← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

"يُسَلِّمُ (١) === قلت: هذا خروج عن الاصطلاح، ومع هذا غير صحيح، فإن السند يدور على مسعر، فاختلف أصحابه في ذكر هذا اللفظ، فذكره يحيى بن زكريا ووكيع عند أبي داود، وأبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ويعلي بن عبيد عند الطحاوي، ويزيد عن مسعر عند أحمد، فهؤلاء كلهم ذكروا الإشارة، ولو سلم الغرابة والتفرد بالنسبة إلى عثمان بن أبي شيبة شيخ المؤلف فهو أيضًا غير صحيح، فإنه ذكر هذا اللفظ أبو بكرة وأبو أمية عند الطحاوي، والإمام أحمد عن يزيد، عن مسعر، فدعوى التفرد على كلتا الحالتين غلط. فروى الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢): حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال: ثنا مسعر ح وحدثنا أبو أمية قال: ثنا يعلي بن عبيد قال: ثنا مسعر، عن عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ سلمنا بأيدينا، قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم فقال: "ما بال أقوام يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس، أما يكفي أحدكم إذا جلس في الصلاة أن يضع يده على فخذه، ويشير بأصبعه، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم". وأما حديث أحمد ففي "مسنده" (٣): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يزيد، أنا مسعر، عن عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا وراء رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم بأيدينا يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : "ما بال أقوام يرمون بأيديهم كأنها أذناب الخيل الشمس، ألا يسكن أحدكم ويشير بيده على فخذه، ثم يسلم على صاحبه عن يمينه وعن شماله". (يسلم) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا , ولكن أخرج البيهقي هذا

стр. 2592

عَلَى أَخِيهِ مِنْ عن يَمِينِهِ وَمِنْ عن شِمَالِهِ". [م ٤٣١، ن ١١٨٥، حم ٥/ ٨٦، خزيمة ٨٣٣، ق ٢/ ١٧٨] ٩٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ, حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, عَنْ مِسْعَرٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ: «أَمَا (١) يَكْفِى أَحَدَكُمْ - أَوْ: أَحَدَهُمْ - أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ». [انظر سابقه] ١٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِىِّ, عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ (٢) رَافِعُو أَيْدِيهِمْ. === الحديث في "سننه" من طريق أبي داود، وفيه زيادة الواو (على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله) لفظة من بفتح الميم موصولة بيان لأخيه، أو بكسر الميم حرف جر، وعلى هذا لفظة "عن" اسم بمعنى الجانب، قال في "القاموس": وتكون اسمًا بمعنى جانب: مِنْ عَنْ يَمِيْنِي مَرَّةً وَأَمَامِي ٩٩٩ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا أبو نعيم، عن مسعر بإسناده ومعناه) أي بإسناد حديث مسعر المتقدم وبمعناه (قال) مسعر أو رسول الله ﷺ : (أما يكفي أحدكم أو أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله)، فصرح بذكر وضع اليد على الفخذ، ولم يكن عنه، ولم يذكر الإشارة بالأصبع. ١٠٠٠ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم) بن طرفة (الطائي، عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله ﷺ والناس رافعو أيديهم) ولفظ حديث مسلم في

стр. 2593

قَالَ زُهَيْرٌ: أُرَاهُ قَالَ: فِى الصَّلَاةِ, فَقَالَ: «مَا لِى أَرَاكُمْ رَافِعِى أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ ! اُسْكُنُوا فِى الصَّلَاةِ». [م ٤٣١، ن ١١٨٤، حم ٥/ ١٠١] (١٩٢) بَابُ الرَّدِّ عَلَى الإِمَامِ ١٠٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَمَاهِرِ, حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِىُّ (١) ﷺ === "صحيحه" قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ولفظ النسائي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن رافعو أيدينا في الصلاة (قال زهير: أراه) أي الأعمش (قال: في الصلاة) أي قال الأعمش بعد قوله: "رافعو أيديهم" لفظ "في الصلاة"، هكذا قال زهير بالشك، ولكن قال عبثر عن الأعمش عند النسائي هذا اللفظ من غير شك. (فقال) رسول الله ﷺ : (ما لي أراكم رافعي أيديكم)، ولفظ النسائي: "ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة"، ولفظ مسلم موافق لأبي داود (كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة)، وقد تقدم البحث المتعلق بهذا الحديث في "باب رفع اليدين" المتقدم، فلا نطول الكلام بإعادته. (١٩٢) (بَابُ الرَّدِّ عَلَى الإمَامِ) أي: يسلم الإِمام على القوم، ويسلم القوم على الإمام ١٠٠١ - (حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر، نا سعيد بن بشير) الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي، أصله من البصرة أو واسط، ضعيف، (عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: أمرنا النبي ﷺ

стр. 2594

أَنْ نَرُدَّ عَلَى الإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ". [جه ٩٢٢، ق ٢/ ١٨١، ك ١/ ٢٧٠] (١٩٣) بَابُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ١٠٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ يُعْلَمُ (١) انْقِضَاءُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ". [خ ٨٤٢، م ٥٨٣، حم ١/ ٢٢٢] === أن نرد على الإِمام) أي في التسليمتين إذا كنا خلف الإِمام، وفي التسليمة الأولى إذا كنا عن يساره، وفي الثانية إذا كنا عن يمينه بأن ننوي بالسلام الرد على الإِمام (وأن نتحاب) تفاعل من المحبة، أي وأن نتحاب مع المصلين وسائر المؤمنين بأن يفعل كل منا من الأخلاق الحسنة، والأفعال الصالحة، والأقوال الصادقة، والنصائح الخالصة، وما يؤدي إلى المحبة والمودّة، (وأن يسلم بعضنا على بعض) أي في الصلاة وما قبله وما بعده، قال القاري (٢): قال بعض علمائنا: هذه سنة تركها الناس. (١٩٣) (بَابُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلاةِ) ١٠٠٢ - (حدثنا أحمد بن عبدة، أنا سفيان) بن عيينة كما في مسلم، (عن عمرو) بن دينار، (عن أبي معبد) وفي رواية مسلم: قال: أخبرني هذا أبو معبد ثم أنكره بعد، وأبو معبد هذا اسمه نافذ، بفاء ومعجمة، مولى ابن عباس، المكي، ثقة، (عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: (كان يعلم) بصيغة المجهول، وفي رواية مسلم: قال: كنا نعرف (انقضاء) أي تمام (صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير) بعد الصلاة.

стр. 2595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال النووي (١): هذا دليل لما قاله بعض السلف (٢) أنه يستحب رفع الصوت بالذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري، ونقل ابن بطال (٣) وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي - رحمه الله تعالى- هذا الحديث على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال: فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا، يريد أن يتعلم منه فيجهر، حتى يعلم أنه قد تعلم منه، ثم يُسِر، وحمل الحديث على هذا، انتهى (٤). وقيل: محمول (٥) على ما كانوا يكبرون في أيام التشريق بمنى وغيره،

стр. 2596

١٠٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لِلذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ وَأَسْمَعُهُ". [خ ٨٤١، م ٥٨٣] === وهذا أوفق بمذهب الحنفية في كراهتهم الذكر بالجهر في ما عدا ما ورد، ولذا لا يوجبون قضاء تكبيرات العيد والتشريق. ١٠٠٣ - (حدثنا يحيى بن موسى البلخي، نا عبد الرزاق، أخبرني ابن جريج، أنا عمرو بن دينار أنَّ أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس أخبره: أن رفع الصوت للذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، وأن ابن عباس قال: كنت أعلم إذا انصرفوا) عن الصلاة (بذلك) متعلق بقوله: أعلم، أي برفع الأصوات بالذكر (وأسمعه) أي الصوت. قال النووي (١): ظاهره أنه لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره. قال مسلم في "صحيحه": قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا، قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك. قال النووي: في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يروى على هذا الوجه مع إنكار المحدث له إذا حدث به عنه ثقة، وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين، قالوا: يحتج به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكيكه فيه أو لنسيانه أو قال: لا أحفظه أو لا أذكر أني حدثتك به ونحو ذلك،

стр. 2597

(١٩٤) بَابُ حَذْفِ السَّلَامِ ١٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِىُّ, حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ, عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ». [ت ٢٩٧، حم ٢/ ٥٣٢، خزيمة ٧٣٤، ك ١/ ٢٣١، ق ٢/ ١٨٠] === وخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى- فقال: لا يحتج [به]. فأما إذا أنكره إنكارًا جازمًا قاطعًا بتكذيب الراوي عنه وأنه لم يحدثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج [به] عند جميعهم, لأن جزم كل واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي أحاديث الراوي, لأنا لم نتحقق كذبه. (١٩٤) (بَابُ حَذْفِ السَّلامِ) (١) ١٠٠٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، حدثني محمد بن يوسف الفريابي) شيخ البخاري، (نا الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن) بن حيوئيل بمهملة مفتوحة ثم تحتانية وزن جبرئيل، المعافري الصبري، يقال: اسمه يحيى، صدوق له مناكير، (عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : حذف السلام سنة)، أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي يستحبه أهل العلم، قال علي بن حجر: قال ابن المبارك: يعني لا تمده مدًّا، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: التكبير جزم والسلام جزم.

стр. 2598

(١٩٥) بَابٌ: إِذَا أَحْدَثَ في صَلاتِهِ (١) ١٠٠٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ, عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ, عَنْ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَاّمٍ, عَنْ عَلِىِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ (٢) فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ». [مضى برقم ٢٠٥] === وقال في "مجمع البحار" (٣): هو تخفيفه وترك الإطالة فيه لحديث: التكبير جزم والسلام جزم، فإنه إذا جزم السلام وقطعه فقد خففه وحذفه، انتهى. قال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث، قال أبو داود: سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث، وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه، هذه العبارة مكتوبة على حاشية النسخة المكتوبة والمجتبائية وليست في غيرهما. (١٩٥) (بَابٌ: إِذَا أَحْدَثَ في صَلاتِهِ) أي: صار ذا حدث ١٠٠٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق قال: قال رسول الله ﷺ : إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد صلاته)، وقد تقدم هذا الحديث بهذا السند والمتن في كتاب الطهارة في "باب فيمن يحدث في الصلاة" فها هنا مكرر، وقد ذكر ما يتعلق بهذا الحديث هناك.

стр. 2599

(١٩٦) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَتَطَوَّعُ في مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ ١٠٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَعَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ لَيْثٍ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عُبَيْدٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ» - قال === (١٩٦) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَتَطَوَّعُ في مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ)، هل له ذلك؟ ١٠٠٦ - (حدثنا مسدد، نا حماد وعبد الوارث، عن ليث) بن أبي سليم، (عن الحجاج بن عبيد) ويقال: ابن أبي عبد الله، ويقال: ابن يسار، روى عن إبراهيم بن إسماعيل، وعنه ليث بن أبي سليم على اختلاف فيه، قال أبو حاتم: إبراهيم مجهول، وقال البخاري: لم يصح إسناده، وقد ذكره البخاري في "الصحيح" في "باب مكث الإِمام في مصلاه"، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإِمام في مكانه، ولم يصح. (عن إبراهيم بن إسماعيل) قال في "تهذيب التهذيب" (١): ويقال: إسماعيل بن إبراهيم السلمي، ويقال: الشيباني، حجازي، قال محمد بن إسحاق: ثنا عباس، ثناء إسماعيل بن إبراهيم، وكان خيارًا، وقال أبو حاتم: مجهول، قلت: لا يبعد أن إسماعيل بن إبراهيم الشيباني الذي روى عنه عباس غير إبراهيم بن إسماعيل الذي روى عن أبي هريرة، فقد فرق بينهما أبو حاتم الرازي وأبو حاتم بن حبان في "الثقات"، وإنما جمع بينهما البخاري في "تاريخه" فتبعه المزي، وحكى البخاري الاختلاف في حديثه على ليث بن أبي سليم عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، وفي بعض طرقه إسماعيل بن إبراهيم على الشك، والخبط فيه من ليث بن أبي سليم. (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أيعجز (٢) أحدكم- قال)

стр. 2600

عن عَبْدِ الْوَارِثِ- "أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ". زَادَ في حَدِيثِ حَمَّادٍ (١): "في الصَّلَاةِ" يَعْنِي فِي السُّبْحَةِ. [جه ١٤٢٧، حم ٢/ ٤٢٥] === أي: مسدد (عن عبد الوارث- أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله، زاد في حديث حماد: في الصلاة، يعني في السبحة). حاصل معنى الحديث أنه ﷺ قال: أيعجز أحدكم إذا أتم الفريضة، وأراد أن يتطوع عن أن يتقدم من المكان الذي صلى فيه الفريضة أو يتأخر عنه أو تحول عن يمينه أو عن شماله في أداء السبحة أي التطوع. ولفظ ابن ماجه: "أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم"، الحديث. ولفظ البيهقي (٢) برواية حماد بن زيد عن الليث: "إذا أراد أحدكم أن يتطوع بعد الفريضة فليتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله". ولفظه برواية المعتمر عن الليث: "أيعجز أحدكم إذا صلى فأراد أن يتطوع أن يتقدم أو يتأخر أو يتحول عن يمينه أو عن يساره"، رواه جرير عن ليث، عن حجاج، عن إسماعيل بن إبراهيم أو إبراهيم بن إسماعيل، قال البخاري ﵀: إسماعيل بن إبراهيم أصح، والليث يضطرب فيه، قال الشيخ: وهو ليث بن أبي سليم يتفرد به، والله أعلم، انتهى. قال الحافظ (٣): وفي الباب عن مغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ: "لا يصلي الإِمام في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتحول" رواه أبو داود وإسناده منقطع، انتهى. قلت: قال البيهقي (٤): قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة

стр. 2601

١٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَابِ بْنُ نَجْدَةَ، نَا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ، === ابن شعبة، قال الشوكاني (١): قال المنذري: فإن عطاء الخراساني وُلد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، قال الخطيب: أجمع العلماء على ذلك، وقيل: وُلد قبل وفاته بسنة، انتهى. وأما مذهب الحنفية في ذلك فقال في "البدائع" (٢): وإن كانت صلاة بعدها سنة يكره له المكث قاعدًا، وكراهة القعود مروية عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، روي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف، فلا يمكث، ولكنه يقوم ويتنحى عن ذلك المكان، ثم يتنفل لما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر". وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أمَّ فيه، ولأن ذلك يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فينبغي أن يتنحى إزالةً للاشتباه أو استكثارًا من شهوده على ما روي أن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة. وأما المأموم فبعض مشايخنا قالوا: لا حرج عليهم في ترك الانتقال لانعدام الاشتباه على الداخل عند معاينة فراغ مكان الإِمام عنه، وروي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا ليزول الاشتباه على الداخل المعاين الكل في الصلاة البعيد عن الإِمام، ولما روينا من حديث أبي هريرة، انتهى ملخصًا. ١٠٠٧ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا أشعث بن شعبة) المصيصي، أبو أحمد، أصله من خراسان، وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في "الثقات"،

стр. 2602

عن الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عن الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى أَبَا رِمْثَةَ، === ولينه أبو زرعة، وقال الأزدي: ضعيف، وفي "التقريب": مقبول، (عن المنهال بن خليفة، عن الأزرق بن قيس) الحارثي، بصري، ثقة (قال: صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي، وفي آخر الحديث كتب بطريق النسخة على حاشية بعض النسخ: قال أبو داود: وقد قيل: أبو أمية مكان أبي رمثة، ففتشت في كتب أسماء الصحابة ترجمة أبي رمثة وأبي أمية فلم أجد في تلك التراجم ذكر هذا السند والمتن، ثم تتبعت فوجدت أن ابن الأثير في "أسد الغابة" والحافظ في "التهذيب" و"الإصابة" (١) ذكر هذا الحديث تحت ترجمة أبي ريمة. فقال الحافظ في "الإصابة" و"التهذيب": أبو ريمة بكسر أوله وسكون التحتانية المثناة بعدها ميم، ذكره ابن حبان في الصحابة ولم يسمه ولم يعرف من حاله بشيء، عداده في البصريين. أخرج ابن منده وأبو نعيم من طريق المنهال بن خليفة عن الأزرق بن قيس قال: صلى بنا إمام لنا يكنى أبا ريمة، فسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خديه، ثم قال: صليت بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وذكر ابن منده أن شعبة رواه عن الأزرق بن قيس عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن رجل من الصحابة ولم يسمه. وذكر المزي في "الأطراف": أن أبا داود أخرجه من هذا الوجه ولم أقف على ذلك في شيء من نسخ "السنن" منها نسخة بخط أبي الفضل بن طاهر، والنسخة المنقولة من خط الخطيب، وقد قابلها عليها جماعة من الحفاظ، وهي في غاية الإتقان. قلت: وقفت على عدة نسخ من "سنن أبي داود"، أحدها بخط الخطيب،

стр. 2603

فَقَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَوْ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ . قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ, وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ, فَصَلَّى نَبِىُّ اللَّهِ (١) ﷺ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ, ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِى رِمْثَةَ - يَعْنِى نَفْسَهُ - فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِى أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ, === وأخرى بخط أبي الفضل بن طاهر، وأخرى من طريق ابن الأعرابي، ومن طريق ابن أبي ذئب، ومن طريق الرملي كلها متفقة في سياقها عن أبي رمثة، هكذا براء ثم ثاء مثلثة، وهكذا أخرج الحاكم هذا الحديث في "المستدرك" فيما وقفت عليه من نسخة، فقال: عن أبي رمثة، وكذلك أورده الطبراني في "المعجم الكبير" في مسند أبي رمثة في حرف الياء، فإنه سماه يثربي كما قيل في أحد أسمائه، ولم أرَ من ضبطه براء ثم ياء مثناة من تحت ثم بميم إلَّا في هذا الكتاب، ثم ذكره ابن منده بهذا الحديث فكناه أبا ريمة فكأن المصنف تبعه، ثم رأيت في "الصحابة" لابن حبان ما هذا نصه: أبو ريمة لم يزد على ذلك، والله تعالى أعلم. (فقال) أي أبو رمثة: (صليت هذه الصلاة) أي التي صليت بكم (أو مثل هذه الصلاة) شك من الراوي (مع النبي ﷺ ، قال) أبو رمثة: (وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه) لأن رسول الله ﷺ قال: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى"، ولأن جهة اليمين أفضل. (وكان رجل) لم يعرف اسمه (قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله ﷺ ثم سلم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل) أي انصرف عن جهة القبلة (كانفتال أبي رمثة يعني) أي يريد (نفسه) بجعله غائبًا (فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع) أي يصلي شفع

стр. 2604

فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ (١) فَهَزَّهُ ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ أَهْلُ الْكِتَاب إِلَّا أَنَّهُمْ (٢) لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ (٣) فَصْلٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَصَرَهُ فَقَالَ: "أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ" (٤). [ق ٢/ ١٩٠، ك ١/ ٢٧٠] (١٩٧) بَابُ السَّهْوِ في السَّجدتَيْنِ === التطوع (فوثب) أي قام بسرعة (إليه عمر فأخذ بمنكبيه فَهَزَّه) أي حرك كل واحد منهما (ثم قال: اجلس) أي عن الصلاة (فإنه لم يهلك أهل الكتاب) لعل المراد بالهلاك الهلاكة الأخروية، فعلى هذا معناه لم يضل (إلَّا أنهم لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصره فقال) رسول الله ﷺ : (أصاب الله بك) أي أراد الله بك الخير والهداية مثل قوله تعالى: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي أراد، أو بلغك الله الصواب (يا ابن الخطاب). (١٩٧) (بَابُ السَّهْوِ (٥) في السَّجْدَتَيْنِ) وفي نسخة: باب في سجود السهو، وفي نسخة: باب في سجدتي السهو، فمعناه على النسخة الأولى باب السهو بعد الركعتين

стр. 2605

١٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ: الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ === ١٠٠٨ - (حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ) قال الشوكاني (١): ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استشهد ببدر، لأنه يقتضي أن القصة وقع قبل بدر وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، لكن اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك. (إحدى صلاتي العشي) قال في "المجمع" (٢): بفتح العين وتشديد ياء، إحدى صلاتي العشي أي الظهر أو العصر لأنه بعد الزوال إلى المغرب، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل لصلاة المغرب والعشاء: العشاءان، ولما بين المغرب والعتمة: عشاء (الظهر أو العصر) الشاك ابن سيرين لا أبو هريرة، كما يدل عليه ما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٣) بسنده عن ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة قال: صلَّى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال: ذكرها أبو هريرة ونسيها محمد فصلَّى ركعتين، الحديث. وعند الطحاوي (٤) بسنده عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العصر، وأكثر ظني أنه ذكر الظهر. والذي عند النسائي (٥). من حديث ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة

стр. 2606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال: صلَّى بنا النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت معنى هذا الكلام، قال محمد بن سيرين: ذكر أبو هريرة إحدى صلاتي العشي على التعيين، ولكني أنا نسيت. واختلفت الروايات (١) ففي بعضها بالشك كما في هذه الرواية, وفي بعضها تعيين العصر كما في رواية داود بن الحصين عند مسلم عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال: سمعت أبا هريرة، وفيها: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، وفي بعضها تعيين الظهر كما في رواية يحيى بن أبي كثير عند مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة، ولفظها: "أن رسول الله ﷺ صلَّى ركعتين من صلاة الظهر ثم سلَّم". قال الحافظ (٢) في وجه الاختلاف: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعد من قال: يحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل روى النسائي من طريق ابن عون عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، ولفظه: "صلَّى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: ولكني نسيتها"، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر [فجزم بها]، وتارةً غلب على ظنه أنها العصر، فجزم (٣) بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضًا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة (٤) واحدة، فيترجح رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة، انتهى.

стр. 2607

قَالَ: فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَمَّ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ في مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ (١) عَلَيْهَا، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الْغَضَبُ، ثُمَّ خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ === قلت: ما قال الحافظ: إن الشك فيما روى النسائي من جهة أبي هريرة، ففيه نظر، فإن لفظ النسائي في النسخة التي عندنا هكذا: "صلَّى بنا النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت" بتكرار لفظ قال وبواو العطف، فعلى هذا معنى هذا الكلام كما تقدم: قال ابن سيرين: قال أبو هريرة، أي في تسمية إحدى صلاتي العشي وتعيينها, ولكني نسيت، فعلى هذا لا يدل هذا الكلام على أن الشاك أبو هريرة بل الشاك ابن سيرين. وأيضًا في قوله: "ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر" نظر، فإنه أخرج البيهقي (٢) من طريق خالد، عن أبي قلابة، ثنا أبو المهلب، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر أو العصر ثلاث ركعات، الحديث بالشك. (قال) أبو هريرة: (فصلَّى بنا ركعتين ثم سلَّم) أي على الركعتين الأوليين وسها عن الركعتين الأخريين (ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد) أي في جهة القبلة، فإنه روى مسلم من طريق ابن عيينة عن أيوب: "ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد"، وكأنه الجذع الذي كان ﷺ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح (فوضع يديه عليها) أي على الخشبة (إحداهما على الأخرى) حال من يديه (يعرف في وجهه الغضب)، لعل وجه الغضب تأثير التردد والشك في فعله، أو كأنه كان غضبان فوقع له الشك لأجل غضبه. (ثم خرج سرعان الناس) بفتح المهملات (٣) ومنهم من سكن الراء،

стр. 2608

وَهُمْ يَقُولُونَ: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، === وحكى عياض أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان كأنه جمع سريع، كقفيز وقفزان وكثيب وكثبان، والمراد بهم أوائل الناس خروجًا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا. (وهم يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة) بضم القاف وكسر المهملة على البناء للمفعول، أي إن الله قصرها، وبفتح ثم ضمٍّ على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة، قال النووي (١): هذا أكثر وأرجح (٢) (وفي الناس أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه) والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه وتعظيمه ﵇ عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. قلت: وجه الهيبة المانعة عن الكلام هو حالته الغضبية المقتضية للهيبة كما في حديث القيامة، ففيه غضب الرب ﵎ منع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن المتقدم بين يديه والكلام. قلت: هذا يدل على أن قصة ذي اليدين كانت حين كان الكلام مباحًا في الصلاة, لأن عمر بن الخطاب ﵁ قد حدثت به تلك الحادثة بعد النبي ﷺ في صلاته وفعل فيها بخلاف ما عمله رسول الله ﷺ يوم ذي اليدين مع أنه كان حاضرًا في القصة. أخرج الطحاوي في "معاني الآثار" (٣) بإسناده عن عطاء قال: صلَّى عمر بن الخطاب بأصحابه، فسلَّم في الركعتين، ثم انصرف، فقيل له [في ذلك]

стр. 2609

فَقَامَ رَجُلٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَمِّيهِ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيْتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ". === فقال: إني جهزت عيرًا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلَّى بهم أربع ركعات، قلت: هذا مرسل جيد، قاله الشيخ النيموي (١) ﵀. (فقام رجل كان رسول الله ﷺ يسميه ذا اليدين)، وفي رواية: وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق، بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف، اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم، ولفظه: "فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، وكان في يديه طول"، قاله الحافظ (٢). (فقال: يا رسول الله (٣) أنسيت (٤) أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر الصلاة) أي في ظني، قال النووي (٥): فيه دليل على جواز النسيان عليه ﷺ في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر القرآن والحديث، واتفقوا على أنه ﷺ لا يقر عليه، بل يُعْلمه الله تعالى به، ثم قال الأكثرون: شرط تنبهه ﷺ على الفور متصلًا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته ﷺ ، واختاره إمام الحرمين.

стр. 2610

قَالَ: بَلْ (١) نَسِيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَأَوْمَؤُوا أَي: نَعَمْ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَقَامِهِ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ === (قال) ذو اليدين: (بل نسيت يا رسول الله) تردد أولًا في النسيان والقصر، ثم لما نفى رسول الله ﷺ النسيان والقصر استدل بذلك على تعيين النسيان، فإنه لما تيقن بنفي القصر تعين النسيان (فأقبل) أي توجه (رسول الله ﷺ على القوم) أي الحاضرين في الصلاة. (فقال) أي لهم: (أصدق ذو اليدين) في قوله بالنسيان في الصلاة؟ (فأومؤوا) وأشاروا (أي: نعم)، ولعلَّ هذا تفسير للإيماء من بعض رواة الحديث، وفي رواية: فقالوا: نعم. وفي أخرى: فقالوا: صدق يا نبي الله، فيحمل هذا الاختلاف على أنهم أومؤوا هو الأصل، وقولهم: "قالوا: نعم"، وقولهم: "صدق ذو اليدين" مجاز يحمل القول على الإشارة، وهذا مجاز سائر، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه، أو يحمل على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم (٢) بالإشارة. (فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه) الذي صلَّى فيه أولًا (فصلَّى الركعتين الباقيتين (٣)، ثم سلَّم) (٤) أي للسجود (ثم كبَّر) أي قال: الله أكبر (وسجد مثل

стр. 2611

سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ. قَالَ: فَقِيْلَ لِمُحَمَّدٍ: سَلَّمَ في السَّهْوِ؟ فَقَالَ: لَمْ أَحْفَظْهُ (١) مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [خ ٧١٤، م ٥٧٣، ت ٣٩٩، ن ١٢٢٤، جه ١٢١٤، حم ٢/ ٣٧] === سجوده) أي في الصلاة (أو أطول) أي منه (ثم رفع) أي رأسه من السجود (وكبَّر، ثم كبَّر) للسجود الثاني (وسجد مثل سجوده) (٢) الأول أو في الصلاة (أو أطول) أي منه (ثم رفع) أي رأسه من السجود (وكبَّر). (قال) أي أيوب: (فقيل لمحمد: سلَّم في السهو؟ ) بتقدير حرف الاستفهام، أي هل ذكر أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سلَّم بعد سجود السهو؟ (فقال) محمد: (لم أحفظه) أي السلام بعد سجود السهو (من أبي هريرة، ولكن نبئت) أي أخبرت (أن عمران بن حصين قال) أي في حديثه: (ثم سلَّم) أي بعد الفراغ من سجدتي السهو. اختلفت النسخ في قوله: "ثم رفع وكبَّر، ثم كبَّر وسجد"، ففي جميع النسخ الموجودة عندنا من المكتوبة بالخط القديمة والمصرية والمجتبائية والكانفورية هكذا: "ثم رفع وكبَّر، ثم كبَّر وسجد"، ولكن في النسخة القادرية ونسخة "عون المعبود" خلاف هذا ففيهما: "ثم رفع وكبَّر وسجد"، ولم يذكر فيهما "ثم كبَّر". ويؤيدهما ما أخرجه البيهقي في "سننه" (٣) عن أبي داود فقال فيه: "وصلَّى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر".

стр. 2612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويؤيدهما أيضًا ما أخرجه الطحاوي (١) من طريق أسد عن حماد بن زيد بهذا السند، فقال فيه: "فصلى بنا الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول". قال الحافظ (٢): وفي الحديث جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، وقال سحنون: إنما يبني من سلَّم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر به على مورد النص، والذين قالوا بجواز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل. واختلفوا في قدر الطول فحده الشافعي في "الأم" بالعرف، وفي "البويطي" بقدر ركعة، وعن أبي هريرة قدر الصلاة التي يقع السهو فيها. وفيه أن الكلام سهوًا لا يقطع الصلاة خلافًا للحنفية. وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة فضعيف, لأنه اعتمد على قول الزهري: إنها كانت قبل بدر، وقد قدمنا أنه إما وهم في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي ﷺ ، فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة كما تقدم وشهدها عمران بن حصين وإسلامه متأخر أيضًا. وروى معاوية بن خديج قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين، انتهى ملخصًا. وأجاب عنه العيني (٣)، قلت: وقع في كتاب النسائي أن ذا اليدين

стр. 2613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والشمالين واحد، كلاهما لقب (١) على الخرباق حيث قال: أخبرنا محمد بن رافع بسنده عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان، عن أبي هريرة قال: "صلَّى النبي ﷺ الظهر أو العصر، فسلَّم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال النبي ﷺ : ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا رسول الله ﷺ "، الحديث، وهذا سند صحيح متصل، صرَّح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين. وروى النسائي أيضًا بسندٍ صحيح صرَّح فيه أيضًا أن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن [أبي] أنس، قال النسائي (٢): أخبرنا عيسى بن حماد بسنده عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ صلَّى يومًا فسلَّم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله ﷺ أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة ولم أنسَ، قال: بلى، والذي بعثك بالحق، قال

стр. 2614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فصلَّى بالناس ركعتين". وهذا أيضًا سند صحيح على شرط مسلم. وأخرج نحوه الطحاوي عن ربيع المؤذن عن شعيب بن الليث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخره. فثبت أن الزهري لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في "الصحيحين" عدم صحته، فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. والعجب من هذا القائل أنه مع اطلاعه على ما رواه النسائي من هذا كيف اعتمد على قول من نسب الزهري إلى الوهم، ولكن أريحية العصبية تحمل الرجل على أكثر من هذا. وقال هذا القائل أيضًا: وقد جوَّز بعض الأئمة أن تكون القصة لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل أحدها وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر وهو قصة ذي اليدين. قلت: هذا يحتاج إلى دليل صحيح، وجعل الواحد اثنين خلاف الأصل، وقد يلقب الرجل بلقبين وأكثر. وقال أيضًا: ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: "بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر" الحديث. قلت: هذا الحديث رواه مسلم من خمس طرق، فلفظه في الطريقين: "صلَّى بنا"، وفي طريق: "صلَّى لنا"، وفي طريق: "أن رسول الله ﷺ صلَّى ركعتين"، وفي طريق: "بينما أنا أصلي"، وفي ثلاث طرق التصريح بلفظ: "ذي اليدين"، وفي الطريقين بلفظ: "رجل من بني سليم"، وفي الطريق الأول: "إحدى صلاتي العشي"، إما الظهر أو العصر بالشك، وفي الثاني: "إحدى صلاتي العشي" من غير ذكر الظهر والعصر بدون اليقين، وفي الثالث: "صلاة العصر" بالجزم، وفي الرابع والخامس: "صلاة الظهر" بالجزم، فهذا كله يدل على اختلاف القضية، وإلا يكون فيه إشكال.

стр. 2615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون الرجل المذكور الذي نص عليه أنه من بني سليم غير ذي اليدين، وأن تكون قضيته غير قضية ذي اليدين، وأن أبا هريرة شاهد هذا حتى أخبر عن ذلك بقوله: "بينا أنا أصلي"، وكون ذي اليدين من بني سليم على قول من يدعي ذلك لا يستلزم أن لا يكون غيره من بني سليم. وحاصل هذا الجواب أن هذه القصة التي وقعت في هذا الحديث هي قصة غير قصة ذي اليدين، شاهد أبو هريرة هذه القصة ووقعت في زمنه عند مشاهدته، والرجل الذي تكلم ليس هو ذا اليدين بل هو غيره، واتفق أنه أيضًا من بني سليم، وليس فيه ذكر التكلم في الصلاة من رسول الله ﷺ ، وأما تكلم الرجل في الصلاة فمفسد لصلاته، ولم يتعرض في الحديث بذكر إعادة صلاته ولا لعدمها، فلا يستدل بهذا الحديث على جواز كلام المصلح والساهي في الصلاة. وأجاب عنه الشيخ العلامة النيموي في "آثار السنن" (١)، قلت: وأما قوله: "بينا أنا أصلي" فليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة صلَّى بنا، أنه كان حاضرًا فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه، وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين: "صلَّى بنا"، وفي طريق: "صلَّى لنا"، وفي طريق: "أن رسول الله ﷺ صلَّى ركعتين"، وفي طريق: "بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ "، تفرد به يحيى بن أبي كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر بينما أنا أصلي؟ قلت: مدار البحث والاستدلال في هذه المسألة موقوف على أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وأنه استشهد ببدر، ولم يدركه أبو هريرة, لأن إسلامه سنة سبع من الهجرة، وقد أتى الشيخ العلامة النيموي في هذه المسألة بكلام مشبع حسن نورده ها هنا ملخصًا، فقال (٢): ثم لا يخفى أن حديث أبي هريرة من

стр. 2616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مراسيل الصحابة, لأن ذا اليدين قتل ببدر، وكان إسلام أبي هريرة بعده عام خيبر سنة سبع من الهجرة، واستدل على ذلك بثلاثة وجوه: أحدها: أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه - نص بأن إسلام أبي هريرة كان بعد ما قتل ذو اليدين، أخرجه الطحاوي في "معاني الآثار" بسنده عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. قلت: رجاله كلهم ثقات إلَّا العمري فاختلف فيه، قواه غير واحد من الأئمة، وضعفه النسائي وابن حبان وغيرهما من المتشددين، وأحسن شيء فيه ما قاله الذهبي في "الميزان": صدوق في حفظه شيء، وهذا لا ينحط حديثه عن درجة الحسن، وقد حسن حديثه غير واحد من أهل العلم، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": قال أبو يعلى: عن رجل عن سعيد المقبري، قال: فإن كان هو العمري فالحديث حسن، وأخرج له مسلم في "صحيحه"، وقال الذهبي في "الميزان": قال الدارمي: قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة، قلت: هذا الأثر أخرجه الطحاوي من طريق العمري عن نافع، فهو حسن جدًا. وثانيها: أن ذا الشمالين هو ذو اليدين كلاهما واحد، واستدل على ذلك بوجوه: منها ما رواه الزهري في حديث أبي هريرة ذا الشمالين مكان ذي اليدي، أخرجه النسائي في "سننه" بوجهين، وكذلك غير واحد من المخرجين. ومنها ما رواه البزار والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس قال: صلَّى رسول الله ﷺ ثلاثًا ثم سلم، فقال له ذو الشمالين: أنقصت الصلاة يا رسول الله؟ قال: كذلك يا ذا اليدين؟ قال: نعم، فركع ركعة، وسجد سجدتين. ومنها ما قال ابن اسعد في "طبقاته": ذو اليدين ويقال: ذو الشمالين، اسمه عمير بن عمرو بن نضلة من خزاعة.

стр. 2617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومنها ما قال ابن حبان في "ثقاته": ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال أيضًا: ذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غُبشان الخزاعي حليف بني زهرة. ومنها ما قال أبو عبد الله محمد بن يحيى العدني في "مسنده": قال: أبو محمد الخزاعي ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين. ومنها ما قال المبرد في "الكامل": ذو اليدين هو ذو الشمالين كان يسمى بهما جميعًا. ومنها أن ذا اليدين يقال له: الخرباق، وهو ابن عمرو بن نضلة، وذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة. قلت: فثبت بهذه الأقوال أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وقد اتفق أهل الحديث والسير أن ذا الشمالين استشهد ببدر. قال ابن إسحاق في "مغازيه": هو خزاعي، يكنى أبا محمد، حليف لبني زهرة، قدم أبوه مكة فحالف عبد الحارث بن زهرة، شهد بدرًا وقتل بها، قتله أسامة الجشمي، وقيل: إنه قتل يوم أحد، والأول أصح وأكثر. وقال ابن هشام في "سيرته": واستشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ من قريش إلى أن قال: وذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة حليف له من خزاعة. وقال البيهقي في "المعرفة": وذو الشمالين هو ابن عبد عمرو بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، استشهد يوم بدر، وهكذا ذكره عروة بن الزبير وسائر أهل العلم بالمغازي. وثالثها: أن الزهري - وهو أحد أركان الحديث وأعلم الناس بالمغازي- قد نص على أن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر، قال ابن حبان في "صحيحه" في

стр. 2618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === النوع السابع عشر من القسم الخامس بعد ما أخرج حديث أبي هريرة من قصة ذي اليدين: قال الزهري: كان هذا قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد. قلت: وقد وافقه على ذلك ابن وهب على ما حكاه عنه العلامة ابن التركماني في "الجوهر النقي"، حيث قال: ذكر عن ابن وهب أنه قال: إنما كان حديث ذي اليدين في بدء الإِسلام. قلت: فثبت بهذه الوجوه أن ذا اليدين هو ذو الشمالين الذي استشهد ببدر، وأن أبا هريرة لم يكن حاضرًا في قصة السهو. واعترضوا عليه بوجوه: قال أبو عوانة في "صحيحه": قال بعض الناس: ذو اليدين وذو الشمالين واحد، ويحتجون بحديث رواه الزهري، ويطعنون في هذا الحديث بأن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وأن أبا هريرة لم يدركه، وليس كما يقولون، وذلك أن ذا اليدين ليس هو ذا الشمالين, لأن ذا اليدين رجل سماه بعضهم الخرباق، عاش بعد النبي ﷺ ، ومات بذي خشب على عهد عمر، وذو الشمالين هو ابن عمرو حليف لبني زهرة، وقد صحَّ في هذه الأحاديث أنه صلَّى مع النبي ﷺ تلك الصلاة، انتهى. وقال ابن منده: ذو اليدين رجل من وادي القرى يقال له: الخرباق، أسلم في آخر زمن النبي ﷺ ، والسهو كان بعد أحد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من زمن رسول الله ﷺ أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة قتل يوم بدر قبل سهو النبي ﷺ بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية، قال: ووهم فيه الزهري فجعل مكان ذي اليدين ذا الشمالين. وقال البيهقي في "المعرفة" ما ملخصه: أن الزهري وهم في قوله: ذي الشمالين، وإنما هو ذو اليدين، وذو الشمالين تقدم موته فيمن قتل ببدر، وذو اليدين بقي بعد النبي ﷺ فيما يقال.

стр. 2619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١): لم يتابع الزهري على قوله: إن المتكلم ذو الشمالين, لأنه قتل يوم بدر فيما ذكره ابن إسحاق وغيره. وقال ابن الأثير الجزري في "أسد الغابة" (٢): ذو اليدين واسمه الخرباق من بني سليم، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين، ذو الشمالين خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وقد ذكرناه، وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين. وقال السهيلي في "الروض الأنف" (٣): روى الزهري حديث التسليم من الركعتين، وقال فيه: فقام ذو الشمالين رجل من بني زهرة، وهو غلط عند أهل الحديث، وإنما هو ذو اليدين السلمي، واسمه الخرباق، وذو الشمالين قتل ببدر، والحديث شهده أبو هريرة وكان إسلامه بعد بدر بسنين، ومات ذو اليدين السلمي في خلافة معاوية، وروى هذا الحديث عنه ابنه مطير بن الخرباق، ورواه عنه ابنه شعيب بن مطير، ولما رأى المبرد حديث الزهري قال: ذو اليدين هو ذو الشمالين كان يسمى بهما جميعًا، ذكره في آخر كتابه "الكامل"، وجهل ما قاله أهل الحديث. وقال الحافظ في "فتح الباري" (٤): اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك إلى أن قال: وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث، ثم قال بعد ورقتين: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، انتهى.

стр. 2620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قلت: حاصل كلامهم أن الزهري وهم في جعله ذا الشمالين مكان ذي اليدين، والذي قتل ببدر هو ذو الشمالين غير ذي اليدين، واستدلوا على ذلك بوجوه. أحدها: أن ذا اليدين اسمه الخرباق اعتمادًا على ما في مسلم من حديث عمران: فقام رجل يقال له الخرباق وكان في يديه طول، وأما ذو الشمالين فاسمه عمير. وثانيها: أن ذا اليدين سلمي اعتمادًا على ما رواه مسلم في رواية: "فأتاه رجل من بني سليم"، ويؤيده ما أخرجه السيوطي في "جمع الجوامع" ثم علي المتقي في "كنز العمال" عن عبد بن عمير في قصة السهو: "فأدركه ذو اليدين أخو بني سليم". وثالثها: أن ذا اليدين بقي بعد النبي ﷺ ، رواه عنه المتأخرون من التابعين. واستدلوا على ذلك بخبرين: أحدهما: ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" والطبراني في "الكبير" وآخرون في تصانيفهم من طريق معدي بن سليمان قال: ثنا شعيب بن مطير عن أبيه مطير، ومطير حاضر يصدق مقالته قال: كيف كنت أخبرتك قال: يا أبتاه أخبرتني أنك لقيك ذو اليدين بذي خشب، فأخبرك أن رسول الله ﷺ صلَّى بهم إحدى صلاتي العشي وهي العصر، الحديث. وثانيهما: ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمرو بن مهاجر أن محمد بن سويد أفطر قبل الناس بيوم فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال: شهد عندي فلان أنه رأى الهلال، فقال عمر: أَوَ ذو اليدين هو؟ ورابعها: أن حديث الخرباق أخرجه مسلم وغيره عن عمران بن حصين وهو متأخر الإِسلام، أسلم عام خيبر.

стр. 2621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وخامسها: أن أبا هريرة حضر القصة يدل عليه قوله: صلَّى بنا رسول الله ﷺ . قلت: يا للعجب كيف ينسبون الوهم إلى الزهري ويزعمون أنه متفرد بذكر ذي الشمالين، وقد مرَّ ما يوافقه على جعله ذا الشمالين مكان ذي اليدين من حديث ابن عباس عند البزار والطبراني، ومن أقوال غير واحد من أهل العلم، وقد تابعه في ذلك عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند النسائي والطحاوي بإسناد قوي، قال العلامة ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١): هذا سند صحيح على شرط مسلم، وقال الطحاوي في "معاني الآثار" (٢): حدثنا ربيع المؤذن بسنده عن أبي هريرة فذكر نحوه وهذا أيضًا سند صحيح. وأما ما علَّله بعض الجهلة بأن يزيد بن أبي حبيب كان يرسل، فمردود بأن حكم من يرسل ليس كحكم المدلس حتى لا يحتج بعنعنته، وقد احتج الشيخان بعنعنة يزيد بن أبي حبيب في "صحيحيهما". قلت: فبطل بذلك قول الذين زعموا أن ذا الشمالين لم يذكره أحد في هذه الرواية إلَّا الزهري. وأما ما استدلوا به على وهمه من الوجوه المتقدمة فنستوفي عليه الكلام بفضل الله الملك العزيز العلَّام. أما الأول: فيجاب عنه: بأن الذي تكلم في السهو يقال له الخرباق وعمير وذو اليدين وذو الشمالين جميعًا، وقيل: عبد الله أيضًا. قال العلَّامة ابن الأثير في "جامع الأصول" (٣): الخرباق السلمي: اسمه

стр. 2622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عمير بن عبد عمرو، يكنى أبا محمد، ويقال له: ذو اليدين وذو الشمالين، والخرباق لقب، وقيل: هما اثنان. وقال الشيخ محمد طاهر في كتابه "المغني" (١): الخرباق بكسر خاء وسكون راء وبموحدة وبقاف، اسمه عمير بن عبد عمرو، ويقال له: ذو اليدين وذو الشمالين، وقيل: هما اثنان. وقال السمعاني في "أنسابه" (٢): ذو الشمالين هذا لقب عبد الله بن عمرو بن نضلة الخزاعي المكي، له صحبة من النبي ﷺ ، وقيل له: ذو الشمالين, لأنه كان يعمل بيديه، روى قصته أبو هريرة، وروى عنه مطير أيضًا، انتهى. قلت: ويؤيده ما رواه الدارمي في رواية" ولفظه: فقال له ذو الشمالين، لأنه كان يعمل بيديه، روى قصته أبو هريرة، وروى عنه مطير أيضًا، انتهى. قلت: ويؤيده ما رواه الدارمي في رواية, ولفظه: فقال له ذو الشمالين عبد الله بن عمرو بن نضلة الخزاعي، وهو حليف بني زهرة. وأما الثاني: فيجاب عنه: بأن ذا اليدين أيضًا من خزاعة كما نص على ذلك ابن سعد في "طبقاته" وابن حبان في "ثقاته" وقد مرَّت عباراتهما، وقد يدل على ذلك ما قاله أبو محمد الخزاعي من أن ذا اليدين أحد أجدادنا، وأما ذو الشمالين فقد ثبت أن اسم أحد أجداده كان سليمًا. قال ابن هشام في "سيرته" في باب من حضر ببدر: قال ابن إسحاق: وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، انتهى، فما ورد في قصة

стр. 2623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === السهو رجل من بني سليم أراد بذلك سليم بن ملكان، وهو من خزاعة لا سليم بن منصور الذي ليس بخزاعي فاحفظه، فإن هذا الجواب لا تجده في غير هذا الكتاب. وأما الثالث: فيجاب عنه: بأن ما رواه عبد الله بن أحمد وغيره من حديث ذي اليدين عن معدي بن سليمان عن شعيب بن مطير عن مطير، فهذه سلسلة الضعفاء، أما معدي بن سليمان فقال الذهبي في "ميزانه": قال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به، وقال الحافظ في "التقريب": ضعيف، وأما شعيب بن مطير فلا يعرف، وأما مطير فقال الذهبي في "ميزانه": قال البخاري: لم يصح حديثه، وقال الحافظ في "التقريب": مجهول الحال. قلت: فثبت أن إسناده في غاية الضعف فلا يصلح أن يستدل به على شيء مما يعارض بما هو أقوى من حيث الدليل، ولضعف هذا السند قال البيهقي في "المعرفة": ذو اليدين بقي بعد النبي ﷺ فيما يقال، وأما ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة من حديث محمد بن سويد فلا دخل له في الباب, لأن عمر بن عبد العزيز شبه الرجل الذي رأى الهلال بذي اليدين فيما أخبره مما يتعجب منه، والعجب أنهم يزعمون أن ذا اليدين عاش بعد النبي ﷺ زمانًا، ومع ذلك لم يرو عنه غير مطير الذي هو مجهول مع أن قصته من أعجب الأمور. وأما الرابع: فيجاب عنه: بأن عمران لم يرو عنه شيء مما يدل على حضوره يوم ذي اليدين، وقد أخرجه النسائي وغيره عن عمران بلفظ: صلَّى بهم، وظاهر هذا القول أنه لم يحضر تلك الصلاة، فيحمل حديثه على الإرسال. وأما الخامس: وهو من أقوى الأدلة لمن ذهب إلى وهم الزهري فيجاب عنه: بأن الطحاوي حمل قوله: "صلَّى بنا" على المجاز، وقال: إنما قول

стр. 2624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أبي هريرة (١) عندنا صلَّى بنا رسول الله ﷺ يعني بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، ثم استشهد عليه بقول النزال: قال لنا رسول الله ﷺ ، وهو لم يدركه، وبقول طاوس: قدم علينا معاذ بن جبل، وهو لم يحضره، وبقول الحسن: خطبنا عتبة بن غزوان، وهو لم يشهده، إنما يريدون بذلك قومهم وأهل بلدتهم، فكذلك قول أبي هريرة في حديث ذي اليدين: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ، يريد به صلَّى بالمسلمين. واعترض عليه البيهقي في "المعرفة" بأن هذا ترك الظاهر على أنه رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، فلم يجز في هذا القول معناه صلَّى بالمسلمين، انتهى ملخصًا. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢): ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة بلفظ: "بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ". قلت: لم يترك الظاهر إلَّا بالقرينة الصارفة القوية، وقد أسلفناها، وقد ارتكبها البيهقي أيضًا في "السنن الكبرى" في باب البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة فيما رواه عن مجاهد قال: جاءنا أبو ذر إلى آخره، ثم قال مجاهد: لا يثبت له سماع عن أبي ذر، وقوله: جاءنا، يعني جاء بلدنا. قلت: وأما قوله: بينما أنا أصلي، فليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة: صلَّى بنا، أنه كان حاضرًا، فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه، وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين: "صلَّى بنا"، وفي طريق: "صلَّى لنا"، وفي طريق: "أن رسول الله ﷺ

стр. 2625

١٠٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ- وَحَدِيثُ حَمَّادٍ أَتَمُّ- قَالَ: صَلَّى (١) رَسُوِلُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ "بِنَا" وَلَمْ يَقُلْ "فَأَوْمَؤوا". قَالَ: - فَقَالَ النَّاسُ: نعَمْ. قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ- وَلَمْ يَقُلْ: وَكَبَّرَ- ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثمَّ رَفَعَ، وَتَمَّ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا بَعْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "فَأَوْمَؤوا" إِلَّا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. [خ ١٢٢٨] === صلَّى ركعتين"، وفي طريق: "بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ "، تفرد به يحيى بن أبي كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر: بينما أنا أصلي؟ . فخلاصة الكلام: أن ما زعموه من أن إسلام أبي هريرة كان في قصة ذي اليدين فسخيف جدًا، ويكفيك ما روي في الباب عن ابن عمر وابن عباس والزهري وغيرهم من أهل العلم، وقد أطنبنا الكلام في هذا المقام لأنه من مزال الأقدام. ١٠٠٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أيوب) السختياني، (عن محمد) بن سيرين (بإسناده) أي بإسناد محمد (وحديث حماد) أي المتقدم (أتم) من حديث مالك عن أيوب (قال) أي مالك عن أيوب: (صلى رسول الله ﷺ ، لم يقل) أي مالك: (بنا, ولم يقل) أي مالك: (فأومؤوا. قال: فقال الناس: نعم) أي قال مالك في حديثه في موضع قوله: فأومؤوا: فقال الناس: نعم. (قال) أي مالك: (ثم رفع، ولم يقل: وكبر) حاصله أن مالكًا لم يذكر التكبير مع رفع الرأس عن السجود الأول للسهو (ثم كبر وسجد مثل سجوده) أي الأول أو في الصلاة مطلقًا (أو أطول ثم رفع) ولم يذكر ههنا أيضًا وكبر (وتم حديثه ولم يذكر ما بعده) أي ما بعد ثم رفع، وذكره حماد وهو قوله: فقيل لمحمد إلى آخر الحديث (ولم يذكر فأومؤوا إلَّا حماد بن زيد) حاصله أن كل

стр. 2626

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَقُلْ "فَكَبَّرَ" وَلَا ذَكَرَ "رَجَعَ". === من روى هذا الحديث لم يذكر أحد منهم الإيماء بل ذكر كلهم لفظ نعم، أو غير ذلك من الألفاظ، إلَّا حماد بن زيد فإنه ذكر الإيماء. (قال أبو داود: وكل من روى هذا الحديث لم يقل: فكبر، ولا ذكر رجع)، هذه العبارة من قوله: قال أبو داود: إلى قوله: "رجع" ليست بموجودة في النسخة المصرية، ولا في الهندية الكانفورية، ولكن مكتوبة في حاشية النسخة القلمية القديمة، ونقل عنها في النسخ الدهلوية، والأولى حذفها، ومعناها على صورة وجودها أن أبا داود يقول: كل من روى هذا الحديث من الرواة، لم يقل: "فكبر" ولا ذكر "رجع"، إلَّا حماد بن زيد عن أيوب، فإنه ذكر ثم رفع أي رأسه من السجود الأول، وكبر ثم كبر. وهذا على النسخ الموجودة عندنا غير نسخة "عون المعبود"، وأما على نسخته فليس هذا في حديث حماد بن زيد أيضًا بل فيها: ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر. قلت: اختلف المحدثون في رواية مالك فروى مالك في "موطئه" (١): عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلي ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع" فلم يذكر مالك بعد قوله: ثم رفع الأول لفظ وكبر، كما ذكره حماد بن زيد في حديثه عن أيوب.

стр. 2627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وما قال صاحب "العون" (١): لم يقل أحد منهم فكبَّر، أي زيادة لفظ فكَبَّر قبل قوله: ثم كبر فسجد غير حماد بن زيد عن هشام بن حسان، فإن حماد بن زيد عن هشام قال: فكبر ثم كبر فسجد، فليس في محله، فإن ههنا إشارة إلى الاختلاف الواقع بين حديث مالك عن أيوب، وبين حديث حماد بن زيد عن أيوب، كما يدل عليه العبارة المتقدمة. وأما الاختلاف الواقع بين حديث حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن محمد، وبين حديث حماد بن زيد، عن أيوب ويحيى بن عتيق وابن عون عن محمد، وحديث حبيب بن شهيد وحميد ويونس وعاصم الأحول عن محمد، وحديث حماد بن سلمة وأبي بكر بن عياش عن هشام، فهو اختلاف آخر، وسيأتيك شرحه في محله، والله تعالى أعلم. وأخرج البخاري (٢) عن مالك بهذا السند: "أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ وقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع"، ولم يذكر في رواية البخاري التكبير مع رفع الرأس من السجود الأول، وكذا السجدة الثانية وتكبيرتيها. وأما مسلم فلم يخرج حديث مالك بهذا السند، ولكن أخرج (٣) حديث مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيام مولى ابن أبي أحمد أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم في ركعتين، الحديث، فزاد مسلم في حديثه لفظ "لنا"، وليس هذا اللفظ في "الموطأ" برواية يحيى، وليس فيه ذكر التكبيرات مع السجدتين.

стр. 2628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأيضًا أخرج مسلم من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، إما الظهر وإما العصر، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه، وخرج سرعان الناس. قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا، فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلَّا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع"، قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم، وفي هذا الحديث ذكر التكبيرات الأربع مع السجدتين، ففي قول أبي داود هذا قوله: "ولا ذكر رجع" مسلم، فإني لم أجد لفظ "رجع" في حديث أحد منهم إلَّا ما ذكر حماد بن زيد عن أيوب كما تقدم. وأما قوله: "لم يقل: فكبر" غير مسلم، فإنه أخرج مسلم من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب، ففيه: فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع، الحديث. وكذلك وقع عند النسائي (١) من حديث يزيد بن زريغ قال: حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وفيه: فجاء فصلى الذي تركه، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم كبر. وكذلك وقع عند البخاري (٢) من حديث يزيد بن إبراهيم برواية حفص بن عمر عن محمد، عن أبي هريرة، وفيه: ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر.

стр. 2629

١٠١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ-، نَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ عَلْقَمَةَ -، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمَعْنَى (١) حَمَّادٍ كُلِّهُ إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ: نُبَئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالتَّشَهُّدُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ في التَّشْهُّدِ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَتَشَهَّدَ، === ١٠١٠ - (حدثنا مسدد، نا بشر -يعني ابن المفضل-، نا سلمة، يعني ابن علقمة) التميمي، أبو بشر البصري، قال أحمد: بخ ثقة، وقال ابن المديني: ثبت، ووثقه ابن سعد وابن معين وأبو حاتم والعجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بمعنى) أي حدث بمعنى حديث (حماد كله إلى آخر قوله: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) وفي هذا الحديث زيادة على حديث حماد وهي قوله: (قال) أي سلمة: (قلت) لمحمد بن سيرين: (فالتشهد) هل هو مذكور في الحديث أم لا؟ (قال) ابن سيرين: (لم أسمع في التشهد) أي في حديث أبي هريرة (وأحب إليَّ (٢) أن يتشهد). قال الزرقاني في شرح "الموطأ" (٣): قال: قلت لمحمد يعني ابن سيرين: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، ومفهومه أنه ورد في حديث غيره، وقد روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة،

стр. 2630

وَلَمْ يَذْكُرْ: "كَانَ يُسَمِّيهِ ذَا الْيَدَيْنِ"، وَلَا ذَكَرَ: "فَأَوْمَؤُوا"، وَلَا ذَكَرَ: "الْغَضَبَ" وَحَدِيثُ حَمَّادٍ (١) أَتَمُّ. [خزيمة ١٠٣٥، وانظر تخريج الحديث السابق ١٠٠٨] ١٠١١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عليٍّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ وَهِشَام وَيَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ وَابْنِ عَوْنٍ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ كَبَّرَ === عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم"، صححه الحاكم على شرطهما، وقال الترمذي: حسن غريب، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا رواية أشعث لمخالفة غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عنه في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد لا ذكر للتشهد فيه كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذة، لكن قد جاء التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف، إلا أنه باجتماع الأحاديث الثلاثة ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود من قوله، انتهى. (ولم يذكر) أي سلمة بن علقمة: (كان يسميه ذا اليدين، ولا ذكر فأومؤوا, ولا ذكر الغضب) كما ذكر هذه الحروف حماد بن زيد (وحديث (٢) حماد) عن أيوب المتقدم (أتم) من هذا الحديث. ١٠١١ - (حدثنا علي بن نصر، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام) بن حسان (ويحيى بن عتيق وابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قصة ذي اليدين أنه كبر
следующие страницы →