهِ: قَال شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَلَيْسَ قَوْل سَعِيدٍ: أَنْصِتْ لِلْقُرْآنِ؟ قَال: ذَاكَ إِذَا جَهَرَ بِهِ.
===
روى عن قتادة هذا الحديث ولفظه: "فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني؟ "، وروى شبابة وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير العبدي عن شعبة، عن قتادة ولفظه: "فجاء رجل فقرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فلما فرغ قال: أيكم قرأ؟ "، ليس فيه ذكر السورة في كلام رسول الله ﷺ ، نعم ذكره عمران بن حصين الراوي، وأما سعيد بن أبي عروبة فروى عن قتادة هذا الحديث، وفيه: "فلما انفتل قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ " فلما اختلف فيها ولم يذكره أكثر الرواة فلم يثبت.
(قال أبو داود: قال أبو الوليد في حديثه: قال شعبة: فقلت لقتادة: أليس قول سعيد: أنصت للقرآن؟ قال) قتادة: (ذاك) أي الحكم بالإنصات (إذا جهر) الإِمام (به) أي بالقرآن.
حاصله: أن شعبة حين سمع هذه الرواية من شيخه قتادة، وكانت صريحة في النهي عن القراءة في السرية والجهرية، سأل شيخه قتادة أنك تقرأ في السرية مع أن شيخك سعيد بن المسيب أمر بالإنصات مطلقًا، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، فكيف تخالفه؟ فأجاب قتادة أن الأمر بالإنصات منه مخصوص بما إذا جهر الإِمام، وأما إذا كانت قراءته سرًّا فلا يحكم بالإنصات، وأنت تعلم أنه تخصيص لعموم اللفظ من غير مخصص، بل الحديث الذي رواه يدل على خلافه.
فما قال صاحب "عون المعبود" (١): فالإنصات للقرآن على قول سعيد بن المسيب يشتمل الصلاة الجهرية والسرية، وفي حديث عمران أن الرجل قرأ في صلاة الظهر خلف النبي ﷺ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ففي الظاهر قول سعيد يخالف حديث عمران، هذا معنى قول شعبة، غلط ظاهر،
стр. 2276
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ: قَالَ: قُلْتُ لِقَتَادَةَ: كَأَنَّهُ كَرِهَهُ. قَالَ: لَوْ كَرِهَهُ نَهَى عَنْهُ.
===
لأن قول سعيد بن المسيب كما أنه يشمل الصلاة الجهرية والسرية كذلك حديث عمران يدل على كراهة القراءة خلف الإِمام في السرية والجهرية، فلا مخالفة بينهما أصلًا، فليس معنى قول شعبة إلَّا ما قلنا، وهكذا نقل الشيخ محمد يحيى ﵀ عن شيخه مولانا الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى-.
وقال البيهقي في معنى هذا الكلام: قال الإِمام أحمد ﵀: قوله: "ذاك إذا جهر به" يحتمل أن يكون راجعًا إلى الإِمام، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المأموم، يعني إنما لا يجوز للمأموم قراءته إذا جهر بالقرآن، فأما إذا قرأه في نفسه فلا يكون مخالفًا للإنصات، انتهى.
(وقال ابن كثير في حديثه: قال) شعبة: (قلت لقتادة: كأنه) ﷺ (كرهه) أي القراءة خلف الإِمام (قال) قتادة: (لو كرهه) أي رسول الله ﷺ القراءة (نهى عنه).
حاصل هذا الكلام أن شعبة لما سمع هذا الحديث عن شيخه قتادة سأله أن لفظ الحديث يدل على أن رسول الله ﷺ كره القراءة خلفه، فأجاب قتادة أنه ﷺ لم يكره القراءة, لأنه لو كرهها لنهى عنه، ولما لم ينه عنه علم أنه لم يكرهها، وأنت تعلم أن التنبيه على علة الحكم وهي المخالجة، فإنه علة للكراهة تنصيص على الحكم وإن لم يصرح به، مع أن قول قتادة هذا مخالف للكلام السابق، فإنه يدل على أن الكراهة عند الجهر ثابت عنده، وهذا الكلام ينفي الكراهة مطلقًا، فلو كان المراد الإنكار عن النهي الصريح، فلا يلزم أن يكون صريحًا، وإن كان المراد الإنكار عن النهي والكراهة مطلقًا، فهو غلط، لأنه موجود كما فهمه شعبة بتنصيص العلة، وعلى كل حال قول قتادة في نفي الكراهة غير موجه.
وقد ورد النهي عن القراءة خلف الإِمام صراحة في حديث حجاج بن
стр. 2277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أرطاة عن قتادة، أخرجه البيهقي في "كتاب القراءة" (١)، والدارقطني (٢) من طريق سلمة بن الفضل، نا الحجاج بن أرطاة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟ فنهى عن القراءة خلف الإِمام".
ثم نقل تضعيفه بقوله: قال ابن صاعد -وهو يحيى بن محمد بن صاعد-: قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإِمام" تفرد بروايته حجاج، وقد رواه عن قتادة شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وإسماعيل بن أبي مسلم وحجاج بن حجاج وأيوب بن أبي مسكين وهمام وأبان وسعيد بن بشير، فلم يقل أحد منهم ما تفرد به حجاج.
ثم أخرج البيهقي حديث الدارقطني فذكره بإسناده نحوه، ثم قال: قال الدارقطني: قوله: فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام، وهم من الحجاج.
ثم قال البيهقي في آخر البحث: وفي هذا دلالة على أن قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإِمام" توهم من الحجاج بن أرطاة، لا أنه سمعه من قتادة، وللحجاج من أمثال ذلك ما لا يمكن ذكره هاهنا لكثرته، ولذلك سقط عند أهل العلم بالحديث عن حد الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، انتهى.
قلت: وفيما قال البيهقي من تضعيف حجاج بن أرطاة نظر، فإنه قال في "ميزان الاعتدال" (٣): وقد طول ابن حبان وابن عدي ترجمته وأفادا: وأكثر ما نقم عليه التدليس، وفيه تنبيه لا يليق بأهل العلم، وكان أحمد يقول: كان من الحفاظ، وروى أبو غالب عن أحمد قال: كان الحجاج حافظًا، قيل له:
стр. 2278
٨٢٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ, فَلَمَّا انْفَتَلَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فَقَالَ (١) رَجُلٌ: أَنَا, فَقَالَ: «عَلِمْتُ (٢) أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا». [م ٣٩٨]
===
ليس هو بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال شعبة: اكتبوا عن حجاج بن أرطاة وابن إسحاق فإنهما حافظان.
وقال في "تهذيب التهذيب" (٣): قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نجيح يقول: ما جاءنا منكم مثله، يعني الحجاج بن أرطاة، وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال العجلي: كان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تنبيه، يقول: أهلكني حبُّ الشرف، وكان جائز الحديث إلَّا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان معجبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يروِ عنه، يعني ممن لقيه إلَّا عبد الله بن إدريس، انتهى ملخصًا، فعلم بهذا أن ترك الناس إياه كان لتدليسه، وكان حافظًا، فتقبل، والله أعلم.
٨٢٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن زرارة) بضم الزاي، ابن أوفى، (عن عمران بن حصين) مصغرًا (إن نبي الله ﷺ صلى بهم الظهر، فلما انفتل) أي انصرف عن الصلاة (قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا) أي أنا قرأتها (فقال) رسول الله ﷺ : (علمت أن بعضكم خالجنيها) أي: خالجني في القراءة.
стр. 2279
(١٤١) بَابُ مَا يُجِزِئُ الأُمِّيَّ والأَعْجَمِيَّ (١) مِنَ القَرِاءَةِ
٨٢٩ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ, أَخْبَرَنَا خَالِدٌ, عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الأَعْرَابِىُّ
===
(١٤١) (بَابُ ما يجزئ) أي ما يكفي (الأُمي) أي الذي لا يكتب ولا يحسب، ويكون على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة والحساب (والأعجمي) قال في "المجمع": الأعجم والأعجمي: من لا يفصح ولو عربيًّا، منسوب إلى العجم (من القراءة) أي فإنهما لا يقدران على قراءة القرآن فأي شيء يجزئ لهم عن قراءته
٨٢٩ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (٢) بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن) الواو حالية (نقرأ القرآن وفينا) أي في جماعة الصحابة الموجودين (الأعرابي) وهو البدوي، ويجمع على الأعراب والأعاريب، والنسبة إلى الأعراب أعرابي.
قال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب: أعرابي, لأنه لا واحد له على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب، فلا يكون على هذا المعنى.
وحكى الأزهري: رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا وإن لم يكن فصيحًا، وجمعه العرب، كما يقال: رجل مجوسي ويهودي، والجمع بحذف ياء النسبة اليهود والمجوس، ورجل معرب إذا كان فصيحًا وإن كان عجمي
стр. 2280
وَالْعَجَمِيُّ (١) فَقَالَ: "اقْرَأُوا فكلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ". [حم ٣/ ٣٩٧]
===
النسب، ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويًّا، سواء كان من العرب أو من مواليهم.
والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح بذلك، وهشّ له، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم وانتوى بانتوائهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء.
(والعجمي فقال) رسول الله ﷺ : (اقرأوا) أي القرآن كما تقرؤون (فكل) أي فقراءة كلكم (حسن) يعني قراءة الأعرابي والعجمي، وإن كان باعتبار خروج الألفاظ عن مخارجها وقواعد لسان العرب غير مستقيمة، ولكن باعتبار ترتب الثواب عليها والقبول عند الله معتبرة.
(وسيجيء أقوام يقيمونه) (٢) أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة، ويجهدون كمال الجهد في إصلاح الألفاظ ومراعاة القواعد ومراعاة صفات ألفاظه، وليس غرضهم بهذا إلَّا طلب الدنيا رياء وسمعة ومباهاة وشهرة (كما يقام القدح) وهو السهم قبل أن يراش.
قال الطيبي: وفي الحديث رفع الحرج، وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة، والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، نقله القاري (٣).
(يتعجلونه) أي يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويطلبون ثوابه في الدنيا (ولا يتأجلونه) بطلب الأجر في العقبى.