﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: "آمِينَ" وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ". [ت ٢٤٨، جه ٨٥٥، حم ٤/ ٣١٦، قط ١/ ٣٣٤، حب ١٨٠٥، دي ١٢٤٧]
===
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال (١): آمين ورفع بها صوته) (٢) وفي هذا الحديث دليل على أن الإِمام يؤمن خلافًا لمالك كما قال بعضهم عنه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الإِمام لا يأتي به.
واستدل بعض المالكية لمالك: أن الإِمام لا يقولها لقوله ﷺ : "إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين", لأنه صلَّى الله تعالى عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم، والقسمة تنافي الشركة، وحملوا قوله صلَّى الله تعالى عليه وسلم: "إذا أمن الإِمام" على بلوغ موضع التأمين، وفي ظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى-: أن الإِمام والمأمومين وكذلك المنفرد يؤمنون في الصلاة وفي غيرها سرًّا، وبه قال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى- في الجديد في المأمومين، وفي القديم يجهر.
قال في كتاب "الأم" (٣): قال الشافعي: فإذا فرغ من قراءة أم القرآن قال: آمين، ورفع بها صوته ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها، وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها، فإن فعلوا فلا شيء عليهم، هذا قوله الجديد.
وقال في "الإقناع" (٤): والسادسة التأمين عقب الفاتحة بعد سكتة لطيفة لقارئها في الصلاة وخارجها للاتباع، ويسن في جهرية جهر بها، وأن يؤمن المأموم مع تأمين إمامه لخبر الصحيحين، وخرج بقي جهرية السرية، فلا جهر
стр. 2452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالتأمين فيها ولا معية بل يؤمِّن الإِمام وغيره سرًّا مطلقًا، وقال في حاشيته: قوله: مع تأمين إمامه، وليس في الصلاة ما تسن مقارنة الإِمام فيه غير التأمين، ولو قرأ معه وفرغا معًا كفى تأمين واحد، أو فرغ قبله قال البغوي: ينتظر، والمختار أو الصواب أنه يؤمن لنفسه ثم للمتابعة.
وقال في "روضة المحتاجين": وسن جهرٌ به في جهرية من إمام ومنفرد مأموم تبعًا لتأمين إمامه، فإن لم يؤمن الإِمام أو آخره عن وقته المندوب فيه أمن هو أي المأموم، ولو فاته التأمين مع تأمين الإِمام لم يتداركه بعده، ولو قرأ الفاتحة مع إمامه وفرغا معًا كفاه تأمين واحد عن تأمينه لقراءة نفسه ولقراءة إمامه، أو فرغ قبله أمن لنفسه، ثم يؤمن لقراءة إمامه، ولا ينتظر ليؤمن معه، وهذا على قوله القديم.
واختلفت الروايات عن مالك ففي أولاها: أن الإِمام يؤمن، وهي رواية المدنيين عنه، وثانيتها: رواية ابن القاسم عنه وهي المشهورة، لا يؤمن الإِمام في الجهرية، وعنه لا يؤمن مطلقًا.
وقال في "مختصر الأخضري": والتأمين بعد الفاتحة للفذ والمأموم، ولا يقولها الإِمام إلَّا في قراءة السر، وقول أحمد مثل قول الشافعي.
قال الترمذي (١): وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وما ورد في رواية أبي هريرة بصيغة الأمر من قوله: "إذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا"، وفي رواية: "إذا قال الإِمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ , فقولوا: آمين"، حمله الجمهور على الندب، وحكي عن بعض أهل العلم وجوبه
стр. 2453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على المأموم عملًا بظاهر الأمر، وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي، وقالت الرافضة: إنه بدعة تفسد به الصلاة.
وهذا الحديث رواه سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل، عن حجر، عن وائل، فقال سفيان: ورفع بها صوته، وقال شعبة (١): وخفض بها صوته.
واستدل الإِمام الشافعي ﵀ ومن وافقهم في الجهر بآمين بحديث سفيان ورجحوه بوجوه.
أولها: قال الترمذي: سمعت محمدًا البخاري يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن.
قلت: وقد علمت بما تقدم أن هذا ليس بخطأ, لأنه كما هو ابن العنبس كذلك هو أبو العنبس، وكما يكنى (٢) أبا السكن كذلك يكنى أبا العنبس.
ثم قال: وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر.
قلت: زيادة الثقة مقبولة ولا يستبعد أن تكون رواية حجر عنهما جميعًا، فروى بواسطة علقمة بالنزول، ثم روى عن أبيه بلا واسطة.
ثم قال: وقال: وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته.
قلت: وهذا دعوى ليس مبناه إلَّا على ظنه من غير دليل يدل عليه.
وأيضًا قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: حديث سفيان في هذا أصح، ثم استدل عليه، وقال: روى العلاء بن صالح الأسدي
стр. 2454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان، فتأيدت رواية سفيان برواية العلاء بن صالح عن سلمة، وترجحت على رواية شعبة.
قلت: حديث سفيان وحديث شعبة كلاهما حديثان صحيحان، من أخبار الآحاد، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بكثرة الرواة ما داما في مرتبة الآحاد، فإن الحديث الصحيح الذي رواه وإحد حقيق بالاحتجاج مثل الحديث الصحيح الذي رواه أكثر من واحد ما دام في مرتبة الآحاد.
وثانيها: قال البيهقي: لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث، قالوا: إن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان، وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إليَّ من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.
قلت: هذا قول القطان، فدعوى الإجماع على هذا القول ليس بصحيح، فإن الحافظ ابن حجر قال في "تهذيب التهذيب" (١): قال أبو طالب عن أحمد: وشعبة أحسن حديثًا عن الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثًا منه، قسم (٢) له من هذا حظ، وقال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله: من أثبت، شعبة أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلًا حافظًا، وكان رجلًا صالحًا، وكان شعبة أثبت منه، وأتقى رجلًا، وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد: أيما كان أحفظ للأحاديث الطوال، سفيان أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أمرَّ فيها.
وثالثها: أن شعبة قال: سفيان أحفظ مني.
стр. 2455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وقد تقدم قول سفيان أنه قال: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان أيضًا داخل في المؤمنين، وأيضًا قد تقدم من قول يحيى بن سعيد: إن شعبة أحفظ للأحاديث الطوال، ولو سلم فمحمول على المسائل الفقهية، فإنه قال في "تذكرة الحفاظ" (١): قال ابن المديني: شعبة أحفظ للمشايخ، وسفيان أحفظ للأبواب.
ورابعها: أن أبا الوليد الطيالسي رواه عن شعبة بوفاق الثوري في "سننه" (٢).
قلت: وهذا لا يقتضي الترجيح، فقد قدمنا أن الحديثين صحيحان ولا تعارض بينهما، فيحتاج إلى الترجيح، وقول البيهقي: يحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده مبنيٌّ على احتمال ليس له أصل، ولو كان كذلك لرده المحدثون بهذا الوجه، والبخاري مع سعيه في تضعيفه وتوهينه لم يذكر هذا الوجه، والأصل كما قلنا: إن الحديثين صحيحان رواه شعبة بواسطة علقمة ومن غير واسطة، فهذا الاحتمال مردود.
وخامسها: أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة وكانت أولى بالقبول.
قلت: وهذا الوجه غير سديد، فإن الرفع والخفض صفتان متقابلتان للصوت، فلا زيادة في الرواية التي فيها الرفع.
وسادسها: أن رواية سفيان يتقوى بما رواه الحاكم (٣) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين"، وبما ذكر البيهقي عن علي قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: آمين إذا
стр. 2456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وعنده أيضًا عنه: "أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفع صوته بآمين".
قلت: وهذا الوجه أيضًا لا يوجب الترجيح، فإنا لا ننكر أن رسول الله ﷺ رفع بآمين صوته، بل نقول: إن رسول الله ﷺ رفع بها صوته، ولم يثبت أن رسول الله ﷺ داوم عليه أو جهر بآمين في آخر عمره ﷺ ، فبهذا علمنا أن رسول الله ﷺ جهر بآمين أحيانًا تعليمًا للأمة ثم أخفى بها، والدليل عليه أن آمين دعاء، والأصل في الدعاء الإخفاء لا الجهر، وقد عمل بذلك بعد رسول الله ﷺ من أكابر الصحابة عمر وعلي -رضي الله تعالى عنهما-.
قال العيني (١): روى الطبراني (٢) في "تهذيب الآثار": حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: "لم يكن عمر وعلي -رضي الله تعالى عنهما - يجهران ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بآمين".
وقد أخرجه الطحاوي (٣): حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: كان عمر وعلي لا يجهران ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا بالتعوذ ولا بالتأمين، وكذلك روي عدم الجهر عن عبد الله بن مسعود.
وأما الشيخ النيموي فاختار في هذا البحث طريقًا آخر، وقال في كتابه "آثار السنن" (٤): إن حديث وائل بن حجر حديث مضطرب، ووجه الاضطراب أنه روي من طريق سفيان في هذا الحديث بلفظ "ورفع بها صوته"، ومن طريق
стр. 2457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شعبة: "أخفى بها صوته"، وكلاهما متساويان، فاضطرب الحديث في الرفع والخفض، ولا يمكن التوفيق بينهما إلَّا أن يقال: إنه أراد بالرفع رفعًا يسيرًا بحيث سمعه من كان يليه من الصف الأول، وبالخفض أنه لم يجهر كالتكبير والتسميع، وكيف ما كان يدل بظاهره على أن النبي ﷺ لم يضم معها كلمة أخرى، ولم يقلها إلَّا مرةً واحدةً.
وقد أخرج الطبراني في "الكبير" (١) عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ دخل في الصلاة، فلما فرغ من فاتحة الكتاب قال: آمين ثلاث مرات، انتهى، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢): رجاله ثقات.
وأخرج الطبراني والبيهقي (٣) عن وائل بن حجر أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: "رب اغفر لي، آمين".
قلت: فيه أحمد بن عبد الجبار، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": وثَّقه الدارقطني وأثنى عليه أبو كريب، وضعفه جماعة، وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا، انتهى.
وقال علي القاري في "المرقاة" (٤): وروى الطبراني بسند لا بأس به، ثم ساق الحديث، قلت: فهذه الاختلافات في حديث وائل تدل على اضطرابه، ولعل الإِمام البخاري مع شدة حرصه على إثبات الجهر بالتأمين، وصاحبه مسلمًا لم يخرجاه في "صحيحيهما" بهذه العلة، انتهى مختصرًا.
ثم ذكر الشيخ النيموي (٥) حديث أبي هريرة الذي رواه الدارقطني
стр. 2458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحاكم (١) قال: "كان النبي ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، قال الشيخ النيموي: وقد اغتر الحافظ ابن القيم بتصحيح الحاكم.
وقال في "إعلام الموقعين" (٢): رواه الحاكم بإسناد صحيح، قلت: فيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي بن زِبْرِيق لم يخرج له الشيخان في "صحيحيهما" ولا الأربعة في "سننهم"، وضعفه النسائي وأبو داود وكذبه محمد بن عوف الطائي.
قال الذهبي في "الميزان" (٣): قال أبو حاتم: لا بأس به، سمعت ابن معين يثني عليه، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: ليس بشيء، وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي، انتهى.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): روى الآجري عن أبي داود أن محمد بن عوف (٥) قال: ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب، وقال في "التقريب": صدوق يهم كثيرًا، انتهى.
ثم ساق حديث أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة الذي رواه ابن ماجه، ثم قال: وإسناده ضعيف, لأن في إسناده بشر بن رافع، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن معين: حدث بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة
стр. 2459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كأنه المتعمد لها، هكذا في "الميزان"، ثم نقل ضعفه عن "تهذيب التهذيب" و"التقريب" للحافظ.
ثم قال: وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق بشر بن رافع بدون قوله: فيرتج بها المسجد، بل انتهى إلى قوله: حتى يسمع من يليه من الصف الأول، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" كذلك ليس فيه: فيرتج بها المسجد، وفيه: حتى يسمع الصف الأول.
ثم قال: فظهر لك ما رواه ابن ماجه من زيادة قوله: فيرتج بها المسجد، لا يتابع على ذلك، ومع ذلك هذه الزيادة تخالف قوله: حتى يسمع أهل الصف الأول.
ثم ساق حديث أم الحصين: "أنها صلَّت خلف رسول الله ﷺ ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ , قال: آمين، فسمعته وهي في صف النساء"، رواه ابن راهويه في "مسنده"، والطبراني في "الكبير"، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.
ثم قال: لم يثبت الجهر بالتأمين عن النبي- ﷺ ، ولا عن الخلفاء الأربعة، وما جاء في الباب فهو لا يخلو من شيء، ثم عقد "باب ترك الجهر بالتأمين"، واستدل له بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١)، وبحديث أبي هريرة الذي رواه مسلم (٢) بلفظ: "إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين"، بأنه يدل على أن الإِمام لا يجهر بآمين, لأن تأمين الإِمام لو كان مشروعًا بالجهر لما علق النبي ﷺ تأمينهم بقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، بل السياق يقتضي بأنه لم يقل إلَّا هكذا: وإذا قال: آمين، فقولوا: آمين.
وبحديث الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث
стр. 2460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب، فكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما: أن سمرة قد حفظ، رواه أبو داود وآخرون، وإسناده صالح.
قال الشيخ النيموي (١): الأظهر أن السكتة الأولى كانت لقراءة الثناء في نفسه، والسكتة الثانية للتأمين سرًّا, ولو حمل على أن السكتة الثانية كانت لأن يتراد إليه نفسه كما ذهب إليه بعضهم يلزم منه أن يكون تأمين المأمومين قبل تأمين النبي ﷺ ، وقد نهى النبي ﷺ عن تبادر المأموم الإِمام.
ثم ساق حديث سمرة بن جندب الذي رواه أحمد والدارقطني (٢) أنه كان إذا صلى بهم سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ولا الضَّآلِّين سكت أيضًا هنية، فأنكروا ذلك عليه، فكتب إلى أبي بن كعب، فكتب إليهم أن الأمر كما صنع سمرة، وقال: إسناده صحيح.
ثم ساق حديث وائل بن حجر الذي رواه أحمد والترمذي وأبو داود والطيالسي والدارقطنيِ والحاكم (٣) وآخرون من طريق شعبة، ولفظه: "فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته"، وقال: إسناده صحيح، وفي متنه اضطراب.
ثم ذكر في "تعليقه" ما ذكره الترمذي عن البخاري من العلل الثلاث، ثم نقل عن الزيلعي ما قال في "نصب الراية" (٤): واعلم أن في الحديث
стр. 2461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
علة أخرى ذكرها الترمذي في "علله الكبير" فقال: سألت محمد بن إسماعيل هل سمع علقمة من أبيه؟ فقال: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، انتهى.
ثم أجاب عن هذه العلل التي بينها البخاري فقال: كلها مدفوعة، فأما قوله: إن حجرًا هو ابن العنبس وليس بأبي العنبس فليس بصواب, لأن اسم أبيه عنبس، وكنيته كاسم أبيه أبو العنبس، ولا مانع من أن يكون له كنية أخرى وهي أبو السكن، وبهذا جزم ابن حبان في كتاب "الثقات" حيث قال: حجر بن عنبس أبو السكن الكوفي، وهو الذي يقال له: حجر أبو العنبس، وقد تابعه الثوري في أبي العنبس، أخرج أبو داود في "باب التأمين".
وقال البيهقي في "سننه الكبير" (١): وأما قوله: حجر أبو العنبس فكذلك ذكره محمد بن كثير عن الثوري، انتهى.
وأخرج الدارقطني في "سننه" (٢) في "باب التأمين": حدثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني، حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا وكيع والمحاربي قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس وهو ابن عنبس، الحديث، فثبت أن شعبة ليس بمتفرد بأبي العنبس، بل ذكره محمد بن كثير ووكيع والمحاربي عن سفيان الثوري أيضًا.
وأما قوله: ليس فيه علقمة، فقد بين في بعض الروايات أن حجرًا سمعه عن علقمة، عن وائل، وقد سمعه من وائل نفسه.
أخرج أحمد في "مسنده" (٣) بسنده عن حجر أبي العنبس قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل، - أو سمعه حجر من وائل- قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، الحديث.
стр. 2462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأخرج أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١): حدثنا شعبة قال: أخبرني سلمة بن كهيل قال: سمعت حجرًا أبا العنبس قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل- وقد سمعت من وائل-، إلى آخر الحديث. وأخرج أبو مسلم الكجي في "سننه" بسنده عن حجر، عن علقمة بن وائل، عن وائل قال: وقد سمعه من وائل.
وأما الاختلاف بين الثوري وشعبة في الرفع والخفض، فغايته أن الحديث مضطرب لا يصلح للاحتجاج لأحد الفريقين، وأما ما قالوا ترجيحًا لحديث الرفع على حديث الخفض من أن الثوري أحفظ من شعبة، فهذا القول ليس بمجمع عليه، بل في ترجيح أحدهما على الآخر أقوال، ثم ذكر الأقوال التي تقدمت في أول البحث.
ثم قال: وعندي وجه حسن لترجيح ما رواه شعبة على ما رواه الثوري، وهو أن شعبة لم يكن يُدَلِّس لا عن الضعفاء ولا عن الثقات، وقد صرح فيه بالإخبار، قال: أخبرني سلمة بن كهيل كما هو عند الطيالسي، وأما الثوري فكان ربما يدلس وقد عنعنه، قال الذهبي في "الميزان" (٢): سفيان بن سعيد الحجة المثبت، متفق عليه مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن له نقد وذوق، وقال الحافظ في "التقريب": وكان ربما دلس، انتهى، فبهذا يرجح ما رواه شعبة من حديث الخفض على ما رواه الثوري من حديث الرفع لشبهة التدليس فيه.
وأما ما قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٣) ترجيحًا لرواية الرفع: وترجيح ثانٍ وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له، فيجاب عنه بأن العلاء بن صالح ليس من الثقات الأثبات، قال في "التقريب":
стр. 2463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صدوق له أوهام، وقال الذهبي في "الميزان": قال أبو حاتم: كان من عنق الشيعة، وقال ابن المديني: روى أحاديث مناكير، وأما محمد بن سلمة فقال الذهبي: قال الجوزجاني: ذاهب واهي الحديث.
قلت: فمتابعتهما له لا تقدح فيما رواه شعبة, لأنهما ليسا من الثقات الأثبات، حتى يقال: إن شعبة خالفه الثقات، وتكون روايته شاذة غير محفوظة، وغاية ما في الباب أن كل واحد من الحديثين يرجح على الآخر بوجه.
فإن قال قائل: رواه أبو داود عن مخلد بن خالد الشعيري، عن ابن نمير، عن علي بن صالح، عن سلمة بن كهيل، فعلي بن صالح متابع ثالث لسفيان.
قلت: لعله وهم، لقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن العلاء بن صالح. والترمذي عن محمد بن أبان، عن ابن نمير، عن العلاء بن صالح، عن سلمة بن كهيل، فاختلف القول في علي والعلاء، وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أبان أحفظان من الشعيري، والحفاظ كالبيهقي وغيرهم لم يذكروا في متابعة الثوري إلَّا العلاء بن صالح لا علي بن صالح، فلو كان ما يوجد في النسخ المتداولة من "سنن أبي داود" من ذكر علي بن صالح صوابًا لذكروه في متابعة الثوري, لأنه أثبت من العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة، والله أعلم وعلمه أحكم.
وأقول أنا: إن الحافظ ابن حجر صرح بكونه وهمًا، فإنه قال في "تهذيب التهذيب" في ترجمة العلاء بن صالح: وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح وهو وهم.
فإن قلت: قال البيهقي في "سننه الكبرى" (١): وقد رواه أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رواية الثوري، ولفظه: "فلما قال: ولا الضالين قال: آمين رافعًا بها صوته"، انتهى.
стр. 2464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: هذه رواية شاذة عن شعبة تفرد بها أبو الوليد، وعنه إبراهيم بن مرزوق، وخالفه غير واحد من أصحاب شعبة، كأبي داود الطيالسي ومحمد بن جعفر ويزيد بن زريع وعمرو بن مرزوق وغيرهم كلهم عن شعبة، وقالوا فيه: "وأخفى بها صوته، أو خفض بها صوته"، ومع ذلك إبراهيم بن مرزوق البصري عمي قبل موته، فكان يخطئ ولا يرجع كما في "التقريب" وغيره.
فحاصل الكلام: أن المحفوظ عن شعبة حديث الخفض لا حديث الرفع.
وأما علة الانقطاع فسخيفة جدًّا, لأن سماع علقمة عن أبيه ثابت بوجوه:
منها: ما أخرجه النسائي (١) في "باب رفع اليدين عند الرفع من الركوع"، وفيه: حدثني علقمة بن وائل حدثني أبي، فذكر الحديث، وأخرجه البخاري في "جزء رفع اليدين"، وفيه: قال: سمعت علقمة بن وائل بن حجر حدثني أبي، فذكر الحديث، فقوله: حدثني أبي يدل على سماعه من أبيه.
ومنها: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث القصاص من طريق سماك بن حرب عن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه، الحديث، فقوله: أن أباه حدثه يدلس على سماع علقمة من أبيه وائل بن حجر.
ومنها: ما قاله الترمذي في كتاب الحدود من "جامعه": علقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه، انتهى.
قلت: وأما ما قاله البخاري من أنه ولد بعد موت أبيه، فيعارض بما قال
стр. 2465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الترمذي في كتاب الحدود (١): سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر.
وبما قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٢): قال أبو داود عن ابن معين: مات أبوه وهو أي عبد الجبار حمل.
وبما قال السمعاني في "أنسابه" (٣): أبو محمد عبد الجبار بن وائل بن حجر الكندي يروي عن أمه وعن أبيه، وهو أخو علقمة، ومن زعم أنه سمع أباه فقد وهم, لأن وائل بن حجر مات وأمه حامل به، ووضعته بعده بستة أشهر، انتهى.
فهذه العبارات تدل على أن الذي وُلد بعد موت أبيه وائل بن حجر هو عبد الجبار لا علقمة.
قلت: وفي ولادته بعد موت أبيه أيضًا نظر, لأنه روي من طريق محمد بن جحادة عن عبد الجبار أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل بن حجر، الحديث. أخرجه أبو داود في "باب رفع اليدين"، والطحاوي في "باب موضع وضع اليدين في السجود".
فهذا الخبر يدل على أنه ولد في حياة أبيه لكنه كان صغيرًا، وأما قول من قال: إن قائل: "كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي" هو علقمة بن وائل، لا أخوه عبد الجبار، فليس بسديد، بل هو باطل، بل قد صرح محمد بن جحادة باسم شيخه عبد الجبار لا علقمة على أن علقمة كيف يقول: فحدثني وائل بن علقمة؟ وقد قال الحافظ في "التقريب": صوابه علقمة بن وائل، أيحدث علقمة عن ابنه كما هو الظاهر، أو عن نفسه كما يظهر من تصويب الحافظ؟ وقد أخرج الطبراني من طريق عبد الوارث بلفظ: فحدثني علقمة بن وائل، فالحق أن القائل لهذا القول عبد الجبار وهو يرويه عن أخيه علقمة بن وائل.
стр. 2466
٩٣٣ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ, حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنْ حُجْرٍ بْنِ عَنْبَسٍ, عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: "أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ , فَجَهَرَ بِآمِينَ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ, حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ خَدِّهِ" (٢). [ت ٢٤٩، وانظر سابقه]
٩٣٤ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عن بِشْرِ بْنِ
===
فثبت بذلك التحقيق أن عبد الجبار مع كونه أصغر من علقمة، وُلد في حياة أبيه ولكنه كان صغيرًا، ولما كان علقمة أكبر منه وأخاه العيني كيف يتصور أنه وُلد بعد موت أبيه؟ بل الحق أنه أدركه وسمع منه، كما يشهد بذلك قوله: حدثني أبي وغيره، وقد نص عليه الترمذي كما مر، فحينئذ ظهر ضعف ما قاله الحافظ ابن حجر في "التقريب" مقلدًا لغيره: علقمة بن وائل بن حجر بضم المهملة وسكون الجيم، الحضرمي الكوفي، صدوق إلَّا أنه لم يسمع من أبيه، انتهى.
٩٣٣ - (حدثنا مخلد بن خالد الشعيري) بفتح المعجمة وكسر المهملة (نا ابن نمير، نا علي بن صالح)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة العلاء: العلاء بن صالح التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي، وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح، وهو وهم.
(عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر: أنه صلى خلف رسول الله ﷺ ، فجهر بآمين) أي بعد قراءة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (وسلم عن يمينه وعن شماله) أي للخروج عن الصلاة (حتى رأيت بياض خده) أي: صرف وجه بالسلام إلى جانب يمينه وشماله، حتى رأيت بياض خده.
٩٣٤ - (حدثنا نصر بن علي، أنا صفوان بن عيسى، عن بشر بن
стр. 2467
رَافِعٍ, عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَلَا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: "آمِينَ" حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الأَوَّلِ". [جه ٨٥٣]
٩٣٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ", فَقُولُوا: آمِينَ،
===
رافع) قال في "التقريب": بشر بن رافع (١) الحارثي، أبو الأسباط النجراني بالنون والجيم، فقيه، ضعيف الحديث، (عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة) قال في "الميزان": أبو عبد الله الدوسي عن أبي هريرة لا يعرف، ما حدث عنه سوى بشر بن رافع، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قال ابن القطان: لا يعرف، قال ابن أبي حاتم: اسمه عبد الرحمن بن هضاض، وقيل: ابن الصامت.
(عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمع) بصيغة المعلوم من المجرد أو من الإفعال (من يليه من الصف الأول).
٩٣٥ - (حدثنا القعنبي) عبد الله بن مسلمة، (عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن سمي مولى أبي بكر) بن الحارث بن هشام، (عن أبي صالح السمان) ذكوان، (عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا قال الإمام (٢): ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين) استدل به على أن الإِمام لا يؤمن, لأن القسمة تنافي الشركة، وقد تقدم البحث فيه، أخرج هذا الحديث البخاري في "صحيحه" في "باب جهر (٣) المأموم بالتأمين".
стр. 2468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ في "الفتح" (١): قال الزين بن المنير: مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول آمين، والقول إذا وقع الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس قيد بذلك.
قال العيني (٢): قلت: المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر والحمل عليه تحكم فلا يجوز، قال العيني في شرح هذا الحديث: قال الخطابي: هذا لا يخالف ما قال: إذا أمن الإِمام فأمنوا, لأنه نص بالتعيين مرة، ودل بالتقدير أخرى، فكأنه قال: إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وأمن, فقولوا: آمين، ويحتمل أن يكون الخطاب في حديث أبي صالح لمن تباعد عن الإِمام، فكان بحيث لا يسمع التأمين, لأن جهر الإِمام به أخفض من قراءته، على كل حال فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه إذا كثرت الصفوف وتكاثفت المجموع.
قلت: ذكر الخطابي الوجهين المذكورين بالاحتمال الذي لا يدل عليه ظاهر ألفاظ الحديثين، فإن كان يؤخذ هذا بالاحتمال، فنحن أيضًا نقول: يحتمل أن الجهر فيه لأجل تعليمه الناس بذلك؛ لأنا لا ننازع في استحباب التأمين للإمام وللمأموم أيضًا، وإنما النزاع في الجهر به، فنحن اخترنا الإخفاء لأنه دعاء، والسنة في الدعاء الإخفاء، انتهى.
قال النووي (٣): في هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإِمام لا بعده، قلت: بل الأمر بالعكس, لأن الفاء في الأصل للتعقيب، قاله العيني.
стр. 2469
فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [خ ٧٨٢، م ٤١٠، ن ٩٢٧، حم ٢/ ٢٣٣]
٩٣٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ،
===
(فإنه) الضمير للشأن (من وافق قوله قول (١) الملائكة) قال ابن حبان في "صحيحه" (٢): فإن الملائكة تقول: آمين، ثم قال: يريد أنه إذا أَمَّنَ كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصًا لله تعالى، فإنه حينئذ يغفر له.
قلت: ويحتمل أن يراد بالموافقة الموافقة في الزمان، أي وافق تأمين المصلي زمان تأمين الملائكة غفر له، والمراد بالملائكة قيل: هم الحفظة، وقيل: الملائكة المتعاقبون، وقيل: غير هؤلاء، لما روى البيهقي: ووافق ذلك قول أهل السماء: آمين غفر له ما تقدم من ذنبه، قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء.
(غفر له ما تقدم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر، ووقع في بعض الروايا في آخر هذا الحديث: وما تأخر، وهي زيادة (٣) شاذَّةٌ، قاله الحافظ والعيني.
٩٣٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب)، بمضمومة فسين فياء مشددة مفتوحتين، وقد تكسر الياء، قاله صاحب "المغني" (٤) (وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما) أي سعيدًا وأبا سلمة (أخبراه) أي ابن شهاب.
стр. 2470
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا, فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [خ ٧٨٠، م ٤١٠، ت ٢٥٠، ن ٩٢٨، جه ٨٥٢، حم ٢/ ٢٣٣، ٤٥٩]
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ "آمِينَ".
===
(عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله ﷺ قال: إذا أمن الإِمام) أي قال الإِمام: آمين. وقيل: معناه إذا دعا، والمراد دعاء الفاتحة من قوله: "اهدنا" إلى آخره بناءً على أن التأمين دعاء، وقيل: معناه إذا بلغ إلى موضع استدعى التأمين، وهو قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، ويرد ذلك التصريح بالمراد في حديث الباب، واستدل به على مشروعية التأمين للإمام، قيل: وفيه نظر، لكونها قضية شرطية، وأجيب بأن التعبير بإذا يشعر بتحقيق الوقوع.
(فأمنوا (١) فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) أخرج البخاري هذا الحديث في "صحيحه" في "باب جهر الإِمام بالتأمين"، قال الحافظ (٢): ووجه الدلالة من الحديث أنه لو لم يكن التأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه، وأجايوا بأن موضعه معلوم، فلا يستلزم الجهر به، وفيه نظر لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم علم المأموم به، ثم إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل، قاله الحافظ.
(قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين) قال الحافظ: وهو متصل إليه برواية مالك عنه، وأخطأ من زعم أنه معلق.
стр. 2471
٩٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (١) , أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِى عُثْمَانَ, عَنْ بِلَالٍ: "أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, لَا تَسْبِقْنِى بِآمِينَ". [حم ٦/ ١٢، ق ٢/ ٢٣، ك ١/ ٢١٩]
===
٩٣٧ - (حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، أنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم) بن سليمان الأحول، (عن أبي عثمان) النهدي وهو عبد الرحمن بن مل بلام ثقيلة وميم مثلثة، (عن بلال) المؤذن (أنه قال: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين) قال العيني (٢): وقد أول العلماء قوله: لا تسبقني على وجهين:
الأول: أن بلالًا كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكتتي الإِمام، فربما يبقى عليه شيء منها، ورسول الله ﷺ قد فرغ منها، فاستمهله بلال في التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة، حتى ينال بركة موافقته في التأمين.
الثاني: أن بلالًا كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من وراء الصفوف، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر النبي ﷺ ، فربما سبقه ببعض ما يقرأه، فاستمهله بلال قدر ما يلحق القراءة والتأمين.
قلت: هذا الحديث مرسل، وقال الحاكم في "الأحكام": قيل: إن أبا عثمان لم يدرك بلالًا، وقال أبو حاتم الرازي: رفعه خطأ، ورواه الثقات عن عاصم، عن أبي عثمان مرسلًا، وقال البيهقي: وقيل: عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال بلال، وهو ضعيف ليس بشيء، انتهى.
وقد أخرج البخاري لأبي هريرة تعليقًا ولفظه: وكان أبو هريرة ينادي الإِمام: لا تفتني بآمين، معناه: لا تدعني أن يفوت مني القول بآمين.
قال العيني: وصل ابن أبي شيبة هذا التعليق فقال: حدثنا وكيع، حدثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أنه كان يؤذن بالبحرين، فقال للإمام: "لا تسبقني بآمين" وكان الإِمام بالبحرين العلاء بن الحضرمي.
стр. 2472
٩٣٨ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الدِّمَشْقِىُّ وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِىُّ, عَنْ صُبَيْحِ بْنِ مُحْرِزٍ الْحِمْصِىِّ, حَدَّثَنِى أَبُو مُصْبِحٍ الْمَقْرَئِىُّ
===
وروى البيهقي من حديث أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، فاشترط أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد دخل الصف، فكان إذا قال مروان: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال أبو هريرة: آمين، يمد بها صوته الحديث، انتهى.
٩٣٨ - (حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا: نا الفريابي) محمد بن يوسف، (عن صبيح) قال في "التقريب": اختلف فيه هل هو مفتوح أوله أو مصغر (ابن محرز) (١) المقرئ، قال في "التقريب": بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة (الحمصي، حدثني أبو مصبح) (٢) بموحدة مكسورة بعد الصاد المهملة المفتوحة (المقرئي) قال في "التقريب": المَقْرَئي، بفتح الميم والراء بينهما قاف ثم همزة قبل ياء النسبة، وفي "الخلاصة": همزة مكسورة بعد راء ممدودة، الأوزاعي الحمصي.
وقال السمعاني في "الأنساب" (٣): بضم الميم، وقيل: بفتحها، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، هذه النسبة إلى مَقْرَى قرية بدمشق، منها: غيلان بن معشر، ومنها: أبو الصلت شريح بن عبيد الحضرمي الشامي المقرائي.
وقال في "القاموس": ومُقْرَأٌ، كمكرم: بلدة باليمن به معدن العقيق، منه: المُقْرَئِيُّون من المحدثين وغيرهم، ويفتح ابن الكلبي الميم.
وقال في "كتاب مشتبه النسبة" للأزدي: وأما المقرئي بالقاف وفتح الراء بعدها همزة قبل الياء، فمنهم فلان وفلان، وأصحاب الحديث يكتبونه بالألف.
стр. 2473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال محمد طاهر في "المغني" (١): المقرئي بضم ميم- وقيل بفتحها- وسكون قاف وفتح راء وكسر همزة نسبة إلى مقرأ بن سبيع.
وقال في "جامع الأصول": المقرني بضم الميم، وقيل: بفتحها والقاف وفتح الراء وكسرها منسوب إلى مقرن بن سبيع بن الحارث بن زيد بن سهل من بني قطن بن عريب، انتهى، والذي وقع في "جامع الأصول" بالنون تصحيف من الناسخ، والصواب بالهمزة (٢) , لأنه صرح في ترجمة راشد بن سعد بكسر الهمزة.
فاختلف في هذا اللفظ بأمور:
أولها: أن الراء ممدودة أو مقصورة، وصاحب "الخلاصة" مال إلى المد، وغيره لا يمدونه، وكلام الأزدي صاحب "مشتبه النسبة" يرجح أن الألف التي تكتب بعد الراء هو اصطلاح المحدثين وليس عند غيرهم، فلا يقرأ، وصرح بذلك الذهبي في "مشتبه النسبة" كما نقل صاحب "العون" (٣)، ولفظه: ويكتب بألف هي صورة الهمزة ليفرق بينه وبين المقرئ من القراءة، فعلم بذلك أن الراء فيه ليست بممدودة.
وثانيها: الاختلاف في النسبة، فقال السمعاني في "الأنساب" (٤): إن هذه النسبة إلى مقرى قرية بدمشق، وكذا نقل صاحب "العون" عن أبي سعيد المروزي بنقل المنذري أن هذه النسبة إلى مقرى قرية بدمشق، وكذلك نقل في حاشية "تهذيب التهذيب" عن "لب اللباب" تحت ترجمة راشد بن سعد: المقرائي بضم الميم، وفي "التقريب": بفتحها وسكون القاف وفتح الراء وهمزة ثم ياء النسبة، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، انتهى كلام "لب اللباب" (٥).
стр. 2474
قَالَ: "كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِى زُهَيْرٍ النُّمَيْرِىِّ, وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ, فَيَتَحَدَّثُ (١) أَحْسَنَ الْحَدِيثِ, فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعَاءٍ قَالَ: اخْتِمْهُ بِآمِينَ, فَإِنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ".
===
وقال أبو داود: المقرائي (٢) قبيل من حمير، ولم أر أحدًا صرَّح به إلَّا ما نقل صاحب "العون" عن "غاية المقصود" نقلًا عن "تاج العروس شرح القاموس": مقرأ بن سبيع بن حارث بن مالك بن زيد، على وزن مكرم، بطن من حمير، وبه عرف البلد الذي باليمن لنزوله وولده هناك.
وقال في "جامع الأصول" (٣): المقرائي منسوب إلى مقرأ بن سُبَيْع بن الحارث بن زيد بن سهل من بني قَطَن بن عَرِيب، ونقل صاحب "العون" عن المنذري: الأول (٤) أي النسبة إلى القبيلة أشهر، قال صاحب "القاموس": مقرأٌ كمكرم: بلدة باليمن به معدن العقيق، ومنه المقرئيون من المحدثين، ويفتح ابن الكلبي الميم.
فهذه ثلاثة أقوال، جمع شارح "القاموس" بين القولين الأخيرين، فقال مقرأ بن سبيع بن الحارث بن مالك بن زيد، على وزن مكر، بطن من حمير، وبه عرف البلد الذي باليمن لنزوله وولده هناك، وأما القول الأول فلا يجتمع مع هذين القولين.
(قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري) قال في "التقريب" في ترجمة أبي الأزهر: ويقال: أبو زهير الأنماري، صحابي، سكن الشام، لا يعرف اسمه، وقيل: يحيى بن نفير (وكان) أي أبو زهير (من الصحابة، فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال) أبو زهير ﵁: (اختمه) أي الدعاء (بآمين، فإن آمين مثل الطابع) أي الخاتم (على الصحيفة)
стр. 2475
قَالَ أَبُو زُهَيْرٍ: أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ, فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِى الْمَسْأَلَةِ, فَوَقَفَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَمِعُ مِنْهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ» , فَقَالَ (١) رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بِأَىِّ شَىْءٍ يَخْتِمُ؟ فقَالَ: «بِآمِينَ, فَإِنَّهُ إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ» , فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الَّذِى سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ , فَأَتَى الرَّجُلَ فَقَالَ (٢): اخْتِمْ يَا فُلَانُ بِآمِينَ وَأَبْشِرْ". وَهَذَا لَفْظٌ مَحْمُودٌ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: والمقْرَئِي قَبِيل مِنْ حِمْيَرَ.
===
أي كما أن الشيء العزيز يحفظ (٣) بالختم، كذلك الدعاء يحفظ بالختم، ويرفع عند الله تعالى.
(قال أبو زهير: أخبركم عن ذلك) أي عن الذي قلت لكم في أمر آمين بأنه مثل الطابع على الصحيفة، وما قلته برأيي، لكن عن رسول الله ﷺ (خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألح) أي بالغ (في المسألة) أي في الدعاء (فوقف النبي- ﷺ يستمع منه، فقال النبي ﷺ : أوجب) أي بالإجابة (إن ختم) أي إن طبع (فقال) له (رجل من القوم: بأيِّ شيء يختم؟ فقال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب، فانصرف الرجل الذي سأل النبي- ﷺ ، فأتى الرجل) الداعي (فقال) ذلك الرجل للداعي: (اختم) دعاءك (يا فلان بآمين وأبشر) بالإجابة (وهذا لفظ محمود).
(قال أبو داود: والمقرئي قبيل من حمير) وقد تقدم بحثه، ومعنى هذا القول أن لفظ المقرئي الذي لحق به ياء النسبة قبيل من حمير، لا أنه مع ياء النسبة قبيل.
стр. 2476
(١٧٥) بَابُ التَّصْفِيقِ في الصَّلَاةِ
٩٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". [خ ١٢٠٣، م ٤٢٢، ت ٣٦٩، ن ١٢٠٧، جه ١٠٣٤، حم ٢/ ٢٦١]
===
(١٧٥) (بَابُ التَّصْفِيقِ في الصَّلَاةِ)
قال في "القاموس": التصفيق الضرب بباطن الراحة على الأخرى، وفي "المجمع" (١): هو ضرب إحدى اليدين على الأخرى
٩٣٩ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا سفيان عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : التسبيح للرجال (٢) والتصفيق للنساء (٣).
قال الحافظ في "الفتح" (٤): وكأن منع النساء من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا لما يخشى (٥) من الافتتان، ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء، وعن مالك وغيره في قوله: "التصفيق للنساء" أي هو من شأنهن في غير الصلاة وهو على جهة الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة (٦)، وتعقب برواية حماد بن زيد عن أبي حازم في "الأحكام" بصيغة الأمر: "فليسبح الرجال وليصفق النساء"، فهذا نص يدفع
стр. 2477
٩٤٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِى حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ, وَحَانَتِ الصَّلَاةُ, فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّى بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ, فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِى الصَّلَاةِ, فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِى الصَّفِّ, فَصَفَّقَ النَّاسُ, وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ
===
ما تأوله أهل هذه المقالة، قال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرًا ونظرًا، انتهى.
٩٤٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم) سلمة (بن دينار) الأعرج الأثور (١) التمار، (عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف) وهي قبيلة من الأنصار تسكن قباء (ليصلح بينهم) وكانت فيهم قتال حتى تراموا بالحجارة (وحانت) أي قربت (الصلاة) أي وقت صلاة العصر (فجاء المؤذن) أي بلال (إلى أبي بكر فقال) أي بلال لأبي بكر: (أتصلي بالناس فأقيم؟ قال) أبو بكر: (نعم) لأن رسول الله ﷺ أمر بلالًا قبل أن يذهب إلى بني عمرو بن عوف بقوله: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر يصلي بالناس، كما في الرواية الآتية (فصلَّى أبو بكر) أي بالناس إمامًا.
(فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة)، والظاهر أن مجيئه ﷺ وقع وأبو بكر في أول ركعة من الصلاة، يدل عليه رواية أحمد في "مسنده": ثم أقام فأمر أبا بكر فتقدم، فلما تقدم جاء رسول الله ﷺ ، وفي رواية: وجاء رسول الله ﷺ بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة.
(فتخلص) (٢) أي وصل إلى الصف الأول بعد شق الصفوف (حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر
стр. 2478
لَا يَلْتَفِتُ فِى الصَّلَاةِ, فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ, فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ (١) , فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (٢) أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ, فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ, ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِى الصَّفِّ, وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى (٣) فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ, مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ » قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ,
===
لا يلتفت في الصلاة) (٤) لاستغراقه في مناجاة ربه (فلما أكثر الناس التصفيق التفت) إلى القوم (فرأى رسول الله) ﷺ قائمًا في الصف، فَهَمَّ بالرجوع ليلحق بالصف (فأشار إليه رسول الله) ﷺ (أن امكث مكانك) أي أثبت إمامًا في محل الإِمام (فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ﷺ على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك) أي حصل له من المرتبة العظيمة بأمره له بإمامته له ﷺ واقتدائه به.
(ثم استأخر) أي تأخر (أبو بكر حتى استوى) أي استقر (في الصف) الأول (وتقدم (٥) رسول الله ﷺ ) إمامًا (فصلَّى) أي رسول الله ﷺ بالناس (فلما انصرف) أي فرغ من الصلاة (قال) رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت) أي من أن تثبت في محل الإِمام (إذ أمرتك) به؟
(قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة) أي ما كان ينبغي له (أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ) أي يؤمه، فكأن رسول الله ﷺ قبل عذره, لأنه لم يعنفه على مخالفة أمره.
стр. 2479
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا لِى رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ؟ مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِى صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ, فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ, وَإِنَّمَا (١) التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ». [خ ١٢١٨، م ٤٢١، ن ٧٨٤، حم ٥/ ٣٣١]
===
(فقال رسول الله ﷺ : ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيح؟ ) أي التصفيق (من نابه) (٢) أي عرض له (شيء في صلاته) فيريد أن يعلمه الإِمام (فليسبح) (٣) أي فليقل: سبحان الله (فإنه إذا سبَّح التفت إليه) ضبطه صاحب "العون" بصيغة المجهول، وهكذا سياق مسلم (٤) في "صحيحه"، ولفظ البخاري: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلَّا التفت".
(وإنما التصفيح للنساء) لأنهن مأمورات بخفض صوتهن لأجل الفتنة، وفي نسخة: قال أبو داود: وهذا في الفريضة، قال النووي (٥): وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم، وهذا هو الصحيح من مذهبنا.
وقال في "الدر المختار" (٦): وكذا يجوز له أن يستخلف إذا حصر عن قراءة قدر المفروض؛ لحديث أبي بكر الصديق، فإنه لما أحس بالنبي ﷺ حصر بالقراءة فتأخر، فتقدم النبي ﷺ وأتم الصلاة، فلو لم يكن جائزًا لما فعله "بدائع".
стр. 2480
٩٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَبِى حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ (١) النَّبِىَّ ﷺ , فَأَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ, فَقَالَ لِبِلَالٍ: «إِنْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» , فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ, ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ. قَالَ فِى آخِرِهِ: «إِذَا نَابَكُمْ شَىْءٌ فِى الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ». [خ ٧١٩٠، ن ٧٩٣، حم ٥/ ٣٣٢]
٩٤٢ - حَدَّثَنَا محمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا الْوَليدُ، عن عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ
===
٩٤١ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك) أي خبر القتال (النبي ﷺ ، فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال) رسول الله (لبلال) مؤذن مسجد رسول الله ﷺ : (إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس) أي يؤمهم (فلما حضرت العصر) أي وقت صلاته (أذن بلال ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم) لأنه لم يرجع النبي ﷺ .
(قال) حماد بن زيد (في آخره) أي في آخر هذا الحديث: (إذا نابكم شيء
في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء).
والغرض من إيراد هذا الحديث بهذا الطريق بيان الاختلاف بين لفظ مالك وحماد بن زيد في قصة تسبيح الرجال وتصفيح النساء بأن في لفظ حماد بن زيد ورد التسبيح والتصفيح بلفظ الأمر، وهذا يرد قول من قال: إن ما وقع في قوله: إنما التصفيح للنساء، إنما هو بطريق الذم.
٩٤٢ - (حدثنا محمود بن خالد) السلمي الدمشقي، (نا الوليد) بن مسلم القرشي، (عن عيسى بن أيوب) القيني الأزدي، أبو هاشم الدمشقي، روى له
стр. 2481
قَالَ: قَوْلُهُ: "التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ" (١) تَضْرِبُ بِإِصْبَعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى".
(١٧٦) بَابُ الإِشِارَةِ في الصَّلَاةِ
٩٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ (٢) وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ فِى الصَّلَاةِ". [حم ٣/ ١٣٨، ق ٢/ ٢٦٢، قط ٢/ ٨٤، حب ٢٢٦٤، خزيمة ٨٨٥]
===
أبو داود أثرًا موقوفًا عليه في صفة تصفيح النساء، قلت: تعقب مغلطاي على المؤلف قوله: الأزدي القيني بأن الأزد والقين لا يجتمعان.
(قال) عيسى: (قوله) أي رسول الله ﷺ : (التصفيح للنساء) (٣) كيفيته أن (تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى).
(١٧٦) (بَابُ الإشارة في الصلاة)
٩٤٣ - (حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه (٤) ومحمد بن رافع قالا: نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي- ﷺ كان يشير في الصلاة) الإشارة المذكورة في هذا الحديث محمولة على الإشارة في الصلاة للحاجة كرد السلام وغيره، ويمكن أن يحمل على (٥) الإشارة بالسبابة
стр. 2482
٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الأَخْنَسِ،
===
في التشهد، ولكن صنيع المؤلف يدل على أن المراد هاهنا بالإشارة هو الأول، لأنه عقد الباب للإشارة في التشهد فيما بعد قريبًا.
قال في "مراقي الفلاح" (١) في مكروهات الصلاة: ورد السلام بالإشارة، لأنه سلام معنى، وفي "الذخيرة": لا بأس للمصلي أن يجيب المتكلم برأسه، ورد الأثر به عن عائشة.
وقال الطحطاوي في "حاشيته": قوله: لا بأس للمصلي أن يجيب، قال الحلواني: لا بأس أن يتكلم مع المصلي وأن يجيب هو برأسه أو بيده، ولو سلم على المصلي يرد في نفسه عنده وبعد الصلاة عند محمد، ولا يرده مطلقًا عند أبي يوسف، انتهى، وذكر الخطابي (٢) والطحاوي أن النبي ﷺ رد على ابن مسعود بعد فراغه من الصلاة، كذا في الشرح عن "مجمع الروايات"، وهو يؤيد قول محمد، انتهى.
والحاصل أن الإشارة المفهمة لرد السلام أو غيره ليست بمفسدة للصلاة.
قال في "رد المحتار" (٣): ولا يفسدها رد السلام بيده خلافًا لمن عزا إلى أبي حنيفة أنه مفسد، فإنه لم يعرف نقله من أحد من أهل المذهب، وإنما يذكرون عدم الفساد بلا حكايه خلاف، بل صريح كلام الطحاوي أنه قول أئمتنا الثلاثة، وصرح في "المنية" بأنه مكروه أي تنزيهًا، وفعله ﵊ لتعليم الجواز، فلا يوصف فعله بالكراههّ كما حققه في "الحلية"، انتهى.
٩٤٤ - (حدثنا عبد الله بن سعيد، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس) هو يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن
стр. 2483
عن أَبِي غَطَفَانَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ" - يَعْنِي في الصَّلَاةِ -،
===
الأخنس الثقفي، (عن أبي غطفان) بفتحات، ابن طريف أو ابن مالك المري (١) بالراء، المدني، قيل: اسمه سعد، ثقة، من كبار الثالثة، قاله الحافظ في "التقريب".
وقال في "تهذيب التهذيب" (٢): أبو غطفان بن طريف المدني، ويقال: ابن مالك المري، حجازي، قيل: اسمه سعد، روى عن أبيه طريف بن مالك وسعيد بن زيد بن عمرو وأبي رافع مولى النبي ﷺ وأبي هريرة وابن عباس، وعنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع وأبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن وقارظ بن شيبة الزهري وعمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس وإسماعيل بن أمية وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان قد لزم عثمان وكتب له، وكتب أيضًا لمروان، وقال النسائي في "الكنى": أبو غطفان ثقة، قيل: اسمه سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال الدوري عن أبي بكر بن داود: أبو غطفان مجهول.
وقال في "الميزان" (٤): أبو غطفان عن أبي هريرة لا يدرى من هو، قال الدارقطني: مجهول، والظاهر أنه أبو غطفان بن طريف المري، وماذا بمجهول قد وثَّقه غير واحد.
(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : التسبيح للرجال، يعني في الصلاة)، هذا التفسير مذكور في النسخ الموجودة لأبي داود، وليس بموجود في
стр. 2484
"وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ أَشَارَ في صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ لَهَا - يَعْني الصَّلَاةَ-". [قط ٢/ ٨٣، ق ٢/ ٢٦٢]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ.
===
ما روى البيهقي عن أبي داود، فالظاهر أنه من بعض الرواة (والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها) أي: فليعد الصلاة لأجل الإشارة (يعني الصلاة) وهذا تفسير للمفعول المقدر ليعد، ولفظ البيهقي: "ومن أشار في صلاة إشارة تفهم عنه فليعدها"، فعلى هذا السياق ضمير يعدها راجع إلى الصلاة.
(قال أبو داود: هذا الحديث وهم) (١) قال الدارقطني بعد تخريج هذا الحديث: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يشير، وهكذا قال البيهقي في "سننه".
وقال صاحب "الجوهر النقي" (٢) في "باب الإشارة فيما ينوبه": ذكر في آخره حديثًا عن أبي غطفان، ثم حكى عن ابن أبي داود أن أبا غطفان مجهول، قلت: ابن أبي داود متكلم فيه، وأما أبو غطفان فمعروف، أخرج له مسلم في "صحيحه"، وروى عنه جماعة، ووثَّقه ابن معين وغيره، انتهى.
قلت: وقد حكى مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخنا الكَنكَوهي على قول أبي داود: هذا الحديث وهم: إنما اضطر إلى ذلك لثبوت الإشارة بالصحاح من الروايات مع إطلاق الإشارة في هذه، ولا يبعد أن يحمل أمر الإعادة على الاستحباب، أو يراد بالإشارة ما هي مفسدة لها، فلا يفتقر إذًا إلى الإيهام.
стр. 2485
(١٧٧) بَابٌ: في مَسْحِ الْحَصَى في الصَّلَاةِ
٩٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَبِي الأَحْوَصِ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَرْوِيهِ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى". [ت ٣٧٩، ن ١١٩١، جه ١٠٢٧، دي ١٣٨٨، حم ٥/ ١٤٩]
٩٤٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن مُعَيْقِيبٍ
===
(١٧٧) (بَابٌ: في مَسْحِ الْحَصَى في الصَّلَاةِ)
٩٤٥ - (حدثنا مسدد، نا سفيان، عن الزهري، عن أبي الأحوص (١) شيخ من أهل المدينة) مولى بني ليث، ويقال: مولى بني غفار (أنه سمع أبا ذر يرويه عن النبي ﷺ قال) النبي: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى) (٢).
قال في "مرقاة الصعود": قال العراقي في "شرح الترمذي": تعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه يدل على أن الحكمة أن لا يشتغل خاطره يشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه من تلك الرحمة، والمراد بالقيام إلى الصلاة الدخول فيها، فلا يكون نهيًا قبل التحريم، انتهى.
٩٤٦ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن معيقيب (٣) بقاف وآخره موحدة مصغرًا، ابن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان على
стр. 2486
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَمْسَحْ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةَ الْحَصَى". [خ ١٢٠٧، م ٥٤٦، ن ١١٩٢، ت ٣٨٠، جه ١٠٢٦، حم ٣/ ٤٢٦]
(١٧٨) بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي مُخْتَصِرًا (١)
٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ (٢)، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
===
خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، ولوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة أربعين.
(أن النبي ﷺ قال: لا تمسح) أي الحصى تسوية لها (وأنت تصلي (٣)، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة) أي فافعل لتسوية الحصى مرة واحدة، وقال في "مرقاة الصعود": مبتدأ حذف خبره، أي تكفيك، أو خبر أي فالمشروع أو الجائز، وأبيح له مرة لئلا يتأذى به في سجود، ومنع من الزائد لئلا يكثر الفعل.
(تسوية الحصى) هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي، ولم أجد هذا اللفظ عند غير أبي داود من المحدثين الذين أخرجوا هذا الحديث، ولعل هذا اللفظ تفسير للمسح من أبي داود أو غيره من بعض الرواة، خبر مبتدأ محذوف (٤)، تقديره: وهو أي المسح تسوية الحصى، أو يقال: المراد بالمسح تسوية الحصى.
(١٧٨) (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي مُخْتَصِرًا)
٩٤٧ - (حدثنا يعقوب بن كعب) يعني الأنطاكي، (ثنا محمد بن سلمة،
стр. 2487
عن هِشَامٍ، عن مُحَمَّدٍ (١)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن الاخْتِصَارِ في الصَّلَاةِ". [خ ١٢٢٠، م ٥٤٥، ت ٣٨٣، ن ٨٩٠، حم ٢/ ٢٣٢, خزيمة ٩٠٨، حب ٢٢٨٥]
===
عن هشام) بن حسان، أبو عبد الله القُرْدوسي بضم القاف، (عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة) وفي رواية البخاري: نهى عن الخصر في الصلاة، وفي الأخرى: نهى أن يصلي الرجل مختصرًا، وفي رواية النسائي: مختصرًا، وفي رواية البيهقي (٢): نهى عن التخصر.
واختلفوا في تفسير الاختصار، والمشهور في تفسيره أن يضع يده على خاصرته، كذا فسره محمد بن سيرين فيما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣)، وكذا فسره هشام فيما رواه البيهقي في "سننه" عنه.
وحكى الخطابي وغيره قولًا آخر في تفسيره، وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي عصًا يتوكأ عليها، وأنكره ابن العربي، وعن الهروي في "الغريبين" وابن الأثير في "النهاية": وهو أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وحكى الهروي أيضًا: وهو أن يحذف في الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها، وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة حتى لا يسجد لتلاوتها.
وأما الحكمة في النهي عن الخصر فقيل: لأن إبليس أهبط مختصرًا، وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة للتشبه بهم، وقيل: لأنه راحة أهل النار، وقيل: إنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: إنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المأتم.
стр. 2488
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْيي يَضَعُ (١) يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
(١٧٩) بَابُ الرَّجُلِ يَعْتَمِدُ في الصَّلَاةِ عَلَى عَصًا
٩٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْوَابِصِيُّ، نَا أَبِي، عن شَيْبَانَ، عن حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ:
===
واختلفوا في حكم الخصر في الصلاة، فكرهه ابن عمر وابن عباس وعائشة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجلز وآخرون، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملًا بظاهر الحديث، "عيني ملخصًا" (٢).
(قال أبو داود: يعني يضع يده على خاصرته)، وهذا تفسير من أبي داود للفظ الاختصار، وهو المشهور في تفسيره كما تقدم.
(١٧٩) (بَابُ الرَّجُلِ يَعْتَمِدُ في الصَّلَاةِ عَلَى عَصًا)
٩٤٨ - (حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي) بموحدة مكسورة ومهملة، قاضي الرقة (٣) ثم بغداد، (نا أبي) هو عبد الرحمن (٤) بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن سعيد الأسدي الرقي، مجهول، (عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي، أبو معاوية، ثقة، يقال: إنه منسوب إلى نحوة بطن من الأزد، لا إلى علم النحو.
(عن حصين بن عبد الرحمن) السلمي أبو الهذيل الكوفي (عن هلال بن يساف) (٥) بكسر التحتانية (قال:
стр. 2489
"قَدِمْتُ الرَّقَّةَ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِي: هَلْ لَكَ في رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: قُلْتُ: غَنِيمَةٌ. فَدَفَعْنَا إِلَى وَابِصَةَ، قُلْتُ (١) لِصَاحِبِي: نَبْدَأُ فَنَنْظُرُ إِلَى دَلِّهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لَاطِئَةٌ ذَاتُ أُذُنَيْنِ، وَبُرْنُسُ خَزٍّ
===
قدمت الرقة) بفتح الراء وفي آخرها القاف المشددة، بلدة (٢) على طرف الفرات، مشهورة من الجزيرة، بت بها ليلة، وإنما سميت الرقة, لأنها على شط الفرات، وكل أرض تكون على الشط فهي تسمى الرقة، قاله السمعاني في "الأنساب" (٣).
(فقال لي بعض أصحابي) وهو زياد بن أبي الجعد كما يدل عليه رواية أحمد في "مسنده"، ولفظها: عن هلال بن يساف قال: أراني زياد بن أبي الجعد شيخًا بالجزيرة يقال له: وابصة بن معبد، فأقامني عليه.
(هل لك) رغبة (في) لقاء (رجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: قلت: ) لقاؤه (غنيمة) كبرى (فدفعنا) أي ذهب بنا (إلى وابصة) بن معبد.
(قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دله) بفتح الدال وشدة اللام هو والهدي والسمت عبارة عن حالة الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقهّ واستقامة الهيئة (فإذا عليه) أي لما دخلوا عليه رأوه فإذا عليه (قلنسوة لاطئة) (٤) أي لاصقة بالرأس (ذات أذنين وبرنس خز) البرنس بالضم قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أو جبة أو ممطرًا، "قاموس".
قال في "المجمع" (٥) في شرح حديث "نهى عن ركوب الخز": الخز المعروف أولًا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة
стр. 2490
أَغْبَرُ، وَإِذَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصًا في صَلَاتِهِ، فَقُلْنَا (١) بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا! فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ اتَّخَذَ عَمُودًا في مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ". [ق ٢/ ٢٨٨، ك ١/ ٢٦٤]
===
والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن فهو حرام, لأن جميعه من الإبريسم، وعليه يحمل حديث: "قوم يستحلون الخز والحرير".
(أغبر) وهو ما يكون على لون الغبار (وإذا هو معتمد على عصًا في صلاته، فقلنا بعد أن سلمنا) أي لما فرغ من صلاته سلمنا عليه، فتكلمنا في أمر الاعتماد على عصا في الصلاة، وسألناه.
(فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن رسول الله ﷺ لما أسن) أي صار كبير السنن (وحمل اللحم) أي كثر لحمه، وهذا اللفظ صريح في كثرة اللحم له لأجل أكبر السنن، وقد جاء في صفته بادن متماسك، أي ضخم يمسك بعض أعضائه بعضًا، وقد قالت عائشة ﵂: فلما أسن وأخذ اللحم، فقول بعض العلماء: إن السمن وكثرة اللحم لم يكن من وصفه غير موجه.
(اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه) أي شيئًا يعتمد عليه في مصلاه، والظاهر أن اتخاذ العمود كان في نوافل التهجد, لأنه ﷺ كان يطيل القراءة فيها، والاتكاء على العصا في الصلاة مكروه في الفرض دون النفل.
قال الطحطاوي في حاشيته على "مراقي الفلاح" (٢): ولا شك في كراهة الاتكاء في الفرض بغير ضرورة، كما صرحوا به، لا في النفل مطلقًا على الأصح كما في "المجتبى".
وقال الشوكاني في "النيل" (٣): حديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد