← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ (١) , فَقَالَ عُمَارَةُ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ. قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ حُصَيْنٌ: حَدَّثَنِى عُمَارَةُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِى السَّبَّابَةَ الَّتِى تَلِى الإِبْهَامَ -". [م ٨٧٤، ن ١٤١٢، ت ٥١٥، حم ٤/ ١٣٥، خزيمة ١٧٩٣، ق ٣/ ٢١٠] ١١٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا بِشْرٌ (٢) بْنَ الْمُفَضَّلِ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ -, === أو واحدًا بعد واحد في الخطبة (في يوم جمعة، فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين) اللتين يشير بهما بشر عند الخطبة، ودعا بالتقبيح, لأن هذه الإشارة كانت على خلاف السنَّة، وما خالف السنَّة فهو مردود مقبوح. (قال زائدة: قال حصين: حدثني عمارة قال) أي عمارة: (لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر) جملة حالية أي يخطب (ما يزيد) أي رسول الله ﷺ (على هذه يعني السبابة) أي الأصبع (التي تلي الإبهام) أي تتصل الإبهام، حاصله أن رسول الله ﷺ إذا كان يخطب على المنبر ما يشير إلَّا بالأصبع السبابة، وما يشير بيديه، فالإشارة باليدين خلاف السنَّة فهو مكروه. ١١٠٥ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا عبد الرحمن يعني ابن إسحاق) بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري القرشي مولاهم، ويقال: الثقفي، ويقال له: عباد بن إسحاق نزل البصرة، قال القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه، وكذا قال علي بن المديني. وقال علي: سمعت سفيان سئل عنه، فقال: كان قدريًا، فنفاه أهل المدينة، وقال يزيد بن زريع: ما جاءنا أحفظ منه، ويقول أحمد: هو رجل صالح، أو مقبول صالح الحديث، وقال مرة: ليس به بأس، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان إسماعيل

стр. 2837

عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عن (١) ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، === يرضاه، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض، وحكى الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه وثقه. (عن عبد الرحمن بن معاوية) بن الحويرث الأنصاري الزرقي، أبو الحويرث المدني، روى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وشهد جنازة جابر بن عبد الله، قال بشر بن عمر عن مالك: ليس بثقة، وقال عبد الله بن أحمد: أنكر أبي ذلك من قول مالك، وقال الدوري عن ابن معين: ليس يحتج بحديثه، وقال الآجري عن أبي داود: قال مالك: قدم علينا سفيان فكتب عن قوم يذمون بالتخنيث، يعني أبا الحويرث منهم، قال أبو داود: وكان يخضب رجليه، وكان من مرجئ أهل المدينة، قال النسائي: ليس بذاك، ونقل ابن عدي في ترجمته عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا عن يحيى القطان، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال العقيلي: وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن ابن أبي ذباب) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن أبي ذباب بضم المعجمة وموحدتين، الدوسي المدني، ويقال: عبيد الله، ويقال: إنهما اثنان، روى عن أبيه وأبي هريرة وسهل بن سعد، وعنه مجاهد بن جبر ومالك وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، ذكره ابن حبان في "الثقات" وغلط فيه صاحب "العون" (٢)، فقال: اسمه الحارث بن عبد الرحمن، والآفة في ذلك من التقليد، فإنه رأى مكتوبًا في حاشية النسخة الدهلوية أن اسمه حارث بن عبد الرحمن، فنقله كما هو، ولم يدر أن الحارث ليس من رواة أبي داود في "السنن"، ولم يذكره أحمد فيمن روى عن سهل بن سعد، وكذلك لم يذكره فيمن روى عنه عبد الرحمن بن معاوية، بل هو من الطبقة الخامسة.

стр. 2838

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاهِرًا يَدَيْهِ قَطُّ يَدْعُو عَلَى مِنْبَرِهِ, وَلَا عَلَى غَيْرِهِ, وَلَكِنْ رَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا, وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الْوُسْطَى بِالإِبْهَامِ". [حم ٥/ ٣٣٧، خزيمة ١٤٥٠، ق ٣/ ٢١٠] (٢٣٣) بَابُ إِقْصَارِ الْخُطَبِ ١١٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ, حَدَّثَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ أَبِى رَاشِدٍ, === (عن سهل بن سعد) الساعدي الخزرجي (قال: ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا) أي مبرزًا رافعًا (يديه قط يدعو) أي يشير حال كونه (على منبره، ولا على غيره) أي غير المنبر (ولكن رأيته) أي رسول الله ﷺ (يقول) أي يشير (هكذا، وأشار) سهل (بالسبابة) أي يرفعها (وعقد الوسطى بالإبهام). (٢٣٣) (بَابُ إِقْصَارِ الْخُطَبِ) ١١٠٦ - (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي) عبد الله بن نمير، (نا العلاء بن صالح) التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي، وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح، وهو وهم، قلت: لعل هذا في غير هذه الرواية , فإن في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا في هذا المحل لفظ: "العلاء"، وثقه ابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان وابن نمير والعجلي، قال البخاري: لا يتابع، وقال ابن خزيمة: شيخ. (عن عدي بن ثابت، عن أبي راشد) قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): أبو راشد عن عمار بن ياسر في الأمر بإقصار الخطب، وعنه عدي بن ثابت، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب" (٢): مقبول،

стр. 2839

عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِقْصَارِ الْخُطَبِ". [حم ٤/ ٣٢٠، ك ١/ ٢٨٩، ق ٣/ ٢٠٨] ١١٠٧ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, أَخْبَرَنِى شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ, === وقال الذهبي في "الميزان" (١): أبو راشد عن عمار لا يعرف، (عن عمار بن ياسر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب) (٢) أي اختصارها وترك التطويل فيها، وعند مسلم (٣) عن عمار بن ياسر: أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا بالخطبة. قال الشوكاني (٤): وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل, لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة، وفيه مشروعية إقصار الخطبة، ولا خلاف في ذلك، واختلف في أقل ما يجزئ على أقوال مبسوطة في كتب الفقه، انتهى. قلت: والمراد بالتطويل: التطويل الذي لا يثقل على القوم، فلا يخالف ما أمر به رسول الله ﷺ من التخفيف: "إذا صلَّى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، إذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء"، متفق عليه (٥). ١١٠٧ - (حدثنا محمود بن خالد، نا الوليد) بن مسلم، (أخبرني شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (أبو معاوية) البصري نزل الكوفة، (عن سماك بن حرب،

стр. 2840

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِىِّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ, إِنَّمَا هُنَّ (١) كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ". [ق ٣/ ٢٠٨، ك ١/ ٢٨٩] (٢٣٤) بَابُ الدُّنُوِّ مِنَ الإِمَامِ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ (٢) ١١٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ === عن جابر بن سمرة السوائي) بضم السين المهملة، نسبة إلى سواء بن عامر بن صعصعة (قال: كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن) الضمير للموعظة والجمعية باعتبار الخبر، أي الكلمات (كلمات يسيرات) أي: قليلات. (٢٣٤) (بَابُ الذُّنُوِّ) أي القرب (مِنَ الإمامِ عِنْدَ المَوْعِظَةِ) أي الخطبة ١١٠٨ - (حدثنا علي بن عبد الله) بن جعفر بن نجيح، بنون مفتوحة وجيم مكسورة وحاء مهملة، السعدي مولاهم، أبو الحسن ابن المديني البصري، ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلَّا عنده، وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني، وقال النسائي: كأن الله خلقه للحديث، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصَّل وتاب واعتذر بأنه خاف على نفسه. (نا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، قال عباس بن عبد العظيم عن علي بن المديني: سمعت معاذ بن هشام يقول: سمع أبي من قتادة عشرة آلاف حديث، قال: ثم أخرج إلينا من الكتب عن أبيه نحوًا مما قال، فقال: هذا سمعته، وهذا لم أسمعه، فجعل يميزها.

стр. 2841

قَالَ: وَجَدْتُ في كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ: === (قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعه منه) أي هذا الحديث المكتوب، قال البيهقي في "سننه": كذا رواه أبو داود عن علي بن المديني، وهو الصحيح، وقد أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر (١) بن محمد بن حمدان الصيرفي [بمرو]، أنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، [ثنا علي بن المديني]، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، فذكره، قال البيهقي: ولا أظنه إلَّا واهمًا في ذكر سماع معاذ عن أبيه، هو أو شيخه، فأما إسماعيل القاضي فهو أجل من ذلك. وهذا الطريق من أنواع التحمل، يقال له في اصطلاح المحدثين: وجادة، وهو أن يقف على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمعه ولكن لا يرويها أي تلك الأحاديث الخاصة الواجد عنه بسماع ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان، وأما العمل بالوجادة، فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره. قال ابن الصلاح (٢): فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسَدَّ باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها، [قال البلقيني]: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث: أي الخلق أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم، يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها، قال البلقيني: وهذا استنباط حسن، والحديث رواه الحسن بن عرفة في "جزئه"

стр. 2842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة أوردتها في "الأمالي"، كذا في "التدريب" (١) ملخصًا. وقال الحافظ في "شرح النخبة" (٢): وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، وهي أن يجد بخط يعرف كاتبه، فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك؛ إلَّا إن كان له منه إذن بالرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغلطوا. وفي "فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت" (٣): والكتاب كالخطاب، والرسالة كالقراءة شرعًا وعرفًا، فإذا كتب الشيخ حديثًا، وأرسل به، أو أرسل رسولًا ليقرأه على المرسل إليه، وأجاز الرواية عن نفسه كفى، كما إذا أخبر مشافهة، والتعليق أي تعليق قبول الكتاب على البينة ليشهدوا عند المكتوب إليه أنه كتاب فلان الشيخ تضييق في باب السنَّة من الإِمام أبي حنيفة لكمال عنايته بأمرها وعظم احتياطه بها، ألا ترى إلى أمير المؤمنين علي كيف يُحَلِّف الراوي، والصحيح كفاية ظن الخط في الكتاب، والصدق في الرسالة، فإذا ظن المكتوب إليه أنه خط فلان الشيخ، أو ظن المرسل إليه صدق الرسول في رسالته كفى, لأن الاتباع بالظن واجب، بخلاف كتاب القاضي إلى القاضي، فإن التلبيس في المعاملات أكثر مما في السنن، فلا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي من غير بينةٍ. ثم قال: والوجادة هو أن يجد الطالب كتابًا بخط الشيخ كالوصية بالرواية للطالب، والإعلام هو أن يعلم الشيخ بأن ما في هذا الكتاب من مروياتي عن فلان، ولم يناوله ولم يجز به؛ لا يخلو عن صحة، والعزيمة في الثاني دوام

стр. 2843

قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «احْضُرُوا الذِّكْرَ (١) , وَادْنُوا مِنَ الإِمَامِ, فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِى الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا». [حم ٥/ ١١، ق ٣/ ٢٣٨، ك ١/ ٢٨٩] === الحفظ إلى وقت الأداء عن ظهر القلب، والرخصة تذكره بعد النظر إلى الكتاب ما فيه، وإن لم يتذكر ما فيه، وقد علم أنه خطه أو خط الثقة غيره، وهو أي الكتاب في يده أو يد أمين حرمت الرواية والعمل عند أبي حنيفة، وصح عند الأكثر من أهل الأصول، وهو المختار. انتهى. (قال قتادة: عن يحيى بن مالك) هو أبو أيوب المراغي، والمراغ بفتح الميم، وقيل بكسرها، والمشهور الفتح، حي من الأزد، العتكي البصري، ويقال: اسمه حبيب بن مالك، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقة مأمونًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، "المقدسي" (٢): سمع عن جويرية بنت الحارث عند البخاري، وعبد الله بن عمرو وأبا هريرة عند مسلم، وعنه قتادة عندهما. (عن سمرة بن جندب أن نبي لله ﷺ قال: احضروا الذكر) أي الخطبة المشتملة على ذكر الله تعالى وتذكير الأنام (وادنو من الإِمام) أي اقربوا منه، وهذا إشارة إلى التعجيل في الرواح إلى الجمعة (فإن الرجل لا يزال يتباعد) أي يتأخر في الحضور إلى الجمعة، فيتباعد من الإِمام (حتى يؤخر) على صيغة المجهول (في الجنة) أي في دخولها أو في درجاتها (وإن دخلها). قال القاري (٣): قال الطيبي: أي لا يزال الرجل يتباعد عن استماع الخطبة، وعن الصف الأول الذي هو مقام المقربين حتى يؤخر إلى آخر صف

стр. 2844

(٢٣٥) بَابُ الإِمَامِ يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِلأَمْرِ (١) يَحْدُثُ ١١٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَنَّ زَيْدَ بْنَ حُبَابٍ حَدَّثَهُمْ, حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ, === المتسفلين، وفيه توهين أمر المتأخرين، وتسفيه رأيهم حيث وضعوا أنفسهم من أعالي الأمور إلى سفسافها، وفي قوله: "وإن دخلها" تعريض بأن الداخل قنع من الجنة ومن الدرجات العالية والمقامات الرفيعة بمجرد الدخول. قال المنذري: في إسناده انقطاع، وسبب الانقطاع هو الوجادة، وأما احتمال أن يكون هشام كتب في كتابه "قال قتادة" محمولًا على أن يكون بين هشام وقتادة واسطة، فمدفوع بما في رواية الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) من قوله: حدثنا قتادة، وسنده هكذا: حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعه منه، ثنا قتادة، الحديث. (٢٣٥) (بَابُ الإمَامِ يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ للأمْرِ يَحْدُثُ) ١١٠٩ - (حدثنا محمد بن العلاء أن زيد بن حباب حدثهم، نا حسين بن واقد) المروزي، أبو عبد الله، قاضي مرو، مولى عبد الله بن عامر بن كريز، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ليس به بأس، وهكذا حكى الأثرم عن أحمد: ليس به بأس وأثنى عليه، وقال ابن حبان: كان على قضاء مرو، وكان من خيار الناس، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، وقال الساجي: فيه نظر، وهو صدوق يهم، قال أحمد: أحاديثه ما أدري أيش هي. وقال الشوكاني "في النيل" (٣): والحسين المذكور هو أبو علي قاضي مرو،

стр. 2845

حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ (١) اللَّهِ ﷺ , فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ, === احتج به مسلم في "صحيحه"، وقال المنذري: ثقة، قلت: هكذا كناه المقدسي والدولابي (٢)، ولكن كناه الحافظ في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" و"لسان الميزان" (٣) أبا عبد الله، وكذا كناه صاحب "الخلاصة"، فالظاهر أن له كنيتين. (حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي (قال: خطبنا رسول الله ﷺ فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران) أي فيهما خطوط حمر يمشيان (ويعثران) بضم المثلثة ويجوز تثليثها. ففي "القاموس": (٤) عَثَرَ كَضَرَبَ ونَصَرَ وعَلِمَ وكَرُمَ: كبا، والمعنى أنهما يسقطان على الأرض لصغرهما، وفي رواية الكشاف: يعثران ويقومان. قلت: وهذا الذي قاله القاري مشكل، فإن رسول الله ﷺ زوج فاطمة عليًا في صفر في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في رجب، وبنى بها في ذي الحجة من تلك السنة، وولد الحسن بن علي في نصف رمضان من السنة الثالثة على الراجح، وولد الحسين في شعبان في السنة الرابعة من الهجرة على الراجح، وكان بناء المنبر (٥) في السنة الثامنة على الراجح، وقيل: في السابعة، فعلى هذا كان عمر الحسن إذ ذاك زائدًا على أربع سنين، وعمر الحسين ثلاث سنين، وأشهرًا، وفي هذا العمر يكون الأطفال أقوياء على المشي، لا يسقطون على الأرض للصغر وقلة القوة، فلعله كان عثارهما لطول القميص، والله تعالى أعلم.

стр. 2846

فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: "صَدَقَ اللَّه ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ"، ثُمَّ أَخَذَ في الْخُطْبَةِ. [ت ٣٧٧٤، ن ١٤١٣، جه ٣٦٠٠، حم ٥/ ٣٥٤، ق ٣/ ٢١٨] === (فنزل) رسول الله ﷺ من المنبر (فأخذهما) وفي رواية: فحملهما (فصعد بهما) أي المنبر (ثم قال) رسول الله ﷺ : (صدق (٢) الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾) أي محنة (رأيت هذين) الصبيين يمشيان ويعثران، (فلم أصبر) على عثارهما لأثر الرحمة والرقة في القلب، وفي رواية بعد هذا: حتى قطعت حديثي أي كلامي في الخطبة، ورفعتهما عندي ليحصل لهما الرفعة عند الله وعند خلقه. (ثم أخذ) (٣) أي شرع (في الخطبة) ومذهب الحنفية في هذا الباب ما قال صاحب "البدائع" (٤): ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة، ولو فعل لا تفسد الخطبة, لأنها ليست بصلاة، فلا يفسدها كلام الناس، لكنه يكره، لأنها شرعت منظوهة كالأذان، والكلام يقطع النظم، إلَّا إذا كان الكلام أمرًا بالمعروف لا يكره، لما روي عن عمر: "أنه كان يخطب يوم الجمعة فدخل عليه عثمان، فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال: ما زدت حين سمعت النداء يا أمير المؤمنين على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ أمر بالاغتسال"، وهذا لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة, لأن الخطبة فيها وعظ، فلم يبق مكروهًا، انتهى.

стр. 2847

(٢٣٦) بَابُ الاحْتِبَاءِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ ١١١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ, حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ, حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ, عَنْ أَبِى مَرْحُومٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ, === فعلم من هذا أن قطع الخطبة أيضًا لا يخلو عن كراهة، والجواب أن رسول الله ﷺ قطع الخطبة لأنه خاف عليهما الضرر من السقوط والعثار، فقطع الخطبة ورفعهما لهذه الضرورة، كما إذا رأى ضريرًا يخاف عليه سقوط البئر، فحينئذ يجوز التكلم لحفظه عن السقوط. قال الحافظ في "الفتح" (١): ونقل صاحب "المغني" الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة، كتحذير الضرير من البئر، وعبارة الشافعي: وإذا خاف على أحد لم أر بأسًا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم. انتهى. ويمكن أن تكون هذه الخطبة خطبة أخرى غير خطبة الجمعة. (٢٣٦) (بَابُ الاحْتِبَاءِ) (٢) هو أن يضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشدُّه عليهما وقد يكون باليدين (والإمَامُ يَخُطُبُ) جملة حالية أي في حال الخطبة ١١١٠ - (حدثنا محمد بن عوف) الطائي، (حدثنا المقرئ) عبد الله بن يزيد المكي أبو عبد الرحمن، (نا سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي، أبو يحيى بن مقلاص، (عن أبي مرحوم) عبد الرحيم بن ميمون المدني المعافري مولاهم، نزيل مصر، عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج، وقال النسائي: أرجو أنه لا بأس به، قال ابن ماكولا: زاهد يعرف بالإجابة والفضل، ذكره ابن حبان في "الثقات". (عن سهل بن معاذ بن أنس) الجهني شامي، نزل مصر، قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: لكن

стр. 2848

عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحُبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ". [ت ٥١٤، حم ٣/ ٤٣٩، خزيمة ١٨١٥، ق ٣/ ٢٣٥، ك ١/ ٢٨٩] ١١١١ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، نَا خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ الرَّقِّيُّ، === قال: لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في الضعفاء، فقال: منكر الحديث جدًا، فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان، فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا لأن راويها عن سهلٍ زبان إلَّا الشيء بعد الشيء، وزبان ليس بشيء، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. (عن أبيه) معاذ بن أنس الجهني الأنصاري نزل مصر، روى عنه ابنه سهل بن معاذ، ولم يرو عنه غيره، وهو لين الحديث إلا أن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، قال ابن يونس: صحابي كان بمصر والشام. (أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة) قال في "المجمع" (١): والاسم الحبوة بالكسر والضم، انتهى، وفي "القاموس" (٢): واحتبى بالثوب: اشتمل أو جمع بين ظَهْرِه وساقَيه بعمامة ونحوها، والاسم الحَبْوَةُ، ويُضَمُّ، والحِبْيَةُ بالكسر، والحِبَاءُ بالكسر والضم (يوم الجمعة والإمام يخطب) قال في "الدرجات": قال الطيبي: وإنما نهي عنه والإمام يخطب إذ يجلب نومًا ويعرض طهارته للانتقاض. ١١١١ - (حدثنا داود بن رشيد) مصغرًا الهاشمي مولاهم أبو الفضل الخوارزمي، نزيل بغداد ثقة، ووهم ابن حزم فقال إثر حديث أخرجه من روايته في كتاب الحدود من الإيصال: داود بن رشيد ضعيف، (نا خالد بن حيان الرقي) أبو يزيد الكندي مولاهم الخزاز بمعجمة وراء آخره زاي، قال ابن معين وابن عمار: ثقة، قال أحمد والنسائي وابن خراش والدارقطني: ليس به بأس،

стр. 2849

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ, عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: "شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجَمَّعَ بِنَا, فَنَظَرْتُ فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِى الْمَسْجِدِ أَصْحَابُ النَّبِىِّ (١) ﷺ , فَرَأَيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ". [ق ٣/ ٢٣٥] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَبِى وَالإِمَامُ يَخْطُبُ, === وقال ابن سعد: كان ثقة، ثبتًا، وذكر له ابن خزيمة في "صحيحه" أحاديث، منها ما استنكره فقال: وجاء خالد بن حيان بطامة، وقال أبو بشر الدولابي: كان ثقة، وقال الفلاس: ضعيف. (نا سليمان بن عبد الله بن الزبرقان) ويقال سليمان بن عبد الرحمن بن فيروز، قال في "التقريب" (٢): لين الحديث، وقال في "تهذيب التهذيب" (٣): ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن يعلي بن شداد بن أوس قال) أي يعلى: (شهدت مع معاوية) بن سفيان (بيت المقدس، فجمع بنا) أي صلى بنا صلاة الجمعة (فنظرت فإذا جل) أي أكثر (من في المسجد أصحاب النبي ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب). أخرج الطحاوي هذا الحديث بهذا السند في "مشكل الآثار" (٤) موافقًا لما أخرجه أبو داود، ولكن خالفهما البيهقي (٥). فذكر هذا الحديث بهذا السند، وزاد بين خالد بن حيان وسليمان بن عبد الله سليمانَ الرقي، والظاهر أن هذه الزيادة غلط من الكاتب. (قال أبو داود: وكان ابن عمر يحتبي والإمام يخطب) وأخرج حديثه

стр. 2850

وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ, وَشُرَيْحٌ, وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ, وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِىُّ, وَمَكْحُولٌ, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, === الطحاوي في "مشكل الآثار" (١): حدثنا يونس، أنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن نافع، أن ابن عمر كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطب، وربما نعس حتى يضرب بجبهته حبوته. (وأنس بن مالك (٢) وشريح) (٣) بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي القاضي، ويقال: شريح بن شرحبيل، قال ابن معين: كان في زمن النبي ﷺ ولم يسمع منه، استقضاه عمر على الكوفة، وأقرَّه علي، وأقام على القضاء بها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة، وقيل: له صحبة. (وصعصعة بن صوحان) بضم المهملة وبالحاء المهملة العبدي تابعي كبير مخضرم فصيح ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقال: كان مسلمًا على عهد رسول الله ﷺ ولم يره. (وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن سعد) (٤) بن أبي وقاص الزهري المدني، ذكره معاوية بن صالح عن يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي وأبو حاتم والنسائي وابن خراش: ثقة.

стр. 2851

وَنُعَيْمُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِى أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهَا إلَّا عُبَادَةُ بْنُ نُسَىٍّ. === (ونعيم بن سلامة) لم أقف على ترجمته فيما عندي من الكتب (١) (قال) وفي نسخة: قال أبو داود (لا بأس بها) فعلى النسخة الأولى الضمير يرجع إلى المذكورين بتأويل كل واحد، وعلى النسخة الثانية فاعل "قال" أبو داود (وقال أبو داود: ولم يبلغني أن أحدًا كرهها إلَّا عبادة بن نسي). قلت: ويخالفه ما قال الترمذي في "جامعه" (٢): وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخص في ذلك بعضهم، منهم عبد الله بن عمر وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق، لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأسًا. وقال الشوكاني في "النيل (٣) " (٤): وقد اختلف العلماء في كراهية الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم - كما قال الترمذي- منهم: عبادة بن نسي المتقدم، قال العراقي: وورد عن مكحول وعطاء والحسن: أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا والإمام يخطب يوم الجمعة، رواه ابن أبي شيبة (٥)، قال: ولكنه قد اختلف عن الثلاثة، فنقل عنهم القول بالكراهة،

стр. 2852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ونقل عنهم عدمها، واستدلوا بحديث الباب، وما ذكرناه في معناه، وهي تقوِّي بعضها بعضًا. وذهب أكثر أهل العلم- كما قال العراقي- إلى عدم الكراهة، منهم من تقدم ذكره في رواية أبي داود، ورواه ابن أبي شيبة (١)، عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وعطاء، وابن سيرين، والحسن، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، وعكرمة بن خالد المخزومي، ورواه الترمذي (٢) عن ابن عمر وغيره، قال: وبه يقول أحمد وإسحاق، وأجابوا عن أحاديث الباب بأنها كلها ضعيفةٌ، وإن كان الترمذي قد حسّن حديث معاذ بن أنس وسكت عنه أبو داود فإن فيه من تقدم ذكره، انتهى. وقال الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣): "باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ في الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب"، ثم أخرج حديث معاذ بن أنس في النهي عن الحبوة، ثم قال: وقد وجدنا عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يحتبون يوم الجمعة والإمام يخطب، ثم أخرج حديث ابن عمر أنه كان يحتبي يوم الجمعة، ثم أخرج حديث يعلي بن شداد بن أوس أنه رأى الصحابة محتبين ببيت المقدس ومعاوية يخطب. ثم قال: قال أبو جعفر: ومثل هذا من نهي رسول الله ﷺ يبعد أن يخفى على جماعتهم، ففي استعمالهم ما قد رويناه عنهم في هذه الآثار ما قد دل على أن معنى النهي الذي كان من رسول الله ﷺ في ذلك ليس هو الحبوة التي كانوا يفعلونها والإمام يخطب, لأنهم مأمونون على ما فعلوا، كما أنهم مأمونون على ما رووا. ولما كان ذلك كذلك كان الأولى بنا أن نحملها على الحبوة المستأنفة في

стр. 2853

(٢٣٧) بَابُ الكَلَامِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ ١١١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ: أَنْصِتْ, === حال الخطبة, لأنه مكروه في الخطبة للاشتغال بغيرها، والإقبال على سواها، وتكون الحبوة التي كانوا يفعلونها حبوة كانوا يستعملونها قبل الخطبة، فيخطب الإِمام وهم فيها حتى يفرغ منها وهم عليها، ويكون ما نهاهم عنه رسول الله ﷺ سوى ذلك ما كانوا يستأنفونه، وإمامهم يخطب، فيكونون بذلك متشاغلين عن الإقبال على ما أمروا بالإقبال عليه، انتهى. (٢٣٧) (بَابُ الكَلَامِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ) ١١١٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب) الزهري، (عن سعيد) بن المسيب، (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت) أي لصاحبك كما في رواية "البخاري" والمراد منه الجليس المتكلم في المسجد عند الخطبة (أنصت) (١) أمر من أنصت ينصت إنصاتًا، وقال في "المنتهى": نصت ينصت إذا سكت، وأنصت لغتان، أي: استمع، يقال: أنصته وأنصت له، وينشد: إذا قالت حذام فأنصتوها ويروى: فصدقوها، وفي "المحكم": أنصت أعلى، والنصتة الاسم من الإنصات، وفي "الجامع": والرجل ناصت ومنصت، وفي "المجمل" و"المغرب": الإنصاف السكوت للاستماع، وأنشد الراغب في المجالسات: السمع للعين والإنصات للأذن

стр. 2854

وَالإِمَامُ يَخْطُبُ, فَقَدْ لَغَوْتَ". [خ ٩٣٤، م ٨٥١، ت ٥١٢، ن ١٤٠١، جه ١١١٠، ق ٣/ ٢١٩، حم ٢/ ٢٧٢] === وقد مر عن قريب "باب الاستماع إلى الخطبة"، وقد ذكرنا هناك أن الاستماع هو الإصغاء، ويعلم الفرق بين الاستماع والإنصات مما ذكرنا الآن، فلذلك ذكر البخاري ترجمة للاستماع، وترجمة للإنصات، قاله العيني في شرح "البخاري" (١). (والإمام يخطب) جملة حالية (فقد لغوت) قال العيني: اللغو واللغاء: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع، واللغو في الأيمان: لا والله، بلى والله، وقيل: معناه الإثم، ولغا في القول يلغو ويلغى لغوًا وملغاة: أخطأ، ولغا يلغو لغوًا: تكلم، ذكره ابن سيده، وفي "الجامع": اللغو: الباطل، تقول: لغيت ألغي لغيًا ولغىً بمعنى، ولغا الطائر يلغو لغوًا: إذا صوت. وفي "التهذيب": لغوت اللغو وألغى ولغى، ثلاث لغات، واللغو: كل ما لا يجوز، وقال الأخفش: اللغو الساقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقال النضر بن شميل: معنى لغوت خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي، انتهى. قال الشوكاني (٢): فيه دليل على اختصاص النهي بحال الخطبة، ورَدٌّ على من أوجب الإنصات من خروج الإِمام، وكذلك قوله: "يوم الجمعة" ظاهره أن الإنصات في خطبة غير يوم الجمعة لا يجب. قلت: وهذا إشارة إلى الرد على الحنفية حيث أنهم أوجبوا الإنصات بخروج الإِمام على قول أبي حنيفة ﵀ قال في "البدائع" (٣): فأما عند

стр. 2855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأذان الأخير حين خرج الإِمام إلى الخطبة وبعد الفراغ من الخطبة حين أخذ المؤذن في الإقامة إلى أن يفرغ، هل يكره ما يكره في حال الخطبة؟ على قول أبي حنيفة يكره، وعلى قولهما لا يكره الكلام، وتكره الصلاة، واحتجا بما روي في الحديث: "خروج الإِمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام" (١)، جعل قاطع الكلام هو الخطبة، فلا يكره قبل وجودها, ولأن النهي عن الكلام لوجوب استماع الخطبة، وإنما يجب حالة الخطبة، بخلاف الصلاة لأنها تمتد غالبًا فيفوت الاستماع وتكبيرة الافتتاح. ولأبي حنيفة ما روي عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ موقوفًا عليهما ومرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا خرج الإِمام فلا صلاة ولا كلام"، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على أبواب المساجد، يكتبون الناس الأول فالأول، فإذا خرج الإِمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر" (٢)، فقد أخبر عن طي الصحف عند خروج الإِمام، وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام, لأنهم إذا تكلموا يكتبونه عليهم لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣)، ولأنه إذا خرج للخطبة كان مستعدًا لها، والمستعد للشيء كالشارع فيه، ولهذا ألحق الاستعداد بالشروع في كراهة الصلاة، فكذا في كراهة الكلام، وأما الحديث فليس فيه أن غير الكلام يقطع الكلام، فكان تمسكًا بالسكوت وأنه لا يصح، انتهى. قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤): الحديث الخامس قال ﵇: "إذا خرج الإِمام فلا صلاة ولا كلام"، قلت: غريب مرفوعًا، قال البيهقي:

стр. 2856

١١١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: === رفعه وهم فاحش، إنما هو من كلام الزهري، انتهى، ورواه مالك في "الموطأ" (١) عن الزهري قال: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وعن مالك رواه محمد بن الحسن في "موطئه" وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإِمام، وأخرج عن عروة قال: إذا قعد الإِمام على المنبر فلا صلاة، وهكذا قال الحافظ في "الدراية" (٣). وقال مولانا عبد الحي في حاشيته على "موطأ محمد" (٤) في شرح قول الزهري: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام: قال أبو عمر: هذا يدل على أن الأمر بالإنصات وقطع الصلاة ليس برأي، وأنه سنَّة احتج بها ابن شهاب, لأنه خبر عن علم علمه لا عن رأي اجتهده، وأنه عمل مستفيض في زمن عمر وغيره. قلت: ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عباس وابن عمر من كراهة الكلام بعد خروج الإِمام، فإنها أمر لا يقال برأي، بل لا بد أن يكون مستنده من سنَّة. ١١١٣ - (حدثنا مسدد وأبو كامل) فضيل بن حسين (قالا: نا يزيد) بن زريع، (عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب، (عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: يحضر الجمعة ثلاثة نفر) والمراد به

стр. 2857

رَجُلٌ (١) حَضَرَهَا يَلْغُو (٢) , وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا, وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو (٣) , فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ, وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ, وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ, وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا, فَهِىَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤). [حم ٢/ ٢١٤، خزيمة ١٨١٣، ق ٣/ ٢١٩] === الأنواع (رجل حضرها) أي الجمعة (يلغو) أي يعبث ويتكلم بما لا يعنيه (وهو) أي اللغو (حظه منها) أي من الجمعة يعني ليس له نصيب من الصلاة والخطبة. (ورجل حضرها) أي الجمعة (يدعو، فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه) والحاصل أن هذا النوع من الرجال حضر الخطبة، فسكت فيها, ولم يتكلم بما لا يعنيه، ولكن اشتغل في الدعاء، ولم يلتفت إلى الخطبة، فهذا الدعاء حظه، إن شاء الله أعطاه، وإن شاء منعه، وهو محروم عن ثواب استماع الخطبة الذي هو متيقن. (ورجل حضرها بإنصات) أي استماع للخطبة (وسكوت) عن اللغو (ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا) بإيذاء آخر غير تخطي رقبة (فهي) أي الجمعة (كفارة) له (إلى الجمعة التي تليها) أي تلحقها (وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾). وهذا الحديث أيضًا يدل على وجوب ترك الكلام، ولكن غير مقيد بحالة الخطبة، ويمكن أن يقال: إن المراد بالإنصات الاستماع، وليس الاستماع إلَّا في الخطبة، فلهذا يناسب هذا الحديث الباب.

стр. 2858

(٢٣٨) بَابُ اسْتِئْذَانِ الْمُحْدِثِ للإِمَامِ (١) ١١١٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِىُّ, حَدَّثَنَا (٢) حَجَّاجٌ, حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاتِهِ, فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ, ثُمَّ لْيَنْصَرِفْ». [جه ١٢٢٢، ق ٢/ ٢٥٤، ك ١/ ١٨٤، قط ١/ ١٥٨] === (٢٣٨) (بَابُ اسْتئذَانِ المُحْدِثِ للإمَامِ) هكذا في أكثر النسخ الموجودة "للإمام" باللام، وفي النسخة المصرية، وحاشية النسخة الخطية وغيرها "الإِمام" بدون اللام، وهو الأوجه، فإن الاستئذان متعد بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٣) ١١١٤ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي، نا حجاج) بن محمد، (نا ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : إذا أحدث) أي صار ذا حدث (أحدكم في صلاته، فليأخذ بأنفه، ثم لينصرف) قال في "مرقاة الصعود": قال الخطابي (٤): إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافًا، وفي هذا باب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن، وليس يدخل في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل، واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس. فإن قلت: هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٥)، فإن هذه الآية تدل على وجوب الاستئذان. قلت: إن كان المراد بالأمر الجامع الأمر الذي يعم ضرره ونفعه

стр. 2859

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ, عَنْ هِشَامٍ (١) عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ (٢) وَالإِمَامُ يَخْطُبُ» لَمْ يَذْكُرَا عَائِشَةَ. === وهو خطب جليل لا بد لإمام من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم كمقاتلة عدو، أو تشاور في خطب منهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه، فعلى هذا لا يدخل الجمعة فيه، ولا يحتاج فيه إلى الجواب. وأما إذا كان المراد الأمر العام الشامل للجمعة والأعياد وغيرها من طاعة الله، فالجواب عنه أولًا: أن الحديث ورد في حالة الصلاة، وفي الصلاة الاستئذان غير ممكن، فإظهار العذر بأخذ الأنف قام مقام الاستئذان، كأنه استئذان حكمًا. وثانيًا: نزلت الآية في زمان رسول الله ﷺ تعريضًا للمنافقين, لأنهم كانوا يخرجون بغير الإذن في حالة الخطبة، فينظرون يمينًا وشمالًا فإذا لم يرهم أحد انسلوا، وخرجوا, ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا، وصلوا خوفًا، فلما لم يبق منهم أحد وبقي المخلصون كأنه ارتفع حكمها عن الصلاة، والله تعالى أعلم. (قال أبو داود: رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن النبي ﷺ ) مرسلًا: (إذا دخل والإمام يخطب، لم يذكرا عائشة) هكذا في جميع النسخ الموجودة إلَّا في النسخة الكانفورية، فليس فيها إذا دخل والإمام يخطب، وهو الصواب، فإنه لا معنى لقوله: "إذا دخل والإمام يخطب" والذي أظن أن قوله: "إذا دخل" سهو من الكاتب، والصواب: إذا أحدث والإمام يخطب.

стр. 2860

(٢٣٩) بَابٌ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ ١١١٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ -, عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلاً === وقد أخرج البيهقي في "سننه" (١) من طريق الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليضع يده على أنفه ثم ينصرف"، ثم قال البيهقي: تابعه على وصله حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام، ورواه الثوري وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة، عن النبي ﷺ مرسلًا، قال الشيخ: ورواه نعيم بن حماد عن الفضل بن موسى هكذا موصولًا، إلَّا أنه قال في متنه: "إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه، ولينصرف، فليتوضأ"، انتهى. قلت: وقد روى هذا الحديث عمر بن علي المقدمي، وعمر بن قيس عند ابن ماجه (٢)، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي موصولًا. (٢٣٩) (بَابٌ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ) أي المسجد (والإمامُ يَخْطُبُ) هل يصلي أم لا؟ ١١١٥ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد) بن زيد، (عن عمرو- وهو ابن دينار-، عن جابر) بن عبد الله: (أن رجلًا) (٣) وهو سليك الغطفاني

стр. 2861

جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ » قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ». [خ ٩٣٠، م ٨٧٥، ت ٥١٠، ن ١٣٩٥، جه ١١١٢، حم ٣/ ٣٠٨، خزيمة ١٨٣٢، ق ٣/ ١٩٣] ١١١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِى سُفْيَانَ, عَنْ جَابِرٍ, وَعَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, قَالَا: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِىُّ === كما سيأتي (جاء) أي المسجد (يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم (١) فاركع). ١١١٦ - (حدثنا محمد بن محبوب) البناني بضم الموحدة وخفة النون، أبو عبد الله البصري، وقد غلط بعضهم فخلط ترجمته بترجمة محمد بن الحسن الشيباني، والسبب فيه أن محمد بن الحسن يلقب محبوبًا، فوقع في بعض الروايات: حدثنا محمد بن الحسن، فظن "محمدًا" (٢) لقب الحسن، فخلطه بهذا، والصواب التفرقة لأنهما من طبقتين، ومحمد بن الحسن بن هلال أكبر من هذا. (وإسماعيل بن إبراهيم) الظاهر أنه ابن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي، أبو معمر القطيعي بمفتوحة وكسر مهملة، منسوب إلى قطيعة محلة ببغداد، الهروي، نزيل بغداد، ثقة مأمون (المعنى، قالا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان) طلحة بن نافع، (عن جابر، وعن أبي صالح) عطف على قوله: عن أبي سفيان، فالأعمش روى عن أبي سفيان عن جابر، وعن أبي صالح. (عن أبي هريرة، قالا: جاء سليك) بضم المهملة وفتح اللام مصغرًا (الغطفاني) بفتح الغين

стр. 2862

وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ, فَقَالَ لَهُ: «أَصَلَّيْتَ شَيْئًا؟ » قَالَ: لَا. قَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ, تَجَوَّزْ فِيهِمَا». [جه ١١١٤، وانظر تخريج الحديث السابق] ١١١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرٍ, عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ سُلَيْكًا جَاءَ, فَذَكَرَ نَحْوَهُ, زَادَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ قَالَ (١): «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا». [حم ٣/ ٣١٧، دي ١٥٥١، وانظر تخريج الحديثين السابقين] === المعجمة والطاء المهملة (ورسول الله ﷺ يخطب، فقال) رسول الله ﷺ (له) أي لسليك: (أصليت شيئًا؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، تجوز) بصيغة الأمر (فيهما). ١١١٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، عن سعيد) هو ابن أبي عروبة، كما في نسخة، (عن الوليد) بن مسلم بن شهاب التميمي العنبري (أبي بشر) البصري ثقة، (عن طلحة) بن نافع، وهو أبو سفيان المتقدم (أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن سليكًا جاء، فذكر) أي الوليد (نحوه) أي نحو ما ذكره الأعمش (زاد) أي الوليد: (ثم أقبل) رسول الله ﷺ (على الناس، قال: إذا جاء أحدكم والأمام يخطب فليصل ركعتين يتجوز) أي يخفف (فيهما). قال النووي (٢): وهذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين: أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب استحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد (٣)، ويكره الجلوس قبل أن

стр. 2863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوز فيهما ليسمع بعدها الخطبة (١). قلت: وفي "تحفة المحتاج شرح المنهاج" (٢): ويلزمه أن يقتصر فيهما على أقل مجزئ على ما قاله جمع، وقال الشافعي ﵀ في "الأم" (٣): ونأمره أن يخففهما، فإنه روي أن النبي ﷺ أمر بتخفيفهما، وهذا يشير إلى الوجوب، وقد صرح بالوجوب في "روضة المحتاجين" فيسن فعلهما، ويجب عدم تطويلهما عرفًا، والاقتصار على الركعتين، ثم قال النووي: وحكي هذا المذهب أيضًا عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين، قال القاضي: وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃، انتهى. وقال الشوكاني (٤): وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري، ورواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير. قال النووي (٥): وتأولوا هذه الأحاديث أنه كان عريانًا، فأمره النبي ﷺ بالقيام، ليراه الناس ويتصدقوا عليه، وهذا تأويل باطل، يرده صريح قوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما" وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه. قال العيني في "شرح البخاري" (٦): قلت: أصحابنا لم يأولوا الأحاديث

стр. 2864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المذكورة بهذا الذي ذكره، حتى يشنع عليهم هذا التشنيع، بل أجابوا بأجوبة غير هذا. الأول: أن النبي ﷺ أنصت له حتى فرغ من صلاته، والدليل عليه ما رواه الدارقطني في "سننه" (١) من حديث عبيد بن محمد بسنده عن أنس وفيه: "وأنصت عن الخطبة حتى فرغ من صلاته"، فإن قلت: قال الدارقطني: أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه؟ قلت: ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل، وفيه قال: "قم فصل، ثم انتظره، حتى صلَّى"، قال: وهذا المرسل هو الصواب، قلت: المرسل حجة عندنا، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) بسنده عن محمد بن قيس أن النبي ﷺ حيث أمره أن يصلي ركعتين، أمسك عن الخطبة، حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته. الجواب الثاني: أن ذلك كان قبل شروعه ﷺ في الخطبة، وقد بوب النسائي في "سننه الكبرى" (٣) على حديث سليك، قال: "باب الصلاة قبل الخطبة" ثم أخرج عن أبي الزبير عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له رسول الله ﷺ : أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما. الثالث: أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ في الخطبة, لأنها شرط الصلاة أو شطرها. وقال الطحاوي (٤): ولقد تواترت الروايات عن رسول الله ﷺ بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغا، فإذا كان قول الرجل

стр. 2865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لصاحبه والإمام يخطب: أنصت، لغوًا، كان قول الإِمام للرجل: قم، صل، لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله ﷺ الأمر لسليك بما أمره به، إنما كان قبل النهي، وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا. وقال ابن شهاب: خروج الإِمام يقطع الصلاة، وقال ثعلبة بن أبي مالك: كان عمر -رضي الله تعالى عنه - إذا خرج للخطبة أَنْصَتْنَا، وقال عياض: كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة. وقال ابن العربي (١): الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٢)، فكيف يترك الفرض الذي شرع الإِمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض. الثاني: صح عنه ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت"، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان (٣) في المسألة يحرمان في حال الخطبة، فالنفل أولى أن يحرم، الثالث: لو دخل، والإمام في الصلاة لم يركع، والخطبة صلاة إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة. وأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه: الأول: هو خبر واحد، والثاني: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة, لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة، فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع،

стр. 2866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فأولى أن يحرم ما ليس بفرض، والثالث: أن النبي ﷺ كلم سليكا، وقال له: قم، فصل، فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع، إذ لم يكن هناك قول في ذلك الوقت إلَّا مخاطبته له وسؤاله وأمره، الرابع: أن سليكًا كان ذا بذاذة، فأراد رسول الله ﷺ أن يشهره، ليرى حاله، وعند ابن بزيزة كان سليك عريانًا، فأراد النبي ﷺ أن يراه الناس. وقد قيل: إن ترك الركوع حالتئذ سنة ماضية وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، وعولوا أيضًا على حديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: "لا تصلوا والإمام يخطب"، واستدلوا بإنكار عمر على عثمان في ترك الغسل، ولم ينقل أنه أمره بالركعتين، ولا نقل أنه صلاهما، وعلى تقدير التسليم لما يقول الشافعي، فحديث سليك ليس فيه دليل له، إذ مذهبه أن الركعتين تسقطان بالجلوس. وفي "اللباب": وروى علي بن عاصم عن خالد الحذاء: أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب، فجلس ولم يصل، وعن عقبة بن عامر قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، وفي "كتاب الأسرار": لنا ما روى الشعبي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا صعد الإِمام المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ"، والصحيح من الرواية: "إذا جاء أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام". وقد تصدى بعضهم (أي الحافظ ابن حجر في شرح "البخاري") (١) لرد ما ذكر من الاحتجاج في منع الصلاة، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقال: جميع ما ذكروه مردود، ثم قال: لأن الأصل عدم الخصوصية، قلنا: نعم، إذا لم تكن قرينة، وهنا قرينة على الخصوصية، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه النسائي (٢) عنه يقول: جاء رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب بهيئة

стр. 2867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بَذَّةٍ، فقال له رسول الله ﷺ : "أصليت؟ " قال: لا، قال: "صل ركعتين"، وحث الناس على الصدقة، قال: فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله ﷺ : "جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرتُ الناس بالصدقة، فألقوا ثيابًا، فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره وقال: خذ ثوبك"، انتهى. وكان مراده بأمره إياه بصلاة ركعتين أن يراه الناس ليتصدقوا عليه, لأنه كان في ثوب خلق، وقد قيل: إنه كان عريانًا، كما ذكرناه، إذ لو كان مراده إقامة السنَّة بهذه الصلاة لما قال في حديث أبي هريرة: "إن النبي ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت"، وهو حديث مجمع على صحته من غير خلاف لأحد فيه، حتى كاد أن يكون متواترًا، فإذا منعه من الأمر بالمعروف الذي هو فرض في هذه الحالة، فمنعه من إقامة السنَّة، أو الاستحباب بالطريق الأولى، فحينئذ قول هذا القائل: فدل على أن قصة التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة، غير موجه, لأنه علة كاملة. وقال أيضًا: وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح "مسلم" (١) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا. قلت: هذا حكم بالاحتمال، والاحتمال إذا كان غير ناشئ عن في دليل فهو لغو لا يعتد به، وقال أيضًا في قولهم: "إنه ﷺ لما خاطب سليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من صلاته"، رواه الدارقطني (٢) بما حاصله أنه مرسل، والمرسل حجة عندهم، وقال أيضًا: فيما قاله ابن العربي (٣) من أنه ﷺ

стр. 2868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لما تشاغل بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة، وادعى أنه أقوى الأجوبة، قال: هو من أضعف الأجوبة؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع ﷺ إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أمر به من الصلاة، فصح أنه صلى في حالة الخطبة. قلت: يرد ما قاله من قوله هذا ما في حديث أنس الذي رواه الدارقطني (١) الذي ذكرنا عنه أنه قال: والصواب أنه مرسل، وفيه: "وأمسك -أي النبي ﷺ عن الخطبة حتى فرغ من صلاته" يعني سليك، فكيف يقول هذا القائل: فصح أنه صلَّى في حال الخطبة، والعجب منه أنه يصحح الكلام الساقط؟ . وقال أيضًا: قيل: كانت هذه القضية قبل شروعه ﷺ في الخطبة، ويدل عليه قوله في رواية الليث عند مسلم (٢): "والنبي ﷺ قاعد عند المنبر" وأجيب: بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضًا. قلت: الأصل ابتداء قعوده، وقعوده بين الخطبتين محتمل فلا يحكم به على الأصل، على أن أمره ﷺ إياه بأن يصلي ركعتين وسؤاله إياه: هل صليت؟ وأمره للناس بالصدقة، يضيق عن القعود بين الخطبتين, لأن زمن [هذا] القعود لا يطول. وقال هذا القائل أيضًا: ويحتمل أن يكون الراوي تجوز في قوله: "قاعد". قلت: هذا ترويج لكلامه ونسبة الراوي إلى ارتكاب المجاز مع عدم الحاجة والضرورة.

стр. 2869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال أيضًا: قيل: كانت هذه القضية قبل تحريم الكلام في الصلاة، ثم رده بقوله أن سليكًا متأخر الإِسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدم جدًا، فكيف يدعي نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟ . قلت: لم يقل أحد إن قضية سليك كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، وإنما قال هذا القائل: إن قضية سليك كانت في حالة إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، ألا يرى أن في حديث أبي سعيد الخدري: فألقى الناس ثيابهم، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وكذلك مس الحصى، وقول الرجل لصاحبه: أنصت، كل ذلك مكروه، فدل ذلك أن ما أمر به ﷺ سليكًا، وما أمر به الناس بالصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة. ولما أمر ﷺ بالإنصات عند الخطبة وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغوًا كما كان، جعله لغوًا في الصلاة، ثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة، فهذا وجه قول القائل بالنسخ، ومبنى كلامه هذا على هذا الوجه لا على تحريم الكلام في الصلاة. وقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة، فيكون الآتي كذلك، قاله الطحاوي (١). وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد، قلت: لم يبن الطحاوي كلامه ابتداء على القياس حتى يكون ما قاله قياسًا في مقابلة النص، وتحرير كلام الطحاوي أنه روى أحاديث عن سليمان وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس -رضي الله تعالى عنهم- كلها تأمر بالإنصات إذا خطب الإِمام، فتدل كلها أن موضع كلام الإِمام ليس بموضع

стр. 2870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === للصلاة، فبالنظر إلى ذلك يستوي الداخل والآتي، ومع هذا الذي قاله الطحاوي وافقه عليه الماوَرْدِي وغيره من الشافعي. وقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شك أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا، وتعقب بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت تحصل المقصود. قلت: هذا القائل لم يَدَّع أن الخطبة صلاة من كل وجه حتى يرد عليه ما ذكره من التعقيب، بل قال: هي صلاة من حيث إن الصلاة قصرت لمكانها، فمن حيث هذا الوجه يستوي الداخل والآتي، ويؤيد هذا حديث أبي الزاهرية (١): عن عبد الله بن بشر قال: كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فقد آذيت وآنيت" ألا ترى أنه ﷺ أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة؟ فهذا خلاف حديث سليك فافهم. وقال هذا القائل أيضًا: قيل: اتفقوا على سقوط التحية عن الإِمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى، وتعقب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النص فهو فاسد. قلت: إنما يكون القياس في مقابلة النص فاسدًا إذا كان ذلك النص سالمًا عن المعارض، ولم يسلم سليك عن أمور ذكرناها، وروي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين - رضي الله تعالى عنهم - منع الصلاة للداخل والإمام يخطب، أما الصحابة فهم: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وعبد الله بن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.

стр. 2871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أما أثر عقبة فأخرجه الطحاوي عنه أنه قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية. فإن قلت: في إسناده عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، قلت: وثقه أحمد وكفى به ذلك. وأما أثر ثعلبة بن أبي مالك فأخرجه الطحاوي (١) بإسناد صحيح: "أن جلوس الإِمام على المنبر يقطع الصلاة"، وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) بسنده عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: "أدركت عمر وعثمان ﵄، فكان الإِمام إذا خرج تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام". وأما أثر عبد الله بن صفوان فأخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال: رأيت عبد الله بن صفوان بن أمية دخل المسجد يوم الجمعة، وعبد الله بن الزبير يخطب على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان وهو معتمٌّ بعمامة، فاستلم الركن ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم جلس ولم يركع. وأما أثر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵃، فأخرجه الطحاوي أيضًا عن عطاء قال: كان ابن عمر وابن عباس يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإِمام يوم الجمعة (٣). وأما التابعون فهم: الشعبي والزهري [وعلقمة] وأبو قلابة ومجاهد. فأثر الشعبي أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن شريح أنه: إذا جاء وقد خرج الإِمام لم يصل. وأثر الزهري أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه في الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، قال: يجلس ولا يسبح، وأثر علقمة فأخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن إبراهيم

стр. 2872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال لعلقمة: أتكلم والإمام يخطب أو قد خرج الإِمام؟ قال: لا ... إلخ، وأثر أبي قلابة أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه: أنه جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل، وأثر مجاهد أخرجه الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عنه: كره أن يصلي والإمام يخطب (١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢) أيضًا. فهؤلاء السادات من الصحابة والتابعين الكبار لم يعمل أحد منهم بما في حديث سليك ولو علموا أنه يعمل به لما تركوه، فحينئذ بطل اعتراض هذا المعترض. فإن قلت: روى الجماعة (٣) من حديث أبي قتادة السلمي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" عام يتناول كل داخل في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره. قلت: هذا على من دخل المسجد في حال تحل فيه الصلاة لا مطلقًا، ألَاّ يرى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس وعند غروبها أو قيامها في كبد السماء لا يصلي في هذه الأوقات للنهي الوارد فيه؟ فكذلك لا يصلي والإمام يخطب يوم الجمعة، لورود وجوب الإنصات فيه، والصلاة حينئذ مِمَّا يُخِلُّ بالإنصات. قلت: هذا الجواب الذي ذكره العلامة العيني (٤) - رحمه الله تعالى- عن الاستدلال بحديث أبي قتادة السلمي لعله يكفي عنه، ولكن الحديث الذي

стр. 2873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أخرجه البخاري وأبو داود (١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين"، وهذا لفظ البخاري، وأما لفظ أبي داود: زاد: ثم أقبل على الناس، قال: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين يتجوَّز فيهما". فهذا الجواب الذي ذكره العلامة العيني لا يتمشى في هذا الحديث، وكان ينبغي له أن يذكر هذا الحديث ثم يجيب عنه. والجواب عنه عندي أن هذا الحديث مبيح للصلاة، وحديث الإنصات محرم لها، فاجتمع المبيح والمحرِّم، فترجح، وهذا الحديث مخالف للشافعية أيضًا، فإنهم فرقوا بين الداخل في أول الخطبة وآخرها، وقالوا: إذا جاء أحد والإمام في آخر الخطبة بحيث لو اشتغل بالصلاة وخاف أن تفوت عنه تكبيرة التحريمة لا يصلي، كما في "الإقناع" (٢)، وهذا الحديث بعمومه يقتضي أنه إذا جاء أحد والإمام في الخطبة، سواء كان في أوله وآخره يصلي الركعتين. ثم قال العلامة العيني: وقال (أي الحافظ (٣)) أيضًا: قيل: لا نسلم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحية المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصبح مثلًا، ثم قال: وقد تولى رده ابن حبان في "صحيحه"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة بعد أخرى. قلت: هذا القائل نقل عن ابن المنير ما يقوي القول المذكور حيث قال: لعله ﷺ كان كشف له عن ذلك، وإنما استفهمه ملاطفة له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحية لم يحتج إلى استفهامه, لأنه قد رآه لما قد دخل،

стр. 2874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وهذه تقوية جيدة بإنصاف، وما نقله عن ابن حبان ليس بشيء, لأن تكراره يدل على أن الذي أمره به من الصلاة الفائتة، لأن التكرار لا يحسن في غير الواجب. ومن جملة ما قال هذا القائل: وقد نقل حديث أبي سعيد الخدري أنه دخل ومروان يخطب فصلى الركعتين، فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما، انتهى، ولم يثبت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، ونقل أيضًا عن شارح الترمذي أنه قال: كل ما نقل عنه منع الصلاة والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد, لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية، انتهى. قلت: قد ذكرنا أن الطحاوي (١) روى عن عقبة بن عامر: "الصلاة والإمام على المنبر معصية" وكيف يقول هذا القائل: ولم يثبت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك؟ وأي مخالفة تكون أقوى من هذا حيث جعل الصلاة والإمام على المنبر معصية؟ وكيف يقول شارح الترمذي: لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية؟ وأي تصريح يكون أقوى من قول عقبة حيث أطلق على فعل هذه الصلاة معصية؟ فلو كان قال: يكره أو لا يفعل لكان منعًا صريحًا، فضلًا أنه قال: معصية، وفعل المعصية حرام، وإنما أطلق عليه المعصية لأنها في هذا الوقت تخل بالإنصات المأمور به، فيكون بفعلها تاركًا للأمر، وتارك الأمر يسمى عاصيًا، وفعله يسمى معصية، وفي الحقيقة هذا الإطلاق مبالغة. فإن قلت: في سند أثر عقبة عبد الله بن لهيعة؟ قلت: ما له، وقد قال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وحدث عنه أحمد كثيرًا، وقال ابن وهب: حدثني الصادق البار- والله- عبد الله بن لهيعة، وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابًا للعلم.

стр. 2875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال هذا القائل أيضًا: وأما ما رواه الطحاوي عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن، ثم سلَّم عليه، ثم جلس، وعبد الله بن صفوان وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد استدل به الطحاوي (١)، فقال: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية، فدل على صحة ما قلناه، وتعقب بأن تركهم النكير لا يدل على تحريمها (٢)، بل يدل على عدم وجوبها, ولم يقل به مخالفوهم. قلت: هذا التعقيب متعقَّبٌ لأنه ما ادَّعى تحريمها حتى يرد ما استدل به الطحاوي، ولم يقل هو ولا غيره بالحرمة، وإنما دعواهم أن الداخل ينبغي أن يجلس ولا يصلي شيئًا، والحال أن الإِمام يخطب، وهو الذي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين. قلت: وهذا الذي قاله العلامة العيني (٣) بظاهره مخالف لما في كتب الحنفية فإنهم صرحوا بالكراهة المطلقة، وهو مرادف للحرمة، وبعضهم صرحوا بالحرمة، قال في "البدائع" (٤): وأما محظورات الخطبة فمنها: أنه يكره الكلام حالة الخطبة، وكذا قراءة القرآن وكذا الصلاة، ثم قال: وكذا كل ما شغل عن سماع الخطبة من التسبيح والتهليل والكتابة ونحوها، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت. وقال في "المبسوط": الإِمام إذا خرج فخروجه يقطع الصلاة، حتى يكره افتتاحها بعد خروج الإِمام، ثم قال: ولأن الاستماع واجب، والصلاة تشغله عنه، ولا يجوز الاشتغال بالتطوع وترك الواجب، انتهى.
следующие страницы →