← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في حَدِيثِهِ: قَالَ: قُلْتُ لِقَتَادَةَ: كَأَنَّهُ كَرِهَهُ. قَالَ: لَوْ كَرِهَهُ نَهَى عَنْهُ. === لأن قول سعيد بن المسيب كما أنه يشمل الصلاة الجهرية والسرية كذلك حديث عمران يدل على كراهة القراءة خلف الإِمام في السرية والجهرية، فلا مخالفة بينهما أصلًا، فليس معنى قول شعبة إلَّا ما قلنا، وهكذا نقل الشيخ محمد يحيى ﵀ عن شيخه مولانا الشيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى-. وقال البيهقي في معنى هذا الكلام: قال الإِمام أحمد ﵀: قوله: "ذاك إذا جهر به" يحتمل أن يكون راجعًا إلى الإِمام، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المأموم، يعني إنما لا يجوز للمأموم قراءته إذا جهر بالقرآن، فأما إذا قرأه في نفسه فلا يكون مخالفًا للإنصات، انتهى. (وقال ابن كثير في حديثه: قال) شعبة: (قلت لقتادة: كأنه) ﷺ (كرهه) أي القراءة خلف الإِمام (قال) قتادة: (لو كرهه) أي رسول الله ﷺ القراءة (نهى عنه). حاصل هذا الكلام أن شعبة لما سمع هذا الحديث عن شيخه قتادة سأله أن لفظ الحديث يدل على أن رسول الله ﷺ كره القراءة خلفه، فأجاب قتادة أنه ﷺ لم يكره القراءة, لأنه لو كرهها لنهى عنه، ولما لم ينه عنه علم أنه لم يكرهها، وأنت تعلم أن التنبيه على علة الحكم وهي المخالجة، فإنه علة للكراهة تنصيص على الحكم وإن لم يصرح به، مع أن قول قتادة هذا مخالف للكلام السابق، فإنه يدل على أن الكراهة عند الجهر ثابت عنده، وهذا الكلام ينفي الكراهة مطلقًا، فلو كان المراد الإنكار عن النهي الصريح، فلا يلزم أن يكون صريحًا، وإن كان المراد الإنكار عن النهي والكراهة مطلقًا، فهو غلط، لأنه موجود كما فهمه شعبة بتنصيص العلة، وعلى كل حال قول قتادة في نفي الكراهة غير موجه. وقد ورد النهي عن القراءة خلف الإِمام صراحة في حديث حجاج بن

стр. 2277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أرطاة عن قتادة، أخرجه البيهقي في "كتاب القراءة" (١)، والدارقطني (٢) من طريق سلمة بن الفضل، نا الحجاج بن أرطاة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟ فنهى عن القراءة خلف الإِمام". ثم نقل تضعيفه بقوله: قال ابن صاعد -وهو يحيى بن محمد بن صاعد-: قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإِمام" تفرد بروايته حجاج، وقد رواه عن قتادة شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وإسماعيل بن أبي مسلم وحجاج بن حجاج وأيوب بن أبي مسكين وهمام وأبان وسعيد بن بشير، فلم يقل أحد منهم ما تفرد به حجاج. ثم أخرج البيهقي حديث الدارقطني فذكره بإسناده نحوه، ثم قال: قال الدارقطني: قوله: فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام، وهم من الحجاج. ثم قال البيهقي في آخر البحث: وفي هذا دلالة على أن قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإِمام" توهم من الحجاج بن أرطاة، لا أنه سمعه من قتادة، وللحجاج من أمثال ذلك ما لا يمكن ذكره هاهنا لكثرته، ولذلك سقط عند أهل العلم بالحديث عن حد الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، انتهى. قلت: وفيما قال البيهقي من تضعيف حجاج بن أرطاة نظر، فإنه قال في "ميزان الاعتدال" (٣): وقد طول ابن حبان وابن عدي ترجمته وأفادا: وأكثر ما نقم عليه التدليس، وفيه تنبيه لا يليق بأهل العلم، وكان أحمد يقول: كان من الحفاظ، وروى أبو غالب عن أحمد قال: كان الحجاج حافظًا، قيل له:

стр. 2278

٨٢٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ, فَلَمَّا انْفَتَلَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فَقَالَ (١) رَجُلٌ: أَنَا, فَقَالَ: «عَلِمْتُ (٢) أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا». [م ٣٩٨] === ليس هو بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال شعبة: اكتبوا عن حجاج بن أرطاة وابن إسحاق فإنهما حافظان. وقال في "تهذيب التهذيب" (٣): قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نجيح يقول: ما جاءنا منكم مثله، يعني الحجاج بن أرطاة، وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال العجلي: كان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تنبيه، يقول: أهلكني حبُّ الشرف، وكان جائز الحديث إلَّا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان معجبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يروِ عنه، يعني ممن لقيه إلَّا عبد الله بن إدريس، انتهى ملخصًا، فعلم بهذا أن ترك الناس إياه كان لتدليسه، وكان حافظًا، فتقبل، والله أعلم. ٨٢٨ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن زرارة) بضم الزاي، ابن أوفى، (عن عمران بن حصين) مصغرًا (إن نبي الله ﷺ صلى بهم الظهر، فلما انفتل) أي انصرف عن الصلاة (قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا) أي أنا قرأتها (فقال) رسول الله ﷺ : (علمت أن بعضكم خالجنيها) أي: خالجني في القراءة.

стр. 2279

(١٤١) بَابُ مَا يُجِزِئُ الأُمِّيَّ والأَعْجَمِيَّ (١) مِنَ القَرِاءَةِ ٨٢٩ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ, أَخْبَرَنَا خَالِدٌ, عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الأَعْرَابِىُّ === (١٤١) (بَابُ ما يجزئ) أي ما يكفي (الأُمي) أي الذي لا يكتب ولا يحسب، ويكون على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة والحساب (والأعجمي) قال في "المجمع": الأعجم والأعجمي: من لا يفصح ولو عربيًّا، منسوب إلى العجم (من القراءة) أي فإنهما لا يقدران على قراءة القرآن فأي شيء يجزئ لهم عن قراءته ٨٢٩ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (٢) بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن) الواو حالية (نقرأ القرآن وفينا) أي في جماعة الصحابة الموجودين (الأعرابي) وهو البدوي، ويجمع على الأعراب والأعاريب، والنسبة إلى الأعراب أعرابي. قال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب: أعرابي, لأنه لا واحد له على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب، فلا يكون على هذا المعنى. وحكى الأزهري: رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا وإن لم يكن فصيحًا، وجمعه العرب، كما يقال: رجل مجوسي ويهودي، والجمع بحذف ياء النسبة اليهود والمجوس، ورجل معرب إذا كان فصيحًا وإن كان عجمي

стр. 2280

وَالْعَجَمِيُّ (١) فَقَالَ: "اقْرَأُوا فكلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ". [حم ٣/ ٣٩٧] === النسب، ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويًّا، سواء كان من العرب أو من مواليهم. والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح بذلك، وهشّ له، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم وانتوى بانتوائهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء. (والعجمي فقال) رسول الله ﷺ : (اقرأوا) أي القرآن كما تقرؤون (فكل) أي فقراءة كلكم (حسن) يعني قراءة الأعرابي والعجمي، وإن كان باعتبار خروج الألفاظ عن مخارجها وقواعد لسان العرب غير مستقيمة، ولكن باعتبار ترتب الثواب عليها والقبول عند الله معتبرة. (وسيجيء أقوام يقيمونه) (٢) أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة، ويجهدون كمال الجهد في إصلاح الألفاظ ومراعاة القواعد ومراعاة صفات ألفاظه، وليس غرضهم بهذا إلَّا طلب الدنيا رياء وسمعة ومباهاة وشهرة (كما يقام القدح) وهو السهم قبل أن يراش. قال الطيبي: وفي الحديث رفع الحرج، وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة، والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، نقله القاري (٣). (يتعجلونه) أي يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويطلبون ثوابه في الدنيا (ولا يتأجلونه) بطلب الأجر في العقبى.

стр. 2281

٨٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ (١) , أَخْبَرَنِى عَمْرٌو وَابْنُ لَهِيعَةَ, عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ, عَنْ وَفَاءِ بْنِ شُرَيْحٍ الصَّدَفِىِّ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَنَحْنُ نَقْتَرِئُ فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ, كِتَابُ اللَّهِ وَاحِدٌ, وَفِيكُمُ الأَحْمَرُ, وَفِيكُمُ الأَبْيَضُ, وَفِيكُمُ الأَسْوَدُ, اقْرَءُوهُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَوَّمُ السَّهْمُ, يَتَعَجَّلُ أَجْرَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُهُ». [حم ٥/ ٣٣٨، حب ٧٥٧] ٨٣١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحَ، نَا سُفْيَانُ === ٨٣٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاري (و) عبد الله (بن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح الصدفي، عن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن نقترئ) أي نقرأ القرآن (فقال) رسول الله ﷺ : (الحمد لله) على توفيقه إياكم لقراءة القرآن (كتاب الله واحد) وقارؤوه مختلفون باختلاف ألسنتهم (وفيكم) أي في جماعتكم من القراء (الأحمر) (٢) وهم العرب (وفيكم الأبيض) (٣) وهم الروم (وفيكم الأسود) وهم الحبشة (اقرؤوه) أي القرآن (قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه) أي يسددونه (كما يُقَوَّمُ) أي يسدد (السهم، يتعجل أجره) في الدنيا, لأن قراءته لتحصيل حطام الدنيا (ولا يتأجله) أي ليس غرضهم أن يطلبوا أجر القراءة من الله تعالى في الآخرة. ٨٣١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع بن الجراح، نا سفيان

стр. 2282

الثَّوْرِىُّ, عَنْ أَبِى خَالِدٍ الدَّالَانِىِّ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِىِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا, === الثوري، عن أبي خالد الدالاني) هو يزيد بن عبد الرحمن، (عن إبراهيم) بن عبد الرحمن (السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا) يعني به ما يجعله وردًا (١) له، لا أن المراد من الإجزاء هو الإجزاء عن القراءة في الصلاة، فإن تعلم ما تجزئ به الصلاة من القرآن فرض، وأما في مدة ما يتعلم فإنه يكتفي بالتحميدة والتسبيحة، وهاهنا لم يكن كذلك، فإنه كان تعلم ما لا بد منه في الصلاة، إذ لولا ذلك لأمره بتعلم هذا القدر منه، ولم يكتف على تعليم ما اكتفى به، هكذا نقل مولانا محمد يحيى ﵀ عن شيخه الكَنكَوهي - قدس سره -. ونقل صاحب "عون المعبود" (٢) عن شارح "المصابيح": قال "صاحب المصابيح": اعلم أن هذه الواقعة لا تجوز أن تكون في جميع الأزمان, لأن من يقدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة، بل تأويله لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل علىَّ وقت الصلاة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم، انتهى. قال القاري (٣) عن الطيبي بعد ذكر التأويل الأول: وتوهم بعضهم من إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن هذه القصة في الصلاة، فقال: لا يجوز ذلك في جميع الأزمنة, لأن من قدر على تعلم هذه الكلمات يقدر على تعلم فاتحة الكتاب [لا محالة] بل تأويله أني لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه

стр. 2283

فَعَلِّمْنِى مَا يُجْزِئُنِى مِنْهُ, فقَالَ (١) «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ, وَاللَّهُ أَكْبَرُ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ (٢)» , قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , هَذَا لِلَّهِ, فَمَا لِى؟ === الساعة، وقد دخل عليَّ وقت الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : "قل: سبحان الله ... إلخ"، فمن دخل عليه وقت صلاة مفروضة، ولم يعلم الفاتحة، وعلم شيئًا من القرآن، لزمه أن يقرأ بقدر الفاتحة عدد آيات وحروف، فإن لم يعلم شيئًا منه يقول هذه الكلمات، وفيه بُعدٌ, لأن عجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم ما تصح به صلاته من القرآن مستبعد جدًّا، وَأَنّى كان رسول الله ﷺ يرخص له بالاكتفاء على التسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ما له وما عليه، انتهى. ثم قال في آخر البحث: ثم الظاهر أنه في الصلاة مطلقًا لما مر من حديث رفاعة للترمذي في كتاب صفة الصلاة، قال: "إذا قصت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلَّا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع"، فالأولى أن يحمل الحديثان على أول الأمر الذي كان بناؤه على المساهلة والتيسير، والله أعلم. قلت: وفي سند هذا الحديث أبو خالد الدالاني، قال ابن حجر فيه: صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان يُدَلِّسُ، وفيه إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، قال فيه: صدوق ضعيف الحفظ، فالحديث ضعيف. (فعلمني ما يجزئني) أي يكفيني (منه) أي من وِرْدِ القرآن أو من القراءة في الصلاة، (فقال) رسول الله ﷺ : (قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، قال: يا رسول الله ﷺ هذا) أي ما ذكر من الكلمات (لله) أي مختص له (فما) ذا (لي؟ ) أي علمني شيئًا يكون فيه دعاء

стр. 2284

قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَارْزُقْنِى وَعَافِنِى وَاهْدِنِى» , فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلأَ يَدَهُ (١) مِنَ الْخَيْرِ». [ن ٩٢٤، حم ٤/ ٣٨٢، خزيمة ٥٤٤، ق ٢/ ٣٨١] === واستغفار ينفعني (قال: قل: اللَّهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني، فلما قام) ذاك الرجل (قال) أي فعل ذلك الرجل (هكذا بيده) أي: أشار إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة، وفي نسخة "المشكاة" بعد قوله: هكذا بيديه "وقبضهما". قال القاري في "شرحه" (٢): فقيل: أي عدّ الكلمات بأنامله، وقبض كل أنملة بعدد كل كلمة، قال ابن حجر: ثم بين الراوي المراد بالإشارة بهما، فقال: وقبضهما، أي إشارة إلى أنه يحفظ ما أمره به رسول الله ﷺ ، كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه، وظاهر السياق أن المشير هو المأمور، أي حفظت ما قلت لي، ويؤيده قول الراوي (فقال رسول الله ﷺ : أما هذا) أي الرجل (فقد ملأ يده من الخير) ويصح أن يكون المشير هو ﵇ حملًا له على الامتثال والحفظ لما أمر به، وحينئذ فيكون معنى قوله: فقال رسول الله ﷺ ، أنه فهم من ذلك الرجل الامتثال فبشره ومدحه بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره. ونقل مولانا محمد يحيى المرحوم عن شيخه في كيفية الإشارة قال: هكذا بيده، كما يفعله الفرح بوجدان شيء عزيز الوجود بتحريك يديه، كأنه يشير إلى امتلائهما بذلك الشيء، انتهى. وقد أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" وفيه بعد قوله: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني: "ثم أدبر وهو ممسك فيه"، وهذا السياق يدل على أن ما قال بعض الشراح في سياق أبي داود في شرح قوله: "قال هكذا بيده": يصح أن يكون المشير هو ﷺ ، غير صحيح، فإن في سياق حديث الإِمام

стр. 2285

٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ, أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِى الْفَزَارِىَّ -, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّى التَّطَوُّعَ نَدْعُو قِيَامًا وَقُعُودًا, وَنُسَبِّحُ رُكُوعًا وَسُجُودًا". ٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ حُمَيْدٍ مِثْلَهُ, لَمْ يَذْكُرِ التَّطَوُّعَ, قَالَ: "كَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِمَامًا (١) - أَوْ خَلْفَ إِمَامٍ - بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٢) , وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ قَدْرَ (٣) ﴿ق﴾ وَ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ ". === أحمد تصريحًا بأن الإشارة باليدين كانت من هذا الرجل لا من رسول الله ﷺ . ٨٣٢ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، أنا أبو إسحاق - يعني الفزاري-، عن حميد، عن الحسن (٤)، عن جابر بن عبد الله قال) جابر: (كنا نصلي التطوع ندعو قيامًا وقعودًا) أي في حالة القيام والقعود، قيل: الحديث يدل على أنه يكفي الدعاء في صلاة التطوع، وأن القراءة ليست بفرض فيها، قلت: لا دلالة في الحديث على ذلك، والحديث لا ينفي القراءة، بل إنما يدل على أنهم كانوا يدعون في القيام والقعود، والدعاء ليس بمنهي عنه في الصلاة، فيدعو حيث شاء منها (ونسبح ركوعًا وسجودًا) أي نسبح في حالة الركوع والسجود. ٨٣٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حميد مثله) أي مثل الحديث الذي رواه أبو إسحاق عن حميد، (لم يذكر) حماد عن حميد (التطوع) كما ذكره أبو إسحاق، فاختلفا في ذكر هذا اللفظ، فذكره أبو إسحاق، ولم يذكره حماد، (قال) حميد: (كان الحسن) البصري (يقرأ في الظهر والعصر إمامًا - أو خلف إمام- بفاتحة الكتاب، ويسبح وبكبر وبهلل قدر ق والذاريات).

стр. 2286

(١٤٢) بَابُ تَمَامِ التَّكْبِيرِ === وغرض المصنف بتخريج أثر الحسن البصري أن ما روى الحسن عن جابر ليس المراد به ترك القراءة مطلقًا في الفرض والتطوع، بل المراد الجمع بين القراءة والدعاء، وهذا الذي فعله الحسن ﵀ هو رأيه، وما ثبت عنه ﷺ هو أحق بالاتباع، ولعل مناسبة الحديث بالباب بأن ما قال جابر: كنا ندعو قيامًا، محمول على الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ من الأميين والأعجميين، فإنهم كانوا يدعون قيامًا، لا أن جابرًا كان يفعل ذلك، وكثيرًا ما يطلق: كنا نفعل ذلك، والمراد بعضهم غير القائل، والله أعلم. (١٤٢) (بَابُ (١) تَمَامِ التَّكْبِيرِ) أي: إتيان التكبيرات في الصلاة تمامًا قال الشوكاني في "النيل" (٢) تحت حديث ابن مسعود قال: رأيت النبي ﷺ يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود: قال النووي (٣): وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة، وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإحرام. وقال البغوي في "شرح السنة": اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، قال ابن سيد الناس: وقال آخرون: لا يشرع إلَّا تكبير الإحرام فقط، يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وقتادة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري، ونقله ابن المنذر عن القاسم بن محمد وسالم بن

стр. 2287

٨٣٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ, عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - (١)، === عبد الله بن عمر، ونقله ابن بطال عن جماعة أيضًا، منهم معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين. قال أبو عمر: قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلَّا في الجماعة، وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقال أحمد: أحب إليَّ أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا، وحكى الطحاوي أن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها، وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير، فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب في ما عدا تكبيرة الإحرام، وقال أحمد في رواية عنه وبعض أهل الظاهر: إنه يجب كله، انتهى ملخصًا. ٨٣٤ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن غيلان بن جرير، عن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة، ابن عبد الله بن الشخير بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المكسورة بعدها تحتانية، أبو عبد الله البصري (قال: صليت أنا وعمران بن حصين) مصغرًا (خلف (٢) علي بن أبي طالب ﵁) ووقع في البخاري من طريق أبي العلاء عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: صلى مع علي بالبصرة، قال الحافظ في "شرحه" (٣): يعني بعد وقعة الجمل. ثم قال (٤): وكذا رواه سعيد بن منصور من رواية حميد بن هلال

стр. 2288

فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ, وَإِذَا رَكَعَ كَبَّرَ, وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ, فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِى وَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى هَذَا قِبَلَ (١) , أَوْ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا قِبَلَ صَلَاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ". [خ ٨٢٦, م ٣٩٣, حم ٤/ ٤٤٠، ن ١٠٨١] === عن عمران، ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن غيلان (٢) بالكوفة، وكذا لعبد الرزاق عن معمر، عن قتادة وغير واحد عن مطرف، فيحتمل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين. (فكان إذا سجد كبر، وإذا ركع كبر) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد في "مسنده" بأسانيد مختلفة، وليس فيها هذا اللفظ: وإذا ركع كبر، بل في "الصحيحين": "وإذا رفع رأسه كبّر"، وفي النسائي؟ : "وإذا رفع رأسه من السجود كبر"، وفي رواية عند أحمد: "فجعل يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه"، وفي رواية: "فكبر بنا هذا التكبير حين يركع"، وفي رواية له: "فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع"، وفي سنده رجل مجهول، وفي رواية له: "فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر"، وهكذا في رواية أخرى، وهي رواية حماد بن زيد عن غيلان، عن مطرف، فلعل لفظ أبي داود سهو كاتب، فكتب ركع في محل رفع، والله أعلم. (وإذا نهض من الركعتين) أي بعد التشهد (كبر، فلما انصرفنا) أي عن الصلاة (أخذ عمران بيدي وقال: لقد صلى هذا) أي علي بن أبي طالب (قبل، أو قال: لقد صلى بنا هذا قبل) أي قبل ذاك التكلم والأخذ باليد (صلاة محمد ﷺ ) أي مثل صلاة محمد ﷺ بحذف المضاف، والمماثلة في إتيان التكبيرات في الخفض والرفع.

стр. 2289

٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, حَدَّثَنَا أَبِى وَبَقِيَّةُ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو سَلَمَةَ: "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِى كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَ (١) غَيْرِهَا, يُكَبِّرُ (٢) حِينَ يَقُومُ, ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ, ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ, قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ, ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِى سَاجِدًا, ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ, ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ, ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ, ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِى اثْنَتَيْنِ. === ٨٣٥ - (حدثنا عمرو بن عثمان) وفي النسخة القديمة المجتبائية والكانفورية: عمر بن عثمان بلا واو، وهو غلط، والصحيح عمرو بفتح العين وسكون الميم، ابن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، أبو حفص الحمصي، (نا أبي وبقية) بن الوليد، (عن شعيب) بن أبي حمزة، (عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث (وأبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة كان يكبر) زاد مسلم والنسائي من طريق يونس عن الزهري: حين استخلفه مروان على المدينة (في كل صلاة من المكتوبة وغيرها) من التطوع، (يكبر) للافتتاح (حين يقوم) للصلاة فيكبر قائمًا، وهو بالاتفاق في حق القادر، (ثم يكبر حين يركع) أي: يهوي في الركوع. (ثم يقول) حين يرفع صلبه من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ثم يقول) أي في القومة: (ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجدة الأولى، (ثم يكبر حين يسجد) ثانيًا، (ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجود الثاني، (ثم يكبر حين (٣) يقوم من الجلوس في اثنتين)، ولفظ البخاري: "ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد

стр. 2290

فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ, ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنِّى لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا". [خ ٨٠٣، ن ١١٥٦، م ٣٩٢، حم ٢/ ٢٧٠] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْكَلَامُ الأَخِيرُ يَجْعَلُهُ مَالِكٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ (١) , وَوَافَقَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ, شُعَيْبَ بْنَ أَبِى حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. === الجلوس"، وهو أوضح للمراد (فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة). (ثم يقول) أبو هريرة (حين ينصرف) من الصلاة: (والذي (٢) نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ ، إن) مخففة من الثقيلة أي إنه (كانت هذه) أي الصلاة التي صليت لكم مع التكبيرات (لصلاته) أي رسول الله ﷺ (حتى فارق الدنيا). (قال أبو داود: هذا الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما) وهو ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، عن الزهري (عن الزهري، عن علي بن حسين، ووافق عبد الأعلى) فاعل لوافق (عن معمر شعيبَ بن أبي حمزة) مفعول به لوافق (عن الزهري). غرض المصنف بهذا الكلام بيان الاختلاف في الكلام الأخير الواقع في هذا الحديث، يقول: إن هذا الكلام الأخير وهو قوله: "إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا"، رويناه عن شعيب عن الزهري، أخبره أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة أن أبا هريرة يقول ذلك الكلام، فروى هذا بهذا الطريق موصولًا إلى أبي هريرة، ولكن مالك بن أنس والزبيدي وغيرهما

стр. 2291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يروونه عن الزهري، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب مرسلًا من قول علي بن حسين، قال مالك في "موطئه" (١): عن ابن شهاب، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله"، انتهى، فخالفوا في روايتهم رواية شعيب بن أبي حمزة. ثم يقول المصنف: ووافق عبد الأعلى عن معمر -أي عن الزهري- شعيبَ بن أبي حمزة عن الزهري في أن كما روى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري بأن هذا الكلام الأخير رواه الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة، عن أبي هريرة موصولًا، كذلك رواه عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة موصولًا. وقد أخرج الدارمي في "سننه" (٢) حديث عبد الأعلى وهو هذا: أخبرنا نصر بن علي، ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنهما صليا خلف أبي هريرة، فلما ركع كبر، فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال: ربنا ولك الحمد، ثم سجد وكبر، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر حين قام من الركعتين، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا برسول الله ﷺ ، ما زال هذه صلاته حتى فارق الدنيا، انتهى، فما قال صاحب "عون المعبود" (٣) في معنى هذا الكلام بعيد عن الصواب.

стр. 2292

٨٣٦ - حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ, قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: الشَّامِىُّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْقَلَانِىُّ, عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى, === ٨٣٦ - (حدثنا محمد بن بشار وابن المثنى قالا: نا أبو داود) الطيالسي قال: (نا شعبة، عن الحسن بن عمران، قال ابن بشار) محمد بن بشار أحد شيخي المصنف في صفة الحسن بن عمران: (الشامي) ولم يذكر هذه الصفة ابن المثنى الشيخ الثاني للمصنف. (قال أبو داود) (٢) المصنف: الحسن بن عمران هو (أبو عبد الله العسقلاني) وغرض المصنف بهذا الكلام أن ما قاله شيخه محمد بن بشار في وصف الحسن بن عمران: إنه شامي، صحيح، فإنه عسقلاني، وعسقلان بلدة من بلاد الشام، وزاد من عند نفسه كنيته بأنه أبو عبد الله. (عن ابن عبد الرحمن بن أبزى) ذكره غير مسمى، واختلف فيه، قال في "تهذيب التهذيب" (٣): وسماه أبو عاصم ويحيى بن حماد في روايتيهما عن شعبة عبد الله، وسماه محمود بن غيلان وغيره عن أبي داود عن شعبة سعيدًا (٤)، والحديث معلول، قال أبو داود الطيالسي والبخاري: لا يصح، قلت: نقل البخاري عن الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري في "تهذيب الآثار": الحسن مجهول، انتهى.

стр. 2293

عن أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مع رَسُولِ اللهِ (١) ﷺ وَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. [حم ٣/ ٤٠٦] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَعْنَاهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لَمْ يُكَبِّر، وَإِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يُكَبِّر. (١٤٣) بابٌ: كَيْفَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ؟ ٨٣٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا يَزِيدُ بْنُ === (عن أبيه أنه) أي عبد الرحمن بن أبزى (صلى مع رسول الله ﷺ وكان لا يتم التكبير) قال الحافظ (٢) في شرح قول البخاري: "باب إتمام التكبير في الركوع": أي مده بحيث ينتهي بتمامه، أو المراد إتمام عدد تكبيرات الصلاة بالتكبير في الركوع، قاله الكرماني، قلت: ولعله أراد بلفظ الإتمام الإشارة إلى تضعيف ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال: "صليت خلف النبي ﷺ فلم يتم التكبير"، وقد نقل البخاري في "التاريخ" عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول، وأجيب على تقدير صحته بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجهر به أو لم يمده (٣)، انتهى. (قال أبو داود: معناه إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر) حاصله أن معنى قوله في الحديث: "لا يتم التكبير" عند المصنف أنه لا يتم عدد التكبيرات في الانتقالات. (١٤٣) (بَابٌ: كَيْفَ (٤) يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ؟ ) ٨٣٧ - (حدثنا الحسن بن علي وحسين بن عيسى قالا: نا يزيد بن

стр. 2294

هَارُونَ, أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِىَّ (١) ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ, وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ". [خزيمة ٦٢٦، حب ١٩١٢، قط ١/ ٣٤٥، ك ١/ ٢٢٦، ت ٢٦٨، جه ٨٨٢، ن ١٠٨٩، دي ١٣٢٠، ق ٢/ ٩٨] === هارون، أنا شريك) بن عبد الله النخغي، (عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٢)، (وإذا نهض) من السجود (رفع يديه قبل ركبتيه) وبه قال أبو حنيفة، وخالفه الشافعي (٣)، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان. قال ابن حجر: وضعف النووي الشطر الثاني (٤)، ولهذا مذهبنا الذي اتفق عليه أصحابنا أنه يسن أن يعتمد في قيامه على بطن راحتيه وأصابعه مبسوطة على الأرض للاتباع، رواه البخاري في القيام من السجود، ويقاس به القيام من القعود، والنهي عن ذلك ضعيف، وكذا خبر: "كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه"، وكذا خبر علي -رضي الله تعالى عنه -: "من السنة أن لا يعتمد بيديه إلَّا الشيخ العاجز الذي لا يستطيع"، وكذا قول عطية العوفي: رأيت جماعة من الصحابة وعددهم يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة، لأن عطية هذا ضعيف. قلت: لا شك أن الرواية إذا كثرت تنتقل من الضعف إلى القوة، كيف

стр. 2295

٨٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ, حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ, عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّلَاةِ قَالَ: "فَلَمَّا سَجَدَ وَقَعَتَا (١) رُكْبَتَاهُ إِلَى الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يقَعَا (٢) كَفَّاهُ". قَالَ هَمَّامٌ: وَحَدَّثَنَا شَقِيقٌ, === وقد حسن الترمذي الحديث الذي في الأصل، وصححه الحاكم وابن حبان، ولا شك أنهم أجلُّ من النووي، فمع وجود هذا النص كيف يصح القياس المذكور الذي ظاهر الفرق؟ قاله القاري (٣). ٨٣٨ - (حدثنا محمد بن معمر، نا حجاج بن منهال، نا همام، نا محمد بن جحادة) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، (عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه أن النبي ﷺ ، فذكر حديث الصلاة) الظاهر أن هذا قول أبي داود المؤلف، أي فذكر محمد بن معمر قصة الصلاة (قال) وائل بن حجر: (فلما سجد) رسول الله ﷺ (وقعتا ركبتاه) وهذا من قبيل "أكلوني البراغيث"، (إلى الأرض قبل أن يقعا كفاه). (قال همام: ونا شقيق)، قال في "تهذيب التهذيب" (٤): شقيق عن عاصم بن كليب، عن أبيه في صفة صلاة النبي ﷺ ، وعنه همام بن يحيى، أخرجه أبو داود هكذا، ورواه ابن قانع في "معجمه" من طريق همام، عن شقيق، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه، قال المؤلف: فإن صحت رواية ابن قانع فيشبه أن يكون الحديث متصلًا، وإن كانت رواية أبي داود هي الصحيحة فالحديث مرسل. قلت: وشنتم ذكره أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة"، كما قال

стр. 2296

حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا. وَفِي حَدِيثِ أَحَدِهِمَا، وَأَكْبَرُ عِلْمِي أَنَّهُ في حَدِيثِ === ابن قانع، وقال: لم أسمع لشنتم ذكرًا إلَّا في هذا الحديث، وقال ابن السكن: لم يثبت ولم أسمع به إلَّا في هذه الرواية, وقد قيل في شهاب بن المجنون جد عاصم بن كليب: إنه قيل فيه: شتير، فيحتمل أن يكون شنتم تصحيف من شتير، ويكون عاصم في الرواية هو ابن كليب وإنما نسب إلى جده، والله أعلم، وقال أبو الحسن بن القطان: شقيق هذا ضعيف، لا يعرف لغير رواية همام. (حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه) قال في "تهذيب التهذيب" (١): كليب بن شهاب المجنون الجرمي، وفي نسبه اختلاف، قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، ورأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به، وقال النسائي: كليب هذا لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم، وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: عاصم بن كليب، عن أبيه، عن جده ليس بشيء، الناس يغلطون يقولون: كليب عن أبيه ليس هو ذاك، وقال في موضع آخر: وعاصم بن كليب كان من أفضل أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقد يقال: إن له صحبة، وقال ابن أبي خيثمة والبغوي: قد لحق النبي ﷺ ، وذكره ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر في الصحابة، وقد بينت في "الإصابة" (٢) سبب وهمهم في ذلك، انتهى. (عن النبي ﷺ بمثل هذا) أي بمثل ما روى محمد بن جحادة من قوله: "فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقعا كفاه"، (وفي حديث أحدهما) أي ابن جحادة وشقيق، والظاهر أن هذا قول همام (وأكبر علمي أنه في حديث

стр. 2297

مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ: "وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذهِ" (١). (٢) ٨٣٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ, وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». [ن ١٠٩١، دي ١٣٢١، حم ٢/ ٣٨١، قط ١/ ٣٤٥] === محمد بن جحادة) لا في حديث شقيق: (وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه) (٣). ٨٣٩ - (حدثنا سعيد بن منصور، نا عبد العزيز بن محمد، حدثني محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجد أحدكم فلا يبرك) نهي وقيل: نفي (كما يبرك البعير) أي لا يضع ركبتيه قبل يديه كما يبرك البعير، شبه ذلك ببروك البعير مع أنه يضع يديه قبل رجليه, لأن ركبة الإنسان في الرجل، وركبة الدواب في اليد، وإذا وضع ركبتيه أولًا فقد شابه الإبل في البروك (وليضع) بسكون اللام وتكسر (يديه قبل ركبتيه). قال التوربشتي: كيف نهى عن بروك البعير، ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين، والبعير يضع اليدين قبل الرجلين: والجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين.

стр. 2298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الشوكاني (١): الحديث أخرجه الترمذي، وقال: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلَّا من هذا الوجه، انتهى، وقال البخاري: إن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب لا يتابع عليه، وقال: لا أدري سمع من أبي الزناد أو لا، انتهى. وقال في "المشكاة": قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا، قال القاري (٢): قال ابن حجر: ووجه كونه أثبت أن جماعة من الحفاظ صححوه، ولا يقدح فيه أن في سنده شريكًا القاضي وليس بالقوي، لأن مسلمًا روى له فهو على شرطه على أن له طريقين آخرين، وقيل: هذا أي حديث أبي هريرة منسوخ بحديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين، رواه ابن خزيمة (٣)، فلولا حديث أبي هريرة سابقًا على ذلك، لزم النسخ (٤) مرتين وهو على خلاف الدليل. قلت: وهذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فذهب الجمهور وعامة الفقهاء إلى استحباب وضع الركبتين قبل اليدين، ورفعهما عند النهوض قبل رفع الركبتين. وذهب الأوزاعي ومالك إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين، واحتجوا بحديث أبي هريرة هذا، وقالوا: وهو أقوى, لأن له شاهدًا من حديث

стр. 2299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ابن عمر أخرجه ابن خزيمة وصححه، وذكره البخاري تعليقًا موقوفًا، وقد أخرجه الدارقطني والحاكم في "المستدرك" (١) مرفوعًا بلفظ: "أن النبي ﷺ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه"، وقال: على شرط مسلم. وأجاب الأولون عن ذلك بأجوبة: منها: أن حديث أبي هريرة وابن عمر منسوخان بحديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه. ومنها: ما جزم ابن القيم في "الهدي" (٢): أن حديث أبي هريرة انقلب متنه على بعض الرواة، قال: ولعله: "وليضع ركبتيه قبل يديه"، قال: وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة (٣) فقال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل"، ورواه الأثرم في "سننه" أيضًا عن أبي بكر كذلك، وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ما يصدِّق ذلك، ويوافق حديث وائل بن حجر. قال ابن أبي داود: حدثنا يوسف بن أبي عدي، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه، ولكنه قد ضعف عبد الله بن سعيد يحيى القطان وغيره. ومنها: ما أجاب به ابن القيم: أن أول حديث أبي هريرة يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولًا. ومنها: الاضطراب في حديث أبي هريرة، فإن منهم من يقول: وليضع يديه قبل ركبتيه، ومنهم من يقول بالعكس كما تقدم، ومنهم من يقول: وليضع يديه على ركبتيه، كما رواه البيهقي، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسًا.

стр. 2300

٨٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَعْمِدُ (١) أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ فَيَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ (٢) الْجَمَلُ» (٣). [ت ٢٦٩، ن ١٠٩٠، ق ٢/ ١٠٠، قط ١/ ٣٤٥] === ومنها: أن حديث وائل موافق لما نقل عن الصحابة كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود. ومنها: أن لحديث وائل شواهد من حديث أنس وابن عمر. ومنها: أنه مذهب الجمهور، وهذه المباحث المذكورة من المرجحات لحديث وائل، وكذلك مرجحات لحديث أبي هريرة، والمقام من معارك الأنظار ومضايق الأفكار، وأما الحافظ ابن القيم (٤) فقد رجح حديث وائل، وأطال الكلام في ذلك، وذكر عشر مرجحات، هذا ملخص ما قال الشوكاني في "النيل" (٥). ٨٤٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد الله بن نافع) الصائغ المخزومي، أبو محمد المدني، (عن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يعمد) بتقدير همزة الاستفهام للإنكار (أحدكم في صلاته يبرك كما يبرك الجمل) أي لا يفعل ذلك،

стр. 2301

(١٤٤) بَابُ النُّهُوضِ في الفَرْدِ ٨٤١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ: "جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إِلَى (١) مَسْجِدِنَا فَقَالَ (٢): وَاللَّهِ إِنِّى لأُصَلِّى وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ === ولعل وجه إيراد المصنف بهذا الحديث بأن الحديث الذي أخرجه قبل من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي فيه زيادة قوله: وليضع يديه قبل ركبتيه، فأشار بإيراد هذا الحديث من طريق عبد الله بن نافع أن هذه الزيادة غير محفوظة، فإن عبد الله بن نافع ثقة، وقد خالفه الدراوردي، وهو ليس في مرتبته، فخالف الأقوى منه. (١٤٤) (بَابُ النُّهُوضِ في الْفَرْدِ) أي: كيفية القيام من السجدة الثانية في الركعة الأولى أو الثالثة من ذوات الأربع ٨٤١ - (حدثنا مسدد، نا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم-، عن أيوب، عن أبي قلابة) (٣) عبد الله بن زيد الجرمي (قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا (٤) فقال: والله إني لأصلي (٥) وما أريد الصلاة)، فإن قلت: ظاهر الكلام يفهم منه التعارض بين الجملتين، فإن قوله: والله إني لأصلي يستلزم إرادة الصلاة، والجملة الثانية وهي: ما أريد الصلاة ينفيها، فكيف التوفيق بينهما؟ قلت: معنى الكلام أني أريد أن أصلي لكم لأريكم كيفية صلاة رسول الله ﷺ ، وما أريد صلاة محضًا خالية عن هذا الغرض.

стр. 2302

وَلَكِنِّي (١) أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى. قَالَ: قُلْتُ لأَبِى قِلَابَةَ: كَيْفَ صَلَّى؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ إِمَامَهُمْ - وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى قَعَدَ ثُمَّ قَامَ". [خ ٦٧٧، ن ١١٥١، حم ٣/ ٤٣٦، خزيمة ٦٨٧] ٨٤٢ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ: "جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إِلَى مَسْجِدِنَا فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّى لأُصَلِّى وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ, وَلَكِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى. قَالَ: فَقَعَدَ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ". [انظر سابقه] === (ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، قال) أيوب: (قلت لأبي قلابة: كيف صلى) مالك بن الحويرث؟ (قال) أبو قلابة: (مثل صلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سلمة إمامهم) أي كما يصلي عمرو بن سلمة إمامهم صلى مثل ذلك مالك بن الحويرث (وذكر) أي أبو قلابة، وهذا قول أيوب (أنه) أي مالك بن الحويرث (كان إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى قعد) هنية قليلًا (ثم قام) أي إلى الركعة الثانية. ٨٤٢ - (حدثنا زياد بن أيوب، نا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث) مصغرًا (إلي مسجدنا فقال) أي مالك بن الحويرث: (والله إني لأصلي وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي. قال) أبو قلابة: (فقعد) مالك بن الحويرث (في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة) أي قعد فيها قعدة يسيرة ثم قام.

стр. 2303

٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ أَبِى قِلَابَةَ, عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: "أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ إِذَا كَانَ فِى وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا". [خ ٨٢٣، ت ٢٨٧، ن ١١٥٢، خزيمة ٦٨٦، حب ١٩٣٤، ق ٢/ ١٣٢] === ٨٤٣ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث: أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا)، في هذه الأحاديث دليل للشافعية وغيرهم على استحباب جلسة الاستراحة. وفي "التمهيد" (١): اختلف الفقهاء في النهوض عن السجود إلى القيام، فقال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: ينهض على صدور قدميه ولا يجلس، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ يفعل ذلك، وقال أبو الزناد: ذلك السنة، وبه قال أحمد وابن راهويه، وقال أحمد (٢): وأكثر الأحاديث على هذا، قال الأثرم: رأيت أحمد ينهض بعد السجود على صدور قدميه ولا يجلس قبل أن ينهض. وروى الترمذي (٣) عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه"، ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤) عن عبد الله بن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه ولم يجلس، وأخرج نحوه عن علي وابن عمر وابن الزبير وابن عباس، وأخرج أيضًا عن عمر.

стр. 2304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال الطحاوي (١): ليس في حديث أبي حميد جلسة الاستراحة، وساقه بلفظ: فقام ولم يتورك، وأخرجه أبو داود كذلك، وقال الطحاوي: فلما تخالف الحديثان احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد لأجلها , لا لأن ذلك من سنة الصلاة، وقال أيضًا: لو كانت هذه الجلسة مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص. وقال الكرماني. الأصل عدم العلة، وأما تركه ﷺ فلبيان جواز الترك. قلت: قوله ﷺ : "لا تبادروني فإني قد بَدَّنْتُ"، يدل على أن تلك كانت لعلة، ولأن تلك الجلسة للاستراحة، والصلاة غير موضوعة لتلك، وقال بعضهم: إن مالك بن الحويرث هو راوي حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فحكاياته لصِفات صلاة النبي ﷺ داخلة تحت هذا الأمر. قلت: هذا لا ينافي وجود العلة لأجل هذه الجلسة، وبقولنا قال مالك وأحمد. وقال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" (٢): ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه، كما ذكر عنه وائل وأبو هريرة، ولا يعتمد على الأرض بيديه، وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا، وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد ﵀، قال الخلّال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض، فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة،

стр. 2305

(١٤٥) بَابُ الإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ === وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا، لذكرها كل واصف لصلاته ﷺ ، ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلَّا إذا علم أنه فعلها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّرَ أنه فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، وهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة، انتهى (١). (١٤٥) (بَابُ الإقْعَاءِ (٢) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) قال القاري (٣): قيل: الإقعاء أن يلصق أليتيه على الأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كالكلب، وقيل: أن يضع أليتيه على عقبيه، وقيل: أن يجلس على أليتيه ناصبًا قدميه وفخذيه، وهو الأصح، قال في "المستقصى": إقعاء الكلب في نصب اليدين، وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره. ذكره في شرح "المنية"، وقال ابن حجر -أي في شرح حديث علي: لا تقع بين السجدتين-: أي لا تجلس على أليتيك ناصبًا فخذيك, لأن هذا مكروه (٤)

стр. 2306

٨٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ, حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: "قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِى الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِى السُّجُودِ, فَقَالَ: هِىَ السُّنَّةُ (١). قَالَ: قُلْنَا: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ! === عند عامة العلماء، أو لا تجلس على عقبيك, لأن هذا مكروه عند جماعة، لكن ورد في خبر مسلم: "الإقعاء بين السجدتين سنة"، وزعم الخطابي حرمته وأن الحديث منسوخ. قال في "البدائع" (٢): واختلفوا في تفسير الإقعاء، قال الكرخي: وهو نصب القدمين والجلوس على العقبين، وهو عقب الشيطان الذي نهي عنه في الحديث، وقال الطحاوي: وهو الجلوس على الأليتين، ونصب الركبتين، ووضع الفخذين على البطن، وهذا أشبه بإقعاء الكلب، ولأن في ذلك ترك الجلسة المسنونة، فكان مكروهًا، انتهى. ٨٤٤ - (حدثنا يحيى بن معين، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاوسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في السجود) والمراد ههنا من الإقعاء هو نصب القدمين والجلوس على العقبين، والمراد بلفظ "في السجود" بين السجدتين (فقال) ابن عباس: (هي) أي الإقعاء (السنة. قال) طاوس: (قلنا) لابن عباس، وفي رواية مسلم: فقلنا له: (إنا لنراه) أي ذلك الفعل (جفاء بالرجل). قال النووي (٣): ضبطناه بفتح الراء (٤) وضم الجيم أي بالإنسان،

стр. 2307

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ ". [ت ٢٨٣، م ٥٣٦، حم ١/ ٣١٣، خزيمة ٦٨٠، ق ٢/ ١١٩] === وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضبطه أبو عمر بن عبد البر بكسر الراء (١) وإسكان الجيم، قال أبو عمر: ومن ضم الجيم فقد غلط، ورد الجمهور على ابن عبد البر وقالوا: الصواب الضم، وهو الذي يليق به إضافة الجفاء إليه، انتهى. (فقال ابن عباس: هي) أي الإقعاء (سنة نبيك ﷺ ) قال النووي: اعلم أن الإقعاء ورد فيه الحديثان، ففي هذا الحديث أنه سنة، وفي حديث آخر ورد النهي عنه، رواه الترمذي وغيره من رواية علي، وابن ماجه من رواية أنس، وأحمد بن حنبل من رواية سمرة وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة وأنس، وأسانيدها كلها ضعيفة (٢). وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء وتفسيره اختلافًا كثيرًا لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة وصاحبه أبو عبيد وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي. والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سنة نبيكم، وقد نص الشافعي على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحمل حديث ابن عباس ﵄ -عليه جماعات من

стр. 2308

(١٤٦) بَابُ مَا جَاءَ في مَا يَقْولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوع ٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ (١) اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ, مِلْءَ السَّمَوَاتِ === المحققين منهم البيهقي والقاضي عياض وآخرون، قال القاضي: وقد روي عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرًا عن ابن عباس: "من السنة أن تمس عقبيك أليتيك"، فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس. وقد ذكرنا أن الشافعي نص على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نص آخر وهو الأشهر: أن السنة فيه الافتراش، وقد علمت أن الإقعاء على كلا نوعيه مكروه عند الحنفية. (١٤٦) (بَابُ مَا جَاءَ فِيما يَقُول إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) أي: في القومة ٨٤٥ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عبد الله بن نمير وأبو معاوية ووكيع ومحمد بن عبيد كلهم عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن) أبو الحسن الكوفي (قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللَّهم ربنا لك الحمد مِلءَ السموات) بالنصب، وهو الأكثر على أنه صفة مصدر محذوف، وقيل على نزع الخافض أي بملء السماوات، وبالرفع على أنه صفة الحمد، والمِلء بالكسر اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، وهو مجاز عن الكثرة، قال المظهر: هذا تمثيل

стр. 2309

وَمِلْء الأَرْضِ وَمِلْء مَا شِئْت مِنْ شَئءٍ بَعْد" (١). [م ٤٧٦، جه ٤٧٨، حم ٤/ ٣٥٣] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عُبَيْدٍ أَبِى الْحَسَنِ: هَذَا (٢) الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهِ "بَعْدَ الرُّكُوعِ". === وتقريب إذ الكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد تكثير العدد حتى لو قدر أن تلك الكلمات تكون أجسامًا تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما تملأ السماوات والأرضين (٣). (ومِلء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) أي بعد ذلك أي ما بينهما أو غير ما ذكر كالعرش والكرسي وما تحت الثرى. (قال أبو داود: وقال سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج (٤) عن عبيد أبي الحسن) فخالفا سليمان الأعمش، فإنه قال: عبيد بن الحسن، وإنهما قالا: عبيد أبي الحسن، وكلاهما صحيحان، فإنه ابن الحسن وهو أبو الحسن (هذا الحديث ليس فيه بعد الركوع) أي لم يقل سفيان الثوري وشعبة في هذا الحديث الذي رويا عن عبيد أبي الحسن إن هذا الدعاء بعد الركوع كما ذكره الأعمش في حديثه أنه بعد الركوع، وهو قوله: "إذا رفع رأسه من الركوع".

стр. 2310

قَالَ سُفْيَانُ: لَقِينَا الشَّيْخَ عُبَيْدًا أَبَا الْحَسَنِ (١) , فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بَعْدَ الرُّكُوعِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِى عِصْمَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُبَيْدٍ === وقد أخرج حديث شعبة عن عبيد أبي الحسن مسلم في "صحيحه" (٢)، وليس فيه ذكر محل هذا الدعاء، وهكذا أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" (٣) عن شعبة، وقد أخرج أحمد من طريق وكيع، حدثنا مسعر، حدثنا عبيد بن حسن، عن ابن أبي أوفى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك، ولم يقل: في الصلاة. (قال سفيان: لقينا الشيخ عبيدًا أبا الحسن فلم يقل فيه: بعد الركوع) حاصله أن سفيان تلقى هذا الحديث أولًا عن عبيد بالواسطة (٤)، وكان فيه بعد الركوع أو ما في معناه، ثم لقيه وأخذ منه الحديث بلا واسطة، فلم يقل في الحديث كلمة تدل على أنه بعد الركوع. (قال أبو داود: ورواه شعبة (٥) عن أبي عصمة) وهو نوح بن أبي مريم المشهور بالجامع, لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن الحجاج بن أرطاة وطبقته، والمغازي عن ابن إسحاق، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، وكان مع ذلك عالمًا بأمور الدنيا فسمي الجامع، لكن كذبوه في الحديث، قال ابن المبارك: وكان يضع، وقال ابن حبان: نوح الجامع جمع كل شيء إلَّا الصدق. (عن الأعمش عن عبيد) من غير ذكر ابن الحسن أو أبي الحسن

стр. 2311

قَالَ "بَعْدَ الرُّكُوعِ". ٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, (ح): وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ قَزَعَةَ بْنِ يَحْيَى, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قال: "إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ حِينَ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ». قَالَ مُؤَمَّلٌ: "مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ === (قال) عبيد: (بعد الركوع) وحاصل هذا الكلام أن تلاميذ الأعمش (١) اختلفوا في سند هذا الحديث وفي متنه، أما في سند الحديث فبعضهم قالوا: عن عبيد بن الحسن، وبعضهم قالوا: عن عبيد أبي الحسن، وبعضهم: عن عبيد، وقد تقدم أن كليهما صحيحان، وليس الاختلاف إلَّا في اللفظ، وأما الاختلاف في المتن فبعضهم ذكروا أن هذا الدعاء كان في الصلاة بعد الركوع، وبعضهم لم يذكروا ذلك، بل لم يذكروا لفظًا يدل على أن هذا الدعاء كان في الصلاة. ٨٤٦ - (حدثنا مؤمل) كمحمد (ابن الفضل الحراني، نا الوليد) بن مسلم، (ح: ونا محمود بن خالد، نا أبو مسهر) عبد الأعلى، (ح: ونا ابن السرح، نا بشر بن بكر، ح: ونا محمد بن مصعب، نا عبد الله بن يوسف كلهم) أي الوليد وأبو مسهر وبشر بن بكر وعبد الله رووا (عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري قال) أبو سعيد: (إن رسول الله ﷺ كان يقول حين يقول: سمع الله لمن حمده) أي: في القومة بعد التسميع حين انفراده: (اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء، قال مؤمل: ملء السموات) يعني قال مؤمل بصيغة الجمع، والباقون بالإفراد (وملء الأرض وملء ما شئث من شيء

стр. 2312

بَعْدُ, أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ, أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ, وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ, لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ». زَادَ مَحْمُودٌ: «وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ» - ثُمَّ اتَّفَقُوا (١) -: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢). وَقَالَ بِشْرٌ: "رَبنا لَكَ الْحَمْدُ" (٣)، لَمْ يَقُلْ مَحْمُود "اللَّهُمَّ " === بعد، أهل الثناء) بالرفع بتقدير أنت وهو الأنسب للسباق واللحاق، أو بتقدير هو، وبالنصب على المدح، أو بتقدير يا، يا أهل الثناء (والمجد) أي العظمة والكرم (أحق ما قال العبد) (٤) بالرفع وما موصوفة أو موصولة، وأل للجنس أو للعهد، والمعهود النبي ﷺ ، أي أنت أحق بما قال العبد، لك من المدح من غيرك (وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت) لعبد شيئًا من العطاء. (زاد محمود: ولا معطي) من أحد (لما منعت) أي للشيء الذي منعته من الأشياء، أو من إعطاء أحد، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٥). (ثم اتفقوا: ولا ينفع ذا الجد منك الجد) المشهور فتح الجيم بمعنى الغناء، أي لا ينفع ذا الغنى منك الغناء، وإنما ينفعه العمل بطاعتك فمعنى منك عندك، ويحتمل وجهًا آخر أي لا يسلمه من عذابك غناه، وفيه توجيهات أخر. (وقال بشر: ربنا لك الحمد) أي لم يقل: اللَّهم (لم يقل محمود اللَّهم،

стр. 2313

قَالَ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" (١). [م ٤٧٧، ن ١٠٦٨، دي ١٣١٣، حم ٣/ ٨٧، خزيمة ١١٣] === قال) محمود: (ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو، قال الشوكاني (٢): الواو في قوله: "ربنا ولك الحمد" ثابتة في أكثر الروايات، وهي عاطفة على مقدر بعد قوله: "ربنا"، وهو استجب كما قال ابن دقيق العيد، أو حمدناك كما قال النووي، أو الواو زائدة كما قال أبو عمرو بن العلاء، أو للحال كما قال غيره. واحتج بهذا الحديث من قال: إنه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصل من غير فرق بين الإِمام والمؤتم والمنفرد، وهو الشافعي ومالك وعطاء ومحمد بن سيرين وإسحاق وداود ولكنه أخص من الدعوى, لأنه حكايه لصلاة النبي ﷺ إمامًا كما هو المتبادر والغالب، إلَّا أن قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" يدل على عدم اختصاص ذلك بالإمام. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما الإِمام والمنفرد أيضًا، ورجحه الطحاوي. وقال الإِمام أبو حنيفة: إن الإِمام والمنفرد يقول: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط، وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد، قال: وبه أقول، وحجتهم حديث أبي هريرة الآتي، وهو قوله: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد".

стр. 2314

٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سُمَىٍّ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ, فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [خ ٧٩٦، م ٤٠٩، ت ٢٦٧، ن ١٠٦٣، حم ٢/ ٤١٧، ق ٢/ ٩٦] === ٨٤٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح السمان) ذكوان، (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهم ربنا لك الحمد، فإنه) ضمير شأن (من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) أي إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده، يقول الملائكة: اللَّهم ربنا لك الحمد، فقولوا أنتم أيها القوم: اللَّهم ربنا لك الحمد، فإنه إذا وافق قولكم قول الملائكة غفر لكم ما تقدم من ذنبكم، والمراد غفران الصغائر، فإن غفران الكبائر منوط بالتوبة. احتج بهذا الحديث الإِمام أبو حنيفة ومن معه من العلماء بأنه ﷺ قسم التحميد والتسميع بين الإِمام والقوم، فجعل التحميد لهم والتسميع له، وفي الجمع بين الذكرين من أحد الجانبين إبطال هذه القسمة، وهذا لا يجوز، ولا يرد أنه ﷺ قسم في قوله: "وإذا قال الإِمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين" مع أن الإِمام يقولها, لأنه ورد في بعض الروايات بأن الإِمام يقولها, ولم يرد هاهنا مثله، ولأن هاهنا مانعًا ليس هناك، وهو أن إتيان التحميد من الإِمام يؤدي إلى جعل التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا، وهذا لا يجوز. ييان ذلك أن الذكر يقارن الانتقال، فإذا قال الإِمام مقارنًا للانتقال: سمع الله لمن حمده، يقول المقتدي مقارنًا له: ربنا لك الحمد، فلو قال الإِمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي، فينقلب المتبوع تابعًا والتابع متبوعًا، وهو خلاف موضوع الإمامة، والحديث الذي استدلا به محمول على حالة الانفراد في صلاة التطوع.

стр. 2315

٨٤٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَمَّارٍ, حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ عَامِرٍ قَالَ: "لَا يَقُولُ الْقَوْمُ خَلْفَ الإِمَامِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, وَلَكِنْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ". === ٨٤٨ - (حدثنا بشر بن عمار، نا أسباط) بن محمد بن عبد الرحمن، (عن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة، ابن طريف، (عن عامر) هو الشعبي (قال: لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد). وهاهنا نقل صاحب "العون" (١) عن الخطابي: اختلف الناس فيما يقول المأموم إذا رفع رأسه من الركوع، فقال طائفة: يقتصر على "ربنا لك الحمد" لا يزيد عليه، وقال طائفة: يقول "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد" يجمع بينهما، وهو قول ابن سيرين وعطاء وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد، انتهى. قلت: هذا غلط في نقل المذهب فإنه ليس مذهب أبي يوسف ومحمد أن يجمع المؤتم بين الذكرين، بل مذهبهما أن يجمع بينهما الإِمام، وأما المؤتم فلا يأتي إلَّا بالتحميد. فقد قال الطحاوي (٢): فذهب قوم إلى أن "سمع الله لمن حمده" يقولها الإِمام دون المأموم، وأن "ربنا لك الحمد" يقولها المأموم دون الإِمام وممن ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة ومالك، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يقول الإِمام: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"، ثم يقول المأموم: "ربنا لك الحمد" خاصة، ثم قال: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وأما أبو حنيفة فكان يذهب في ذلك إلى القول الأول، وهكذا في جميع كتب الأحناف.
следующие страницы →