وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،
===
وقال الخطابي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له.
(والصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية والطيبات الصدقات المالية.
(والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم.
قال البيضاوي: يحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفًا على التحيات، ويحتمل أن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف، والطيبات معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، قال الطيبي (١): أصل "سلام عليك": سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل من النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٢).
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟
فالجواب أن ذلك من خصائصه ﷺ .
فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؟ أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر فأقبلوا عليه قائلين: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، انتهى.
وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي البخاري في كتاب الاستئذان بعد أن ساق حديث التشهد قال: "وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي"، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" والسراج والجوزقي وأبو معين (١) والبيهقي بلفظ: "فلما قبض قلنا: السلام على النبي" بحذف لفظ يعني.
قلت: وهذا الذي نقل عن بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أنهم قالوا في التشهد بعد وفاة رسول الله ﷺ : على النبي، فليس فيه حجة، فإنهم ما قالوا ذلك إلَّا برأيهم، فما علمهم رسول الله ﷺ من الألفاظ أولى بالأخذ مما قالوه باجتهادهم ورأيهم، وقد كانت الصحابة في زمانه ﷺ يغيبون عنه في
стр. 2523
السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّه الصَّالِحِينَ،
===
أسفارهم في الغزوات وغيرها, ولا يتشهدون إلَّا بما تعلموا لفظ التشهد بالخطاب من رسول الله ﷺ ، وعلى هذا الذي قالوا بعد وفاته ﷺ كان يلزم أن يقولوا فيها في التشهد: "السلام على النبي"، فلما لم يقولوا ذلك في الغيبة عنه ﷺ كيف يجوز أن يبدلوا بعده لفظه ﷺ الخطاب بالغيبة؟ .
وقد نقل الحافظ ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي ﷺ علمهم التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حيًّا، فقال ابن مسعود: هكذا علمنا وهكذا نعلم، فظاهر أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه.
ثم قال الحافظ (١): لكن رواية أبي معمر أصح, لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد مع ذلك ضعيف، على أن نبي الله ﷺ حي في قبره كما أن الأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم، ولا فرق بين أن يكون فوق الأرض أو تحت حجابها، كما لا فرق في حضوره وغيبته في زمان حياته ﷺ ، ولهذا لعله لم يذهب إليه أحد من الأئمة.
والمراد بقوله: "ورحمة الله" إحسانه، وقوله: "وبركاته" هو اسم لكل خير فائض منه تعالى على الدوام، وقيل: البركة الزيادة في الخير، وإنما جمعت البركة دون السلام والرحمة لأنهما مصدران.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، قال البيضاوي: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم, لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، انتهى.
стр. 2524
فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عبدٍ صَالِحٍ في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
===
واستدلَّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي "الترمذي" مصححًا من حديث أبي بن كعب: أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ نفسه، والأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته.
(فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أو بين السماء والأرض) وهو كلام معترض بين قوله: الصالحين وبين قوله: أشهد ... إلخ، علمهم لفظًا يشمل الجميع مع غير الملائكة من المرسلين والنبيين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ، والشك فيه من مسدد، وإلَّا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ: من أهل السماء والأرض، أخرجه الإسماعيلي وغيره، وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرف الرواة.
(أشهد أن لا إله إلَّا الله) زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه: وحده لا شريك له، وسنده ضعيف (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: "بينا النبي ﷺ يعلم التشهد إذ قال رجل: وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده، فقال ﵊: لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا، قل: عبده ورسوله"، ورجاله ثقات إلَّا أنه مرسل.
وقد روى التشهد عن رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة غير ابن مسعود، منهم ابن عباس، ومنهم جابر، ومنهم عمر، ومنهم ابن عمر، ومنهم علي، ومنهم أبو موسى، ومنهم عائشة، ومنهم سمرة، ومنهم ابن الزبير، ومنهم سلمان، ومنهم أبو حميد، ومنهم أبو بكر، ومنهم الحسين بن علي، ومنهم طلحة بن عبيد الله، ومنهم أنس، ومنهم أبو هريرة، ومنهم أبو سعيد، ومنهم فضل بن عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى ﵃.
стр. 2525
ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُوَ بِهِ". [خ ٨٣٥، م ٤٠٢، ت ٢٨٩، ن ١١٦٢، جه ٨٩٩، دي ١٣٤٠، حم ١/ ٤٣١]
===
لكن رجح الجمهور تشهد ابن مسعود، قال أبو بكر البزار: هو أصح حديث في التشهد، وقد روى من نيف وعشرين طريقًا، وسرد أكثرها، وممن جزم بذلك البغوي في "شرح السنَة"، وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود, لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف أصحابه، وقال الزهري: إنه أصح حديث روي في التشهد، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه، بل نقلوه مرفوعًا على صفة واحدة، وأنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقينًا.
(ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به) واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلَّا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية (١) أنه لا يدعو في الصلاة إلَّا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، ولكن ظاهر الحديث يرد عليهم، قاله الحافظ (٢).
وأجاب عنه العيني (٣) قلت: ليس ما نقله عن كتب الحنفية كذلك، بل المذكور في كتبهم أنه لا يدعو في الصلاة إلَّا من الأدعية المأثورة، أو بما شابه ألفاظ القرآن، وقوله: يرد عليهم، رد عليه, لأن فيما ذهبوا إليه إهمالًا لحديث مسلم، وهو "إن صلاتنا هذه" الحديث، ونحن عملنا بالحديثين, لأنا نختار من الأدعية المأثورة أو من الأدعية ما شابه ألفاظ القرآن.
стр. 2526
٩٦٩ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ-، عن شَرِيكٍ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن أَبِي الأَحْوَصِ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نقُولُ إِذَا جَلَسْنَا في الصَّلَاةِ،
===
قلت: قال في "الهداية" (١): ودعا بما شاء بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس تحرزًا عن الفساد، ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ وما لا يستحيل سؤاله من العباد كقوله: اللَّهمَّ زوجني فلانة، يشبه كلامهم ... إلخ.
وقال في "البدائع" (٢): ولكن ينبغي أن يدعو بما لا يشبه كلام الناس، حتى يكون خروجه من الصلاة على وجه السنَّة، وهو إصابة لفظ السلام، وفسره أصحابنا فقالوا: ما يشبه كلام الناس هو ما لا يستحيل سؤاله من غير تعالى كقوله: أعطني كذا، أو زوجني امرأة, وما لا يشبه كلام الناس هو ما يستحيل سؤاله عن غيره كقوله: اللَّهَمَّ اغفر لي ونحو ذلك.
٩٦٩ - (حدثنا تميم بن المنتصر) بن تميم بن الصلت الهاشمي مولاهم، الواسطي، جد أسلم بن سهل الحافظ الملقب بِبَحْشَل لأمه، ثقة ضابط, مات سنة أربع أو خمس وأربعين، (أنا إسحاق، يعني ابن يوسف) بن مرداس بمكسورة وسكون راء وبدال مهملة قبل الألف وبعدها سين مهملة، المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق بتقديم الزاي على الراء، ثقة، مات سنة ١٩٥ هـ.
(عن شريك) بن عبد الله النخعي، (عن أبو إسحاق) السبيعي، (عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي، (عن عبد الله) بن مسعود (قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة)، ولهذا نقول في تلك الجلسات من عند أنفسنا: السلام على الله، السلام على جبرائيل، السلام على
стр. 2527
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قدْ عُلِّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ".
قَالَ شَرِيكٌ: وَنَا جَامِعٌ- يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ -، عن أَبِي وَائِلٍ، عن عَبْدِ الله بِمِثْلِهِ قَالَ: وَكَان يُعَلِّمُنَا كَلِمَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ يُعَلِّمُنَاهُنَّ كَمَا يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: "اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا،
===
ميكائيل (وكان رسول الله ﷺ قد عُلِّمَ) (١) أي ما يحتاج إليه في الصلاة وغيرها (فذكر) أي تميم بن المنتصر (نحوه) أي نحو حديث مسدد.
(قال شريك) أي ابن عبد الله: (ونا) وهذا تحويل عطف على لفظ عن أبي إسحاق المذكور في السند المتقدم (جامع يعني ابن شداد) المحاربي، أبو صخرة الكوفي، أحد الفضلاء، ثقة، (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة، (عن عبد الله بمثله) أي بمثل حديث أبي إسحاق.
(قال) أي شريك بهذا السند: (وكان يعلمنا كلمات ولم يكن)
أي رسول الله ﷺ (يعلمناهن) أي الكلمات (كما يعلمنا التشهد) فإن تعليم التشهد كان أهم بأنه ﷺ علم عبد الله بن مسعود التشهد، وكفه بين كفيه، كما يعلم السورة من القرآن، ويحتمل أن يكون معناه: بل أهم من تعليم التشهد.
(أللَّهم ألِّف) أي ألق الألفة والمحبة (بين قلوبنا) فيحب بعضنا بعضًا كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، (وأصلح ذات بيننا)، أي أصلح أحوال بيننا حتى يكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، فإنك عليم بذات الصدور أي بمضمراتها, ولما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها: ذات البين، وإصلاحها سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، فهو درجة فوق درجة من اشتغل بخويصة نفسه بالصيام والصلاة فرضًا ونفلًا "مجمع" (٣) مع التغيير.
стр. 2528
وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لنَا في أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". [حب ٩٩٢، ك ١/ ٢٦٥]
===
(واهدنا سبل السلام) أي طرق دينه التي بها نسلم من العذاب، (ونجنا من الظلمات إلى النور) أي من الكفر إلى الإِسلام، ومن الجهل إلى العلم، (وجنبنا الفواحش) أي باعدنا من الذنوب الكبيرة (ما ظهر منها وما بطن) أي لم يظهر على الناس، فالمراد علانيتها وسرها.
(وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا (١) وذرياتنا)، والمراد بالبركة فيها التزايد في الخير منها، (وتب علينا) أي ارجع علينا بقبول التوبة والمغفرة (إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها) من الثناء (قابليها) - وفي نسخة: قائليها- بصيغة جمع الفاعل من القبول سقطت نونها بالإضافة.
قال القاري في "الحرز": أي قابلين لنعمتك آخذين لها على نعت القبول ووصف الرضا، وفي نسخة: قائليها على أنه اسم فاعل قال: قال المصنف: لا يظهر لها وجه وجيه، وفي نسخة -وهو أصل الجلال-: "فأبليها" بفتح فاء فهمز فسكون موحدة وكسر لام فياء ساكنة، وكتب الجلال تحته لعله فأبلها أي بلا ياء، قيل: ولعل الياء حصلت من إشباع الكسرة، وحاصله أنه من الإبلاء بمعنى الإعطاء، فالمعنى فأعط النعم على وجه الزيادة.
(وأتمها) أمر من الإتمام، والضمير للنعمة (علينا) كما قال الله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٢).
стр. 2529
٩٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قَالَ: أَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِى فَحَدَّثَنِى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَ بِيَدِهِ, وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِى الصَّلَاةِ, فَذَكَرَ مِثْلَ دُعَاءِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ, إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ, وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُد». [حم ١/ ٤٢٢]
===
٩٧٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية، (نا الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة) بالمعجمة مصغرًا، أبو عروة الهمداني الكوفي (قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده) أي علقمة (وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله، فعلمه التشهد في الصلاة)، وقد عقد البخاري في "صحيحه" "باب المصافحة"، وذكر فيه: قال ابن مسعود: علمني النبي ﷺ التشهد، وكفي بين كفيه، ثم أخرجه موصولًا مطولًا في الباب اللاحق، وهو "باب الأخذ باليدين"، والغرض من الأخذ باليد الاهتمام بتعليم التشهد، ويدل عليه قوله في هذا الحديث: كما يعلمني سورة من القرآن.
(فذكر مثل دعاء) أي مثل تشهد (حديث الأعمش) المتقدم (إذا قلت هذا) وهذا الكلام إلى آخره زيادة على حديث الأعمش، كان ينبغي للمصنف أن يكتب قبل هذا الكلام لفظ: وزاد، معناه إذا قرأت التشهد (أو قضيت هذا) أي أتممت، لفظة أو للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو ذاك (فقد قضيت صلاتك) ولم يبقَ عليك شيء من أركان الصلاة (إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد).
استدل الحنفية بهذا الكلام على فرضية القعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد، وعلى عدم فرضية الصلاة على النبي ﷺ في القعدة الأخيرة.
قال في "البدائع" (١): ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن
стр. 2530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ حكم بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبي ﷺ ، وأخرج في محل آخر من كتابه من حديث ابن مسعود معلقًا: وقال النبي ﷺ لابن مسعود: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك".
وقال في "الهداية" (١): وتشهد وهو واجب عندنا، وصلى على النبي ﷺ وهو ليس بفريضة عندنا خلافًا للشافعي - رحمه الله تعالى - لقوله ﷺ : "إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، انتهى.
وأخرج الطحاوي (٢) من حديث أبي بكرة قال: ثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة، عن الحكم، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته، معناه إذا قضى تشهده ثم أحدث، كما في حديث عبد الله بن عمر، وهذا الحديث وإن كان ظاهره موقوفًا لكنه مرفوع حكمًا, لأنه لا مجال للرأي فيه.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي ذكره في "البدائع"، فأخرجه الطحاوي (٣) بأسانيده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الإِمام الصلاة فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود إليها"، ولفظ الثاني عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده، ثم أحدث، فقد تمت صلاته فلا يعود لها"، وكذا أخرجه الدارقطني في "سننه" (٤) بأسانيد مختلفة.
стр. 2531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعترضوا على حديث ابن مسعود (١) فقال الحافظ في "الدراية": اتفق الحفاظ على أن هذه زيادة مدرجة من كلام ابن مسعود، منهم ابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب، وأوضحوا الحجة في ذلك، وقال الخطابي: إن لم يثبت إدراجها دلت على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست بواجبة، انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم" (٢): وقد جاء في رواية من هذا الحديث في غير مسلم زيادة: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك"، ولكن هذه الزيادة ليست صحيحة عن النبي ﷺ .
وقال الشوكاني في "النيل" (٣): وأما حديث ابن مسعود فقال البيهقي في "الخلافيات": إنه كالشاذ من قول عبد الله، وإنما جعل كالشاذ, لأن أكثر أصحاب الحسن بن الحر لم يذكروا هذه الزيادة لا من قول ابن مسعود مفصولة من الحديث، ولا مدرجة في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود، وزهير بن معاوية عن الحسن فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سوار عنه مفصولة كما ذكر الدارقطني، انتهى.
قلت: دعوى الإدراج لا دليل عليها، والأصل عدم الإدراج حتى يقوم عليه دليل، كيف وقد شك الإِمام الخطابي في رفعه، ووقفه، فقال (٤): قد اختلفوا في هذا الكلام هل هو من قول النبي ﷺ أو من قول ابن مسعود؟ فإن صح مرفوعًا إلى النبي ﷺ ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد غير واجبة، انتهى.
стр. 2532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الكلام صريح في أن عند الإِمام الخطابي لم يثبت إدراجه، وما نقل صاحب "العون" (١) عن السندي معزوًا إلى العراقي بأن المراد من الاختلاف اختلاف الرواة في وصله وفصله، فهذا كأنه توجيه القول بما لا يرضى به قائله، فالذي وصله مثل محمد بن عبد الله النفيلي، فلم يذكر لا لفظ قال ولا لفظ ذكر، فهو كأنه صريح في أنه من قول النبي ﷺ .
وأما من ذكره بلفظ قال كما هو عند الطحاوي وغيره، فهو يحتمل أن يرجع ضميره إلى رسول الله ﷺ ، فإن كان مرجعه رسول الله ﷺ فهو ظاهر في عدم الإدراج، وإن كان ابن مسعود فغير جائز أن يصدر هذا القول منه من رأيه، لأنه لا مجال فيه للرأي، فيحكم بأنه مرفوع حكمًا، ومثل هذا يقال في حديث من رواه بلفظ قال عبد الله كما هو عند الدارقطني من طريق شبابة بن سوار عن زهير بلفظ: قال عبد الله: فإذا قلت ذلك، الحديث.
قال ابن الهمام في "شرح الهداية" (٢): قال النووي: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة، والحق أن غاية الإدراج أن تصير موقوفة، والموقوف في مثله له حكم الرفع، واعترضوا على حديث عبد الله بن عمرو، فقال الترمذي: ليس إسناده بذلك القوي، وقد اضطربوا في إسناده.
قال الشوكاني (٣): وإنما أشار إلى عدم قوة إسناده, لأن فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل العلم، وقال النووي في "شرح المهذب": إنه ضعيف باتفاق الحفاظ، وفيه نظر، فإنه قد وثَّقه غير واحد، منهم: زكريا الساجي وأحمد بن صالح المصري، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، انتهى.
стр. 2533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: قال في "الميزان" (١): قدم على المنصور فوعظه وصدعه بأنهم ظلمة، وكان البخاري يقوي أمره، ولم يذكره في "كتاب الضعفاء"، وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: عبد الرحمن بن زياد ثقة.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢): وكان ابن وهب يطريه، وكان أحمد بن صالح ينكر على من يتكلم فيه، ويقول: هو ثقة، وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات، وقال سحنون: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ثقة، وقال الحربي: غيره أوثق منه.
وأما دعوى الاضطراب في إسناده من الترمذي فغير صحيح، وليس في إسناده شائبة اضطراب، فإنه قد أخرج الطحاوي (٣) من حديث أبي بكرة: ثنا أبو داود، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو أن نبي الله ﷺ قال: "إذا رفع رأسه من آخر السجود، فقد مضت صلاته إذا هو أحدث"، ثم أخرج من حديث يزيد بن سنان ومحمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي قال: ثنا معاذ بن الحكم عن عبد الرحمن بن زياد، فذكر مثله بأسانيده.
قلت: وهذا الحديث وقع فيه اختصار، فإنه قد أخرج بعيد ذلك من حديث يزيد بن سنان: ثنا معاذ بن الحكم، ثنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود عن ابن المبارك، قال معاذ: فلقيت عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فحدثني عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، فقلت له: لقيتهما جميعًا؟ فقال: كلاهما حدثني به عن عبد الله بن
стр. 2534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده، ثم أحدث، فقد تمت صلاته، فلا يعود لها".
قلت: وهذا الحديث بين لنا ما وقع من النقصان في الحديث الأول.
وأخرج الطحاوي من حديث إبراهيم بن منقذ وعلي بن شيبة قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي وبكر بن سوادة الجذامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الإِمام الصلاة، فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته فلا يعود فيها".
وكذلك أخرج هذا الحديث الدارقطني (١) من حديث الحسين بن إسماعيل، ثنا يعقوب الدورقي، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن بكر بن سوادة وعبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس الإِمام في آخر ركعة، ثم أحدث رجل من خلفه قبل أن يسلم الإِمام، فقد تمت صلاته"، قال الدارقطني: عبد الرحمن بن زياد ضعيف، لا يحتج.
قلت: وقد تقدم الجواب عنه بأنه وثَّقه غير واحد.
ثم أخرج من حديث محمد بن يحيى بن مرداس، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بمثل السند الأول أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قضى الإِمام الصلاة وقعد، فأحدث قبل أن يسلم، فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة".
ثم أخرج من حديث الحسين، ثنا يوسف يعني ابن موسى، ثنا وكيع،
стр. 2535
٩٧١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنِى أَبِى, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِى بِشْرٍ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنِ (١) ابْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى التَّشَهُّدِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ, الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ, السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» - قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْتُ فِيهَا "وَبَرَكَاتُهُ"-
===
ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد، عن بكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحدث الإِمام"، الحديث، ولم يذكر فيه عبد الرحمن بن رافع، أفترى أن في أسانيد هذا الحديث شائبة اضطراب، فالعجب من الإِمام الترمذي كيف ادعى أن في إسناد هذا الحديث اضطرابًا؟ فالحديث سنده ومتنه خاليان عن الاضطراب، والله تعالى أعلم.
٩٧١ - (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي، (حدثني أبي) هو علي بن نصر بن علي الجهضمي، (نا شعبة، عن أبي بشر) جعفر بن إياس وهو ابن أبي وحشية اليشكري الواسطي، قال الحافظ في "التقريب": ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، قال أحمد: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد، قال: لم يسمع منه شيئًا، وقال ابن معين: طعن عليه شعبة في حديثه عن مجاهد، قال: من صحيفة.
(سمعت (٢) مجاهدًا) وهذا نص في سماعه عن مجاهد على خلاف ما قال فيه شعبة، قال في "الميزان": قال أبو طالب: سأل أحمد عن حديث شعبة، عن أبي بشر سمع مجاهدًا يحدث عن ابن عمر مرفوعًا في التحيات، فأنكره، فقلت: يرويه نصر بن علي الجهضمي عن أبيه، عنه.
(يحدث عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ في التشهد: التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، قال) أي مجاهد: (قال ابن عمر: زدت فيها) أي في التحيات (وبركاته) أي لفظ
стр. 2536
"السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّهُ"- قَالَ ابْنُ عُمَرَ: زِدْتُ فِيهَا "وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". [قط ١/ ٣٥١]
٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ. (ح): وَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا هِشَامٌ، عن قَتَادَةَ، عن يُونُسَ بْن جُبَيْرٍ، عن حِطَّانَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: "صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، فَلَمَّا جَلَسَ في آخِرِ صَلَاتِهِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ أَبُو مُوسَى أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ
===
"وبركاته"، فلفظ "وبركاته" زيادة مني لا عن رسول الله ﷺ (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال ابن عمر: زدت فيها وحده لا شريك له) أي لفظ: "وحده لا شريك له" لم يكن مرويًا من رسول الله ﷺ ، ولكني أنا زدته فيها من قبل نفسي (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله).
٩٧٢ - (حدثنا عمرو بن عون) بن أوس، أبو عثمان البزار الواسطي البصري، (أنا أبو عوانة) وضاح بن عبد الله اليشكري، (عن قتادة، ح: وأنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد) القطان، (نا هشام) الدستوائي، (عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري، فلما جلس في آخر صلاته) أي القعدة الأخيرة (قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة) أي تكلم بهذا الكلام، وغرضه بهذا الكلام مدح الصلاة.
(فلما انفتل) أي انصرف (أبو موسى) عن الصلاة (أقبل على القوم) أي على جماعة المقتدين (فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ ) كناية عن الكلمة التي قالها الرجل (قال: فأرم القوم) أي سكتوا، قال في "القاموس": أَرَمَّ سكت
стр. 2537
قَالَ (١): أَيُّكُمْ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. قَالَ: فَلَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ (٢) قُلْتَهَا؟ قَالَ: مَا قُلْتُهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ لَهُ (٣) مِنَ الْقَومِ: أَنَا قُلْتُهَا وَمَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ.
فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ في صَلَاتِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّه خَطَبَنَا فَعَلَّمَنَا وَبَيَّنَ لنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُم، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا
===
(قال) أي ثانيًا: (أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال) أي حطان: (فأرم القوم) أي لم يجيبوه في المرة الثانية أيضًا.
(قال) أي أبو موسى: (فلعلك يا حطان قلتها؟ قال) أي حطان: (ما قلتها، ولقد رهبت) أي خفت (أن تبكعني) أي: تبكتني وتوبخني، قال في "القاموس": بكعه: استقبله بما يكره (بها) أي بسبب هذه الكلمة (قال) أي حطان: (فقال رجل له من القوم: أنا قلتها وما أردت بها) أي بهذه الكلمة (إلَّا الخير) وهو مدح الصلاة.
(فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ ) فإن التكلم بمثل هذه الكلمات مفسد للصلاة (إن رسول الله ﷺ خطبنا فعلمنا) من التعليم (وبين لنا سُنَّتَنا) أي طريقتنا من الدين (وعلمنا صلاتنا) أي فرائضها وواجباتها وسننها ومستحباتها.
(فقال: إذا صليتم) أي أردتم الصلاة بالجماعة (فأقيموا) أي سووا (صفوفكم، ثم ليؤمكم (٤) أحدكم، فإذا كبر) أي الإِمام (فكبروا) (٥) أنتم
стр. 2538
وَإِذَا قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّه، وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيرْفَعُ قَبْلَكُمْ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ". "وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ, يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ, فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". "وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا, فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ» , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَتِلْكَ بِتِلْكَ", "فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمْ
===
(وإذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، يجبكم الله) أي يتقبل دعاءكم (وإذا كبر) أي للركوع (وركع فكبروا واركعوا، فإن الإِمام يركع قبلكم ويرفع) أي رأسه من الركوع (قبلكم، قال رسول الله ﷺ : فتلك) أي تأخركم عن الإِمام في الخرور للركوع (بتلك) أي بمقابلة تأخركم عنه في الرفع عن الركوع، فكأنه ساوى ركوعكم ركوع الإِمام، والتأنيث على تأويل الخصلة.
(وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللَّهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم) أي لحمدكم سماع قبول (فإن الله قال على لسان نبيه ﷺ ) أي ليعلمكم: (سمع الله لمن حمده) فأصل هذه الكلمة إخبار من الله تعالى بسماع حمد عباده على لسان نبيه ﷺ ، ثم أجراها على لسان عباده بواسطة نبيه ﷺ .
(إذا كبر) أي للسجود (وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك)، يحتمل أن تكون الإشارة إلى الساعة، أي ساعة تأخركم في الرفع عن السجود بمقابلة ساعة تأخركم في الخرور للسجود.
(فإذا كان) أي المصلي (عند القعدة) أي في القعدة الأولى أو الثانية (فليكن من أول قول أحدكم) أي لا يتقدم منكم قول في القعدة قبل هذا القول،
стр. 2539
أَنْ يَقُولَ: التَّحِيَّاتُ (١) الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ للَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّه وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ: "وَبَرَكَاتُهُ"، وَلَا قَالَ: "وَأَشْهَدُ" قَالَ: "وَأَنَّ مُحَمَّدًا". [م ٤٠٤، ن ٨٣٠، جه ٩٠١، دي ١٣١٢، حم ٤/ ٣٩٣]
٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ، نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبِي، نَا قَتَادَةُ، عن أَبِي غَلَّابٍ يُحَدِّثُهُ، عن حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. زَادَ: "فَإِذَا قَرَأ فَأَنْصِتُوا". وَقَالَ في
===
ويكون هذا القول في القعدة مقدمًا على جميع الأقوال (إن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لم يقل أحمد: وبركاته، ولا قال: وأشهد، قال: وأن محمدًا).
غرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين لفظ عمرو بن عون وأحمد بن حنبل بأن أحمد خالف ابن عون في لفظ "وبركاته، وأشهد"، فإنه لم يذكرهما، وقال: وأن محمدًا بغير لفظ أشهد.
٩٧٣ - (حدثنا عاصم بن النضر) بن المنتشر الأحول التيمي، أبو عمرو البصري، وقيل: عاصم بن محمد بن النضر، (نا المعتمر) أي ابن سليمان (قال: سمعت أبي) أي سليمان التيمي (٢)، (نا قتادة، عن أبو غَلّاب) يونس بن جبير (يحدثه) أي يحدث أبو غلاب قتادة، (عن حطان بن عبد الله الرقاشي) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين، البصري (بهذا الحديث) المتقدم.
(زاد) أي سليمان التيمي: (فإذا قرأ) أي الإِمام (فأنصتوا، وقال في
стр. 2540
التَّشَهُّدِ بَعْدَ (١) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللَّهُ، زَادَ "وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ". [انظر سابقه]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَوْلُهُ: "وَأَنْصِتُوا" (٢) لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَلَمْ يَجِئْ بِهِ إِلَّا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ في هَذَا الْحَدِيثِ.
٩٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ وَطَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ وَكَانَ (٣) يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيباتُ لله، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّه الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ". [م ٤٠٣، ت ٢٩٠، ن ١١٧٤، جه ٩٠٠، حم ١/ ٢٩٢]
===
التشهد بعد أشهد أن لا إله إلَّا الله، زاد: وحده لا شريك له، قال أبو داود: وقوله: "وأنصتوا" ليس بمحفوظ، ولم يجئ به إلَّا سليمان التيمي في هذا الحديث) وقد تقدم البحث في تضعيف هذا الكلام في "باب الإِمام يصلي من قعود" في الجزء المتقدم.
٩٧٤ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم، (عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن) أي: يهتم بتعليم التشهد كما يهتم بتعليم القرآن (وكان) أي رسول الله ﷺ (يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ).
стр. 2541
٩٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عن أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ،
===
٩٧٥ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا يحيى بن حسان، نا سليمان بن موسى أبو داود) الزهري الكوفي، خراساني الأصل، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق، وثَّقه العباس بن الوليد، قال أبو داود: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: أرى حديثه مستقيمًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر العقيلي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث، وحكى ابن عساكر أن أبا زرعة ذكره في الضعفاء.
(نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب) الفزاري، أبو محمد السمري بالفتح والضم، نسبة إلى سمرة بن جندب، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق في "الأحكام": ليس ممن يعتمد عليه، وقال ابن عبد البر: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ما من هؤلاء من يعرف حاله، يعني جعفرًا شيخه وشيخ شيخه، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، قاله الحافظ، وفي "الميزان": وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بالحكم.
(قال: حدثني خبيب بن سليمان بن سمرة) بن جندب، أبو سليمان الكوفي، روى عن أبيه، عن جده نسخة (١)، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حزم: مجهول، وقال عبد الحق: ليس بقوي، كذا قال الحافظ، وقال الذهبي: لا يعرف وقد ضعف.
(عن أبيه سليمان بن سمرة) بن جندب الفزاري، روى عن أبيه نسخة كبيرة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الحسن بن القطان: حاله مجهولة، كذا في "تهذيب التهذيب"، وقال في "التقريب": مقبول.
стр. 2542
عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: "أَمَّا بَعْدُ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ في وَسطِ الصَّلَاةِ أَوْ حِينَ انْقِضَائِهَا فَابْدَؤُوا قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ (١) الطيِّبَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالْمُلْكُ للهِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَنِ الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلِّمُوا عَلَى قَارئكُمْ وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ".
===
(عن سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري، قال ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه عِلْمٌ كَثِيْرٌ، وكان شديدًا على الخوارج فكانوا يطعنون عليه، وكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه، قال ابن عبد البر: سقط في قدر مملوءة ماءً حارًّا فكان ذلك تصديقًا لقوله ﷺ له ولأبي هريرة وأبي محذورة: آخركم موتًا في النار.
(أما بعد، أمرنا رسول الله ﷺ إذا كان) أي المصلي (في وسط الصلاة) أي في الصلاة الرباعية أو الثلاثية (أو حين انقضائها) في جميع الصلوات من الثنائية والثلاثية والرباعية (فابدؤوا) أيها المصلون بالتشهد (قبل التسليم فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا عن اليمين) وفي نسخة: على اليمين، فعلى النسخة الأولى معناه عن الجهة اليمنى، وعلى النسخة الثانية على أهل اليمين، وترك ذكر الشمال اعتمادًا على فهم السامع، أو لبيان أن السلام الواحد يكفي للخروج من الصلاة.
(ثم سلموا على قارئكم) أي: إمامكم، "ثم" هاهنا لتراخي البيان، لا لتراخي الحكم؛ لأن الإِمام له ثلاث أحوال: إما أن يكون بين يديه أو في الجهة اليمنى أو في الجهة اليسرى، فإذا كان بين يديه فيسلم عليه في الحالتين: إذا سلم على أهل اليمين، وإذا سلم على أهل الشمال، وإذا كان في الجهة اليمنى فيسلم عليه أيضًا إذا سلم على أهل اليمين، وإذا كان في جهة الشمال فيسلم عليه أيضًا إذا سلم على أهل الشمال.
(وعلى أنفسكم) أي من المقتدين من أهل اليمين والشمال، وهذا يدل
стр. 2543
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى كُوفِيُّ الأَصْلِ كَانَ بِدِمَشْقَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَدَلَّتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ سمُرَةَ.
===
على أن الأولى النسخة الأولى بلفظة "عن", لأنه بين الجهة أولًا، ثم ذكر المسلمين عليهم، وأما على النسخة الثانية بلفظة "على" فيكون بيانًا لما تقدم من المسلمين عليهم، والله تعالى أعلم.
(قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق) أي سكن الكوفة أولًا، ثم تحول إلى دمشق فكان بها، كما تقدم في ترجمته (قال أبو داود: ودلت هذه الصحيفة) (١) أي الصحيفة التي كتبها سمرة بن جندب إلى بنيه كما تقدم ذكرها في ترجمة سمرة (أن الحسن سمع من سمرة).
قلت: اختلف المحدثون في سماع الحسن عن سمرة، قال يحيى القطان وآخرون: هي كتاب، وأما رواية الحسن عن سمرة بن جندب ففي "صحيح البخاري" سماعًا منه لحديث العقيقة، وقد روي عنه نسخة كبيرة غالبها في السنن الأربعة، وعند علي بن المديني أن كلها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاري.
ووقع في "مسند أحمد" في حديث هشيم قال: جاء رجل إلى الحسن فقال: إن عبدًا له ابق، وإنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده فقال الحسن: حدثنا سمرة، الحديث، وهذا يقتضي سماعه منه بغير حديث العقيقة.
стр. 2544
(١٨٥) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ (١)
===
وقال أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة عن أبيه في الصلاة: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة، قلت: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعد، قاله الحافظ في "التهذيب" (٢)، انتهى ملخصًا.
(١٨٥) (بَابُ الصَّلاةِ (٣) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّد)
اختلف في الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة هل هو فرض أو سنة، فعندنا ليست بفرض (٤) بل هي سنة، وعند الشافعي (٥) ﵀ فرض لا تجوز الصلاة بدونها، وهي اللَّهم صل على محمد، وله في فرضية الصلاة في الأولى قولان.
واحتج بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٦)، ومطلق الأمر للفرضية، وقال ﷺ : "لا صلاة لمن لم يصل علي في صلاته" (٧).
ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ حكم بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبي ﷺ ، ولا حجة في الآية, لأن المراد منها الندب
стр. 2545
٩٧٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قُلْنَا- أَوْ قَالُوا-:
===
بدليل ما روينا، وروي عن عمر وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: الصلاة على النبي ﷺ سنة في الصلاة، على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة.
وقد قال الكرخي من أصحابنا: إن الصلاة على النبي ﷺ فرض العمر كالحج، وليس في الآية تعيين حالة الصلاة، والحديث محمول على نفي الكمال كقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" (١)، وبه نقول.
وأما الصلاة (٢) على النبي ﷺ في غير حالة الصلاة، فقد كان الكرخي يقول: إنها فريضة على كل بالغ عاقل في العمر مرة واحدة، وقال الطحاوي (٣): كلما ذكره أو سمع اسمه تجب.
وجه قول الكرخي ما ذكرنا أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فإذا امتثل مرة في الصلاة أو في غيرها سقط الفرض عنه، كما يسقط فرض الحج بالحج مرة واحدة.
ووجه ما ذكره الطحاوي أن سبب وجوب الصلاة هو الذكر أو السماع، والحكم يتكرر بتكرر السبب كما يتكرر وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات بتكرر أسبابها، انتهى كذا في "البدائع" (٤).
٩٧٦ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى) أي عبد الرحمن، (عن كعب بن عجرة قال: قلنا - أو قالوا-) شك (٥) من الراوي في لفظ قلنا وقالوا أيهما قال الشيخ
стр. 2546
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَيْكَ، فَأَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحمدٍ وَآلِ مُحمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". [خ ٤٧٩٧، م ٤٠٦١، ت ٤٨٣، ن ١٢٨٧، جه ٩٥٤، حم ٤/ ٢٤١، حب ٩١٢، ق ٢/ ١٤٧]
===
(يا رسول الله، أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك) بأمر الله تعالى في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ , كما أخرج أحمد في "مسنده" بسنده عن كعب قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ (١) عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢)، قالوا: كيف نصلي عليك يا نبي الله؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، الحديث (فأما السلام فقد عرفناه) أي في التشهد وهو: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأما الصلاة فلم نعرفه (فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد (٣)، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد).
قال القاري (٤): آل محمد، قيل: الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم وبني المطلب، وقيل: كل تقي آله، وقيل: المراد بالآل جميع أمة الإجابة، وقيل: الأزواج ومن حرم عليه الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، قال ابن حجر: هم مؤمنو بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء، وقيل: أولاد فاطمة ونسلهم، وقيل: أزواجه وذريته، وقيل:
стр. 2547
٩٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، نَا شُعْبَةُ
===
كل مسلم، ومال إليه مالك، واختاره الزهري (١) وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجحه النووي في "شرح مسلم"، وآل إبراهيم هم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما.
وفي التشبيه إشكال مشهور، وهو أن المقرر كون المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه, لأن محمدًا ﷺ وحده أفضل من إبراهيم وآله ﵈.
وأجيب بأجوبة: منها: أن هذا قبل أن يعلم أنه أفضل، ومنها: أنه قال تواضعًا، ومنها: أن التشبيه في الأصل لا في القدر كما قيل في: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وكما في: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٣)، و ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٤)، ومنها: أن الكاف للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥)، ومنها: أن التشبيه متعلق بقوله: وعلى آل محمد، ومنها: أن التشبيه للمجموع بالمجموع، فإن الأنبياء من آل إبراهيم كثيرة وهو أيضًا منهم، ومنها: أن التشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر، ومنها: أن المقدمة المذكورة مدفوعة، بل قد يكون التشبيه بالمثل بما دونه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ (٦)، انتهى.
٩٧٧ - (حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا، (نا شعبة
стр. 2548
بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحمدٍ كَمَا (١) صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ". [انظر سابقه]
٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنِ الْحَكَمِ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ, كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [انظر تخريج الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، كما رَوَاهُ
===
بهذا الحديث قال: صل على محمد وعلى آل محمد) (٢) بغير لفظ اللَّهم في جميع النسخ، وبزيادة لفظ على (كما صليت على آل إبراهيم) بزيادة لفظ آل.
٩٧٨ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن بشر) محمد، (عن مسعر، عن الحكم بإسناده) أي بإسناد الحكم، (بهذا) وفي نسخة: "بهذا الحديث" بعد لفظ بإسناده (قال: اللَّهم صل (٣) على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).
(قال أبو داود: رواه الزبير بن عدي (٤) عن ابن أبي ليلى كما رواه
стр. 2549
مِسْعَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ" وَسَاقَ مِثْلَهُ.
٩٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىّ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ. قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ, كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى
===
مسعر إلَّا أنه) أي الزبير بن عدي (قال: كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) فزاد ابن أبي عدي لفظ آل (وبارك على محمد) ولم يذكر لفظ اللَّهم (وساق) أي الزبير بن عدي باقي ألفاظ الحديث (مثله) أي مثل ألفاظ حديث مسعر.
٩٧٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: ونا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك) ففي السند الأول تصل الرواية إلى مالك بواسطة واحدة، وفي الثاني بواسطتين (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه) أي أبي بكر بن محمد الأنصاري النجاري بالنون والجيم، المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد.
(عن عمرو بن سليم الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء بعدها قاف، من كبار التابعين، يقال: له رؤية (أنه) أي عمرو بن سليم (قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم) أي الصحابة ﵃ (قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ ) فإن الله أمرنا بأن نصلي عليك (قال) أي رسول الله ﷺ (قولوا: اللَّهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على
стр. 2550
آلِ إِبْرَاهِيمَ, وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ, كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [خ ٣٣٦٩، م ٤٠٧، ن ١٢٩٤، جه ٩٠٥، حم ٤/ ١١٨]
٩٨٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الَّذِى أُرِىَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ, عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ:
===
آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).
٩٨٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر) بسكون الجيم وضم الميم الأولى وكسر الثانية، ويقال: بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة، قيل له: المجمر, لأنه كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ ويبخره، وهو صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازًا (١) (إن محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري المدني (وعبد الله بن زيد هو الذي أري النداء بالصلاة) أي الأذان في المنام، بينه معترضًا بين السند لئلا يلتبس بعبد الله بن زيد بن عاصم.
(أخبره) (٢) أي أخبر محمد بن عبد الله نعيم بن عبد الله (عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسول الله ﷺ في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة (ابن سعد) الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل بدري، استشهد بعين التمر منصرفه من اليمامة مع خالد بن الوليد.
стр. 2551
أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُولُوا"، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. زَادَ في آخِرِهِ: "في الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". [م ٤٠٥، ت ٣٣٢٠, ن ١٢٨٥]
٩٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ
===
(أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله ﷺ ) لعل سكوته كان في انتظار الوحي (حتى تمنينا أنه) أي بشير بن سعد (لم يسأله) معناه: كرهنا سؤاله مخافة من أن يكون النبي ﷺ كره سؤاله وشق عليه.
(ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا، فذكر) أي: القعنبي (معنى حديث كعب بن عجرة) المتقدم (زاد) أي القعنبي في (آخره) أي في آخر الحديث: (في العالمين إنك حميد مجيد) فزاد لفظ: "في العالمين" فقط، وأخرج هذا الحديث مسلم من حديث يحيى بن يحيى التميمي عن مالك، وزاد في آخره: والسلام كما علمتم.
٩٨١ - (حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي، نسب إلى جده، (نا زهير، نا محمد بن إسحاق، نا محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيمي، أبو عبد الله المدني، (عن محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه، (عن عقبة بن عمرو) أبي مسعود الأنصاري (بهذا الخبر قال: قولوا: اللَّهم صل على محمد النبي الأمي) منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة، والمراد نفي
стр. 2552
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ". [حم ٤/ ١١٩، ق ٢/ ١٤٦]
٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حِبَّانُ بْنُ يَسَارٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُطَرِّفٍ عُبَيْدُ اللَّه بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ كَرِيْزٍ،
===
الكتابة والقراءة غالبًا، وقيل: منسوب إلى مكة, لأنها أم القرى، أي أصلها وعمدتها وبركتها، وقيل: منسوب إلى الأم، أي مثل ما خرج من بطن الأم ولم يتعلم الكتابة والقراءة، قاله القاري في "الحرز".
(وعلى آل محمد)، ولعل المصنف أو شيخه اختصر الحديث، وقد أخرجه البيهقي (١) عن ابن إسحاق بهذا السند عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده، فقال: يا رسول الله ﷺ ، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلَّى الله عليك؟ قال: فصمت رسول الله ﷺ حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله, ثم قال: "إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللَّهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، هكذا في نسخة البيهقي، فلا أدري أسقط من الناسخ كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي، أو هكذا في الرواية كما هو في النسخة.
٩٨٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حبان) بكسر أوله (ابن يسار الكلابي) أبو رويحة مصغرًا، البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، اختلط، قال أبو حاتم: ليس بالقوي ولا بالمتروك، وقال ابن عدي: وحديثه فيه ما فيه للاختلاط الذي ذكر عنه، وقال أبو داود: لا بأس به.
(حدثني أبو مطرف عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز) بفتح الكاف وكسر الراء آخره زاي، ذكره ابن حبان في "الثقاث"، له عند أبي داود حديث في الصلاة عليه ﷺ من رواية حبان بن يسار عنه، واختلف فيه على حبان.
стр. 2553
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، عن الْمُجْمِرِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". [ق ٢/ ١٥١]
===
(حدثني محمد بن علي الهاشمي) قال في "تهذيب التهذيب": محمد بن علي القرشي الهاشمي عن نعيم بن عبد الله المجمر، وعنه عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي، الظاهر أنه محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر.
(عن المجمر) أي نعيم بن عبد الله، (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من سره أن يكتال) أي يعطي (بالمكيال) أي الكيل (الأوفى) الكامل في الوفاء (إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المومنين وذريته)، الذرية: اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصله الهمز فخفف، وتجمع على ذريات وذراري مشددًا، وقيل: أصلها من الذر بمعنى التفرق, لأن الله ذرهم في الأرض، "مجمع" (١) (وأهل بيته)، وهذا بيان لما قبله من الأزواج والذرية (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
تنبيه: بقي هاهنا بحثان (٢) يناسب التنبيه عليهما.
أولهما: في لفظ الترحم، اختلف فيه، فكره بعضهم أن يقال: وارحم محمدًا، أو يقال: وترحم محمدًا، أما الحنفية فقالوا بعدم الكراهة.
стр. 2554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "الدر المختار": وصح عدم كراهة الترحم (١)، قال الشامي (٢): ومفاده أنه لم يصح ندبه لعدم ثبوته في صلاة التشهد، ولذا قال في "شرح المنية": والإتيان بما في الأحاديث الصحيحة أولى، وقال في "الفيض": والأولى تركه احتياطًا، وفي "شرح المنهاج" للرملي: قال النووي في "الأذكار": وزيادة: "وارحم محمدًا وآل محمد كما رحمت على إبراهيم" بدعة.
واعترض بورودها في عدة أحاديث صحح الحاكم بعضها "وترحم على محمد"، وردّه بعض محققي أهل الحديث بأن ما وقع للحاكم وهمٌ، وبأنها وإن كانت ضعيفة لكنها شديدة الضعف فلا يعمل بها، ويؤيده قول أبي زرعة وهو من أئمة الفن بعد أن ساق تلك الأحاديث وبَيَّن ضعفها: ولعل المنع أرجح لضعف الأحاديث في ذلك.
وبما تقرر علم أن سبب الإنكار كون الدعاء بالرحمة لم يثبت هنا من طريق يعتدّ به، والباب باب اتباع، لا ما قاله ابن عبد البر وغيره من أنه لا يدعى له ﷺ بلفظ الرحمة، فإن أراد النافي امتناع ذلك مطلقًا فالأحاديث الصحيحة صريحة في رده، فقد صح في سائر روايات التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وصح أنه ﷺ أقرَّ من قال: "ارحمني وارحم محمدًا"، ولم ينكر عليه سوى قوله: "ولا ترحم معنا أحدًا"، وحصولها لا يمنع طلبها له كالصلاة والوسيلة والمقام المحمود لما فيه من عود الفائدة له ﷺ بزيادة ترقيه التي لا نهاية لها والداعي بزيادة ثوابه على ذلك، انتهى.
والحاصل أن الترحم بعد التشهد لم يثبت، وإن كان قد ثبت في غيره فكان جائزًا في نفسه.
والبحث الثاني: في لفظ السيادة، قال في "الدر المختار": وندب
стр. 2555
(١٨٦) بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ
٩٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ،
===
السيادة, لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه، ذكره الرملي الشافعي وغيره، وما نقل: "لا تسودوني في الصلاة" فكذب، قال الشامي: واعترض بأن هذا مخالف لمذهبنا لما مر من قول الإِمام من أنه لو زاد في تشهده أو نقص فيه كان مكروهًا، قلت: فيه نظر، فإن الصلاة زائدة على التشهد ليست منه، نعم ينبغي على هذا عدم ذكرها في "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وأنه يأتي بها مع إبراهيم ﵇.
(١٨٦) (بابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّد)
أي: من الدعاء، وبعض النسخ خال عن هذا الباب، والصواب وجوده
٩٨٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة) المدني، مولى بني أمية، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، وثَّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في "صحيح مسلم" حديث واحد في الدعاء بعد التشهد، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكر ابنه أنه أخو موسى بن أبي عائشة (أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر).
قال النووي (١): فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يستحب في الأول، وهكذا الحكم, لأن الأول مبني على التخفيف، انتهى.
وقال الشوكاني (٢): وهو يرد ما ذهب إليه ابن حزم من وجوبها في التشهد
стр. 2556
فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". [م ٥٨٨، ن ١٣١٠، جه ٩٠٩، حم ٢/ ٢٣٧، دي ١٣٤٤]
٩٨٤ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنِي
===
الأول، وما ورد من الإذن للمصلي بالدعاء بما شاء بعد التشهد يكون بعد هذه الاستعاذة لقوله: إذا فرغ.
(فليتعوذ بالله) استدل بهذا الأمر على وجوب الاستعاذة، وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية وروي عن طاوس، وقد ادعى بعضهم الإجماع على الندب (١) (من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب (٢) القبر، ومن فتنة المحيا والممات) (٣).
قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد على هذا بفتنة المحيا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم، وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، عن "الفتح" (٤).
(ومن شر المسيح الدجال) وفي رواية لمسلم: "ومن شر فتنة المسيح الدجال"، وفي أخرى: "ومن شر المسيح الدجال".
٩٨٤ - (حدثنا وهب بن بقية، أنا عمرو بن يونس اليمامي، حدثني
стр. 2557
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عن أَبِيهِ، عن طَاوسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ (١) الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ". [م ٥٩٠، خزيمة ٧٢٢، ك ١/ ٥٣٥]
٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ، نَا عَبْدُ الوَارِثِ، نَا الحُسَيْنُ الْمُعَلِّم، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عن حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ
===
محمد بن (٢) عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه كان يقول بعد التشهد) أي الآخر، وهذا القيد يدل عليه حديث أبي هريرة المتقدم (اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر) فيه رد على المعتزلة، فإنهم أنكروا ذلك (وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).
٩٨٥ - (حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي، أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، واسم أبي الحجاج ميسرة، ثقة ثبت رمي بالقدر.
(نا عبد الوارث، نا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي) بن الأسقع الأسلمي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" (أن محجن) (٣) بكسر أوله وسكون المهملة وفتح الجيم (ابن الأدرع) الأسلمي، صحابي، هو الذي اختط مسجد البصرة (حدثه) أي حنظلة
стр. 2558
قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
===
(قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا هو برجل) أي ملاقيه (قد قضى صلاته) أي قرب إتمام صلاته (وهو يتشهد) أي يقرأ التشهد (وهو يقول) وفي رواية النسائي: "فقال"، وهذا أوضح، فإنه دعا بعد التشهد.
(اللهم إني أسألك يا الله)، كرره لإظهار الذلة والافتقار وليجري عليه الصفات (الأحد)، وفي رواية النسائي: "الواحد الأحد"، وهكذا في رواية أحمد في "مسنده" بزيادة لفظ: "الواحد الأحد" أصله الوحد، والفرق بين الواحد والأحد أن الأحد شيء بني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد لمفتتح العدد، واحد يصلح في الكلام في موضع الجحود، وواحد في موضع الإثبات، يقال: ما أتاني منهم أحد، فمعناه لا واحد أتاني ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه أنه لم يأتني منهم اثنان، فهذا حد الأحد ما لم يضف، فإذا أضيف قرب من معنى الواحد، وذلك أنك تقول: قال أحد الثلاثة: كذا وكذا، وأنت تريد واحدًا من الثلاثة، روى الأزهري عن أبي العباس أنه سئل عن الآحاد أهي جمع الأحد؟ فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع، ولكن إن جعلت جمع الواحد فهو محتمل مثل شاهد وأشهاد، قال: وليس للواحد تثنية ولا للاثنين واحد من جنسه.
(الصمد) هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد، وقيل: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمدًا بسكون الميم، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: الصمد الذي ليس فوقه أحد، وقيل: الذي لا تعتريه الآفات، وقيل: الذي لا عيب فيه، وقيل: تفسيره ما بعده، وهو الذي لم يلد ولم يولد، هكذا في "المعالم" بتغيير.
(الذي لم يلد ولم يولد) نفي لما قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وما قال اليهود: عزير ابن الله، وما قالت النصارى: عيسى ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمماثلة.
стр. 2559
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قَالَ: فَقَالَ: "قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ" (١) ثَلَاثًا. [ن ١٣٠١، خزيمة ٧٢٤، حم ٤/ ٣٣٨]
(١٨٧) بَابُ إِخْفَاءِ التَّشَهُّدِ
٩٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِىُّ, حَدَّثَنَا يُونُسُ - يَعْنِى ابْنَ بُكَيْرٍ -, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ
===
(ولم يكن له كفوًا أحد) وفي هذا نفي المماثلة والمساواة (أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال) المحجن: (فقال) أي رسول الله ﷺ لما سمع هذا القول: (قد غفر له، قد غفر له ثلاثًا) أي قالها ثلاثًا, لأنه قد علم بالوحي الإلهي أن الله تعالى قبل دعاءه فأخبر به.
(١٨٧) (بَابُ إِخْفَاءِ التَّشَهُّدِ)
٩٨٦ - (حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي) أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، (ثنا يونس، يعني ابن بكير) بن واصل الشيباني الحمال الكوفي الحافظ، قال ابن معين: ثقة، وقال: رأيت ابني أبي شيبة أتياه فأقصاهما وسألاه كتابًا فلم يعطهما، فذهبا يتكلمان فيه، وضعفه النسائي، وقال أبو داود: ليس بحجة، يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث.
(عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه) أسود بن يزيد، (عن عبد الله) بن مسعود (قال: من السنة)، الظاهر من هذا القول هو سنة رسول الله ﷺ ، وهو مذهب جمهور المحدثين
стр. 2560
أَنْ يُخْفَى التَّشَهُّدُ". [ت ٢٩٢، ك ١/ ٢٣٠، خزيمة ٧٠٦]
(١٨٨) بَابُ الإِشَارَةِ في التَّشَهُّدِ
٩٨٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ, عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِىِّ
===
(أن يخفى التشهد) أي يقرأ التشهد سرًّا (١).
(١٨٨) (بَابُ الإشَارَةِ في التَّشَهُّدِ) (٢)
أي: الإشارة بالإصبع المسبحة من اليد اليمنى عند الشهادة بالتوحيد, لأنها سنة لثبوته بالأحاديث الصريحة الصحيحة، وعدم ثبوت تركه بالحديث الصحيح بل والضعيف ولا بقول الأئمة
٩٨٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن مسلم بن أبي مريم) اسمه يسار المدني، مولى الأنصار، ثقة، (عن علي بن عبد الرحمن المعاوي)، قال في "التقريب": بفتح الميم والمهملة الخفيفة، الأنصاري المدني، ثقة، ولكن قال السمعاني في "الأنساب" (٣): بضم الميم (٤) وفتح المهملة، هذه النسبة إلى معاوية، وهم جماعة منهم: علي بن عبد الرحمن المعاوي، وهو ينسب إلى بني معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، بطن من الأوس، وفي "الخلاصة": بضم الميم، فما في "التقريب" من فتح الميم فلعله غلط من الكاتب (٥).