أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَمْسَحْ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةَ الْحَصَى". [خ ١٢٠٧، م ٥٤٦، ن ١١٩٢، ت ٣٨٠، جه ١٠٢٦، حم ٣/ ٤٢٦]
(١٧٨) بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي مُخْتَصِرًا (١)
٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ (٢)، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
===
خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، ولوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة أربعين.
(أن النبي ﷺ قال: لا تمسح) أي الحصى تسوية لها (وأنت تصلي (٣)، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة) أي فافعل لتسوية الحصى مرة واحدة، وقال في "مرقاة الصعود": مبتدأ حذف خبره، أي تكفيك، أو خبر أي فالمشروع أو الجائز، وأبيح له مرة لئلا يتأذى به في سجود، ومنع من الزائد لئلا يكثر الفعل.
(تسوية الحصى) هكذا في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندي، ولم أجد هذا اللفظ عند غير أبي داود من المحدثين الذين أخرجوا هذا الحديث، ولعل هذا اللفظ تفسير للمسح من أبي داود أو غيره من بعض الرواة، خبر مبتدأ محذوف (٤)، تقديره: وهو أي المسح تسوية الحصى، أو يقال: المراد بالمسح تسوية الحصى.
(١٧٨) (بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي مُخْتَصِرًا)
٩٤٧ - (حدثنا يعقوب بن كعب) يعني الأنطاكي، (ثنا محمد بن سلمة،
стр. 2487
عن هِشَامٍ، عن مُحَمَّدٍ (١)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن الاخْتِصَارِ في الصَّلَاةِ". [خ ١٢٢٠، م ٥٤٥، ت ٣٨٣، ن ٨٩٠، حم ٢/ ٢٣٢, خزيمة ٩٠٨، حب ٢٢٨٥]
===
عن هشام) بن حسان، أبو عبد الله القُرْدوسي بضم القاف، (عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة) وفي رواية البخاري: نهى عن الخصر في الصلاة، وفي الأخرى: نهى أن يصلي الرجل مختصرًا، وفي رواية النسائي: مختصرًا، وفي رواية البيهقي (٢): نهى عن التخصر.
واختلفوا في تفسير الاختصار، والمشهور في تفسيره أن يضع يده على خاصرته، كذا فسره محمد بن سيرين فيما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣)، وكذا فسره هشام فيما رواه البيهقي في "سننه" عنه.
وحكى الخطابي وغيره قولًا آخر في تفسيره، وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي عصًا يتوكأ عليها، وأنكره ابن العربي، وعن الهروي في "الغريبين" وابن الأثير في "النهاية": وهو أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وحكى الهروي أيضًا: وهو أن يحذف في الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها، وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة حتى لا يسجد لتلاوتها.
وأما الحكمة في النهي عن الخصر فقيل: لأن إبليس أهبط مختصرًا، وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة للتشبه بهم، وقيل: لأنه راحة أهل النار، وقيل: إنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: إنه شكل من أشكال أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المأتم.
стр. 2488
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْيي يَضَعُ (١) يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
(١٧٩) بَابُ الرَّجُلِ يَعْتَمِدُ في الصَّلَاةِ عَلَى عَصًا
٩٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْوَابِصِيُّ، نَا أَبِي، عن شَيْبَانَ، عن حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ:
===
واختلفوا في حكم الخصر في الصلاة، فكرهه ابن عمر وابن عباس وعائشة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجلز وآخرون، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملًا بظاهر الحديث، "عيني ملخصًا" (٢).
(قال أبو داود: يعني يضع يده على خاصرته)، وهذا تفسير من أبي داود للفظ الاختصار، وهو المشهور في تفسيره كما تقدم.
(١٧٩) (بَابُ الرَّجُلِ يَعْتَمِدُ في الصَّلَاةِ عَلَى عَصًا)
٩٤٨ - (حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي) بموحدة مكسورة ومهملة، قاضي الرقة (٣) ثم بغداد، (نا أبي) هو عبد الرحمن (٤) بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن سعيد الأسدي الرقي، مجهول، (عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم، النحوي، أبو معاوية، ثقة، يقال: إنه منسوب إلى نحوة بطن من الأزد، لا إلى علم النحو.
(عن حصين بن عبد الرحمن) السلمي أبو الهذيل الكوفي (عن هلال بن يساف) (٥) بكسر التحتانية (قال:
стр. 2489
"قَدِمْتُ الرَّقَّةَ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِي: هَلْ لَكَ في رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: قُلْتُ: غَنِيمَةٌ. فَدَفَعْنَا إِلَى وَابِصَةَ، قُلْتُ (١) لِصَاحِبِي: نَبْدَأُ فَنَنْظُرُ إِلَى دَلِّهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لَاطِئَةٌ ذَاتُ أُذُنَيْنِ، وَبُرْنُسُ خَزٍّ
===
قدمت الرقة) بفتح الراء وفي آخرها القاف المشددة، بلدة (٢) على طرف الفرات، مشهورة من الجزيرة، بت بها ليلة، وإنما سميت الرقة, لأنها على شط الفرات، وكل أرض تكون على الشط فهي تسمى الرقة، قاله السمعاني في "الأنساب" (٣).
(فقال لي بعض أصحابي) وهو زياد بن أبي الجعد كما يدل عليه رواية أحمد في "مسنده"، ولفظها: عن هلال بن يساف قال: أراني زياد بن أبي الجعد شيخًا بالجزيرة يقال له: وابصة بن معبد، فأقامني عليه.
(هل لك) رغبة (في) لقاء (رجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: قلت: ) لقاؤه (غنيمة) كبرى (فدفعنا) أي ذهب بنا (إلى وابصة) بن معبد.
(قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دله) بفتح الدال وشدة اللام هو والهدي والسمت عبارة عن حالة الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقهّ واستقامة الهيئة (فإذا عليه) أي لما دخلوا عليه رأوه فإذا عليه (قلنسوة لاطئة) (٤) أي لاصقة بالرأس (ذات أذنين وبرنس خز) البرنس بالضم قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أو جبة أو ممطرًا، "قاموس".
قال في "المجمع" (٥) في شرح حديث "نهى عن ركوب الخز": الخز المعروف أولًا ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة
стр. 2490
أَغْبَرُ، وَإِذَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصًا في صَلَاتِهِ، فَقُلْنَا (١) بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا! فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ اتَّخَذَ عَمُودًا في مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ". [ق ٢/ ٢٨٨، ك ١/ ٢٦٤]
===
والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن فهو حرام, لأن جميعه من الإبريسم، وعليه يحمل حديث: "قوم يستحلون الخز والحرير".
(أغبر) وهو ما يكون على لون الغبار (وإذا هو معتمد على عصًا في صلاته، فقلنا بعد أن سلمنا) أي لما فرغ من صلاته سلمنا عليه، فتكلمنا في أمر الاعتماد على عصا في الصلاة، وسألناه.
(فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن رسول الله ﷺ لما أسن) أي صار كبير السنن (وحمل اللحم) أي كثر لحمه، وهذا اللفظ صريح في كثرة اللحم له لأجل أكبر السنن، وقد جاء في صفته بادن متماسك، أي ضخم يمسك بعض أعضائه بعضًا، وقد قالت عائشة ﵂: فلما أسن وأخذ اللحم، فقول بعض العلماء: إن السمن وكثرة اللحم لم يكن من وصفه غير موجه.
(اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه) أي شيئًا يعتمد عليه في مصلاه، والظاهر أن اتخاذ العمود كان في نوافل التهجد, لأنه ﷺ كان يطيل القراءة فيها، والاتكاء على العصا في الصلاة مكروه في الفرض دون النفل.
قال الطحطاوي في حاشيته على "مراقي الفلاح" (٢): ولا شك في كراهة الاتكاء في الفرض بغير ضرورة، كما صرحوا به، لا في النفل مطلقًا على الأصح كما في "المجتبى".
وقال الشوكاني في "النيل" (٣): حديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد
стр. 2491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على العمود والعصا ونحوهما، لكن مقيدًا بالعذر المذكور وهو الكبر وكثرة اللحم، ويلحق بهما الضعف والمرض وغيرهما، فيكون النهي محمولًا على عدم العذر، انتهى.
ونقل مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه مولانا رشيد أحمد - قدَس الله سرّه- في شرح هذا الحديث: وهذا ينبّه على أن القادر على القيام باستعانة شيء من العصا ونحوها لا يعذر عن القيام في جواز الفريضة قاعدًا، انتهى.
قلت: وقد قال العلَّامة الطحطاوي في حاشيته على "مراقي الفلاح" (١): ولو قدر على القيام متكئًا أو معتمدًا على عصًا أو حائط لا يجزيه إلَّا كذلك، خصوصًا على قولهما، فإنهما يجعلان قدرة الغير قدرة له.
وقال في "الدر المختار" (٢): وإن قدر على بعض القيام ولو متكئًا على عصا أو حائط قام لزومًا بقدر ما يقدر ولو قدر آية أو تكبيرة على المذهب, لأن البعض معتبر بالكل، انتهى.
وقال عليه الشامي: قوله: "على المذهب" في شرح الحلواني نقلًا عن الهندواني: لو قدر على بعض القيام دون تمامه، أو كان يقدر على القيام لبعض القراءة دون تمامها، يؤمر بأن يكبر قائمًا ويقرأ ما قدر عليه، ثم يقعد إن عجز، وهو المذهب الصحيح، لا يروى خلافه عن أصحابنا, ولو ترك هذا خفت أن لا تجوز صلاته.
وفي "شرح القاضي": فإن عجز عن القيام مستويًا قالوا: يقوم متكئًا لا يجزيه إلَّا ذلك، وكذا لو عجز عن القعود مستويًا قالوا: يقعد متكئًا لا يجزيه إلَّا ذلك، فقال عن "شرح التمرتاشي" ونحوه في "العناية" بزيادة:
стр. 2492
(١٨٠) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ
٩٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ, عَنْ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِىِّ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: "كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إِلَى جَنْبِهِ فِى الصَّلَاةِ, فَنَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
===
وكذلك لو قدر أن يعتمد على عصا أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام، انتهى.
(١٨٠) (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ (١) في الصَّلَاةِ)
٩٤٩ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا هشيم، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو) سعد بن إياس (الشيباني، عن زيد (٢) بن أرقم قال: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، فنزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، قال العيني (٤): والقنوت يرد لمعان كثيرة بمعنى الطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام، وقال ابن بطال: القنوت في هذه الآية بمعنى الطاعة والخشوع لله تعالى، ولفظ الراوي يشعر بأن المراد به السكوت، فحمله على ما يشعر به كلام الراوي أولى وأرجح, لأن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون سبب النزول، انتهى.
стр. 2493
فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ". [خ ١٢٠٠، م ٥٣٩، ت ٤٠٥، ن ١٢١٩، حم ٤/ ٣٦٨]
===
وقال الشوكاني في "النيل" (١): قال زين الدين في "شرح الترمذي": وذكر ابن العربي أن له عشرة معان، قال: وقد نظمتها في بيتين بقولي:
ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيدًا على عشر معاني مرضيه
دعاء خشوع والعبادة طاعة ... إقامتها إقرارنا بالعبوديه
سكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرابح الفيه
(فأمرنا بالسكوت، ونهينا (٢) عن الكلام) ولفظ البخاري: يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، قال الحافظ (٣): والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه، ثم قال الحافظ: قوله: "حتى نزلت" ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة, لأن الآية مدنية بالاتفاق، فيشكل ذلك على قول ابن مسعود: إن ذلك وقع لما رجعوا من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، انتهى.
قلت: وقد تقدَّم الجواب عنه عند حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - في "باب رد السلام في الصلاة".
وقال العيني في "شرحه على البخاري" (٤): ذكر أبو عمر في "التمهيد" أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن إلَّا بالمدينة، وبها نهي عن الكلام في الصلاة، وقد روى حديثه بما يوافق حديث زيد بن أرقم، وصحبة زيد لرسول الله ﷺ كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية.
стр. 2494
(١٨١) بَابٌ: في صَلَاةِ القَاعِدِ
٩٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلَالٍ - يَعْنِي ابْنَ يَسَافٍ -، عن أَبِي يَحْيَى، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ قالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ"،
===
(١٨١) (بَابٌ: في صَلَاةِ القَاعِدِ)
٩٥٠ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين) الهاشمي المصيصي، (نا جرير، عن منصور، عن هلال -يعني ابن يساف-، عن أبي يحيى) الأعرج معرقب، وإنما قيل له المعرقب, لأن الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي ﵁ فأبى، فقطع عرقوبه، واسمه مصدع بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، الأنصاري، يقال: مولى ابن عفراء.
(عن عبد الله بن عمرو قال: حدثت) بصيغة المجهول، أي حدثني الصحابة ﵃ (أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة) معناه إذا صلَّى الرجل قائمًا فله أجر تام، وأما إذا صلى قاعدًا فله نصف الأجر بالنسبة إلى صلاته قائمًا، حمله أكثر العلماء على الصلاة النافلة، فتجوز قاعدًا من غير عذر.
قال في "الدر المختار" (٢): ويتنفل مع قدرته على القيام قاعدًا لا مضطجعًا إلَّا بعذر ابتداءً، وكذا بناء بعد الشروع بلا كراهة في الأصح، كعكسه "بحر"، وفيه أجر غير النبي ﷺ على النصف إلَّا بعذر.
وقال النووي (٣) في شرح قول عائشة ﵂: وإذا صلَّى
стр. 2495
فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو؟ " قلت: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ"، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَ؟ "أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ". [م ٧٣٥، ن ١٦٥٩، جه ١٢٢٩، دي ١٣٨٤، ط ١/ ١٣٦/ ١٩]
===
قاعدًا ركع قاعدًا: فيه جواز التنفل قاعدًا، وكذلك جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام، وبعضها من قعود، وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وعامة العلماء، سواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام، ومنعه بعض السلف، وهو غلط.
(فأتيته فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسي) (١) وفي نسخة: على رأسه (٢) بضمير الغائب، وهكذا في رواية مسلم بضمير الغائب (فقال) أي رسول الله ﷺ : (مالك) أي ما شأنك وما عرض لك (يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حُدِّثْتُ يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدًا؟ ) أي كيف اخترت نقصان الأجر مع شدة حرصك على تكثيره؟
قال النووي (٣): وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام، فلا ينتقص ثوابه، بل يكون ثوابه كثوابه قائمًا، وأما الفرض فإن صلاته قاعدًا مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب، بل يأثم به، قال أصحابنا: وإن استحله كُفِّرَ، وجرت عليه أحكام المرتدين، وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، انتهى ملخصًا.
(قال) أي رسول الله ﷺ : (أجل) أي نعم قلت ذلك، ولكن هذا الحكم مختص بالأمة (ولكني لست كأحد منكم) فصلاتي النافلة قاعدًا في تمام الأجر
стр. 2496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كصلاتي (١) قائمًا، فهذا من خصائصه ﷺ ، فجعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا تشريفًا له كما خص لأشياء (٢) معروفة.
ولكن يشكل هذا بما سيأتي في رواية عمران بن حصين من قوله: وصلاته نائمًا على النصف من صلاته قاعدًا، فإنه يقتضي أن يكون هذا الحكم لغير المعذور، والصلاة النافلة مضطجعًا لا تجوز عند الأئمة.
قال الخطابي (٣): كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع يعني للقادر، لكن قوله: "من صلَّى نائمًا" يفسده, لأن المضطجع لا يصلي التطوع كما يفعل القاعد, لأني ما أحفظ عن أحد (٤) من أهل العلم أنه رخص في ذلك، قال: فإن صحت هذه الرواية ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد، كما يتطوع المسافر على راحلته، فالتطوع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث، قاله الحافظ (٥).
وقال الشامي (٦): قوله: لا مضطجعًا، وكذا لو شرع منحنيًا قريبًا من الركوع لا يصح "بحر"، وما ذكره من عدم صحة التنفل مضطجعًا عندنا بدون عذر، نقله في "البحر" عن الأكمل في شرحه على "المشارق"، وصرَّح به في "النتف"، وقال الكمال في "الفتح": لا أعلم الجواز في مذهبنا، وإنما يسوغ في الفرض حالة العجز عن القعود، لكن ذكر في "الإمداد": أن في "المعراج" إشارة إلى أن في الجواز خلافًا عندنا كما عند الشافعية، انتهى.
стр. 2497
٩٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا, فَقَالَ: «صَلَاتُهُ قَائِمًا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا, وَصَلَاتُهُ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ (١) مِنْ صَلَاتِهِ قَائِمًا, وَصَلَاتُهُ نَائِمًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا». [خ ١١١٥، ت ٣٧١، ن ١٦٦٠، جه ١٢٣١، حم ٤/ ٤٣٣، خزيمة ١٢٣٦، حب ٢٥١٣]
===
٩٥١ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن حسين) بن ذكوان (المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال) أي رسول الله ﷺ : (صلاته قائمًا أفضل (٢) من صلاته قاعدًا، وصلاته قاعدًا على النصف من صلاته قائمًا، وصلاته نائمًا) أي مضطجحًا (على النصف من صلاته قاعدًا).
قال الحافظ (٣): سؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد تقدم البحث فيه فيما تقدم قريبًا، قلت: ويمكن أن يحمل الحكم بتنصيف الأجر قاعدًا على الفرض أيضًا.
قال الحافظ (٤) نقلًا عن الخطابي: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيبًا في القيام مع جواز (٥) قعوده، انتهى،
стр. 2498
٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ, عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ, عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَ بِىَ النَّاصُورُ (١)
===
وهو حمل متجه، ويمكن أن يقال: إنه ﷺ أخبر أولًا بتنصيف أجر المصلي قاعدًا في الفرض، ثم أخبر بتمام أجره رحمة منه وفضلاً.
وأما قول الحنفية وغيرهم بعدم جواز التطوع مضطجعًا (٢) , لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، فتجوز قاعدًا بخلاف الاضطجاع، فإنه ليس من أشكال الصلاة، فلا تجوز مضطجعًا على خلاف هذا الحديث، فإنه مبني على أن هذا القول مبناه على القياس، وأما الاستحسان بدليل هذا الحديث، فمقتضاه الجواز، وإذا تعارض الاستحسان والقياس يرجح الاستحسان كما هو مصرح في الأصول.
٩٥٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة) أي عبد الله، (عن عمران بن حصين قال: كان بي الناصور) بالنون والصاد المهملة، وفي نسخة على الحاشية: الباسور بالباء الموحدة والسين المهملة، ويؤيد الثاني ما في البخاري: "قال: كان بي بواسير"، وفي رواية له: "وكان مبسورًا"، والباسور بالموحدة جمعه
стр. 2499
فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا, فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". [خ ١١١٧، ت ٣٧، جه ١٢٢٣، حم ٤/ ٤٢٦]
===
بواسير، وهو ورم في باطن المقعدة، والذي بالنون والصاد المهملة، قرحة فاسدة لا تقبل البرء ما دام فيها ذلك الفساد.
(فسألت النبي ﷺ ) أي عن الصلاة في هذه الحالة (فقال: صلِّ قائمًا) والظاهر أنه سأله ﷺ عن صلاة الفرض في حالة المرض والعذر، فأجابه ﷺ بأن المصلي إذا أطاق القيام صلَّى قائمًا, لأن القيام فرض فيه لا تجوز الصلاة بتركه إلَّا من عذر (فإن لم تستطع) أي: القيام لأجل المرض والعذر (فقاعدًا) أي فصل قاعدًا بركوع وسجود، وإن لم يستطع الركوع والسجود فيومئ لهما إيماء (فإن لم تستطع) أي القيام والقعود (فعلى جنب) (١) أي: فصل مضطجعًا على جنب مستقبل القبلة بوجهه.
قال الحافظ (٢): وهو حجة للجمهور في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب، وعن الحنفية وبعض الشافعية يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، ووقع في حديث علي أن حالة الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة الاضطجاع.
واستدل به من قال: لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى كالإشارة بالرأس، ثم الإيماء بالطرف، ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان، ثم على القلب لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية، وقال بعض الشافعية بالترتيب المذكور، وجعلوا مناط الصلاة حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه بدليل قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، هكذا استدلَّ به الغزالي.
стр. 2500
٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِى شَىْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا قَطُّ, حَتَّى دَخَلَ فِى السِّنِّ, فَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا, فَيَقْرَأُ حَتَّى إِذَا بَقِىَ أَرْبَعُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ (١) آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ سَجَدَ". [خ ١١١٨، م ٧٣١، ن ١٦٤٦، جه ١٢٢٧]
===
٩٥٣ - (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس) الكوفي التميمي اليربوعي، ثقة حافظ، (نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة) ﵂ (قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ) أي القرآن (في شيء من صلاة الليل جالسًا قط) قال في القاموس: وما رأيته قَطُّ، ويضم ويخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري، انتهى، ثم قال: وإذا أردتَ بِقَطْ الزمانَ، فمرتفع أبدًا غيرُ مُنَوَّنٍ: ما رأيت مثلَه قَط.
(حتى دخل في السن) أي دخل في الشيب (فكان) أي رسول الله ﷺ (يجلس فيها) أي في صلاة الليل (فيقرأ) أي القرآن جالسًا (حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية قام (٢) فقرأها) أي الآيات الباقية (ثم سجد) أي ثم ركع ثم سجد، ويدل عليه رواية البخاري، ولفظها: "حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم يركع"، وفي أخرى له: "فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد".
стр. 2501
٩٥٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِى النَّضْرِ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ, فَإِذَا بَقِىَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ, فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ, ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ, ثُمَّ يَفْعَلُ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ". [خ ١١١٩، م ٧٣١، وانظر سابقه]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ (١) عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، عن عَائِشَةَ عن النَبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
٩٥٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك) أي الإِمام، (عن عبد الله بن يزيد) المخزومي المدني المقرئ، الأعور، أبو عبد الرحمن مولى أسود بن سفيان، وثَّقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي (وأبي النضر) سالم بن أبي أمية التميمي المدني، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت.
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، (عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان يصلي جالسًا) (٢) أي في آخر عمره الشريف لما كبر وأسن (فيقرأ وهو جالس) قراءة طويلة (فإذا بقي من قراءته) أي القدر الذي يريد أن يقرأها (قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأها) أي القراءة الباقية (وهو قائم، ثم ركع ثم سجد) أي للركعة الأولى (ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك) أي يقرأ قراءة طويلة قاعدًا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها قائمًا، ثم ركع ثم سجد للركعة الثانية.
(قال أبو داود: ورواه علقمة بن وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف ابن محصن بن كلدة الليثي العتواري المدني، (عن عائشة عن النبي ﷺ نحوه)
стр. 2502
٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَأَيُّوبَ يُحَدِّثَانِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا, وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا, فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا, وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا. [م ٧٣٠، ن ١٦٤٧، جه ١٢٢٨، وانظر سابقه]
===
أخرج هذا التعليق مسلم في "صحيحه" (١) موصولًا، حدثنا ابن نمير قال: نا محمد بن بشر قال: نا محمد بن عمرو قال: حدثني محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص قال: قلت لعائشة ﵂، الحديث (٢).
٩٥٥ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد قال: سمعت بديل بن ميسرة) العقيلي (وأيوب) السختيانى (يحدثان عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة) ﵂ (قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ليلًا طويلًا) أي زمانًا طويلًا من الليل (قائمًا، وليلًا طويلًا) أي زمانًا طويلًا من الليل (قاعدًا).
وفي معنى هذا الكلام احتمالان: أحدهما: أنه ﷺ يصلي في الليل زمانًا طويلًا قائمًا، ويصلي في ذلك الليل زمانًا طويلًا قاعدًا، فيجمع في صلاته سن القيام والقعود في ليل واحد، والثاني: أنه ﷺ يصلي صلاة في الليل زمانًا طويلًا قائمًا، وفي ليل آخر زمانًا طويلًا قاعدًا.
قال القاري: قال في "المفاتيح": يعني يصلي صلاة كثيرة من القيام والقعود، أو يصلي ركعات مطولة في بعض الليالي من القيام، وفي بعضها من القعود، انتهى.
(فإذا صلَّى قائمًا ركع قائمًا) أي لا يقعد قبل الركوع (وإذا صلَّى قاعدًا ركع قاعدًا) أي لا يقوم للركوع، قال القاري (٣): قال الطحاوي: ذهب قوم إلى
стр. 2503
٩٥٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ السُّوَرَ (١) في رَكْعَةٍ؟
===
كراهة الركوع قائمًا لمن افتتح الصلاة قاعدًا، وخالفهم آخرون، فلم يروا به بأسًا, لأنه انتقال إلى أفضل، وحجتهم ما روي بأسانيد عن عائشة ﵂ أنها لم تر رسول الله ﷺ يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسنَّ، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام، فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية، ثم ركع، ففي هذا الحديث أنه كان يركع قائمًا فهو أولى, لأنه أثبت الركوع قائمًا، ومن أثبت الركوع قاعدًا لا ينفي هذا, لأنه قد يفعل الركوع قاعدًا في حال وقائمًا في حال، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وهذا الحديث بظاهره مخالف للأحاديث المتقدمة، والجواب عنه أن هذا الاختلاف محمول على اختلاف الأوقات، وحديث عبد الله بن شقيق عن عائشة ﵂ برواية خالد عنه يأتي قريبًا مطولًا في تفريع أبواب التطوع.
٩٥٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة أكان رسول الله ﷺ يقرأ السور في ركعة؟ ) وفي بعض النسخ: السورة بالإفراد، والأول أولى وأصح، ويؤيده ما روى البيهقي (٢) من طريق يزيد بن زريع، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة هل كان رسول الله ﷺ يقرن بين السور؟ قالت: من المفصل، وفي أخرى له: أنه قال: بين السورتين.
وكذا أخرج الطحاوي (٣) من طريق عثمان بن عمر قال: أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يقرن
стр. 2504
قَالَتْ: الْمُفَصَّلَ. قَالَ: قُلْتُ: فَكَانَ (١) يُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَتْ: حِينَ حَطَمَهُ النَّاسُ". [م ٧٣٢، حم ٢/ ١٧١]
(١٨٢) بَابٌ كَيْفَ الْجُلُوسُ في التَّشَهُّدِ
===
السور؟ ، قالت: المفصل، ورواية البيهقي والطحاوي تدل على أن لفظ يقرن بالنون، وهذا أولى بما في أبي داود بالهمزة في آخره.
(قالت: المفصل) أي يقرأ السور المتعددة من المفصل في ركعة واحدة، والمفصل من "الحجرات" أو من "ق" إلى آخر القرآن، ولعلَّه إشارة إلى ما سيأتي في باب تحزيب القرآن من حديث عبد الله بن مسعود، لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، وأما على نسخة الإفراد فمعناه هل يقرأ السورة الواحدة في ركعة؟ ، فأجابت بأنه ﷺ يقرأ سورة من المفصل، أو يقال: معناه يقرأ السورة مع سورة أخرى في ركعة.
(قال) أي عبد الله بن شقيق: (قلت: فكان يصلي قاعدًا؟ ) بحذف حرف الاستفهام، وهذا سؤال ثان سألها , أي هل كان رسول الله ﷺ يصلي التطوع قاعدًا؟ (قالت: حين حطمه الناس)، قال النووي (٢): قال الهروي (٣) في تفسيره: يقال: حطم فلاناً أهله إذا أكبر فيهم، كأنه لما حمله من أمورهم وأثقالهم والاعتناء بمصالحهم صيَّروه شيخًا محطومًا، والحطم كسر الشيء اليابس.
(١٨٢) (بَابٌ كَيْفَ الْجُلُوسُ في التَّشَهُّدِ)
اختلف الأئمة في كيفية الجلوس في التشهد، فعند بعضهم: يتورك في التشهدين، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى ويجلس على وركه اليسرى، وهذا قول مالك - رحمه الله تعالى- وغيره، وقال الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى-: هذا التورك في التشهد الآخر، وأما الجلوس في التشهد
стр. 2505
٩٥٧ - حَدَّثَنَا (١) مُسَدَّدٌ، نَا بشر بْن الْمُفَضَّل، عَنْ عَاصِمٍ بن كُلَيْب، عَنْ أَبيهِ، عَن وَائِل بْن حُجْر قَالَ: قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَوةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كيْفَ يُصلِّي، فَقَامَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاستَقْبَلَ الْقِبْلَة، فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِه، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْل ذلِكَ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْله الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخذِهِ الْيُسْرَى وَحَدَّ
===
الأول وغيره من الجلسات فهو الافتراش، وهو أن يفرش رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب اليمنى، فقال بالتورك في التشهد الأخير (٣)، وقال الحنفية بالافتراش في التشهدين الأول والثاني.
٩٥٧ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب، (عن وائل بن حجر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم (قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة، فكبر) أي للتحريمة (فرفع يديه حتى حاذتا) أي قابلتا (بأذنيه، ثم أخذ شماله) أي يده اليسرى (بيمينه) أي بيده اليمنى (فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك) أي محاذيًا بأذنيه (قال) أي وائل بن حجر: (ثم جلس فافترش رجله اليسرى) أي ثم قعد عليها (ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد).
قال في "المجمع" (٤): وحد مرفقه أي رفعه عن فخذه، والحد: المنع والفصل بين الشيئين، ثم قال: يحتمل كون "حد" مرفوعًا مضافًا إلى المرافق على الابتداء، و"على فخذه" خبره، والجملة حالية، وكونه منصوبًا عطفًا على
стр. 2506
مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى (١) عَلَى فَخذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثنْتَيْنِ وَحَلَّقَ
===
مفعول وضع، أي وضع يده اليسرى ووضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وقال نقلًا عن "المفاتيح": وَحَّدَ أي جعله منفردًا عن فخذه، أي رفعه عنه فجعله من التوحيد.
قلت: هكذا هذا اللفظ بالواو والحاء المهملة آخره قال مهملة في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا, ولكن أخرج هذا الحديث البيهقي (٢) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وفيه: ووضع مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى.
وكذا أخرجه الطحاوي (٣) من طريق أبي الأحوص وخالد عن عاصم، وفيه أيضًا: ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى.
وأخرج الدارقطني (٤) من طريق سفيان بن عيينة عن عاصم بن كليب، وفيه: ووضع يده اليمنى على فخذه الأيمن، ويده اليسرى على فخذه الأيسر.
وأخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٥) من طريق عبد الواحد حدثنا عاصم بن كليب، وفيه: ووضع حد مرفقه على فخذه اليمنى، وأيضًا أخرج من طريق زائدة ثنا عاصم، وفيه: وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وهكذا في رواية زهير بن معاوية عن عاصم بلفظ: ثم وضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى.
(مرفقه) قال في "القاموس": والمرفق كمنبر ومجلس: موصل الذراع في العضد (اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين) الخنصر (٦) والبنصر (وحلق
(١) وفي نسخة: "مرفقه الأيمن".
(٢) "السنن الكبرى" (٢/ ٧٢).
(٣) "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٥٩).
(٤) "سنن الدارقطني" (١/ ٢٩٠).
(٥)، مسند أحمد" (٤/ ٣١٦).
(٦) كما هو مصرح في رواية البيهقي. (ش).
стр. 2507
حَلْقَة وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا، وَحَلَّقَ بشرٌ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَة. [تقدَّم برقم ٧٢٤]
٩٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِىَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى". [خ ٨٢٧، ط ١/ ٨٩/ ٥١]
===
حلقة) (١) أي بالإبهام والوسطى (ورأيته يقول) أي يشير (هكذا، وحلق بشر الإبهام والوسطى، وأشار بالسبابة) وقد تقدَّم قريبًا ما يتعلق بكيفية الجلوس في التشهد، وما يتعلق بالإشارة بالسبابة بقدر ما يليق بهذا المختصر.
إلى هاهنا تم أحاديث "باب كيف الجلوس في التشهد" في النسخة المصرية والكانفورية، وكذا في متن النسخة المكتوبة، ولكن على حاشيتها زيدت خمسة أحاديث فنذكرها تتميمًا للفائدة (٢).
٩٥٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) أي الإِمام، (عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله) بن عمر، (عن ابن عمر قال: سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى).
وقد أخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث (٤): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس، قال: ففعلته
стр. 2508
٩٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تُضْجِعَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى. [ن ١١٥٧]
===
يومئذٍ وأنا حديث السنن، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إنما سنَّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك، فقال: إن رجلي لا تحملاني، وقد أخرجه مالك ﵀ في "موطئه"، ولم يبين في هذا الحديث ما يصنع بعد ثني الرجل اليسرى، هل يجلس فوقها أو يتورك؟ وقد بين ذلك في رواية القاسم اللاحقة المخرجة في "الموطأ" أنه يجلس على وركه الأيسر لا فوقها, ولم يبين في حديث أبي داود.
ولفظ مالك هكذا: مالك عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك، فتبين (١) من رواية القاسم ما أجمل في رواية ابنه عبد الرحمن.
٩٥٩ - (حدثنا ابن معاذ) أي عبيد الله، (نا عبد الوهاب) لعله الثقفي (قال: سمعت يحيى) أي ابن سعيد الأنصاري (قال: سمعت القاسم) أي ابن محمد بن أبي بكر (يقول: أخبرني عبد الله بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: من سنَّة الصلاة (٢) أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى).
стр. 2509
٩٦٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن يَحْيَى بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن يَحْيَى أَيْضًا: "مِنَ السُّنَّةِ" كَمَا قَالَ جَرِيْرٌ. [تقدم في الحديث السابق]
٩٦١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ في التَّشَهُّدِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. [انظر تخريج الحديث السابق]
٩٦٢ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عن وَكِيع، عن سفْيَانَ، عن الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا جَلَسَ في الصَّلَاةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْوَى ظَهْرُ قَدَمِهِ"، وفِي أُخْرَى: "اسْوَدَّ" بدل "أَشْوَى".
===
٩٦٠ - (حدثنا عثمان بن أبو شيبة، نا جرير) أي ابن عبد الحميد، (عن يحيى) أي ابن سعيد الأنصاري (بإسناده مثله) أي مثل الحديث المتقدم (قال أبو داود: قال حماد بن زيد، عن يحيى أيضًا: "من السنَّة" كما قال جرير) أي: في الحديث المتقدم.
٩٦١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فذكر) أي: القعنبي (الحديث).
٩٦٢ - (حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم) أي: النخعي (قال: كان النبي ﷺ إذا جلس في الصلاة افترش رجله اليسرى حتى أشوى ظهر قدمه، وفي أخرى اسوَدَّ بدل أشوى)، ولعل لفظ "اسودَّ" هو الصحيح، ولفظ "أشوى" لا معنى يناسب له هاهنا (١).
стр. 2510
(١٨٣) بَابُ مَنْ ذَكرَ التَّوَرُّكَ في الرَّابِعَةِ
٩٦٣ - حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -. (ح): وَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ- يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ (٢) -، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ في عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ الله ﷺ (٣). وَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاَءٍ
===
(١٨٣) (بَابُ مَنْ ذَكَرَ التَّوَرُّكَ في الرَّابِعَةِ)
٩٦٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-، ح: ونا مسدد، نا يحيى، نا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-، حدثني محمد بن عمرو، عن أبي حميد الساعدي) صحابي مشهور، اسمه عبد الرحمن، وقيل: منذر بن سعد بن المنذر، وقيل: اسم جده مالك، وقيل: هو عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد، شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد سنة ستين.
(قال) أي محمد بن عمرو: (سمعته) أي أبا حميد الساعدي (في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ (حال من مفعول سمعته، أي سمعت أبا حميد الساعدي حال كونه في عشرة (٤) من أصحاب رسول الله.
(وقال أحمد) أي ابن حنبل بسنده: (قال) أي عبد الحميد بن جعفر: (أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء) فزاد لفظ ابن عطاء، وهو اسم جد محمد بن عمرو ليمتاز عن محمد بن عمرو بن حلحلة، وليست هذه الزيادة في سند حديث مسدد.
стр. 2511
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ في عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ.
===
(قال: سمعت (١) أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة) اسمه الحارث بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة، السلمي المدني، فارس رسول الله ﷺ ، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، توفي بالكوفة سنة أربع وخمسين، وقال الطحاوي (٢): إن أبا قتادة قتل مع علي (٣) وصلَّى عليه علي -رضي الله تعالى عنه -.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): قال: وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة، وعلي بها، وصلّى عليه، وحكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين وهو شاذ، والأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين.
ثم قال الحافظ: قال ابن عبد البر: روي من وجوه عن موسى بن عبد الله والشعبي أنهما قالا: صلَّى علىٌّ على أبي قتادة وكبَّر عليه سبعًا، قال الشعبي: وكان بدريًا، ورجح هذا ابن القطان، ولكن قال البيهقي: رواية موسى والشعبي غلط لإجماع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين.
قلت: ولأن أحدًا لم يوافق الشعبي على أنه شهد بدرًا، والظاهر أن الغلط فيه من دون الشعبي، وقال في "الجوهر النقي" (٥): قال القطان ما ملخصه: فيجب التثبت في قوله: فيهم أبو قتادة، فإن أبا قتادة قتل مع علي وهو صلَّى عليه، هذا هو الصحيح (٦)، وقتل علي سنة أربعين، انتهى.
стр. 2512
قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالُوا: فَاعْرِضْ, فَذَكَرَ الْحَدِيثَ, قَالَ: وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ (١) , ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ وَيَثْنِى رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا, ثُمَّ يَصْنَعُ فِى الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ, فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِى فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى
===
(قال أبو حميد) أي لأصحاب رسول الله ﷺ الموجودين عنده: (أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ) وقد تقدم هذا الحديث بهذا السند في "باب افتتاح الصلاة"، وفيه: "قالوا: فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى"، وقد أسقطه هاهنا (قالوا: فاعرض) بهمزة الوصل من عرض يعرض، أي: أظهر وأبرز.
(فذكر الحديث، قال) أي أبو حميد: (ويفتخ) الفتخ لين واسترسال في جناح الطائر، أي: يلين (أصابع رجليه إذا سجد) ليوجهها نحو القبلة (ثم يقول: الله أكبر ويرفع) أي رأسه من السجود (وبثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يصنع في الأخرى) أي في الركعة الأخرى (مثل ذلك) أي ما فعل في الركعة الأولى من رفع اليدين ثم التكبير ثم القراءة ثم التكبير ثم رفع اليدين ثم الركوع إلى آخرها (فذكر الحديث) وهذا قول أبي داود، يقول: فذكر أحمد بن حنبل الحديث.
(قال) أي أبو حميد: (حتى إذا كانت السجدة التي فيها) أي بعدها (التسليم)، وهي السجدة التي في آخر الركعة الرابعة، أو المراد بالسجدة الركعة مجازًا (أخر رجله اليسرى) أي بَعَّدها وأزالها عن الورك إلى جانب الأيمن، وليس لفظ: "أخَّر" هذا مقابلاً لما يأتي في حديث الليث من لفظ: "قدم رجله اليسرى"، حتى يتخالف الحديثان، بل معناه بَعَّدَ وأزال، كما في الحديث: "أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ "، و"أخر عني يا عمر".
стр. 2513
وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ. زَادَ أَحْمَدُ: قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي، وَلَمْ يَذْكُرَا في حَدِيثِهِمَا الْجُلُوسَ في الثِّنْتَيْنِ كَيْفَ جَلَسَ". [تقدم برقم ٧٢٨]
٩٦٤ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِىِّ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِهَذَا الْحَدِيثِ, وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا قَتَادَةَ, قَالَ: "فَإِذَا جَلَسَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى, فَإِذَا جَلَسَ فِى الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ (١)
===
(وقعد متوركًا على شقه الأيسر) أي وركه الأيسر (زاد أحمد) أي على حديث مسدد: (قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي) أي رسول الله ﷺ (ولم يذكرا) أي أحمد ومسدد (في حديثيهما الجلوس في الثنتين) أي التشهد الأول بعد الركعتين (كيف جلس) وهذا الكلام من قول أبي داود.
٩٦٤ - (حدثنا عيسى بن إبراهيم المصري) أبو موسى الغافقي ثم الأحدبي، قال الطحاوي: هو أبي من الرضاعة، قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا، قال ابن أبي حاتم: هو شيخ مجهول، وقال مسلمة بن قاسم: مصري ثقة، (نا ابن وهب) أي عبد الله، (عن الليث) أي ابن سعد، (عن يزيد بن محمد القرشي وبزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسًا مع نفر) أي جماعة (من أصحاب رسول الله ﷺ بهذا الحديث، ولم يذكر) أي محمد بن عمرو بن عطاء في هذا الحديث (أبا قتادة، قال) أي محمد بن عمرو: (فإذا جلس) أي رسول الله ﷺ (في الركعتين) أي في آخر الركعتين (جلس على رجله اليسرى، فإذا جلس في الركلعة الأخيرة) أي في
стр. 2514
قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣٢]
٩٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ, حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِىِّ قَالَ: "كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ, بِهَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ فِيهِ: فَإِذَا قَعَدَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى, فَإِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ, وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣١]
٩٦٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو بَدْرٍ، نَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ، نَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَالِكٍ،
===
التشهد الآخر (قدم رجله اليسرى وجلس على مقعدته) أي: يتورك.
٩٦٥ - (حدثنا قتيبة، نا ابن لهيعة) أي عبد الله، (عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن حلحلة) بمهملتين بينهما لام ساكنة، الديلي بكسر الدال وسكون التحتانية، المدني، ثقة، (عن محمد بن عمرو) بن عطاء (العامري) القرشي المدني (قال: كنت في مجلسٍ بهذا الحديث) أي المتقدم.
(قال) أي ابن لهيعة أو محمد بن عمرو (فيه) أي في هذا الحديث: (فإذا قعد في الركعتين) أي في الجلسة الأولى (قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، فإذا كانت الرابعة) أي الركعة الرابعة وجلس في التشهد الآخر (أفضى) أي أوصل (بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه) أي رجليه (من ناحية واحدة) وهي الناحية اليمنى، وإطلاق الإخراج على التغليب, لأن المخرج في الحقيقة هو اليسرى لا غير، ذكره ابن حجر، "علي القاري" (١).
٩٦٦ - (حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر، نا زهير أبو خيثمة، نا الحسن بن الحر، نا عيسى بن عبد الله بن مالك،
стр. 2515
عَنْ عَبَّاسٍ أَوْ عَيَّاشٍ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّهُ كَانَ فِى مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُوهُ فَذُكِرَ فِيهِ قَالَ: "فَسَجَدَ فَانْتَصَبَ عَلَى كَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَتَوَرَّكَ, وَنَصَبَ قَدَمَهُ الأُخْرَى, ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ, ثُمَّ كَبَّرَ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ, ثُمَّ عَادَ فَرَكَعَ الرَّكْعَةَ الأُخْرَى فَكَبَّرَ (١) كَذَلِكَ, ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ, حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ لِلْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرٍ ثُمَّ رَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ, فَلَمَّا سَلَّمَ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرْ في حَدِيثِهِ مَا ذَكَرَ
===
عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه، فذكر) أي الراوي (فيه قال) أي أبو حميد: (فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو جالس) وهذا بيان لقوله: فسجد ببيان كيفية السجود وهيئته، وقوله: وهو جالس، قد تقدم في "باب افتتاح الصلاة" أن هذا اللفظ غلط من الناسخ (٢)، والصواب ما تقدم في هذا الحديث "وهو ساجد" فإن لفظ "وهو جالس" لا معنى له.
(فتورك) أي في الجلوس بين السجدتين (ونصب قدمه الأخرى) أي اليمنى (ثم كبر فسجد) أي السجدة الثانية (ثم كبر فقام) أي بعد السجود (ولم يتورك، ثم عاد فركع الركعة الأخرى فكبر كذلك) أي مثل الركعة الأولى (ثم جلس بعد الركعتين) أي في التشهد الأول (حتى إذا هو) أي رسول الله ﷺ (أراد أن ينهض) أي يقوم (للقيام) إلى الركعة الثالثة (قام بتكبير ثم ركع) أي صلَّى (الركعتين الأخريين، فلما سلم) أي أراد السلام (سلم عن يمينه وعن شماله).
(قال أبو داود: ولم يذكر) أي عيسى بن عبد الله (في حديثه ما ذكر
стр. 2516
عَبْدُ الْحَمِيدِ في (١) التَّوَرّكِ وَالرَّفْعِ إِذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ (٢).
===
عبد الحميد في التورك) أي في التشهد الآخر (والرفع إذا قام من ثنتين) فإن عبد الحميد ذكر التورك في التشهد الآخر ولم يذكره عيسى بن عبد الله، وكذلك ذكر عبد الحميد الرفع أي رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول، ولفظه: ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وأما عيسى بن عبد الله فلم يذكره، ولفظه: حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبير.
واعلم أن التورك الذي ورد في الأحاديث كيفيته مختلفة.
أولاها: ما وقع في حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عند أبي داود ولفظه: فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة.
وهذه هي التي قال بها الشافعي - رحمه الله تعالى- قال في كتاب "الأم" (٣): فإذا جلس في الرابعة أخرج رجليه معًا من تحته وأفضى بأليتيه إلى الأرض، انتهى، وعلى هذه الهيئة يكون الرجل اليمنى أيضًا مبسوطة على الأرض كاليسرى.
وثانيتها: ما وقع في رواية عيسى بن عبد الله بن مالك عن عباس أو عياش بن سهل عند أبي داود ولفظها: فتورك ونصب قدمه الأخرى، وهذا التورك هو الذي وقع في الجلسة التي بين السجدتين، ولم يقل به الإِمام الشافعي - رحمه الله تعالى-.
وهذه الهيئة وقعت في حديث قاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر عند مالك، وكذا عند الطحاوي، ولفظها: فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، وقد أخذ بها الإِمام مالك - رحمه الله تعالى- في جميع الجلسات في الصلاة.
стр. 2517
٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو, أَخْبَرَنِى فُلَيْحٌ, أَخْبَرَنِى عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: "اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ, فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ, وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ إِذَا قَامَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَلَا الْجُلُوسَ, قَالَ: حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ". [سبق تخريجه في الحديث رقم ٧٣٢]
===
وثالثتها: ما أخرجها مسلم في "صحيحه" (١) من حديث ابن الزبير في الجلوس للتشهد الأخير، وهي أنه ﷺ كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرش قدمه اليمنى.
٩٦٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الملك بن عمرو) أبو عامر العقدي، (أخبرني فليح) بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، ويقال: الأسلمي، أبو يحيى المدني، اسمه عبد الملك، وفليح لقب غلب عليه، ضعفه كثير من المحدثين، ولكن قال الحاكم أبو عبد الله: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره.
(أخبرني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكر) أي الراوي (هذا الحديث) أي المتقدم (لم يذكر الرفع) أي رفع اليدين (إذا قام من ثنتين) أي الركعتين الأوليين (ولا الجلوس) أي الثاني للتشهد الآخر الذي فيه التورك، وحاصله أنه لم يذكر التورك ولا الجلوس الآخر.
(قال) أي الراوي: (حتى فرغ) أي من السجدتين (ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدره اليمنى على قبلته) وليس المراد من الفراغ الفراغ من الصلاة حتى تكون الهيئة المذكورة هيئة التشهد الأخير، فإن البيهقي أخرج في "سننه الكبير" (٢) حديث فليح وقال فيه: ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل
стр. 2518
(١٨٤) بَابُ التَّشَهُّدِ (١)
٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, أَخْبَرَنَا يَحْيَى, عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ, حَدَّثَنِى شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ, السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ,
===
بصدر اليمنى على قبلته، ثم قال: وهذا في التشهد الأول، وليس في حديثه ذكر التشهد الأخير.
وقال الطحاوي (٢) بعد تخريج حديث فليح: فذكروا القعود على ما ذكره عبد الحميد في حديثه في المرة الأولى، ولم يذكر غيره ذلك.
(١٨٤) (بَابُ التَّشَهُّدِ)
٩٦٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سليمان الأعمش، حدثني شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود قال: كنا إذا جلسنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده) أي قبل السلام على عباده، فعلى هذا لفظ قبل ظرف.
قال ميرك: كذا وقع في أجل سماعنا في "المشكاة" و"صحيح البخاري"
بفتح القاف وسكون الموحدة، ووقع في بعض النسخ منهما بكسر القاف وفتح الموحدة، ويؤيده ما وقع في رواية البخاري لفظه: السلام على الله من عباده، انتهى، كذا نقله القاري (٣)، فعلى هذا يكون لفظ قبل عباده منصوبًا بنزع الخافض بتقدير "من" أي من جهة عباده.
(السلام على فلان وفلان) قال الحافظ (٤): في رواية عبد الله بن نمير
стр. 2519
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، ===
عن الأعمش عند ابن ماجه "يعنون الملائكة"، وللإسماعيلي من رواية علي بن مسهر "فنعد الملائكة"، ومثله للسراج من رواية محمد بن فضيل عن الأعمش بلفظ: "فنعد من الملائكة ما شاء الله".
(فقال رسول الله ﷺ ) وصدر هذا القول من رسول الله ﷺ بعد ما فرغ من الصلاة، بين ذلك حفص بن غياث في روايته عند البخاري في كتاب الاستئذان، ولفظها: فلما انصرف النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه، فقال: إن الله هو السلام، وكذلك في رواية عيسى بن يونس أيضًا: فلما انصرف من الصلاة قال:
(لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام) قال الحافظ: قال البيضاوي ما حاصله: أنه ﷺ أنكر التسليم على الله، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها.
وقال التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله تعالى, لأنه مرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يدعى له وهو المدعو على الحالات؟
قال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النووي (١): معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: المسلم أولياءه، وقيل: المسلِّم عليهم، قال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه عنها.
стр. 2520
وَلَكِنْ إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَحِيَّاتُ للهِ
===
(ولكن إذا جلس أحدكم) أي في الصلاة كما بين في رواية حفص، وفي رواية حصين: "إذا قعد أحدكم في الصلاة"، والمراد بالجلوس الجلوس في التشهدين كما بينه النسائي في روايته من طريق أبي الأحوص عن عبد الله، ولفظها: "إذا قعدتم في الركعتين فقولوا"، وله من طريق الأسود عن عبد الله "فقولوا في كل جلسة"، ولابن خزيمة عن الأسود عن عبد الله " علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها".
(فليقل) استدل بهذا القول على الوجوب، قال الشوكاني (١): قال النووي في "شرح مسلم": مذهب أبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أن التشهدين سنة، وقال: وروي عن مالك القول بوجوب الأخير.
قلت: وعند الحنفية التشهد واجب في كلتا القعدتين الأولى والأخيرة على ظاهر الرواية , قال الحلبي في شرح "المنية" (٢): ومنها قراءة التشهد، فإنها واجب في القعدتين الأولى والأخيرة، وإلى هذا مال صاحب "الهداية" في "باب سجود السهو"، فأوجب السجود بترك التشهد في القعدة الأولى كما في القعدة الأخيرة، وهو ظاهر الرواية, وفي رواية: هي واجبة في القعدة الأخيرة فقط، وأما في الأولى فهي سنة، وإليه مال صاحب "الهداية" في "باب صفة الصلاة" حيث قال: وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة، وظاهر الرواية أظهر للمواظبة في جميع ذلك من غير ترك مرة.
(التحيات لله) (٣) جمع تحية، ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيى إلَّا الملِك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكان المعنى: التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله.
стр. 2521
وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،
===
وقال الخطابي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له.
(والصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية والطيبات الصدقات المالية.
(والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم.
قال البيضاوي: يحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفًا على التحيات، ويحتمل أن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف، والطيبات معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، قال الطيبي (١): أصل "سلام عليك": سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل من النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٢).
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟
فالجواب أن ذلك من خصائصه ﷺ .
فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؟ أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر فأقبلوا عليه قائلين: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، انتهى.
وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي البخاري في كتاب الاستئذان بعد أن ساق حديث التشهد قال: "وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي"، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" والسراج والجوزقي وأبو معين (١) والبيهقي بلفظ: "فلما قبض قلنا: السلام على النبي" بحذف لفظ يعني.
قلت: وهذا الذي نقل عن بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أنهم قالوا في التشهد بعد وفاة رسول الله ﷺ : على النبي، فليس فيه حجة، فإنهم ما قالوا ذلك إلَّا برأيهم، فما علمهم رسول الله ﷺ من الألفاظ أولى بالأخذ مما قالوه باجتهادهم ورأيهم، وقد كانت الصحابة في زمانه ﷺ يغيبون عنه في
стр. 2523
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّه الصَّالِحِينَ،
===
أسفارهم في الغزوات وغيرها, ولا يتشهدون إلَّا بما تعلموا لفظ التشهد بالخطاب من رسول الله ﷺ ، وعلى هذا الذي قالوا بعد وفاته ﷺ كان يلزم أن يقولوا فيها في التشهد: "السلام على النبي"، فلما لم يقولوا ذلك في الغيبة عنه ﷺ كيف يجوز أن يبدلوا بعده لفظه ﷺ الخطاب بالغيبة؟ .
وقد نقل الحافظ ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي ﷺ علمهم التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حيًّا، فقال ابن مسعود: هكذا علمنا وهكذا نعلم، فظاهر أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه.
ثم قال الحافظ (١): لكن رواية أبي معمر أصح, لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد مع ذلك ضعيف، على أن نبي الله ﷺ حي في قبره كما أن الأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم، ولا فرق بين أن يكون فوق الأرض أو تحت حجابها، كما لا فرق في حضوره وغيبته في زمان حياته ﷺ ، ولهذا لعله لم يذهب إليه أحد من الأئمة.
والمراد بقوله: "ورحمة الله" إحسانه، وقوله: "وبركاته" هو اسم لكل خير فائض منه تعالى على الدوام، وقيل: البركة الزيادة في الخير، وإنما جمعت البركة دون السلام والرحمة لأنهما مصدران.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، قال البيضاوي: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم, لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، انتهى.
стр. 2524
فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عبدٍ صَالِحٍ في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
===
واستدلَّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي "الترمذي" مصححًا من حديث أبي بن كعب: أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ نفسه، والأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته.
(فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أو بين السماء والأرض) وهو كلام معترض بين قوله: الصالحين وبين قوله: أشهد ... إلخ، علمهم لفظًا يشمل الجميع مع غير الملائكة من المرسلين والنبيين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، والشك فيه من مسدد، وإلَّا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ: من أهل السماء والأرض، أخرجه الإسماعيلي وغيره، وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرف الرواة.
(أشهد أن لا إله إلَّا الله) زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه: وحده لا شريك له، وسنده ضعيف (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: "بينا النبي ﷺ يعلم التشهد إذ قال رجل: وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده، فقال ﵊: لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا، قل: عبده ورسوله"، ورجاله ثقات إلَّا أنه مرسل.
وقد روى التشهد عن رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة غير ابن مسعود، منهم ابن عباس، ومنهم جابر، ومنهم عمر، ومنهم ابن عمر، ومنهم علي، ومنهم أبو موسى، ومنهم عائشة، ومنهم سمرة، ومنهم ابن الزبير، ومنهم سلمان، ومنهم أبو حميد، ومنهم أبو بكر، ومنهم الحسين بن علي، ومنهم طلحة بن عبيد الله، ومنهم أنس، ومنهم أبو هريرة، ومنهم أبو سعيد، ومنهم فضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى ﵃.
стр. 2525
ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ". [خ ٨٣٥، م ٤٠٢، ت ٢٨٩، ن ١١٦٢، جه ٨٩٩، دي ١٣٤٠، حم ١/ ٤٣١]
===
لكن رجح الجمهور تشهد ابن مسعود، قال أبو بكر البزار: هو أصح حديث في التشهد، وقد روى من نيف وعشرين طريقًا، وسرد أكثرها، وممن جزم بذلك البغوي في "شرح السنَة"، وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود, لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف أصحابه، وقال الزهري: إنه أصح حديث روي في التشهد، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه، بل نقلوه مرفوعًا على صفة واحدة، وأنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقينًا.
(ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به) واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلَّا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية (١) أنه لا يدعو في الصلاة إلَّا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، ولكن ظاهر الحديث يرد عليهم، قاله الحافظ (٢).
وأجاب عنه العيني (٣) قلت: ليس ما نقله عن كتب الحنفية كذلك، بل المذكور في كتبهم أنه لا يدعو في الصلاة إلَّا من الأدعية المأثورة، أو بما شابه ألفاظ القرآن، وقوله: يرد عليهم، رد عليه, لأن فيما ذهبوا إليه إهمالًا لحديث مسلم، وهو "إن صلاتنا هذه" الحديث، ونحن عملنا بالحديثين, لأنا نختار من الأدعية المأثورة أو من الأدعية ما شابه ألفاظ القرآن.