قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ" (١).
===
أي ينظر إليه، وينتظر الفارس الذي أرسله إلى الشعب، وهذا الحديث مختصر أخرجه أبو داود مطولًا في كتاب الجهاد في "باب فضل الحرس في سبيل الله"، (قال أبو داود: وكان أرسل فارسًا (٢) إلى الشعب من الليل يحرس) (٣).
وهذا الحديث يدل على جواز الالتفات في الصلاة، والأحاديث المتقدمة تدل على كراهته، فإما أن يقال: إن الذي وقع في هذه القصة لم يكن فيه التفات لاحتمال أن الشعب كان في جانب القبلة فنظر إليه رسول الله ﷺ ، وهذا ليس بالتفات.
والأولى أن يقال: إن الالتفات مكروه إذا كان بغير عذر، فأما إن كان من ضرورة وعذر فلا كراهة فيه، وأشار البخاري إلى ذلك بعقد باب: "هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئًا أو بصاقًا في القبلة"؟ وأورد فيه، قال سهل: التفت أبو بكر ﵁ فرأى النبي ﷺ ، وكذلك ذكر فيه حديث رؤية النخامة.
стр. 2417
(١٧١) بَابٌ: في الْعَمَلِ في الصَّلَاةِ
٩١٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عن أَبِي قَتَادَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ
===
(١٧١) (بَابٌ: في الْعَمَلِ في الصَّلاةِ)
أي: العمل الذي ليس من جنس أعمال الصلاة إذا كان (١) قليلًا لا يفسد الصلاة قال في "البدائع" (٢): ومنها العمل الكثير الذي ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ضرورة، وأما القليل فغير مفسد، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير، قال بعضهم: الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، حتى قالوا: إذا زَرَّ قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حَلَّ أزراره لا تفسد، وقال بعضهم: كل عمل لو نظر الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة فهو كثير، وكل عمل لو نظر إليه ناظر ربما يشتبه إليه أنه في الصلاة فهو قليل، وهو الأصح.
وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة الخوف أنه تفسد صلاته, لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، وكذا إذا أخذ قوسًا ورمى بها فسدت صلاته, لأن أخذ القوس وتثقيف السهم عليه ومده حتى يُرمى عمل كثير، ألا ترى أنه يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، وكذا الناظر إليه من بعيد لا يشك في أنه في غير الصلاة، وكذا لو ادهن، أو سرَّح رأسه، أو حملت امرأة صبيًا وأرضعته لوجود حد العمل الكثير على العبارتين، فأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا يوجب فساد الصلاة.
٩١٧ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة) بن ربعي الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ كان
стр. 2418
يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زينَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا". [خ ٥١٦، م ٥٤٣]
٩١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ -, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: "بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ (١) , خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِى الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ,
===
يصلي وهو) الواو حالية (حامل (٢) أمامة) بالإضافة، وفي بعضها بالتنوين، فإن قلت: قال النحاة: إن كان اسم الفاعل للماضي وجبت الإضافة، قلت: إذا أريد به الحكاية للحال الماضية جاز إعماله كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ (٣) (بنت زينب ابنة رسول الله ﷺ ) أي على عاتقه (فإذا سجد وضعها) أي أمامة عن عاتقه على الأرض (وإذا قام حملها) على عاتقه.
٩١٨ - (حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد-، ثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عمن عمرو بن سليم الزرقي أنه سمع أبا قتادة يقول: بينا نحن في المسجد جلوس) أي جالسين إذ (خرج علينا رسول الله ﷺ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع) وهو صهر رسول الله ﷺ على زينب، اختلف في اسمه فقيل: لقيط وهو الأكثر، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم.
وكان شهد بدرًا مع الكفار، فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فدائه قلادة لها كانت خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص، فقال رسول الله ﷺ : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوها عليها الذي لها فافعلوا، فقالوا: نعم، وكان أبو العاص مصاحبًا لرسول الله ﷺ مصافيًا، وكان قد أبى أن يطلق زينب لما أمره المشركون أن يطلقها، فشكر له
стр. 2419
وَأُمُّهَا زينَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وُيعِيدُهَا إِذَا قَامَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا". [خ ٥٩٩٦، م ٥٤٣، ن ٧١١]
===
رسول الله ﷺ ذلك، ولما أطلقه من الأسر شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكة وأرسلها إلى النبي ﷺ ، وأقام بمكة على شركه حتى كان قبيل الفتح خرج بتجارة إلى الشام، فلما عاد لقيته سرية لرسول الله ﷺ ، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال وأسروا أناسًا.
وهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلًا، فدخل على زينب، فاستجار بها فأجارته، وصاحت زينب بعد صلاة الصبح أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فقبل رسول الله ﷺ جوارها، وقال: "يجير على المسلمين أدناهم"، ثم قال لزينب: "أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له"، قالت: إنه جاء في طلب ماله، فجمع رسول الله ﷺ تلك السرية، وقال: "إن هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا وهو مما أفاء الله ﷺ عليكم، وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا إليه الذي له، فإن أبيتم فأنتم أحق به"، فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع، فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ، والله ما منعني من الإِسلام إلَّا خوف أن تظنوا بي أكل أموالكم، ثم قدم على رسول الله مسلمًا، وحسن إسلامه، وتوفي سنة ١٢ هـ.
(وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي)، أي أمامة (صبية يحملها على عاتقه) (١) أي كتفه (فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع ويعيدها) على عاتقه (إذا قام) من السجدة (حتى قضى صلاته، يفعل ذلك بها).
стр. 2420
٩١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، عن مَخْرَمَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْم الزُّرَقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا". [م ٥٤٣، حم ٥/ ٣١٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَسْمَعْ مَخْرَمَةُ مِنْ أَبِيهِ (١) إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا.
===
وقال الخطابي (٢): يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته، فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها، وقال في "البدائع" (٣): ثم هذا الصنيع لم يكره منه ﷺ , لأنه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظها، أو لبيانه الشرع بالفعل أن هذا غير موجب فساد الصلاة، ومثل هذا في زماننا أيضًا لا يكره لواحدٍ منا لو فعل ذلك عند الحاجة، أما بدون الحاجة فمكروه.
٩١٩ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب، عن مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، (عن أبيه) بكير، (عن عمرو بن سليم الزرقي قال: سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول: رأيت رسول الله ﷺ يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه، فإذا سجد) أي أراد السجود (وضعها) أي أمامة على الأرض.
(قال أبو داود: لم يسمع مخرمة من أبيه) بكير (إلَّا حديثًا واحدًا)
стр. 2421
٩٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ-، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عن أَبِي قَتَادَةَ، صَاحِب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ للصَّلَاةِ، في الظهَرِ أَوْ العَصْرِ، وَقَدْ دَعَاهُ بِلَالٌ للصَّلَاةِ، إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بِنْتُ ابْنَتِهِ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مُصَلَّاهُ، وَقُمْنَا خَلْفَهُ، وَهِيَ في مَكَانِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ.
===
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: ثقة، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه، وقال ابن معين: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلَّا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي وهذه كتبه.
٩٢٠ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا عبد الأعلى، نا محمد- يعني ابن إسحاق-، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة صاحب رسول الله ﷺ قال: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ للصلاة في الظهر أو العصر)، ظاهر اللفظ أن الشاك أبو قتادة، ويحتمل أن يكون الشك من بعض رواة السند، فيكون المعنى: قال الأستاذ: الظهر أو العصر (١).
(وقد دعاه) الواو حالية (بلال للصلاة (٢) إذا خرج) رسول الله ﷺ (إلينا وأمامةُ بنتُ أبي العاص بنتُ ابنته) أي زينب (على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلاه، وقمنا خلفه) أي مقتدين به (وهي) أي أمامة (في مكانها الذي هو فيه) أي: على عنق رسول الله ﷺ .
стр. 2422
قَالَ: فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا (١). قَالَ: حَتَّى إِذَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ ثُمَّ قَامَ، أَخَذَهَا فَرَدَّهَا في مَكَانِهَا، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ في كلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ ﷺ ". [انظر سابقه]
٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عن (٢) يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ". [ت ٣٩٥، ن ١٢٠٢، جه ١٢٤٥، دي ١٥٠٤، حم ٢/ ٢٣٣، ق ٣/ ١٢٨، ك ١/ ٢٥٦، حب ٢٣٥١]
===
(قال) أبو قتادة: (فكبر) رسول الله ﷺ للتحريمة (فكبرنا. قال) أبو قتادة: (حتى إذا أراد رسول الله ﷺ أن يركع أخذها فوضعها) أي عن عنقه على الأرض (ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها) أي على عنقه، في العبارة تقديم وتأخير، وأصلها حتى إذا فرغ من سجوده أخذها فردها في مكانها ثم قام (فما زال رسول الله ﷺ يصنع بها ذلك) أي حملها على عنقه إذا قام، ووضعها عند الركوع والسجود، (في كل ركعة حتى فرغ من صلاته ﷺ ).
٩٢١ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم) بمعجمتين كزمزم (ابن جوس) بفتح الجيم في آخره مهملة (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتلوا الأسودين) هو من باب التغليب (في الصلاة: الحية والعقرب).
стр. 2423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشوكاني في "النيل" (١): والحديث (٢) يدل على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهية، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك منهم إبراهيم النخعي، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن قتادة قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها.
واستدل المانعون من ذلك إذا بلغ حد الفعل الكثير بحديث: "إن في الصلاة لشغلًا"، وبحديث: "اسكنوا في الصلاة"، ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارضه ما ذكروه، انتهى ملخصًا.
وقال أيضًا: قال في "شرح السنة": وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها، وقال في "البدائع" (٣): وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها لقول النبي ﷺ : "اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة"، وروي أن عقربًا لدغ رسول الله ﷺ في الصلاة فوضع عليه نعله وغمزه حتى قتله , فلما فرغ من صلاته قال: "لعن الله العقرب لا تبالي نبيًا ولا غيره" أو قال: "مصليًا أو غيره"، وبه تبين أنه لا يكره, لأنه ﷺ ما كان ليفعل المكروه خصوصًا في الصلاة , ولأنه يحتاج إليه لدفع الأذى , فكان موضع الضرورة , هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعل رسول الله ﷺ في العقرب.
وأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فسدت صلاته كما إذا قاتل في صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة.
стр. 2424
٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ - وَهَذَا لَفْظُهُ- قَالَ: نَا بِشْرٌ (١) - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ-، ثَنَا بُرْدٌ (٢)، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي- وَالْبَابُ عَلَيْهُ مُغْلَقٌ، فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، - قَالَ أَحْمَدُ: فَمَشَى- فَفَتَحَ لِي
===
وذكر شيخ الإِسلام السرخسي: أن الأظهر أنه لا تفسد صلاته, لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي، فأشبه المشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ، انتهى.
٩٢٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد وهذا لفظه) أي لفظ مسدد (قال) هكذا في جميع النسخ بلفظ الواحد، وهذا خلاف دأب المحدثين، فإن المحدث إذا حدث عن شيخيه وهما يحدثان عن شيخ واحد فيقول: قالا: حدثنا بصيغة التثنية لا بلفظ الواحد، فلفظ "قال" المذكور في الكتاب بلفظ الواحد، إن كان من المصنف يمكن أن يؤول بإرجاع الضمير إلى كل واحد منهما.
(نا بشر -يعني ابن المفضل-، ثنا برد) بضم أوله وسكون الراء، يعني ابن سنان، (عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ ، قال أحمد: يصلي) (٣) أي لفظ "يصلي" مختص برواية أحمد، ولفظ الترمذي: "قالت: جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت"، (والباب (٤) عليه مغلق فجئت فاستفتحت، قال أحمد: فمشى) (٥) أي لم يقل لفظ "مشى" مسدد، وكذا ذكر الترمذي هذا اللفظ من رواية يحيى بن خلف عن بشر (ففتح لي
стр. 2425
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْبَابَ كَانَ في الْقِبْلَةِ". [ت ٦٠١، ن ١٢٠٦، حم ٦/ ٣١، حب ٢٣٥٥، قط ٢/ ٨٠، ق ٢/ ٢٦٥]
===
ثم رجع) أي القهقرى (إلى مصلاه، وذكر أن الباب كان في القبلة).
وأخرج هذا الحديث الدارقطني (١) من طريق مسدد: حدثنا بشر بن المفضل عن برد عن الزهري، وفيه: وذكرت أن الباب كان في القبلة، وفي رواية الترمذي: ووصفت الباب في القبلة؛ وفي رواية النسائي: قالت: استفتحت الباب ورسول الله ﷺ يصلي تطوعًا، والباب على القبلة.
فهذه الروايات تدل على أن كون الباب في القبلة من كلام عائشة ﵂، فعلى هذا معنى قول أبي داود: وذكر أن الباب ... إلخ، أن عروة بن الزبير ذكر أن عائشة قالت: إن الباب كان في القبلة.
قلت: ويشكل ما وقع في هذا الحديث عند النسائي وأحمد بن حنبل والدارقطني، ولفظ النسائي: قالت: استفتحت الباب ورسول الله ﷺ يصلي تطوعًا، والباب على القبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره، ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه.
ولفظ أحمد: استفتحت الباب ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فمشى في القبلة إما عن يمينه وإما عن يساره.
ولفظ الدارقطني: استفتحت الباب ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فمشى عن يمينه أو عن شماله.
ووجه الإشكال فيها أن الباب إذا كان في القبلة فلا معنى لمشيه عن يمينه أو عن شماله.
والجواب عنه: أن معنى كون الباب في القبلة أن يكون محاذيًا له،
стр. 2426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو مائلًا إلى اليمين أو الشمال، ويمكن ههنا أن يكون الباب مائلًا إلى اليمين أو الشمال، فمشى رسول الله ﷺ لأجل ذلك عن يمينه أو شماله.
والجواب الثاني عنه: أن يقال: يمكن أنه وقع من بعض الرواة تقديم وتأخير في اللفظ واختصار، ويكون نظم الحديث هكذا: استفتحت الباب ورسول الله ﷺ يصلي تطوعًا، والباب على القبلة أو عن يمينه أو عن يساره، فمشى، ففتح الباب.
ويدلس على ذلك ما أخرجه الدارقطني (١) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب، ففتح له ما كان في قبلته أو عن يمينه أو عن يساره.
قلت: وهاهنا إشكال آخر صعب الجواب، وهو أن كون الباب في القبلة لا يكاد يصح، فإنه قد صرح المؤرخون وثبت عن الأحاديث الصحاح أن حجرة عائشة ﵂ كانت في شرقي المسجد، وكان باب حجرتها شارعة إلى المسجد.
قال في "نزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين" في ذكر حجرة عائشة: وباب بيته كان في المغرب، وقيل: في الشام، وقيل: كان له بابان: باب في المغرب، وباب في الشام.
وقال في "خلاصة الوفاء" (٢): وكان باب عائشة يواجه الشام.
وقال في "وفاء الوفاء": ووقفت عند باب عائشة فإذا هو مستقبل المغرب، وهو صريح في أن الباب كان في جهة المغرب، وسيأتي ما يؤيده.
وكذا ما روي في الصحيح من كشفه ﷺ من سجف الباب في مرضه
стр. 2427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأبو بكر يؤم الناس، وترجيل عائشة شعره وهو في معتكفه، وهي في بيتها، لكن سبق أيضًا ما يقتضي أن الباب كان مستقبل الشام، وهو ضعيف أو مؤول، أما ضعفه فلما تقدم من أن بيت فاطمة -رضي الله تعالى عنها - كان ملاصقًا له من جهة الشام، وأما تأويله (١) فبأحد الأمرين:
أحدهما: حمله على أنه باب شرعته عائشة لما ضربت حائطًا بينها وبين القبور المقدسة بعد دفن عمر -رضي الله تعالى عنه - لا أنه الباب الذي كان في زمنه ﷺ ، وفيه بعد.
وثانيهما: أنه كان له بابان، إذ لا مانع من ذلك، انتهى ملخصًا.
وهذه التقارير كلها يرد ما وقع في حديث أبي داود من أن الباب كان في القبلة.
ثم رأيت في "وفاء الوفاء": وكان بيت حفصة بنت عمر ﵄ ملاصقًا لبيت عائشة ﵂ من جهة القبلة.
ونقل ابن زبالة فيما رواه عن عبد الرحمن بن حميد وعبيد الله بن عمر بن حفص وأبي سبرة وغيرهم أنه كان بين بيت حفصة وبين منزل عائشة ﵄ الذي فيه قبر النبي ﷺ -طريق، وكانتا يتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما.
فهذا الكلام يدل على أنه كان بين منزليهما طريق، فلا بد أن يكون في الجدار المشتركة بينهما باب، فلعل رسول الله ﷺ كان يصلي في منزل عائشة -رضي الله تعالى عنها -، وكان هذا الباب مسكوكًا، فجاءت عائشة من هذا الباب، وهذا هو الجواب عن هذا الإشكال، والله تعالى أعلم.
стр. 2428
(١٧٢) بَابُ رَدِّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ
٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، نَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن الأَعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّه قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ وَهُوَ في الصلاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ
===
(١٧٢) (بَابُ رَدِّ السَّلَامِ في الصَّلَاةِ)
٩٢٣ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا ابن فضيل) محمد، (عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود (قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة) (٢) أي حين كنا بمكة معه ﷺ (فيرد علينا) أي بلفظ السلام (فلما رجعنا) أي فهاجرنا إلى الحبشة، ثم رجعنا منها إلى مكة (٣) أو إلى المدينة.
(من عند النجاشي) وهذا لقب ملك الحبشة، واسمه أصحمة بن أبحر، والنجاشي بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها عن المطرزي، وبتشديد آخره، وحكى المطرزي التخفيف ورجحه الصغاني، قاله الحافظ في "الإصابة"، هاجر إليه المسلمون حين آذاهم
стр. 2429
سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: "إِنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغُلًا". [خ ١١٩٩، م ٥٣٨]
===
الكفار، وقصته مشهورة في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه، وصلَّى عليه رسول الله ﷺ صلاة الغائب، أسلم في عهده ﷺ ولم يهاجر إليه ﷺ .
(سلمنا عليه، فلم يرد (١) علينا وقال: إن في الصلاة لشغلًا) هاهنا صفة محذوفة، أي شغلًا مانعًا من الكلام.
والحديث يدل على تحريم رد السلام في الصلاة، وكذلك يقتضي تحريم الكلام في الصلاة، ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم في صلاته عامدًا عالمًا فسدت صلاته، قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أن من تكلم (٣) في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا في كلام الساهي (٤) الجاهل، وقد حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم أنهم سووا بين كلام الناسي والعامد والجاهل، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك، وبه قال النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة، وذهب قوم إلى الفرق بين كلام الناسي والجاهل، وبين كلام العامد، وقد حكى ذلك ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين عن عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وعن عمرو بن دينار، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وحكاه الحازمي عن نفر من أهل الكوفة وعن
стр. 2430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أكثر أهل الحجاز وأكثر أهل الشام، وحكاه النووي في "شرح مسلم" عن الجمهور، كذا في "النيل" (١).
واحتج الأئمة الثلاثة ومن معهم بما روي عن أبي هريرة في قصة ذي اليدين بأنه تكلم النبي ﷺ ناسيًا، فإن عنده أنه كان أتم الصلاة، وذو اليدين تكلم ناسيًا، فإنه زعم أن الصلاة قد قصرت، ورسول الله ﷺ لم يستقبل الصلاة، ولم يأمر ذا اليدين ولا أبا بكر ولا عمر بالاستقبال.
وبما روي عنه ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢)، أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم.
وبأن كلام الناسي بمنزلة سلام الناسي، وذلك لا يوجب فساد الصلاة، وإن كان كلامًا, لأنه خطاب الآدميين، ولهذا يخرج عمده من الصلاة، كذا هذا.
واحتج (٣) الإِمام أبو حنيفة ومن معه بقوله ﷺ : "وليبن علي صلاته ما لم يتكلم"، جوَّز البناء إلى غاية التكلم فيقضي انتهاء الجواز بالتكلم (٤).
وبما روي عن ابن مسعود (٥) وفي آخره: "فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله تعالى قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام".
стр. 2431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وبما روي عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله، الحديث، وفي آخره: ولكن قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن" (١)، فما لا يصلح في الصلاة فمباشرته مفسد للصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك.
وحديث ذي اليدين محمول على الحالة التي كان يباح فيها التكلم في الصلاة، وهي ابتداء الإِسلام بدليل أن ذا اليدين وأبا بكر وعمر ﵃ تكلموا في الصلاة عامدين، ولم يأمرهم بالاستقبال، مع أن كلام العمد مفسد للصلاة بالإجماع.
والرفع المذكور في الحديث محمول على رفع الإثم والعقاب لا الحكم، فإن الله أوجب في قتل الخطأ الكفارة.
والاعتبار بسلام الناسي غير سديد، فإن الصلاة تبقى مع سلام العمد في الجملة، وهو قوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والنسيان دون العمد، فجاز أن تبقى مع النسيان في كل الأحوال.
وفقهه أن السلام بنفسه غير مضاد للصلاة لما فيه من معنى الدعاء، إلَّا أنه إذا قصد به الخروج في أوان الخروج جعل سببًا للخروج شرعًا، فإذا كان ناسيًا وبقي عليه شيء من الصلاة لم يكن السلام موجودًا في أوانه، فلم يجعل سببًا للخروج، بخلاف الكلام فإنه مضاد للصلاة، كذا قال في "البدائع" (٢).
ثم اعلم أن قوله: "فلما رجعنا من عند النجاشي" يحتمل أن يكون المراد من الرجوع الرجوع إلى مكة أو المدينة، قال الحافظ (٣): إن بعض المسلمين
стр. 2432
٩٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبَانُ، نَا عَاصِمٌ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ في الصَّلَاةِ وَنَأمُرُ بِحَاجَتِنَا،
===
هاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في مراده بقوله: "فلما رجعنا" هل أراد الرجوع الأول أو الثاني؟ فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه، وجنح آخرون إلى الترجيح فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكى لفظ النبي ﷺ ، بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر، وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة، فإنها ظاهرة في أن كلًا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، والآية مدنية بالاتفاق، انتهى ملخصًا.
٩٢٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان (٢)، نا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله) بن مسعود (قال: كنا نسلم في الصلاة) أي على رسول الله ﷺ ، أو يسلم بعضنا على بعض (ونأمر بحاجتنا) والظاهر أن المراد بالحاجة الحاجة المتعلقة بالصلاة، كما وقع في حديث أبي أمامة عند الطبراني (٣) في قصة معاذ قال: كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته، فيقضي ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ، الحديث.
стр. 2433
فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُوِلِ اللهِ ﷺ -وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَخَذنِي مَا قَدُمَ وَمَا حَدُثَ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ: "إِنَّ الله يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ (١)، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ". [ن ١٢٢١، حم ١/ ٤١٥]
٩٢٥ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عن بُكَيْرٍ، عن نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن صُهَيْبٍ
===
(فقدمت على رسول الله ﷺ ) بعد ما رجعت من الحبشة (وهو يصلي فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام) أي مطلقًا لا بالإشارة ولا بالكلام (فأخذني ما قدم وما حدث) وفي رواية: ما قرب وما بعد، والمراد بما قدم وما حدث، الأحزان المتقدمة والحادثة بسبب تركه ﷺ رد السلام عليه.
(فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث) أي جدد من الأحكام (أن لا تكلموا في الصلاة، فرد عليّ السلام).
قال القاري (٢): قال ابن الملك: فيه دليل على استحباب رد جواب السلام بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك لو كان على قضاء الحاجة وقراءة القرآن وسلم عليه أحد.
٩٢٥ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهم) أي يزيد وقتيبة ومن معهما في مجلس التحديث، (عن بكير) مصغرًا، (عن نابل) بالنون والباء الموحدة المكسورة (صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب) بن سنان أبو يحيى الرومي يقال: كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقبه، صحابي شهير.
стр. 2434
أَنَّهُ قَالَ: "مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ إِشَارَةً. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا (١) قَالَ: إِشَارَةً بِإِصْبَعِهِ". وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ. [ت ٣٦٧، حم ٢/ ٣٣٢، ن ١١٨٦، حب ٢٢٥٩، ق ٢/ ٢٥٩]
===
(أنه قال: مررت برسول الله ﷺ وهو (٢) يصلي فسلمت عليه، فرد إشارة، قال) أي ليث، كما هو مصرح في رواية الطحاوي والدارمي، ولفظهما: قال ليث: وأحسبه قال بأصبعه، فإرجاع الضمير إلى نابل كما فعل صاحب "عون المعبود" (٣) مبني على قلة التتبع، وكذلك إرجاع الضمير إلى ابن عمر في قوله: ولا أعلمه إلَّا قال، فإن مرجع هذين الضميرين بكير لا ابن عمر.
(ولا أعلمه) أي لا أظن شيخي بكيرًا (إلَّا قال: إشارةً بأصبعه) أي أظن أنه زاد لفظ بأصبعه (وهذا لفظ حديث قتيبة).
فإن قلت: إن هذا الحديث يدل على جواز رد السلام بالإشارة في الصلاة، والحديث المتقدم يدل على تأخيره إلى الفراغ من الصلاة.
قلت: الحديث الأول محمول على الأولوية، وأما الثاني فعلى تعليم الجواز، قال في "الدر المختار" (٤): ورد السلام ولو سهوًا بلسانه لا بيده بل يكره على المعتمد، وقال في "الشامي": وصرَّح في "المنية" بأنه مكروه (٥) أي تنزيهًا،
стр. 2435
٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ (١) قَالَ: أَرْسَلَنِى نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِى الْمُصْطَلِقِ, فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّى عَلَى بَعِيرِهِ فَكَلَّمْتُهُ, فَقَالَ لِى بِيَدِهِ هَكَذَا, ثُمَّ كَلَّمْتُهُ, فَقَالَ لِى بِيَدِهِ هَكَذَا, وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ
===
وفعله ﵊ لتعليم الجواز، فلا يوصف فعله بالكراهة كما حققه في "الحلية".
٩٢٦ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو الزبير، عن جابر) بن عبد الله (قال: أرسلني نبي الله ﷺ إلى بني المصطلق) أي لحاجة، وفي رواية مسلم: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المصطلق، وليس بين الروايتين تخالف، فإنهما كلاهما يسيران إلى بني المصطلق، فأرسله رسول الله ﷺ مقدمًا ليأتي بخبرهم، أو لغيره من الحاجات.
(فأتيته) أي فذهبت إلى بني المصطلق ثم رجعت فأتيته (وهو يصلي على بعيره) وفي رواية مسلم: ثم أدركته وهو يسير، وزاد في النسائي: مشرقًا أو مغربًا (فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته، فقال لي بيده هكذا) وفي رواية مسلم: فسلمت عليه فلم يرد عليَّ، وفي رواية: فسلمت عليه فأشار إلىَّ، وفي رواية: فكلمته، فقال لي بيده هكذا، وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا، وأومأ زهير بيده نحو الأرض، ولا اختلاف بين هذه الروايات فإن جابرًا -رضي الله تعالى عنه - سلَّم عليه ﷺ ثم كلمه، فأشار إليه ﷺ بيده أن امكث حتى أتم الصلاة.
ويدل عليه ما في "مسلم": وأومأ زهير بيده إلى الأرض، فهذا الكلام يدل على أن هذه الإشارة ما كانت لرد السلام، بل كانت للمنع عن الكلام، فإن هذه الإشارة كانت بيده إلى الأرض، ولو كانت هذه الإشارة لرد السلام لكانت إلى فوق.
(وأنا أسمعه يقرأ) القرآن (ويومئ برأسه) أي للركوع والسجود
стр. 2436
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: "مَا فَعَلْتَ في الَّذِي أَرْسَلْتُكَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ إِلَّا أَنِّي (١) كُنْتُ أُصَلِّي". [م ٥٤٠، حم ٣/ ٣٣٨]
===
(قال) جابر أو غيره من الرواة: (فلما فرغ) رسول الله ﷺ من الصلاة (قال: ما فعلت في الذي) أي في الأمر الذي (أرسلتك) له؟ (فإنه) الضمير للشأن (لم يمنعني أن أكلمك) أي من الكلام (إلَّا أني كنت أصلي) وفي رواية مسلم: فلما انصرف قال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلَّا أني كنت أصلي". وهذا كالصريح في أنه ﷺ لم يرد على جابر السلام لا إشارة ولا لفظًا فتقييده بالكلام غير سديد.
ويؤيده ما ورد في رواية البخاري في حديث جابر: فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وجد علي أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: "إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي"، فلو كانت إشارته ﷺ لرد السلام لم يقع في قلب جابر من الغم والكرب ما وقع عليه، وأيضًا لما رد عليه ﷺ بالإشارة لم يحتج أن يرد عليه بعد الفراغ من الصلاة، فهذا يرشدك أن الإشارة لم تكن لرد السلام، وللطحاوي في هذا البحث كلام طويل (٢).
وقال العيني في "شرح البخاري" (٣): وحكى ابن بطال الإجماع على أنه لا يرد السلام نطقًا، واختلفوا أيرد إشارة؟ فكرهه طائفة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورخص فيه طائفة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وقتادة والحسن، وعن مالك روايتان: في رواية أجازه، وفي أخرى كرهه، وعند طائفة: إذا فرغ من الصلاة يرد.
стр. 2437
٩٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِىُّ الدَّامَغَانِىُّ, حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ, حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّى فِيهِ. قَالَ: فَجَاءَتْهُ الأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّى. قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّى؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا, وَبَسَطَ كَفَّهُ, وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ, وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ". [ت ٣٦٨، حم ٦/ ١٢، قط ٢/ ٨٤، ق ٢/ ٢٥٩]
===
٩٢٧ - (حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني، نا جعفر بن عون، نا هشام بن سعد، نا نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: خرج رسول الله إلى قباء) الظاهر أن هذا الخروج كان من المدينة بعد ما سكن فيها بعد الهجرة (يصلي فيه) أي لأن يصلي فيه (قال) عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، وهذا من مرسلاته, لأنه لم يكن موجودًا هناك، ولعله سمعه من بلال أو صهيب أو من غيرهما من الصحابة الذين كانوا معه (فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه) ولعل بلالًا حدثه بعد قوله له: فسلموا عليه (وهو يصلي) فيرد عليهم، فسأله كيف يرد عليهم؟
(قال) أي بلال: (يقول) أي يشير رسول الله ﷺ (هكذا، وبسط) أي بلال (كفه، وبسط جعفر بن عون كفه) وهذا قول حسين بن عيسى شيخ أبي داود يقول: بين لنا شيخنا جعفر بن عون كيفية بسط الكف بفعله (وجعل بطنه) أي الكف (أسفل وجعل ظهره) أي الكف (إلى فوق) أي ثم أشار به.
قال الترمذي (١) بعد تخريج الحديثين، حديث ابن عمر عن صهيب من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر،
стр. 2438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحديث ابن عمر عن بلال من طريق وكيع، نا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر: وقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يصنع (١) حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد يني عمرو بن عوف؟ قال: كان يرد إشارة، وكلا الحديثين عندي صحيح, لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما، فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعًا، انتهى.
قلت: قول الترمذي: قد روي عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ ، الحديث، يخالف ما رواه النسائي وابن ماجه والدارمي من طريق سفيان عن زيد بن أسلم، ولفظ النسائي (٢): قال: قال ابن عمر: دخل النبي ﷺ مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيبًا وكان معه كيف كان النبي ﷺ ، الحديث.
ولفظ ابن ماجه (٣): عن عبد الله بن عمر قال: أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء يصلي فيه، فجاءت رجالى من الأنصار يسلمون عليه، فسألت صهيبًا وكان معه كيف كان رسول الله ﷺ ، الحديث.
ولفظ الدارمي (٤): عن ابن عمر أن النبي- ﷺ دخل مسجد بني عمرو بن عوف، فدخل الناس يسلمون عليه، وهو في الصلاة، قال: فسألت صهيبًا كيف كان يرد عليهم؟ الحديث.
فخالف م الترمذي بتسمية بلال، ولم يذكروا في حديثهم إلَّا صهيبًا وهو المحفوظ، وقد وافقهم البيهقي بتسمية صهيب في حديث زيد بن أسلم.
стр. 2439
٩٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ, عَنْ أَبِى حَازِمٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «لَا غِرَارَ فِى صَلَاةٍ
===
وما أشار إليه الترمذي من الجمع بين الحديثين باحتمال أن يكون ابن عمر سمع منهما أي بلال وصهيب جميعًا، فتفصيله أن ههنا ثلاثة أحاديث.
أحدها: حديث نابل صاحب العباء عن ابن عمر، عن صهيب.
وثانيها: حديث هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر.
وثالثها: حديث زيد بن أسلم عن ابن عمر.
فالحديثان الأخيران وردا في قصة قباء في قصة واحدة، وأما الحديث الأول فورد في محل آخر على ما أشار إليه الترمذي، فقول الترمذي: لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، المراد من قصة حديث صهيب هو الذي ورد في الحديث الثاني والثالث.
ولكن في الاستدلال على صحة الحديثين بهذا الدليل خزازة، فإن اتحاد القصة ومغايرتها لا دخل لها في صحة الحديث، فيمكن أن يروي ابن عمر عنهما قصة واحدة، وتكون الرواية عنهما صحيحة، ويمكن أن يروي عن أحدهما قصة أخرى غير القصة المتفق عليها، ويكون ذلك صحيحًا أيضًا، والله تعالى أعلم.
٩٢٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان (١)، عن أبي مالك الأشجعي) أي سعد بن طارق، (عن أبي حازم) اسمه سلمان، (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا غرار في صلاة).
قال في "مرقاة الصعود": أما الغرار في الصلاة فعلى وجهين: أن لا يتم ركوعه وسجوده، وأن يشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ فيأخذ بالأكثر، وينصرف
стр. 2440
وَلا تَسْلِيمَ".
قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِى - فِيمَا أُرَى - أَنْ لَا تُسَلِّمَ وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيْكَ, وَيُغَرِّرُ الرَّجُلُ بِصَلَاتِهِ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ فِيهَا شَاكٌّ. [حم ٢/ ٤٦١، ك ١/ ٢٦٤، ق ٢/ ٢٦٠]
٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عن سُفْيَانَ، عن أَبِي مَالِكٍ (١)، عن أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
===
بالشك، وقال في "النهاية": الغرار في الصلاة نقصان هيئتها وأركانها، وقيل: أراد بالغرار النوم، أي ليس في الصلاة نوم.
(ولا تسليم) يروى بالجر والنصب، فمن جره كان معطوفًا عنده على صلاة، وغراره أن يقول المجيب: وعليك، ولا يقول: السلام، ومن نصبه كان عنده معطوفًا على غرار، ويكون المعنى: لا نقص ولا تسليم في الصلاة, لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز، انتهى، ومثله في "المجمع"، ومناسبة الحديث بالباب بقوله: ولا تسليم بالعطف على الغرار.
(قال أحمد) أي ابن حنبل: (يعني فيما أرى) حاصله أن الإِمام أحمد ما قال في معنى الحديث هو من رأيه ليس منقولًا عن السلف، فمعنى قوله: لا تسليم (إن لا تسلم) بصيغة المعلوم، أي على أحد إذا كنت في الصلاة (ولا يسلم) بصيغة المجهول (عليك) أي لا يسلم عليك أحد إذا كنت في الصلاة، وهذا معنى قوله: "ولا تسليم" عند الإِمام أحمد، (و) معنى قوله: "لا غرار في صلاة" أن (يغرَّر (٢) الرجل بصلاته) أي ينقص (فينصرف) من صلاته (وهو) الرجل (فيها) أي في صلاته (شاك) أي هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟
٩٢٩ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي مالك) الأشجعي، (عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال) أبو معاوية:
стр. 2441
أُرَاهُ رَفَعَهُ. قَالَ: "لَا غِرَارَ في تَسْلِيمٍ وَلَا صَلَاةٍ". [٢/ ٢٦١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَلَى لَفْظِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَلَمْ يَرْفَعْهُ (١)(١٧٣) بَابٌ في تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ في الصَّلَاةِ
===
(أراه) أي سفيان (رفعه) أي رفع سفيان هذا الحديث، حاصله أن هذا الحديث روى عن سفيان ثلاثة رجال، أولهم عبد الرحمن بن مهدي فرفعه ولم يشك فيه، وثانيهم معاوية بن هشام فروى عن سفيان بالتردد في رفعه، وثالثهم ابن فضيل روى عن سفيان هذا الحديث فلم يرفعه بل وقفه على أبي هريرة.
(قال: لا غرار في تسليم ولا صلاة) وهذا السياق يدل على أن ما وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي من قوله: ولا تسليم هو بالجر عطفًا على قوله: صلاة.
(قال أبو داود: ورواه ابن فضيل على لفظ ابن مهدي) أي لا غرار في صلاة ولا تسليم، لا على لفظ معاوية بن هشام (ولم يرفعه) فخالف ابن فضيل عبد الرحمن بن مهدي في الرفع، ووافق في لفظ الحديث، وخالف معاوية في الشك ولفظ الحديث.
(١٧٣) (بَابٌ في تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ في الصَّلاةِ)
هو بالمعجمة والمهملة، الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، شمته وشمت عليه تشميتًا، واشتق من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على الطاعة، وقيل: معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، وأما الذي بالمهملة فاشتقاقه من السمت، وهو الهيئة الحسنة، أي جعلك الله على سمت حسن, لأن هيئته تنزعج للعطاس
стр. 2442
٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى (١)، (ح): وَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْنَى، عن حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ،
===
٩٣٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) بن سعيد، (ح: ونا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديث يحيى وإسماعيل واحد، (عن حجاج) بن أبي عثمان أبو الصلت (الصواف، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال (٢) بن أبي ميمونة) واسم أبي ميمونة علي، (عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي (٣) قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فعطس) بفتح الطاء، وضبطه السيوطي بكسرها (رجل من القوم فقلت) وأنا في الصلاة: (يرحمك الله) (٤) الظاهر أن العاطس قال بعد العطاس: الحمد لله، فأجابه بقوله: يرحمك الله, لأنه علم هذا كما سيأتي في الحديث اللاحق.
(فرماني القوم بأبصارهم) استعير من رمي السهم، أي أسرعوا في الالتفات وأشاروا إليَّ بأعينهم من غير كلام، ونظروا إليَّ نظر زجر كيلا أتكلم في الصلاة (فقلت: واثكل أمِّيَاه) بكسر الميم، والثكل بضم وسكون وبفتحهما، فقدان المرأة ولدها، والمعنى وافقد ولدها، والمراد نفسه، فإني هلكت
стр. 2443
مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْرُبونَ بِأَيْدِيهِمْ (١) عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونِي- قَالَ عُثْمَانُ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي لَكِني سَكَتُّ- فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - بِأَبِي وَأُمي- مَا ضَرَبَني وَلَا كَهَرَنِي وَلَا سَبَّنِي، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَحِلُّ فِيهَا شَئٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ
===
(ما شأنكم) أي حالكم وأمركم (تنظرون إليَّ) نظر الغضب؟ (قال: فجعلوا) أي شرعوا (يضربون بأيديهم) زيادة في الإنكار عليّ (على أفخاذهم) وفيه دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة (فعرفت) بنظرهم إليَّ غضبًا وضربهم أفخاذهم (أنهم يُصَمِّتوني) أي: يسكِّتونني.
(قال عثمان: فلما رأيت يُسَكِّتوني) غضبت وتغيرت، وهذا اللفظ مختص برواية عثمان ولم يذكره مسدد (لكنى (٢) سكت) أي لم أعمل بمقتضى الغضب، ولم أسأل عن السبب؛ لأنهم أعلم مني.
(فلما صلى رسول الله ﷺ ) أي فرغ عن الصلاة (بأبي وأمي) أي هو مفدّى بأبي وأمي (ما ضربني ولا كهرني) أي: ولا انتهرني (ولا سبني) وهذا جزاء لقوله: فلما صلى (ثم قال: إن هذه الصلاة) إشارة إلى جنس الصلاة (لا يحل (٣) فيها شيء من كلام الناس).
قال القاضي: أضاف الكلام إلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر، فإنه لا يراد بها خطاب الناس وإفهامهم، وإطلاق الحديث دليل لنا في أن الكلام مطلقًا يبطل الصلاة، وأما قولهم: لو كان مبطلًا للصلاة لأمره رسول الله ﷺ بالإعادة ولم يأمره به، وإنما علمه أحكام الصلاة، فالجواب عنه بأن عدم حكايته الأمر بالإعادة لا يستلزم العدم، وغايته أنه لم ينقل إلينا.
стр. 2444
هَذَا؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"، أَوَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ .
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ (١)!
===
(هذا) أي فعل الصلاة، وهكذا روى أحمد عن يحيى بن سعيد، عن حجاج الصواف: هذا إنما هو التسبيح، وفي رواية مسلم من طريق إسماعيل، عن حجاج الصواف وفيها: إنما هو التسبيح والتكبير.
(إنما هو) أي فعل الصلاة (التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أي هذا ونحوه، فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها.
استدل الشافعي ﵀ ﷺ على أن تكبير الإحرام جزء من الصلاة، قلنا: معناه إنما هي ذات التسبيح والتكبير.
واستدل أبو حنيفة على كون التحريمة شرطًا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢)، فإن العطف يفيد التغاير.
(أو كما (٣) قال) شك من الراوي (رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله! إنا قوم حديث عهد) أي قريب زمان (بجاهلية) متعلق بعهد، ويمكن أن يتعلق بحديث، وما قبل ورود الشرع يسمى جاهلية لكثرة جهالتهم، يعني انتقلت من الكفر إلى الإِسلام قريبًا، ولم أعرف بعد أحكام الدين (وقد جاءنا الله بالإسلام، ومنا رجال يأتون الكهان) ويسألونهم عن المخفيات والأمور الكائنة في المستقبل، والكهان بضم الكاف جمع كاهن.
стр. 2445
قَالَ: "فَلَا تَأتِهِمْ"، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ: "ذَلِكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّهُمْ" قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ.
===
(قال) رسول الله ﷺ : (فلا تأتهم) وقد قال رسول الله ﷺ : "من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما نزل على محمد"، رواه الإِمام أحمد (١) بسند صحيح عن أبي هريرة.
(قال) أي معاوية: (قلت) لرسول الله ﷺ (ومنا رجال يتطيرون) في "النهاية" (٢): الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسَكَّن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيَّر طِيرَةً كما تقول: تخير خيرة، ولم يجئ من المصادر غيرهما هكذا، قيل: وأصل التطير التفاؤل بالطير، واستعمل لكل ما يتفاءل به ويتشاءم، وقد كانوا يتطيرون بالصيد كالطير والظبي، فيتيمنون بالسوانح ويتشاءمون بالبوارح، والبوارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، والسوانح ضدها، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، ويمنعهم عن السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع وأبطله، ونهاهم عنه وأخبرهم أنه لا تأثير له.
(قال) رسول الله ﷺ : (ذاك) أي التطير (شيء يجدونه في صدورهم) (٣) أي هذا وهم ينشأ من نفوسهم ليس له تأثير في اجتلاب نفع أو دفع ضرر، وإنما هو شيء يُسَوِّلُه الشيطان ويُزَيِّنُه حتى يعملوا بقضيته ليجرهم بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو كفر صريح بإجماع العلماء (فلا يصدهم) أي لا يمنعهم التطير من السعي في مقاصدهم, لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه.
(قال) أي معاوية: (قلت) لرسول الله ﷺ : (ومنا رجال يخطون) ويستدلون بها على المغيبات ويعرفون بها الكوائن في المستقبل.
стр. 2446
قَالَ: "كَانَ نَبيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ". قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ،
===
(قال) رسول الله ﷺ : (كان نبي من الأنبياء) قيل: هو إدريس أو دانيال ﵉ (١) (يخط) أي أعطي علم الخط، فيعرف بتوسط تلك الخطوط الأمورَ المغيبة (فمن وافق) (٢) فيما يخطه (خطه) بالنصب أي خط ذلك النبي (فذاك) أي فذاك مصيب، وهو كالتعليق بالمحال.
قال الخطابي (٣): إنما قال ﵊: فمن وافق خطه فذاك، على سبيل (٤) الزجر، ومعناه: لا يوافق خط أحد خط ذلك النبي, لأن خطه كان معجزة، قال ابن حجر: ولم يصرح بالنهي عن الاشتغال بالخط لنسبته لبعض الأنبياء، لئلا يتطرق الوهم بما لا يليق بكمالهم، ومن ثم قال المحرمون لعلم الرمل وهم أكثر العلماء: لا يستدل بهذا الحديث على إباحته, لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تعلم إلَّا من تواتر، أو نص منه ﵊، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد ذلك، فاتضح تحريمه.
(قال) معاوية: (قلت) لرسول الله ﷺ : (إن جارية لي كانت ترعى (٥) غنيمات قبل أحد والجوانيه) بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الواو نون مكسورة ثم ياء مشددة، والجوانية (٦) بقرب أحد موضع في شمال المدينة.
стр. 2447
إِذِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا اطِّلَاعَةً، فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بشَاةٍ مِنْهَا، وَأَنَا مِنْ بَنِي آدم آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّة، فَعَظَّمَ ذَاكَ (١) عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا"، فَجِئْتُ (٢) بِهَا، فَقَالَ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " قَالَتْ: في السَّمَاءِ، قَالَ: "مَنْ أَنَا؟ " قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ". [م ٥٣٧، ن ١٢١٨، حم ٥/ ٤٤٧، ط ٢/ ٧٧٦]
٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائيُّ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
===
قال النووي (٣): فيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرعي وإن كانت تنفرد في المرعى، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أو لفساد ممن يكون في الناحية التي ترعى فيها أو نحو ذلك لم يسترعها، انتهى ملخصًا.
(إذا اطلعت عليها اطلاعة) أي أشرفت عليها وخرجت لأعلم حالها (فإذ الذئب قد ذهب بشاة منها، وأنا من بني آدم آسف) (٤) بفتح السين أي أغضب (كما يأسفون لكني صككتها صكة) أي لطمتها لطمة (فعظم) من التعظيم (ذاك) أي صكتي إياها (علي رسول الله ﷺ ، فقلت) أي توبة عنها: (أفلا أعتقها؟ قال) رسول الله ﷺ : (ائتني بها، فجئت بها) إلى رسول الله ﷺ (فقال) رسول الله ﷺ لها: (أين الله؟ (٥) قالت: في السماء)، والمراد بها نفي الألوهية عن الأصنام، واعتقاد وجوده وعظمته وعلوه لا الجهة (قال) رسول الله ﷺ لها: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (٦).
٩٣١ - (حدثنا محمد بن يونس النسائي، نا عبد الملك بن
стр. 2448
عَمْرٍو، نَا فُلَيْحٌ، عن هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، مُعَاوِيةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ عُلِّمْتُ أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلَامِ، فَكَانَ فِيمَا عُلِّمْتُ أَن قِيلَ (١) لِي: "إِذَا عَطَسْتَ فَاحْمَدِ اللَّهِ، وَإِذَا عَطَسَ الْعَاطِسُ فَحَمِدَ الله فَقُلْ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ". قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا قَائِمٌ مَع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلَاةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، رَافِعًا بِهَا صَوْتِي، فرَمَانِي النَّاسُ بَأَبْصَارِهِمْ حَتَّى احْتَمَلَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِأعْيُنٍ شُزْرٍ؟ ، قَالَ: فَسَبَّحُوا، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَلاة قَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ "
===
عمرو، نا فليح، عن هلال بن علي) هو هلال بن أبي ميمونة المتقدم، (عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لما قدمت على رسول الله ﷺ علمت) بصيغة المجهول من التعليم (أمورًا من أمور الإسلام) أي الفرائض وشرائع الإِسلام (فكان فيما علمت) بصيغة المجهول من التعليم، ويحتمل أن يكون على صيغة المعلوم من العلم (أن قيل لي) والقائل له إما رسول الله ﷺ أو بعض الصحابة (إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس رجل فحمد الله، فقلت: يرحمك الله رافعًا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتى احتملني ذلك) أي: حتى أغضبني رميهم بأبصارهم.
(فقلت: ما لكم تنظرون إلى بأعين شزر؟ ) بضم الشين المعجمة وسكون الزاء في آخره راء، جمع شزراء من الشزر، وهو النظر عن اليمين والشمال، وليس بمستقيم النظر، وقيل: هو النظر بمؤخر العين، وأكثر ما يكون النظر الشزر في حال الغضب وإلى الأعداء (قال: فسبحوا) أي قالوا: سبحان الله.
(فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: من المتكلم) في الصلاة؟
стр. 2449
قِيلَ: هَذَا الأَعْرَابِيُّ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّه، فَإِذَا كُنْتَ فِيها فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ"، فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ أَرْفَقَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [ق ٢/ ٢٤٩]
(١٧٤) بَابُ التَّأْمِينِ وَرَاءَ الإِمَامِ
===
(قيل: هذا الأعرابي) وأشاروا إليَّ (فدعاني رسول الله ﷺ فقال لي: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنت فيها) أي في الصلاة (فليكن ذلك) أي: قراءة القرآن وذكر الله تعالى لا كلام الناس (شأنك) أي حالك، (فما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله ﷺ ).
(١٧٤) (بَابُ التَّأْمِينِ (١) وَرَاءَ الإمَامِ)
أي قول المصلي: آمين إذا قرأ الإِمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وآمين هو بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء، وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة فيها، وفيها ثلاث لغات أُخر، وهو من أسماء الأفعال مثل صه للسكوت، وتفتح في الوصل, لأنها مبنية بالاتفاق مثل كيف، وإنما لم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناها اللَّهم استجب عند الجمهور، وقيل غير ذلك مما يرجع إلى هذا المعنى، فقيل: ليكن كذلك، وقيل: اقبل، وقيل: لا تخيب رجاءنا، وقيل: لا يقدر على هذا غيرك، وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلَّا الله.
ولا خلاف في أن آمين ليس من القرآن حتى قالوا بارتداد من قال: إنه منه، وأنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصلاة، واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم سورة إليها، والأصح أنه يأتي بها.
стр. 2450
٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَلَمَةَ, عَنْ حُجْرٍ أَبِى الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِىِّ, عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ
===
٩٣٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان) الثوري، (عن سلمة) بن كهيل، (عن حجر (١) أبي العنبس) قال في "تهذيب التهذيب": حجر بن العنبس (الحضرمي) أبو العنبس، ويقال: أبو السكن الكوفي، وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين: حجر بن عنبس أبو العنبس، انتهى.
وحكى الترمذي (٢) عن البخاري: أن شعبة أخطأ فيه فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن، انتهى.
قلت: لكن يرده رواية أبي داود هذه فإن عنده في رواية سفيان الثوري أيضًا، عن حجر أبي العنبس، وقد تفحصنا نسخ أبي داود من الهندية والمصرية، فما وجدنا فيها إلَّا عن حجر أبي العنبس، وكذلك يرده ما قال ابن حبان: حجر بن العنبس أبو العنبس، وقال العيني: وجزم ابن حبان في "الثقات" فقال: كنيته كاسم أبيه، وقد ذكر له هذه الكنية الحافظ في "تهذيب التهذيب" و"التقريب" وكذلك قول البخاري: يكنى أبا السكن لا ينافي أن تكون كنيته أبا العنبس أيضًا, لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان.
(عن وائل بن حجر (٣) قال: كان (٤) رسول الله ﷺ إذا قرأ
стр. 2451
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: "آمِينَ" وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ". [ت ٢٤٨، جه ٨٥٥، حم ٤/ ٣١٦، قط ١/ ٣٣٤، حب ١٨٠٥، دي ١٢٤٧]
===
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال (١): آمين ورفع بها صوته) (٢) وفي هذا الحديث دليل على أن الإِمام يؤمن خلافًا لمالك كما قال بعضهم عنه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الإِمام لا يأتي به.
واستدل بعض المالكية لمالك: أن الإِمام لا يقولها لقوله ﷺ : "إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين", لأنه صلَّى الله تعالى عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم، والقسمة تنافي الشركة، وحملوا قوله صلَّى الله تعالى عليه وسلم: "إذا أمن الإِمام" على بلوغ موضع التأمين، وفي ظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-: أن الإِمام والمأمومين وكذلك المنفرد يؤمنون في الصلاة وفي غيرها سرًّا، وبه قال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى- في الجديد في المأمومين، وفي القديم يجهر.
قال في كتاب "الأم" (٣): قال الشافعي: فإذا فرغ من قراءة أم القرآن قال: آمين، ورفع بها صوته ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها، وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها، فإن فعلوا فلا شيء عليهم، هذا قوله الجديد.
وقال في "الإقناع" (٤): والسادسة التأمين عقب الفاتحة بعد سكتة لطيفة لقارئها في الصلاة وخارجها للاتباع، ويسن في جهرية جهر بها، وأن يؤمن المأموم مع تأمين إمامه لخبر الصحيحين، وخرج بقي جهرية السرية، فلا جهر
стр. 2452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالتأمين فيها ولا معية بل يؤمِّن الإِمام وغيره سرًّا مطلقًا، وقال في حاشيته: قوله: مع تأمين إمامه، وليس في الصلاة ما تسن مقارنة الإِمام فيه غير التأمين، ولو قرأ معه وفرغا معًا كفى تأمين واحد، أو فرغ قبله قال البغوي: ينتظر، والمختار أو الصواب أنه يؤمن لنفسه ثم للمتابعة.
وقال في "روضة المحتاجين": وسن جهرٌ به في جهرية من إمام ومنفرد مأموم تبعًا لتأمين إمامه، فإن لم يؤمن الإِمام أو آخره عن وقته المندوب فيه أمن هو أي المأموم، ولو فاته التأمين مع تأمين الإِمام لم يتداركه بعده، ولو قرأ الفاتحة مع إمامه وفرغا معًا كفاه تأمين واحد عن تأمينه لقراءة نفسه ولقراءة إمامه، أو فرغ قبله أمن لنفسه، ثم يؤمن لقراءة إمامه، ولا ينتظر ليؤمن معه، وهذا على قوله القديم.
واختلفت الروايات عن مالك ففي أولاها: أن الإِمام يؤمن، وهي رواية المدنيين عنه، وثانيتها: رواية ابن القاسم عنه وهي المشهورة، لا يؤمن الإِمام في الجهرية، وعنه لا يؤمن مطلقًا.
وقال في "مختصر الأخضري": والتأمين بعد الفاتحة للفذ والمأموم، ولا يقولها الإِمام إلَّا في قراءة السر، وقول أحمد مثل قول الشافعي.
قال الترمذي (١): وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وما ورد في رواية أبي هريرة بصيغة الأمر من قوله: "إذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا"، وفي رواية: "إذا قال الإِمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ , فقولوا: آمين"، حمله الجمهور على الندب، وحكي عن بعض أهل العلم وجوبه
стр. 2453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على المأموم عملًا بظاهر الأمر، وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي، وقالت الرافضة: إنه بدعة تفسد به الصلاة.
وهذا الحديث رواه سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل، عن حجر، عن وائل، فقال سفيان: ورفع بها صوته، وقال شعبة (١): وخفض بها صوته.
واستدل الإِمام الشافعي ﵀ ومن وافقهم في الجهر بآمين بحديث سفيان ورجحوه بوجوه.
أولها: قال الترمذي: سمعت محمدًا البخاري يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن.
قلت: وقد علمت بما تقدم أن هذا ليس بخطأ, لأنه كما هو ابن العنبس كذلك هو أبو العنبس، وكما يكنى (٢) أبا السكن كذلك يكنى أبا العنبس.
ثم قال: وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر.
قلت: زيادة الثقة مقبولة ولا يستبعد أن تكون رواية حجر عنهما جميعًا، فروى بواسطة علقمة بالنزول، ثم روى عن أبيه بلا واسطة.
ثم قال: وقال: وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته.
قلت: وهذا دعوى ليس مبناه إلَّا على ظنه من غير دليل يدل عليه.
وأيضًا قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: حديث سفيان في هذا أصح، ثم استدل عليه، وقال: روى العلاء بن صالح الأسدي
стр. 2454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان، فتأيدت رواية سفيان برواية العلاء بن صالح عن سلمة، وترجحت على رواية شعبة.
قلت: حديث سفيان وحديث شعبة كلاهما حديثان صحيحان، من أخبار الآحاد، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بكثرة الرواة ما داما في مرتبة الآحاد، فإن الحديث الصحيح الذي رواه وإحد حقيق بالاحتجاج مثل الحديث الصحيح الذي رواه أكثر من واحد ما دام في مرتبة الآحاد.
وثانيها: قال البيهقي: لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث، قالوا: إن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان، وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إليَّ من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.
قلت: هذا قول القطان، فدعوى الإجماع على هذا القول ليس بصحيح، فإن الحافظ ابن حجر قال في "تهذيب التهذيب" (١): قال أبو طالب عن أحمد: وشعبة أحسن حديثًا عن الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثًا منه، قسم (٢) له من هذا حظ، وقال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله: من أثبت، شعبة أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلًا حافظًا، وكان رجلًا صالحًا، وكان شعبة أثبت منه، وأتقى رجلًا، وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد: أيما كان أحفظ للأحاديث الطوال، سفيان أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أمرَّ فيها.
وثالثها: أن شعبة قال: سفيان أحفظ مني.
стр. 2455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وقد تقدم قول سفيان أنه قال: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان أيضًا داخل في المؤمنين، وأيضًا قد تقدم من قول يحيى بن سعيد: إن شعبة أحفظ للأحاديث الطوال، ولو سلم فمحمول على المسائل الفقهية، فإنه قال في "تذكرة الحفاظ" (١): قال ابن المديني: شعبة أحفظ للمشايخ، وسفيان أحفظ للأبواب.
ورابعها: أن أبا الوليد الطيالسي رواه عن شعبة بوفاق الثوري في "سننه" (٢).
قلت: وهذا لا يقتضي الترجيح، فقد قدمنا أن الحديثين صحيحان ولا تعارض بينهما، فيحتاج إلى الترجيح، وقول البيهقي: يحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده مبنيٌّ على احتمال ليس له أصل، ولو كان كذلك لرده المحدثون بهذا الوجه، والبخاري مع سعيه في تضعيفه وتوهينه لم يذكر هذا الوجه، والأصل كما قلنا: إن الحديثين صحيحان رواه شعبة بواسطة علقمة ومن غير واسطة، فهذا الاحتمال مردود.
وخامسها: أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة وكانت أولى بالقبول.
قلت: وهذا الوجه غير سديد، فإن الرفع والخفض صفتان متقابلتان للصوت، فلا زيادة في الرواية التي فيها الرفع.
وسادسها: أن رواية سفيان يتقوى بما رواه الحاكم (٣) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين"، وبما ذكر البيهقي عن علي قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: آمين إذا