مَأْنُوسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى- يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ- قَالَ: فَحَزَرْنَا في رُكُوعِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ، وَفِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: قُلْتُ لَهُ: مَأنُوسٍ أَوْ مَأْبُوسٍ؟ فَقَالَ (١): أَمَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَيَقُولُ: مَأْبُوس، وَأَمَّا حِفْظِي فَمَأْنُوس (٢).
===
مأنوس (٣)(٤) قال في "التقريب": وهب بن مأنوس بالنون، وقيل: بالموحدة، البصري، نزيل اليمن، وفي "تهذيب التهذيب": يقال: ما هنوس، ويقال: مسناس بالنون فيهما.
(قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد) أي خلف أحد (بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى) الشاب (يعني عمر بن عبد العزيز، قال: فحزرنا) بتقديم الزاي على الراء أي قدرنا (في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات).
(قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له) أي لشيخي عبد الله بن إبراهيم: (مأنوس) بالنون (أو مأبوس؟ ) بالموحدة (فقال) عبد الله بن إبراهيم: (أما عبد الرزاق) الظاهر أن المراد بعبد الرزاق عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، وعبد الرزاق وعبد الله بن إبراهيم تلميذان لإبراهيم بن عمر بن كيسان (فيقول: ) سمعت شيخي إبراهيم بن كيسان (مأبوس) بالباء الموحدة، (وأما حفظي) أي محفوظي الذي حفظت من شيخي وأبي إبراهيم بن كيسان (فمأنوس)
стр. 2382
وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ رَافِعٍ. قَالَ أَحْمَدُ: عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. [ن ١١٣٥، حم ٣/ ١٦٢]
(١٥٧) بَابُ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ سَاجِدًا (١) كيْفَ يَصْنَعُ؟ (٢)
٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ، أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ (٣)، عن زيدِ ابْنِ أَبِي الْعَتَّاب وَابْنِ الْمَقْبُرِيِّ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ . "إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنحْنُ سُجُودٌ، فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا
===
بالنون، قال أبو داود: (وهذا) المذكور (لفظ ابن رافع) فإن فيه لفظ السماع عن سعيد بن جبير، وكذلك عن أنس بن مالك (وقال أحمد) بن صالح: (عن سعيد بن جبير، عن أنس بن مالك) بلفظة عن.
(١٥٧) (بَابُ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ سَاجِدًا كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ )
٨٨٨ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أن سعيد بن الحكم حدثهم، أنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن زيد بن أبي العتاب) بمثناة مشددة (وابن المقبري) سعيد بن أبي سعيد المقبري، (عن أبي هريرة (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : إذا جئتم إلى الصلاة) والصلاة قائمة (ونحن سجود) أي والحال أني ومن معي من المقتدين في حالة السجود (فاسجدوا) (٥) أي فشاركوا الإِمام في السجود (ولا تعدوها) (٦) الضمير إلى السجدة
стр. 2383
شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصلاةَ". [خزيمة ١٦٢٢، ك ١/ ٢٧٣، قط ١/ ٣٤٧]
(١٥٨) بَابٌ: في أَعْضَاءِ السُّجُودِ (١)
٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٢) وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ
===
أي لا تعدوا تلك السجدة (شيئًا) أي معتدًا به باعتبار حكم الدنيا من إدراك الركعة, لأن مع إدراكها تفوت الركعة، ولا يحصل بها إلَّا ثواب الآخرة.
(ومن أدرك الركعة) أي الركوع (فقد أدرك الصلاة) المراد بالصلاة هاهنا الركعة.
قال القاري (٣): قال ابن حجر: وروى ابن حبان وصححه بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإِمام صلبه فقد أدركها"، وقال جمع محدثون وفقهاء من أصحابنا: لا تدرك الركعة بإدراك الركوع مطلقًا لخبر: "من أدرك الركوع فليركع معه وليعد الركعة"، ورد بأن هذه مقالة خارقة للإجماع، وبأن الحديث لم يصح.
قال النووي: اتفق أهل الأعصار على رده، فلا يعتد به، وقول البخاري: إنما أجاز إدراك الركوع من الصحابة من لم ير القراءة خلف الإِمام، لا من يراها كأبي هريرة، جوابه: أن من بعد الصحابة أجمعوا على الإدراك بناءً على انعقاد الإجماع على أحد قولين لمن قبلهم، انتهى.
(١٥٨) (بَابٌ: في أَعْضَاءِ السُّجُودِ)
٨٨٩ - (حدثنا مسدد وسليمان بن حرب قالا: نا حماد بن
стр. 2384
زيْدٍ (١)، عن عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أمِرْتُ"، قَالَ حَمَّادٌ: أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ وَلَا يَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا. [خ ٨٠٩، م ٤٩٠، ت ٢٧٣، ن ١٠٩٣، جه ٨٨٣، حم ١/ ٢٢١، ق ٢/ ١٠٣]
===
زيد) كما في رواية مسلم، (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: أمرت) والآمر هو الله (قال حماد: أمر نبيكم ﷺ ) هذا الاختلاف الذي ذكره أبو داود في هذا السند لم أجده لغير أبي داود، فإنه قد أخرج هذا الحديث مسلم من رواية يحيى بن يحيى وأبي الربيع عن حماد بن زيد، ولفظه قال: أمر النبي ﷺ ، وكذلك أخرج الترمذي والنسائي من رواية قتيبة عن حماد ولفظها: قال: أمر النبي ﷺ ، فليس في حديث حماد عند أحمد فيما رأيت إلَّا لفظ أمر النبي- ﷺ .
ثم هذا السياق الذي ذكره أبو داود يخالف ما اصطلح عليه المحدثون من أنهم يقولون: قال فلان هكذا، ثم يقولون: قال فلان هكذا على خلاف اللفظ الأول، يطلقون هذا في محل يخالفه آخر في مرتبته في اللفظ، وهاهنا لم يذكر في مرتبة حماد رجلًا آخر يقول على خلاف ما قال حماد، فقوله: "قال: أمرت"، لم يوجد له قائل ذكره أبو داود في السند، فلا ندري ما المراد بهذا الاختلاف، فلعله يشير إلى أنه قال: أمرت مرة، وقال مرة أخرى: أمر نبيكم، أو أشار إلى أن قال بعض الرواة عن عمرو بن دينار، مثلًا شعبة: أمرت، وقال حماد: أمر نبيكم، والله تعالى أعلم.
(أن يسجد على سبعة) وهي الجبهة واليدان والركبتان والرجلان (ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا) المراد بالشعر شعر الرأس، أي في حالة الصلاة لا خارجها، ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها.
стр. 2385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ (١): واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة، قيل: والحكمة في ذلك أنه إذا رفع شعره وثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين (٢)، قاله الشوكاني (٣).
وقال في "منية المصلي" (٤): والخامسة من الفرائض السجدة، وهي فريضة تتأدى بوضع الجبهة والأنف والقدمين واليدين والركبتين، وإن وضع جبهته دون أنفه جاز بالإجماع، ولكن إن كان ذلك من غير عذر يكره، وإن وضع أنفه دون جبهته فكذلك يجوز سجوده، ولكن يكره إن كان بغير عذر عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز السجود بالأنف وحده إلَّا إذا كان بجبهته عذر، ولو وضع خده في السجود أو ذقنه لا يجوز سجوده بالإجماع بل يومئ، ووضع اليدين والركبتين في السجود ليس بواجب (٥) عندنا خلافًا لزفر والشافعي.
قال في "البدائع" (٦): واختلف في محل إقامة فرض السجود، قال أصحابنا الثلاثة: هو بعض الوجه، وقال زفر والشافعي (٧): السجود فرض على الأعضاء السبعة: الوجه واليدين والركبتين والقدمين.
واحتجا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم"، وفي رواية: "على سبعة آراب: الوجه واليدين والركبتين والقدمين".
стр. 2386
٨٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ"، ورُبَّمَا قَالَ: "أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَسْجُدَ عَلى سَبْعَةِ آرَابٍ". [انظر سابقه]
٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، نَا بَكْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ-، عن ابْنِ الْهَادِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن عَامِرٍ بنِ سَعْدٍ، عن الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ
===
ولنا أن الأمر تعلق بالسجود مطلقًا من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فنحمله على بيان السنَّة عملًا بالدليلين، انتهى.
ولو سجد ولم يضع قدميه أو إحداهما (٢) على الأرض في سجوده، لا يجوز سجوده (٣)، ولو وضع إحداهما جاز كما لو قام على قدم واحدة.
٨٩٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: أمرت، وربما قال) شعبة: (أمر نبيكم) فجعل رسول الله ﷺ نفسه غائبًا (أن يسجد) بصيغة الغائب على رواية: أمر نبيكم، وأما على رواية: أمرت، فيكون بصيغة المتكلم أي أن أسجد (على سبعة آراب) أي أعضاء جمع إرب بالكسر فالسكون.
٨٩١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا بكر - يعني ابن مضر-، عن ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، (عن محمد بن إبراهيم) التيمي، (عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص، (عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع
стр. 2387
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ وَكَفَّاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ". [م ٤٩١، ت ٢٧٢، ن ١٠٩٤، حم ١/ ٢٠٦، جه ٨٨٥]
٨٩٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْني ابْنَ إِبْرَاهِيمَ-، عن أَيُّوبَ، عن نَافِع، عن ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ قَالَ: "إِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ (١)، وإِذَا (٢) وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا". [ن ١٠٩٢، حم ٢/ ٦، خزيمة ٦٣٠]
(١٥٩) بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ
٨٩٣ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نَا مَعْمَرٌ،
===
رسول الله ﷺ يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب) أي أعضاء (وجهه) والمراد بالوجه بعضه، وهو الجبهة والأنف، لا الخد والذقن للإجماع (وكفاه وركبتاه (٣) وقدماه) (٤) وهذا السجود عندنا هو الذي على وجه الكمال، وعند الشافعي ﵀ وضع الكفين والركبتين فرض.
٨٩٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم-، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رفعه) أي رفع ابن عمر الحديث إلى النبي (قال) أي رسول الله ﷺ : (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، وإذا وضع أحدكم وجهه) أي جبهته (فليضع يديه، وإذا رفعه) أي الوجه (فليرفعهما) أي اليدين.
(١٥٩) (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأنْفِ وَالْجَبْهَةِ)
٨٩٣ - (حدثنا ابن المثنى، نا صفوان بن عيسى، نا معمر،
стр. 2388
عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُئيَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أَرْنَبَتِهِ أَثَرُ طِينٍ مِنْ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ". [خ ٨٣٦، م ١١٦٧]
٨٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ (١) نَحْوَهُ.
(١٦٠) بَابُ (٢) صِفَةِ السُّجُودِ
٨٩٥ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ، نَا شَرِيكٌ،
===
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رئي) على صيغة الماضي المجهول، من رأى يرى (وعلى جبهته وعلى أرنبته) هو بفتح همزة ونون وموحدة وسكون راء، طرف الأنف (أثر طين) الطين (٣) هو التراب المخلوط بالماء، ويقال له: الوحل (من) أجل (صلاة صلاها بالناس) هي صلاة الفجر صبيحة إحدى وعشرين، فسجد رسول الله ﷺ في الطين والماء، فبقي أثره على جبهته وأرنبته ﷺ ، وكان المسجد عريشًا.
٨٩٤ - (حدثنا محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق، عن معمر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم.
(١٦٠) (بَابُ صِفَةِ السُّجُودِ) (٤)
٨٩٥ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا شريك) بن عبد الله،
стр. 2389
عن أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: "وَصَفَ لنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَوَضَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ. وَقَالَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يسْجُدُ". [ن ١١٠٤، حم ٤/ ٣٠٣، خزيمة ٦٤٦]
٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ وَلَا يَفْتَرِشْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ". [خ ٥٣٢، م ٤٩٣، ت ٢٧٦، ن ١٠٢٨، جه ٨٩٢، حم ٣/ ١٠٩، دي ١٣٢٢]
===
(عن أبي إسحاق) السبيعي الهمداني (قال: وصف) أي بَيَّن (لنا البراء بن عازب) أي السجود، كما هو مصرح في رواية النسائي (فوضع يديه) أي كفيه، ولفظ أحمد: فبسط كفيه، ولفظ النسائي: فوضع يديه بالأرض (واعتمد على ركبتيه) أي جعل ركبتيه عمده (ورفع (١) عجيزته) هي العجز للمرأة فاستعارها للرجل، والعجزة مؤخر الشيء (وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يسجد).
٨٩٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن قتادة، عن أنس أن النبي ﷺ قال: اعتدلوا (٢) في السجود) أي توسطوا بين الافتراش والقبض، وبوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين، والبطن عن الفخذ، إذ هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة، وأبعد من الكسالة "مجمع".
(ولا يفترش أحدكم ذراعيه) على الأرض (افتراش الكلب) أي مثل افتراش الكلب، قال في "النهاية": هو أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض كبسط الكلب والذئب ذراعيه.
стр. 2390
٨٩٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، نَا سُفْيَانُ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عن مَيْمُونَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً
===
٨٩٧ - (حدثنا قتيبة، نا سفيان) بن عيينة، (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله) بن الأصم، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا لأبي داود ففى جميعها بالتصغير، وقال النووي في "شرح مسلم" (٢) في شرح هذإّ الحديث: وقع في بعض الأصول: عبيد الله بن عبد الله بتصغير الأول في الروايتين، وفي بعضها عبد الله مكبرًا في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى، والتصغير في الثانية، وكله صحيح، فعبد الله وعبيد الله أخوان، وهما ابنا عبد الله بن الأصم، وعبد الله بالتكبير أكبر من عبيد الله، وكلاهما رويا عن عمه يزيد بن الأصم، وهذا مشهور في كتب أسماء الرجال.
والذي ذكره خلف الواسطي في كتابه "أطراف الصحيحين" في هذا الحديث: عبد الله بالتكبير في الروايتين، وكذا ذكره أبو داود وابن ماجه في "سننيهما" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكروا رواية الفزاري، ووقع في "سنن النسائي" اختلاف في الرواية عن النسائي، بعضهم رواه بالتكبير، وبعضهم بالتصغير، ورواه البيهقي في "السنن الكبير" من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الفزاري بالتكبير، والله أعلم.
قلت: أما أنا فلم أجد في نسخ أبي داود، وفي نسخة ابن ماجه من رواية ابن عيينة إلَّا بالتصغير، فلعلَّ النسخ التي عند النووي فيها بالتكبير.
(عن عمه يزيد بن الأصم) ابن أخت ميمونة، (عن ميمونة: أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى) أي فرج وباعد (بين يديه) وبين جنبيه (حتى لو أن بهمة)
стр. 2391
أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ". [م ٤٩٦، ن ١١٠٩، جه ٨٨٠، دي ١٣٣١، حم ٦/ ٣٣١، خزيمة ٦٥٧]
٨٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن التَّمِيمِيِّ الَّذِي يُحَدِّثُ بالتَّفْسِيرِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ فَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ وَهُوَ مُجَخٍّ قَدْ فَرَّجَ (١) يَدَيْهِ". [حم ١/ ٢٦٧]
===
البهمة أولاد الضأن والمعز والبقر، جمعه بهم، ويُحَرَّكُ، وبِهام وبهامات، كذا في "القاموس"، وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن خاصة، ويطلق على الذكر والأنثى، قال: والسخال أولاد المعزى، قال النووي: قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: البهمة واحدة البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث.
(أرادت أن تمر تحت يديه مرت) أي لأجل زيادة تفريج اليدين.
٨٩٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن التميمي الذي يحدث بالتفسير) واسمه أربدة بسكون الراء بعدها موحدة مكسورة، ويقال: أربد، قال العجلي: تابعي كوفي ثقة، وقال ابن البرقي: مجهول، وذكره أبو العرب الصقلي حافظ القيروان في "الضعفاء".
(عن ابن عباس قال: أتيت النبي ﷺ من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مُجَخٍّ) (٢) قال في "المجمع": كان إذا سجد جخ (٣) أي فتح عضديه عن جنبيه وجافاهما عنهما (قد فرج يديه) أي عن جنبيه، وهذا تفسير للجخ، ولعله ﷺ لم يكن عليه رداء، أو كان صغيرًا فانكشفت إبطاه.
стр. 2392
٨٩٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، نَا الْحَسَنُ، نَا أَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ حَتَّى نَأوِيَ لَهُ". [جه ٨٨٦، حم ٤/ ٣٢٢]
٩٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، نَا ابْنُ وَهْب، نَا اللَّيْثُ، عن دَرَّاجٍ، عن ابْنِ حُجَيْرَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَفْتَرِشْ يَدَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ". [ق ٢/ ١١٥، خزيمة ٦٥٣]
===
٨٩٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا عباد بن راشد، نا الحسن) البصري، (نا أحمر بن جزء) بفتح الجيم بعدها زاي ساكن ثم همزة، تفرَّد الحسن بالرواية عنه (صاحب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له) أي نَرِقُّ ونترحم لما نراه في شدة وتعب بسبب المبالغة في المجافاة وقلة الاعتماد.
٩٠٠ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، نا ابن وهب، نا الليث) بن سعد، (عن دراج) بتثقيل الراء وآخره جيم، ابن سمعان، أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة، قيل: اسمه عبد الرحمن، ودراج لقب، صدوق في حديثه، عن أبي الهيثم ضعيف، (عن ابن حجيرة) بمهملة وجيم مصغرًا، وهو ابن حجيرة الأكبر، وأما ابنه عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة فهو ابن حجيرة الأصغر.
(عن أبي هريرة، عن النبي- ﷺ قال: إذا سجد أحدكم فلا يفترش) أي فلا يبسط (يديه) أي على الأرض في السجود مثل (افتراش الكلب وليضم فخذيه) قال في "عون المعبود" (١): فيه أن المصلي يضم فخذيه في السجود، لكنه معارض بحديث أبي حميد (٢) في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، قال:
стр. 2393
(١٦١) بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ (١)
===
" إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه"، رواه المؤلف.
قلت: لا معارضة بينهما، فإن معنى قوله: إذ سجد فرج بين فخذيه، أي باعد بين فخذيه وبين بطنه، ثم أكده بقوله: "غير حامل بطنه على شيء من فخذيه"، ويؤيده ما قال في "البحر الرائق" (٢): قوله: وجافى بطنه عن فخذيه لحديث أبي داود في صفة صلاته ﵇: "وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه".
وأما قول الشوكاني: قوله: فرج بين فخذيه، أي فرق بين فخذيه وقدميه وركبتيه، انتهى.
قلت: فلو سلم أن الحديث يدل على تفريق بين الفخذين إحداهما من الأخرى، فليس فيه تفريج القدمين والركبتين.
وكذلك قولى: والحديث يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود ورفع البطن عنهما, ولا خلاف في ذلك.
قلت: لا خلاف في رفع البطن عنهما، وأما التفريج بين الفخذين في السجود فليس بمجمع عليه، ولم أره صرح به أحد إلَّا بعض الشوافع (٣)، وأما الأحناف والمالكية فما رأيته في كتبهم، والله أعلم.
(١٦١) (بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ)
أي: في ترك تفريج اليدين عن الجنبين
стр. 2394
٩٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن ابْنِ عَجْلَانَ، عن سُمَيٍّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اشْتَكَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا انْفَرَجُوا فَقَال: "اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ". [ت ٢٨٦، حم ٢/ ٤١٧، حب ١٩١٨، ك ١/ ٢٢٩، ق ٢/ ١١٧]
===
٩٠١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: اشتكى أصحاب النبي ﷺ إلى النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا) وفي رواية الترمذي: إذا تفرجوا، أي يشق عليهم السجود إذا باعدوا بين اليدين والجنبين، وبين البطن والفخذين.
(فقال) رسول الله ﷺ : (استعينوا بالركب) (١) أي استعينوا بوضع المرفقين على الركب، فإذا وضع مرفقيه على الركب لم يكن مباعدًا كثيرًا بين اليدين عن الجنبين، ولا بين البطن والفخذين.
أخرج هذه الرواية الترمذي، وقال: لا نعرف من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ إلَّا من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﷺ نحو هذا، وكان رواية هؤلاء أي سفيان بن عيينة، وغير واحد أصح من رواية الليث.
حاصل ما قال الترمذي: أن رواية الليث عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا شاذ غير معروف، وأما ما روى هذا
стр. 2395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﷺ مرسلًا، فرواية هؤلاء أصح من رواية الليث, لأن الليث وإن كان ثقةً حافظًا ولكن سفيان وغيره مع كونهم ثقات حفاظًا متعددين.
فأما ما قال الحافظ (١): وأخرج الترمذي الحديث المذكور، ولم يقع في روايته "إذا انفرجوا" فترجم له: "ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود"، فجعل محل الاستعانة بالركب بمن يرفع من السجود طالبًا للقيام، واللفظ محتمل لما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تُعَيِّنُ المراد.
قلت: لعل النسخة التي عند الحافظ خالية عن هذه الزيادة، وأما نسخ الترمذي الموجودة عندنا ففيها هذه الزيادة "إذا تفرجوا" موجودة، وكذلك لفظ الترجمة في النسخ الموجودة عندنا "باب ما جاء في الاعتماد في السجود"، ولم أرَ ما زاده الحافظ في الترجمة من لفظ: "إذا قام" في نسخة.
ثم أقول: فيما ادعى الترمذي من أن الحديث موصولًا غير معروف لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، نظر، فإن الطحاوي أخرج هذه الرواية في "شرح معاني الآثار" (٢) في "باب التطبيق في الركوع": حدثنا ربيع الجيزي قال: ثنا أبو زرعة قال: أخبرنا حيوة قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة [أنه قال: ] اشتكى الناس إلى رسول الله ﷺ التفرج في الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "استعينوا بالركب"، فهذا حيوة بن شريح وهو ثقة ثبت فقيه زاهد، يوافق الليث في وصله، فلم يبق في وصله شذوذ.
قلت: نقل صاحب "العون" (٣) عن المنذري بأنه أخرجه الترمذي، وذكر
стр. 2396
(١٦٢) بَابٌ: في التَّخَصُّرِ وَالإِقْعَاءِ
===
أنه لا يعرفه من هذا الطريق إلَّا من هذا الوجه مرسلًا فلعل قوله: مرسلًا غلطٌ من الناسخ، والصحيح موصولًا، والله أعلم.
(١٦٢) (بَابٌ: في التَّخَصُّرِ وَالإقْعَاءِ)
هكذا في النسخ الموجودة، ولكن ذكر الإقعاء هاهنا غير مناسب، لأنه لا ذكر له في الحديث، وقد تقدم ذكر الإقعاء في الأبواب المارة، والتخصر هو وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وقد ورد في الروايات بلفظ التخصر والاختصار والخصر.
واختلف العلماء في معنى هذا اللفظ، وقد عقد أبو داود فيما يأتي قريبًا "باب الرجل يصلي مختصرًا"، وأخرج فيه عن أبي هريرة: "نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة"، فقال في "مرقاة الصعود": الأشهر في تفسيره أنه وضع اليد على الخاصرة، كذا فسره ابن سيرين راوي الحديث، وقيل (١): هو أن يمسك بيده مِخْصَرَةً أي عصًا يتوكأ عليها، حكاه الخطابي (٢)، وقيل: هو أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، حكاه صاحب "الغريبين" و"النهاية"، وقيل: أن يحذف من الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، حكاه في "الغريبين".
قال في "شرح الترمذي": والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والحديث والفقه.
وقال: اختلف في المعنى الذي نهي عن الاختصار في الصلاة لأجله، قيل: التشبه بإبليس, لأنه أهبط مختصرًا. وروي أنه إذا مشى مشى مختصرًا، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عباس.
стр. 2397
٩٠٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن وَكِيعٍ، عن سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ، عن زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: "صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ، فَلَمَّا صَلى قَالَ: هَذَا الصَّلْبُ في الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُ" (١). [ن ٨٩١]
===
وقيل: التشبه باليهود, لأنهم يفعلونه في صلاتهم، رواه ابن أبي شيبة عن عائشة، أو لأنه راحة أهل النار، رواه عنها وعن مجاهد، وورد مرفوعًا رواه البيهقي من حديث أبي هريرة.
وقيل (٢): إنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المأتم، قاله الخطابي، انتهى "مرقاة الصعود" (٣).
٩٥٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن سعيد بن زياد) (٤) الشيباني (عن زياد بن صبيح) مصغرًا، وحكي عن ابن أبي حاتم أنه بالفتح (الحنفي) وقال الحافظ في "التقريب": سعيد بن زياد بن صبيح، صوابه سعيد بن زياد وهو الشيباني عن زياد بن صبيح (قال: صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يديَّ) بصيغة التثنية المضافة إلى ياء المتكلم، وكذا في (على خاصرتيَّ (٥)، فلما صلَّى) ابن عمر (قال: هذا الصلب في الصلاة) أي هذه الهيئة في الصلاة شبيهة هيئة الصلب، فإن المصلوب يمد باعه على الجذع (وكان رسول ﷺ ينهي عنه) أي عن الصلب بأن يتشبه بهذه الهيئة في الصلاة.
стр. 2398
(١٦٣) بَابٌ: في الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ
٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، نَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ-، نَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عن ثَابِتٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ (١) اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرّحَى (٢) مِنَ الْبُكَاءِ ﷺ ". [ن ١٢١٤، تم ٣٠٧، حم ٤٢٥، خزيمة ٩٠٠]
===
(١٦٣) (بَابٌ: في الْبُكَاءِ في الصَّلاةِ)
قال في "المنية" (٣): وإن أَنَّ في صلاته أو تأؤَه (٤) أو بكى فارتفع بكاؤه، إن كان ذلك من ذكر الجنة أو النار لم يقطعها، وإن كان ذلك من وجع أو مصيبة يقطعها (٥).
٩٠٣ - (حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، نا يزيد- يعني ابن هارون-، نا حماد -يعني ابن سلمة-، عن ثابت) البناني، (عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير، (عن أبيه) عبد الله بن الشخير (قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز) أي صوت البكاء، وقيل: أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء (كأزيز الرحى) أي كصوت الرحى إذا دارت (من البكاء (٦) أي من أجل البكاء، وفي رواية النسائي: في جوفه أزيز كأزيز المرجل، أي كصوت غليان المرجل.
стр. 2399
(١٦٤) بَابُ كَرَاهِيَّةِ الوَسْوَسَةِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ في الصَّلَاةِ
٩٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو, حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ -, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [حم ٤/ ١١٧]
===
(١٦٤) (بَابُ كَرَاهِيَّةِ الْوَسْوَسَةِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ في الصَّلاةِ)
٩٠٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو، نا هشام -يعني ابن سعد-، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: من توضأ فأحسن وضوءه) أي أكمله (ثم صلَّى ركعتين) أي تحية للوضوء (١) (لا يسهو فيهما) أي لا يغفل عن الصلاة لاشتغاله بأحاديث النفس والوساوس (غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي "مسلم" من حديث عثمان بن عفان: لا يحدث (٢) فيهما نفسه.
فإن قيل: الوساوس وأحاديث النفس غير اختيارية، فكيف يتعلق بها الحكم؟ قلنا: وقوعها في القلب غير اختياري، ولكن إبقاء سلسلتها وقطعها اختياري، وكذلك اشتغاله في الصلاة وإقباله إليها اختياري، وهو يمنع وقوعها وحدوثها, ولهذا قالي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها
стр. 2400
٩٠٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ, حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِىِّ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». [تقدَّم برقم ١٦٩]
(١٦٥) بَابُ الفَتْحِ عَلَى الإِمَامِ في الصَّلَاةِ
===
ما لم تعمل به أو تتكلم"، والمراد بالوساوس ما كانت من أمور الدنيا، وأما إذا كانت من أمور الآخرة فلا، وقد قال عمر بن الخطاب: وأُجَهّزُ جيشي وأنا في الصلاة، والمراد من الذنب الصغائر.
٩٠٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب) بضم المهملة، (نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، (عن جبير) مصغرًا (ابن نفير) مصغرًا (الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين) بحيث (يقبل بقلبه) أي لا يشتغل بغيرها من الخواطر والوساوس (ووجهه) أي لا يلتفت لغير جهة الصلاة (عليهما) أي الركعتين (إلَّا وجبت له الجنة) أي ثبت له حصول الجنة بوعد الله تعالى إياه بشرط أن لا يوجد منه ما ينافيه.
(١٦٥) (بَابُ الْفَتْحِ عَلَى الإمَامِ في الصَّلاةِ)
قال في "البدائع" (١): ولو فتح على المصلي إنسان، فهذا على وجهين: إما إن كان الفاتح هو المقتدي به أو غيره، فإن كان غيره فسدت (٢) صلاة
стр. 2401
٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (١) وَسُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدّمَشْقِيُّ قَالَا: أَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عن يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ، عن الْمُسَوَّرِ
===
المصلي، سواء كان الفاتح خار الصلاة أو في صلاة أخرى غير صلاة المصلي، وفسدت صلاة الفاتح (٢) أيضًا إن كان هو في الصلاة, لأن ذلك تعليم وتعلم، وكذا المصلي إذا فتح على غير المصلي فسدت صلاته، وإن كان الفاتح هو المقتدي به فالقياس هو فساد الصلاة، إلَّا أنا استحسنا الجواز (٣)، لما روي "أن رسول الله ﷺ قرأ سورة المؤمنون فترك حرفًا، فلما فرغ قال: ألم يكن فيكم أبي، قال: نعم يا رسول الله ﷺ ، قال: هَلَّا فتحت علي، قال: ظننت أنها نسخت، قال ﷺ : لو نسخت لأنبأتكم".
٩٠٦ - (حدثنا محمد بن العلاء وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قالا: أنا مروان بن معاوية، عن يحيى) بن كثير (الكاهلي) لين الحديث، (عن المُسَوَّرِ) قال الحافظ في "الإصابة" (٤): بضم أوله وفتح السين وتشديد الواو، ضبطه عبد الغني بن سعيد وابن ماكولا، وأورده البخاري مع المسور بن مخرمة، فاقتضى أنه مثله، انتهى.
قلت: وخالفه صاحب "جامع الأصول (٥) " فقال: المسور بضم
стр. 2402
ابْنِ يَزِيدَ الْمَالِكِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ يَحْيَى: وَرُبَّمَا قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الصَّلَاةِ فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَرَكْتَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا" (١). [حم ٤/ ٧٤، حب ٢٢٤٠، خزيمة ١٦٤٨]
===
الميم وفتح السين المهملة وتشديد الواو وفتحها، هكذا قيده الدارقطني وابن ماكولا وغيرهما، وأورده ابن منده وابن عبد البر في باب مسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو وتخفيفها، وأما البخاري فإنه أورده في الباب الواحد، ولم يذكره في باب مسور، وذلك منه دليل على أنه بالتشديد، انتهى.
(ابن يزيد المالكي) (٢) هكذا في "أسد الغابة" (٣)، وفي "الإصابة": وهو ابن يزيد الأسدي ثم المالكي، قال البغوي: من بني مالك، وفي نسخة: الكاهلي، وهكذا في "التقريب" و"تهذيب التهذيب".
(أن رسول الله ﷺ قال يحيى) أي الكاهلي: (وربما قال) المسور بن يزيد: (شهدت رسول الله ﷺ يقرأ) والفرق بين القولين أن القول الأول وهو: أن رسول الله ﷺ يقرأ، لايدل على شهوده الصلاة ولا على سماعه منه ﷺ , فلا يقتضي الكلام كونه صحابيًّا، وأما القول الثاني وهو: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ، ففيه تصريح بشهوده صلاة رسول الله وسماعه من قراءة رسول الله ﷺ ، فهو يثبت كونه صحابيًّا.
(في الصلاة فترك) رسول الله ﷺ (شيئًا) أي آية (لم يقرأه) أي سهوًا (فقال له رجل) بعد الانصراف من الصلاة، وهو أبي بن كعب: (يا رسول الله تركت آية كذا وكذا، فقال له رسول الله ﷺ : هَلَّا أذكرتنيها،
стр. 2403
قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: كُنْتُ أُرَاهَا نُسِخَتْ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: نَا يَحْيَى بْنُ كَثيرٍ (١).
٩٠٧ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِىُّ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ, أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً فَقَرَأَ فِيهَا
===
قال سليمان في حديثه: قال) الرجل في جواب رسول الله ﷺ : (كنت أراها نسخت) أي ما ظنننت أنك نسيتها، بل ظننت أنها نسخت، فلأجل نسخها لم تقرأها, ولم يذكر هذا الكلام محمد بن العلاء.
(وقال سليمان) بن عبد الرحمن الدمشقي: (قال: نا يحيى بن كثير) (٢) أي قال في سنده بعد مروان بن معاوية: حدثنا يحيى بن كثير، والغرض منه بيان الاختلاف في لفظ محمد بن العلاء ولفظ سليمان بن عبد الرحمن، فإن محمدًا قال: عن يحيى الكاهلي بلفظة "عن" وترك النسبة إلى أبيه، وذكر النسبة إلى بني كاهلة، وقال سليمان بلفظ "التحديث" وذكر النسبة إلى أبيه، وترك النسبة إلى القبيلة.
٩٠٧ - (حدثنا يزيد بن محمد الدمشقي، نا هشام بن إسماعيل، نا محمد بن شعيب، أنا عبد الله بن العلاء بن زبر) بفتح الزاء وسكون الموحدة، (عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر (٣): أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها)
стр. 2404
فَلُبِسَ عَلَيْهِ, فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لأُبَىٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ » قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ؟ ». [حب ٢٢٤٢]
(١٦٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّلْقِينِ (١)
٩٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، عن يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الْحَارِثِ، عن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَلِيُّ، لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ في الصَّلَاةِ". [عب ٢٨٢٢]
===
أي جهر بالقراءة فيها (فلبس عليه) أي صارت القراءة ملتبسة مختلفة عليه (فلما انصرف) أي رسول الله ﷺ عن الصلاة (قال لأبي) أي ابن كعب: (أصليت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعك؟ ) أي عن الفتح عليّ، وهذا الحديث يدل على أن المقتدي يجوز له الفتح على إمامه.
(١٦٦) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّلْقِينِ)
٩٠٨ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة) بفتح النون وسكون الجيم، (ثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق) السبيعي، (عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي صاحب علي، كذبه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وعلي بن المديني، (عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة) وهذا الحديث (٢)
стр. 2405
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْحَارِثِ إِلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا (١) مِنْهَا.
(١٦٧) بَابُ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ
٩٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
===
يخالف الحديث المتقدم في الباب السابق، فإما أن يقال: إن هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الحديث المتقدم، أو إن جواز الفتح محمول على الضرورة، والمنع منه على عدم الضرورة.
(قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلَّا أربعة أحاديث ليس هذا منها) قال في "ميزان الاعتدال" (٢): قال شعبة: لم يسمع أبو إسحاق منه إلَّا أربعة أحاديث، وكذلك قال العجلي، وزاد: وسائر ذلك كتاب أخذه، فعلى هذا في الحديث علة أخرى وهو الانقطاع.
(١٦٧) (بَابُ الالْتِفَاتِ (٣) في الصَّلاةِ)
الالتفات في الصلاة على ثلاثة أوجه (٤): أولها: بطرف (٥) الوجه، فهو مكروه، والثاني: بطرف العين فلا بأس به، والثالث: بحيث تحول صدره عن القبلة، فصلاته باطلة بالاتفاق، وقيل: من التفت يمينًا وشمالاً، ذهب عنه الخشوع المتوقف عليه كمال الصلاة عند أكثر العلماء أو صحتها عند بعضهم.
٩٠٩ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني يونس،
стр. 2406
عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ يُحَدِّثُنَا في مَجْلِسٍ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ في صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ". [ن ١١٩٥، حم ٥/ ١٧٢، ك ١/ ٢٣٦]
٩١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ،
===
عن ابن شهاب قال: سمعت أبا الأحوص) قال في "تهذيب التهذيب": مولى بني ليث، ويقال: مولى بني غفار، قال النسائي: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أن أحدًا روى عنه غير ابن شهاب، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقال ابن عيينة: لما روى الزهري هذا الحديث يعني مسح الحصى قال له سعد بن إبراهيم: من أبو الأحوص كالمغضب حين حدث عن رجل مجهول، فقال له الزهري: أما تعلم الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي والذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم.
وقال في "ميزان الاعتدال": وقال ابن القطان: لا يعرف له حال، ولا قضى له بالثقة قول الزهري: سمعت أبا الأحوص يحدث في مجلس سعيد بن المسيب.
(يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب قال: قال أبو ذر: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الله مقبلًا على العبد) أي ناظرًا إليه بالرحمة وإعطاء المثوبة (وهو في صلاته) والمعنى لم ينقطع أثر الرحمة عنه (ما لم يلتفت) أي بالعنق (فإذا التفت انصرف عنه) أي أعرض عنه، قال ابن الملك: المراد منه قلة الثواب.
٩١٠ - (حدثنا مسدد، نا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي،
стр. 2407
عن الأَشْعَثِ- يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمٍ-، عن أَبِيهِ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الْتِفَاتِ الرَّجُلِ في الصَّلَاةِ، فَقَالَ (١): "هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ". [خ ٧٥١، ت ٥٩٠، ن ١١٩٧، حم ٦/ ١٠٦، خزيمة ٤٨٤، حب ٢٢٨٧، ك ١/ ٢٣٧، ق ٢/ ٢٨١]
(١٦٨) بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ
٩١١ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ, حَدَّثَنَا عِيسَى, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُئِىَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أَرْنَبَتِهِ أَثَرُ طِينٍ مِنْ صَلَاةٍ صَلَاّهَا بِالنَّاسِ" (٢). [تقدم برقم ٨٩٣]
===
(عن الأشعث، يعني ابن سليم) هو ابن أبي الشعثاء (عن أبيه) سليم بن أسود، أبو الشعثاء المحاربي الكوفي، (عن مسروق، عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة) أي صرف العنق إلى اليمين والشمال مع ثبات الصدر إلى القبلة (فقال) رسول الله ﷺ : (هو اختلاس) والاختلاس هو الاختطاف والسلب (يختلسه الشيطان) أي يحمله على هذا الفعل (من صلاة العبد) أي يختلسه من كمال صلاة العبد.
(١٦٨) (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأنْفِ)
٩١١ - (حدثنا مؤمل بن الفضل، نا عيسى) بن يونس، (عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ رئي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس) وقد تقدم هذا الحديث مع اختلاف في أول السند قريبًا، وترجم له
стр. 2408
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ في الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ.
(١٦٩) بَابُ النَّظَرِ في الصَّلَاةِ
٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - وَهَذَا حَدِيثُهُ, وَهُوَ أَتَمُّ -, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ
===
"باب السجود على الأنف (١) والجبهة".
(قال أبو علي) هو محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري تلميذ المؤلف أبي داود: (هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة) أي لما قرأ هذا الكتاب على تلاميذه في المرة الرابعة لم يقرأ هذا الحديث عليهم، فتركه، ولعل وجه تركه عدم الفائدة في الإعادة, لأنه تكرار محض.
(١٦٩) (بَابُ النَّظَرِ (٢) في الصَّلاةِ)
والفرق بين النظر والالتفات أن الالتفات بمؤخر العين، والنظر يعمه وغيره
٩١٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير وهذا) أي المذكور في الكتاب (حديثه) أي لفظ حديث جرير لا لفظ أبي معاوية (وهو) أي حديث جرير (أتم) من حديث أبي معاوية.
(عن الأعمش) أي أبو معاوية وجرير كلاهما رويا عن سليمان الأعمش (عن المسيب) بمضمومة فسين فياء مشددة مفتوحتين، وقد تكسر الياء "مغني"، وهو (ابن رافع) الأسدي الكاهلي، (عن تميم بن طرفة) بفتح الطاء والراء والفاء
стр. 2409
الطَّائِىِّ, عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - قَالَ عُثْمَانُ: قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِيهِ نَاسًا يُصَلُّونَ رَافِعِى أَيْدِيهِمْ (١) إِلَى السَّمَاءِ - ثُمَّ اتَّفَقَا - فَقَالَ (٢): «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ" - قَالَ مُسَدَّدٌ: "فِى الصَّلَاةِ" - "أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ». [م ٤٢٨، جه ١٠٤٥، حم ٥/ ١٠٧، دي ١٣٠١]
===
(الطائي، عن جابر بن سمرة، قال عثمان) بن أبي شيبة خاصة: (قال) شيخي جرير: (دخل رسول الله ﷺ المسجد، فرأى فيه ناسًا يصلون رافعي أيديهم إلى السماء) ولم يذكر هذا الكلام أبو معاوية.
(ثم اتفقا) أبو معاوية وجرير وقالا: (فقال) رسول الله ﷺ : (لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء) أي عن شخوصهم أبصارهم إلى السماء (قال مسدد) أي عن أبي معاوية: (في الصلاة) ولم يذكر هذا اللفظ عثمان عن جرير (أو لا ترجع إليهم أبصارهم) وهذا اللفظ اتفق عليه أبو معاوية وجرير.
فإن قلت: لا مناسبة بين قوله ﷺ : "لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى آخره"، وبين رؤيته ناسًا يصلون رافعي أيديهم إلى السماء.
قلت: وقع في الحديث اختصار مخل، وقد أخرج هذا الحديث مسلم (٣) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس؟ اسكنوا في الصلاة، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقًا فقال: ما لي أراكم عزين"، الحديث.
وكذلك أخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٤) من طريق شعبة، عن سليمان
стр. 2410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بهذا السند: "أنه دخل المسجد فأبصر قومًا قد رفعوا أيديهم فقال: قد رفعوها كأنها أذناب الخيل الشمس؟ اسكنوا في الصلاة"، ثم أخرج الإِمام أحمد (١) من طريق شعبة بهذا السند عن النبي ﷺ أنه قال: "أما يخشى أحدكم إذا رفع بصره، وفي رواية: رأسه، وهو في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره".
وكذلك أخرج النسائي (٢) من طريق عبثر عن الأعمش بهذا السند قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس؟ اسكنوا في الصلاة".
فعلم بهذه الروايات أن في حديث أبي داود سقوطًا واختصارًا (٣)، وقوله: لينتهين رجال، ليس هو جواب لقوله: "رأى ناسًا يصلون رافعي أيديهم" بل جوابه لم يذكر فيه.
قلت: والحاصل أن حديث جابر بن سمرة يشتمل على أمور عديدة: أحدها: كراهية رفع الأيدي في الصلاة، والأمر بالسكون فيهما، وقد أخرجه مسلم (٤) من طريق أبي معاوية بسنده عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خرج شمس؟ اسكنوا في الصلاة"، والسياق الثاني لهذا الأمر لمسلم (٥) من حديث عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: "كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ ، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين"، وفي رواية قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا
стр. 2411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ : عَلامَ تومئون بأيديكم"، وفي رواية له: "فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله"، وفي رواية له: "إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده"، والظاهر أن المذكور في هذا الحديث غير القصة التي في الحديث الأول، وقد أخرجهما النسائي.
وثانيها: النهي عن رفع الأبصار إلى السماء في الصلاة، وقد أخرجه مسلم (١) من طريق أبي معاوية بسنده عن جابر بن سمرة، ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم".
وأخرج أحمد (٢) من طريق شعبة بسنده عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أما يخشى أحدكم إذا رفع بصره وهو في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره"، ويقرب من ذلك سياق حديث أبي هريرة عند مسلم، وسياق حديث أنس عند أبي داود.
وثالثها: النهي عن كونهم متفرقين جماعة جماعة كما عند مسلم من حديث أبي معاوية عن جابر بن سمرة قال: "ثم خرج علينا فرآنا حلقًا فقال: ما لي أراكم عزين؟ ".
وقد أخرج هذا [الحديث] الإِمام أحمد (٣) من طريق شعبة بسنده عن جابر بن سمرة أنه خرج على أصحابه فقال: "ما لي أراكم عزين؟ وهم قعود".
ورابعها: الأمر بتسوية الصفوف كما تصف الملائكة، وهو ما أخرجه
стр. 2412
٩١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِى صَلَاتِهِمْ؟ » , فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِى ذَلِكَ فَقَالَ: «لَيُنْتَهَيَنَّ
===
مسلم (١) من حديث جابر بن سمرة قال: "ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة"، الحديث، وكذلك أخرجه غيره.
فعلم بذلك أن بعض الرواة ذكر بعضًا منها، وترك بعضها، وآخرون منهم ترك البعض، وذكر بعضًا آخر، وكذلك بعضهم ذكر مرة بعض الحرف ولم يذكره مرة أخرى، فالزيادة التي خصها أبو داود من رواية عثمان عن جرير، وأشار إلى أن مسددًا لم يذكره عن أبي معاوية، وقد ذكر هذه الزيادة مسلم من حديث أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب في حديث أبي معاوية، فمبني على أن أبا معاوية ذكرها مرة ولم يذكرها أخرى، فذكرها مرة لأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، ولم يذكرها لمسدد، وكذلك لم يذكرها مرة أخرى لأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كما لم يذكرها لمسدد، وقد أخرجها مسلم في أول الباب، والله أعلم بالصواب.
٩١٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) بن سعيد القطان، (عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال رسول الله ﷺ : ما بال أقوام) المراد بالأقوام الأشخاص (يرفعون أبصارهم) إلى السماء (في صلاتهم؟ ) وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة: عند الدعاء (فاشتد قوله في ذلك فقال: لَيُنْتَهَيَنَّ).
قال الحافظ (٢): قوله: لينتهين، كذا للمستملي والحموي بضم الياء وسكون النون وفتح المثناة والهاء [والياء] وتشديد النون على البناء للمفعول، والنون للتأكيد، وللباقين "لَيَنْتَهُنَّ" بفتح أوله وضم الهاء على البناء للفاعل، قلت: والنسخة الأولى هي عند أبي داود.
стр. 2413
عن ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ". [خ ٧٥٠، ن ١١٩١، جه ١٠٤٤, حم ٣/ ١٠٩، دي ١٣٠٢]
٩١٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ, فَقَالَ: «شَغَلَتْنِى أَعْلَامُ هَذِهِ, اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِى جَهْمٍ (١) وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ». [خ ٧٥٢، م ٥٥٦، ن ٧٧١، جه ٣٥٥٠]
===
(عن ذلك) أي عن رفع أبصارهم إلى السماء (أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم) أو ههنا للتخيير نظير قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٢)، أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة وإما الإِسلام، واختلف في المراد بذلك، فقيل: هو وعيد، وعلى هذا فالفعل المذكور حرام، وأفرط (٣) ابن حزم فقال: يبطل الصلاة، وقيل: المعنى أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين، أشار إلى ذلك الداودي.
٩١٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ في خميصة) بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة، كساء مربع من خز أو صوف له عَلَمان (لها أعلام) العَلَم رسم الثوب ورقمه (فقال) رسول الله ﷺ : (شغلتني أعلام هذه)، ولفظ البخاري: شغلني، (اذهبوا بها إلى أبي جهم) هو عبيد، ويقال: عامر بن حذيفة القرشي العدوي، صحابي مشهور، وإنما خصه ﷺ بإرسال الخميصة، لأنه كان أهداها (٤) إلى النبي ﷺ كما رواه مالك في "الموطأ".
(وأتوني بأنبجانيته) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف
стр. 2414
٩١٥ - حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى الزِّنَادِ (١) - قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: "وَأَخَذَ كُرْدِيًّا كَانَ لأَبِى جَهْمٍ, فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِىِّ".
===
الجيم وبعد النون ياء النسبة: كساء غليظ لا علم له، وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الموحدة، يقال: كبش أنبجاني، إذا كان ملتفًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وأنكر أبو موسى المديني على من زعم أنه منسوب إلى منبج البلد المعروف بالشام، وقال: الصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له: أنبجان.
وأدخل البخاري هذا الحديث في "باب الالتفات"، قال الحافظ (٢): ووجه دخوله في الترجمة أن أعلام الخميصة إذا لحظها المصلي وهي على عاتقه كان قريبًا من الالتفات، ولذلك خلعها معللًا بوقوع بصره على أعلامها، وسماه شغلًا عن صلاته، وكأن المصنف أشار إلى أن علة كراهة الالتفات كونه يؤثر في الخشوع كما وقع في قصة الخميصة، ويحتمل أن يكون أراد أن ما لا يستطاع دفعه معفو عنه, لأن لمح العين يغلب الإنسان، ولهذا لم يعد النبي ﷺ تلك الصلاة.
٩١٥ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا عبد الرحمن- يعني ابن أبي الزناد- قال: سمعت هشامًا يحدث عن أبيه) أي عروة بن الزبير، (عن عائشة بهذا الخبر) المتقدم (قال) هشام: (وأخذ) رسول الله ﷺ (كرديًّا) أي رداءً كرديًّا (كان لأبي جهم، فقيل: با رسول الله الخميصة كانت خيرًا من الكردي) لأنه من أدون الثياب الغليظة.
قال الحافظ: قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليعلمه أنه لم يرد
стр. 2415
(١٧٠) بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ (١)
٩١٦ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ, حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلَّامٍ -, عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِى السَّلُولِىُّ, عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: "ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ - يَعْنِى صَلَاةَ الصُّبْحِ - فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى وَهُوَ يَلْتَفِتُ (٢) إِلَى الشِّعْبِ". [ق ٢/ ٣٤٨، خزيمة ٤٨٧]
===
إليه هديته استخفافًا به، قال: وفيه أن الواهب إذا ردت إليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها من غير كراهة، ثم قال: ويستنبط منه كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش وغيرها، وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم والطلب منهم.
فإن قلت: كيف بعث بالخميصة إلى أبي جهم مع أنه كره استعمالها؟
قلت: لعله بعثها إليه لينتفع بها لا لأن يلبسها، كما في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر، وقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها"، ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كُلْ فإني أناجي من لا تناجي" (٣).
(١٧٠) (بَابُ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ) (٤)، لعذر
٩١٦ - (حدثنا الربيع بن نافع، نا معاوية -يعني ابن سلام-، عن زيد) بن سلام بن أبي سلام أخي معاوية بن سلام (أنه سمع أبا سلام) أي جده واسمه ممطور الأسود الحبشي (قال: حدثني السلولي) بفتح المهملة وتخفيف اللام، أبو كبشة الشامي، (عن سهل بن الحنظلية (٥) قال: ثوب بالصلاة) أي دعي إليها بالإقامة (يعني صلاة الصبح، فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت إلى الشعب)
стр. 2416
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ" (١).
===
أي ينظر إليه، وينتظر الفارس الذي أرسله إلى الشعب، وهذا الحديث مختصر أخرجه أبو داود مطولًا في كتاب الجهاد في "باب فضل الحرس في سبيل الله"، (قال أبو داود: وكان أرسل فارسًا (٢) إلى الشعب من الليل يحرس) (٣).
وهذا الحديث يدل على جواز الالتفات في الصلاة، والأحاديث المتقدمة تدل على كراهته، فإما أن يقال: إن الذي وقع في هذه القصة لم يكن فيه التفات لاحتمال أن الشعب كان في جانب القبلة فنظر إليه رسول الله ﷺ ، وهذا ليس بالتفات.
والأولى أن يقال: إن الالتفات مكروه إذا كان بغير عذر، فأما إن كان من ضرورة وعذر فلا كراهة فيه، وأشار البخاري إلى ذلك بعقد باب: "هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئًا أو بصاقًا في القبلة"؟ وأورد فيه، قال سهل: التفت أبو بكر ﵁ فرأى النبي ﷺ ، وكذلك ذكر فيه حديث رؤية النخامة.
стр. 2417
(١٧١) بَابٌ: في الْعَمَلِ في الصَّلَاةِ
٩١٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي قَتَادَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ
===
(١٧١) (بَابٌ: في الْعَمَلِ في الصَّلاةِ)
أي: العمل الذي ليس من جنس أعمال الصلاة إذا كان (١) قليلًا لا يفسد الصلاة قال في "البدائع" (٢): ومنها العمل الكثير الذي ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ضرورة، وأما القليل فغير مفسد، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير، قال بعضهم: الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، حتى قالوا: إذا زَرَّ قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حَلَّ أزراره لا تفسد، وقال بعضهم: كل عمل لو نظر الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فهو كثير، وكل عمل لو نظر إليه ناظر ربما يشتبه إليه أنه في الصلاة فهو قليل، وهو الأصح.
وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة الخوف أنه تفسد صلاته, لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، وكذا إذا أخذ قوسًا ورمى بها فسدت صلاته, لأن أخذ القوس وتثقيف السهم عليه ومده حتى يُرمى عمل كثير، ألا ترى أنه يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، وكذا الناظر إليه من بعيد لا يشك في أنه في غير الصلاة، وكذا لو ادهن، أو سرَّح رأسه، أو حملت امرأة صبيًا وأرضعته لوجود حد العمل الكثير على العبارتين، فأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا يوجب فساد الصلاة.
٩١٧ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة) بن ربعي الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ كان
стр. 2418
يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زينَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا". [خ ٥١٦، م ٥٤٣]
٩١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ -, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: "بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ (١) , خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِى الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ,
===
يصلي وهو) الواو حالية (حامل (٢) أمامة) بالإضافة، وفي بعضها بالتنوين، فإن قلت: قال النحاة: إن كان اسم الفاعل للماضي وجبت الإضافة، قلت: إذا أريد به الحكاية للحال الماضية جاز إعماله كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ (٣) (بنت زينب ابنة رسول الله ﷺ ) أي على عاتقه (فإذا سجد وضعها) أي أمامة عن عاتقه على الأرض (وإذا قام حملها) على عاتقه.
٩١٨ - (حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد-، ثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عمن عمرو بن سليم الزرقي أنه سمع أبا قتادة يقول: بينا نحن في المسجد جلوس) أي جالسين إذ (خرج علينا رسول الله ﷺ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع) وهو صهر رسول الله ﷺ على زينب، اختلف في اسمه فقيل: لقيط وهو الأكثر، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم.
وكان شهد بدرًا مع الكفار، فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فدائه قلادة لها كانت خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص، فقال رسول الله ﷺ : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوها عليها الذي لها فافعلوا، فقالوا: نعم، وكان أبو العاص مصاحبًا لرسول الله ﷺ مصافيًا، وكان قد أبى أن يطلق زينب لما أمره المشركون أن يطلقها، فشكر له
стр. 2419
وَأُمُّهَا زينَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وُيعِيدُهَا إِذَا قَامَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا". [خ ٥٩٩٦، م ٥٤٣، ن ٧١١]
===
رسول الله ﷺ ذلك، ولما أطلقه من الأسر شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكة وأرسلها إلى النبي ﷺ ، وأقام بمكة على شركه حتى كان قبيل الفتح خرج بتجارة إلى الشام، فلما عاد لقيته سرية لرسول الله ﷺ ، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال وأسروا أناسًا.
وهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلًا، فدخل على زينب، فاستجار بها فأجارته، وصاحت زينب بعد صلاة الصبح أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فقبل رسول الله ﷺ جوارها، وقال: "يجير على المسلمين أدناهم"، ثم قال لزينب: "أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له"، قالت: إنه جاء في طلب ماله، فجمع رسول الله ﷺ تلك السرية، وقال: "إن هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا وهو مما أفاء الله ﷺ عليكم، وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا إليه الذي له، فإن أبيتم فأنتم أحق به"، فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع، فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ، والله ما منعني من الإِسلام إلَّا خوف أن تظنوا بي أكل أموالكم، ثم قدم على رسول الله مسلمًا، وحسن إسلامه، وتوفي سنة ١٢ هـ.
(وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي)، أي أمامة (صبية يحملها على عاتقه) (١) أي كتفه (فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع ويعيدها) على عاتقه (إذا قام) من السجدة (حتى قضى صلاته، يفعل ذلك بها).
стр. 2420
٩١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن مَخْرَمَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْم الزُّرَقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا". [م ٥٤٣، حم ٥/ ٣١٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَسْمَعْ مَخْرَمَةُ مِنْ أَبِيهِ (١) إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا.
===
وقال الخطابي (٢): يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها، وقال في "البدائع" (٣): ثم هذا الصنيع لم يكره منه ﷺ , لأنه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظها، أو لبيانه الشرع بالفعل أن هذا غير موجب فساد الصلاة، ومثل هذا في زماننا أيضًا لا يكره لواحدٍ منا لو فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه.
٩١٩ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، (عن أبيه) بكير، (عن عمرو بن سليم الزرقي قال: سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه، فإذا سجد) أي أراد السجود (وضعها) أي أمامة على الأرض.
(قال أبو داود: لم يسمع مخرمة من أبيه) بكير (إلَّا حديثًا واحدًا)