. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الاستحباب، فاختلف فيه هل هو عند الصلاة أو عند الوضوء؟ فأكثر الحنفية قائلون باستحباب السواك عند كل وضوء، لما روى ابن خزيمة في "صحيحه" (١) والحاكم (٢) وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا في كتاب الصوم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"، ولخبر أحمد وغيره: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور".
فتبين أن موضع السواك عند كل صلاة، هو قبيل وضوء الصلاة، والشافعية ﵏ يجمعون بين الحديثين بالسواك في ابتداء كل منهما، وإنما لم يجعله علماؤنا من سنن الصلاة نفسها , لأنه مَظِنَّة جراحة اللثة وخروج الدم وهو ناقض عندنا، فربما يفضي إلى حرج، ولأنه لم يرو أنه ﵊ استاك عند قيامه إلى الصلاة، فيحمل قوله ﵊: "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" على كل وضوء.
نعم ما ذكر في بعض الكتب من تصريح الكراهة معللًا بأنه قد يخرج الدم فينقض الوضوء، ليس له وجه، فإن النصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن، وقد أمكن ها هنا، فلا مساغ إذًا على الحمل على المجاز، أو تقدير مضاف، كيف وقد ذكر استحباب السواك عند نفس الصلاة في بعض كتب الفروع المعتبرة، قال في "التتارخانية" (٣) نقلًا عن "التتمة": ويستحب السواك عندنا عند كل صلاة ووضوء، وكل شيء يغير الفم، وعند اليقظة، انتهى.
وقال ابن الهمام في شرح "الهداية": ويستحب في خمسة مواضع:
стр. 317
٤٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا عِيسَى بْنُ يُونس، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَيْمِيِّ، عن أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُول: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ
===
اصفرار السنن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، انتهى. "علي القاري" (١).
٤٧ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، نا عيسى بن يونس، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي) (٢) القرشي، من ثقات التابعين، وقال العقيلي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير أو منكرة، مات سنة ١٢٠ هـ.
(عن أبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجهني) المدني، أبو عبد الرحمن، صحابي مشهور، نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمان وسبعين (٤)، (قال) زيد: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أن أشق (٥)
стр. 318
عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَرَأَيْتُ زيدًا يَجْلِسُ في الْمَسْجِدِ وَإِنَّ السِّوَاكَ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ. [ن ٢٣، حم ٤/ ١١٤ - ١١٦، ق ١/ ٣٥]
٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائيُّ، ثنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ،
===
على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
(قال أبو سلمة: فرأيت زيدًا يجلس في المسجد) (١) لانتظار الصلاة (وإن السواك من أذنه موضع القلم (٢) من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك) (٣) أي للصلاة، آخذًا بظاهر الحديث، وقد انفرد به فلا يصلح حجة، وأما رواية: "كان محل السواك من أصحاب رسول الله ﷺ محل القلم" (٤)، فمحمول - على تقدير صحتها - على بعضهم الصادق على واحد، فلا يفيد السنية، "علي القاري" (٥).
٤٨ - (حدثنا محمد بن عوف) بن سفيان (الطائي) أبو جعفر الحمصي، ثقة حافظ، مات سنة ٢٧٢ هـ، (ثنا أحمد بن خالد) بن موسى، ويقال: ابن محمد الوهبي الكندي، أبو سعيد بن أبي مخلد الحمصي، صدوق، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: لا بأس به، ونقل أبو حاتم الرازي أن أحمد امتنع من الكتابة عنه، ووقع في كلام بعض شيوخنا أن أحمد اتهمه، ولم أقف على ذلك صريحًا، مات سنة ٢١٤ هـ.
стр. 319
ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: قلْتُ: أَرَأَيْتَ تَوَضُّئَ ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِيهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامرٍ
===
(ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، كان وصي أبيه، وكان أكبر ولد عبد الله بن عمر، ثقة قليل الحديث، مات سنة ١٠٥ هـ (قال) أي محمد بن يحيى: (قلت) لعبد الله بن عبد الله: (أرأيت) (١) أي أخبرني (توضئ) هكذا في النسخ الموجودة، والصواب (٢) توضوء بضم الضاد وبعدها همزة على واو (ابن عمر) أي أبيك عبد الله بن عمر (لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، عم ذاك؟ ) أي: ما وجهه، مع أنه ﷺ لم يوجب الوضوء إلَّا على المحدث؟ !
(فقال) أي فأجاب عبد الله بن عبد الله: (حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب) (٣) العدوية ابنة عم عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال ابن منده: لها رؤية، استشهد زيد باليمامة بعد النبي ﵇ بقليل، ذكرها ابن حبان وابن منده في "الصحابة".
(أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر) (٤) الراهب الأنصاري، له رؤية، وأبوه حنظلة غسيل الملائكة، قتل يوم أحد، واستشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها يومئذ
стр. 320
حَدَّثَهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُمِرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بَالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ"، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً، فَكَانَ لَا يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُل صَلَاةٍ.
[دي ٦٥٨، حم ٥/ ٢٢٥، خزيمة ١٥، ك ١/ ١٥٥ - ١٥٦، ق ١/ ١٣٧]
===
(حدثها) أي أسماء: (أن رسول الله ﷺ أُمِرَ (١) بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلما شق ذلك) أي الوضوء لكل صلاة (عليه) أي على رسول الله ﷺ (أمر بالسواك لكل صلاة)، فلعل عبد الله بن حنظلة سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك، أو أخبره بعض الصحابة، فحينئذ تكون الرواية مرسلة. (فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة).
حاصله أن رسول الله ﷺ كان يجب عليه الوضوء لكل صلاة أحدث أولم يحدث، فلما شق ذلك عليه وصعب، والمشقة تجلب التيسير، أمر بالسواك لكل صلاة، وأقيم السواك مقام الوضوء وسقط وجوب الوضوء، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فلا يشق عليه (٢) الوضوء لكل صلاة، ويرى أن أفضل الأعمال أشقها، فلهذا كان لا يدع الوضوء لكل صلاة.
قلت: وهذا الحديث يدل على أن السواك كان واجبًا عليه لكل صلاة، فحينئذ يجب أن ننظر في ذلك، هل كان رسول الله ﷺ يأتي بذلك
стр. 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الواجب قبيل الصلاة عند أدائها في المسجد، أو يأتي عند الوضوء، أو يأتي عند الوضوء والصلاة جميعًا؟ ، فنظرنا في ذلك، فرأينا أنه ﷺ ما استاك مرة من الدهر قبيل الصلاة عند عقد التحريمة، ولم يثبت ذلك عنه ﷺ ولا عن خلفائه -رضي الله تعالى عنهم -، ولو فعله ﷺ لنقلت عنه تواترًا، كما نقلت الواجبات الآخر، بل ثبت عنه ﷺ أنه إذا استاك للصلاة يستاك عند الوضوء وقبله، كما يدل عليه الروايات الآتية في "باب السواك لمن قام بالليل"، فحينئذ إما أن يكون هذا الاستياك هو ما يجب عليه للصلاة أو غيره، ولا يمكن أن يكون غيره، فثبت أنه هو الواجب.
فظهر بهذا أن المراد بالسواك عند كل صلاة كما في الرواية المتقدمة، وبالسواك لكل صلاة كما في هذه الرواية, هو ما يكون عند الوضوء لا ما هو عند الصلاة، وأنه ﷺ ما ترك الاستنان قبل الصلاة، إلَّا لأنه اعتدّ الاستنان الذي في الوضوء عن الذي هو عند الصلاة، وعلم أن هذا يؤدي الواجب الذي هو عند الصلاة، ويكفي عنه، فإن لفظ "عند" لا يدل على المقارنة. ويؤيد ذلك أن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الرب ، وفي حالة المناجاة كره ﷺ النخامة في قبلة المسجد، وشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام، فحكّه بيده فقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة"، وكره البصاق في المسجد، وجعل كفارة تلك الخطيئة دفنها، فيستحيل العقل الغير المشوب بالهوى مع هذه التشديدات أن يندب ﷺ أمته إلى أن يستاكوا عند إقامة الصلاة، وتكون الأسوكة المتلطخة بالبصاق وبما أزالوه من النتن والأذى عند نواصيهم على آذانهم فيما بينهم وبين القبلة، وقد منعوا عن أقل وأهون من ذلك، فما هو إلَّا أن رسول الله ﷺ أراد بقوله: "بالسواك عند كل صلاة" أي عند وضوئها.
стр. 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فعلى هذا ما قال صاحب "غاية المقصود" وتبعه صاحب "عون المعبود" - فقالا: فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال: أي عند وضوء كل صلاة، كما قدرها بعض الحنفية، بل في هذا رد السنَّة الصحيحة الصريحة، وهي السواك عند الصلاة، وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد, لأنه من إزالة المستقذرات، وهذا التعليل مردود ... إلخ -، فمردود عليهما، وغلط وباطل، فإن في هذا ليس رد السنَّة مطلقًا، وحاشاهم أن يردوا السنَّة، بل في هذا جمع بين الأحاديث، وعملٌ على جميعها، وإتيانٌ بالمندوب، واجتناب عن المكروه.
نعم فيما قالاه ردٌّ للسنن الصحيحة التي رواها إمامهم البخاري ﵀ في "صحيحه"، وارتكاب للمكروه في إتيان المندوب مع أنهم لا يدرون عاقبة قولهم، ولا غرو أن الجهل وغلبة الهوى قد يوقع الإنسان فيما هو أشد وأقبح. وهذا على القول بالكراهة من بعضهم، وإلا فقد قلنا: إن الاستياك عندنا أيضًا مستحب عند الصلاة، وفي غير وقت الصلاة، كما تقدم عن "التتارخانية"، وقد حققه الشامي في "رد المحتار".
وأما ما أخرجه البيهقي (١) من طريق ابن إسحاق عن أبي جعفر عن جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب، فلا حجة فيه، فإن البيهقي حكم عليه بالضعف، فإنه قال: لم يروه عن سفيان إلَّا يحيى بن اليمان، ويحيى بن اليمان ليس بالقوي عندهم، ومع هذا فلا دليل فيه على أن رسول الله ﷺ استاك عند الصلاة.
стр. 323
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ رَوَاهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: عُبَيْدُ اللَّه بنُ عَبْدِ اللَّه.
===
وكذلك ما روى الخطيب (١) من طريق يحيى بن ثابت، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان أصحاب النبي ﷺ أسوكتهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة، وماروى ابن أبي شيبة عن صالح بن كيسان: أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يروحون والسواك على آذانهم، لا يُثْبتان المدعى، فإنه ليس فيهما بعد تسليم صحتهما أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستنون عند القيام إلى الصلاة، فثبت بما قلنا أن ما قاله الحنفية ليس بمخالف للحديث، والله تعالى أعلم.
(قال أبو داود: إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، وقول من تكلم فيه تحامل، مات سنة ١٨٥ هـ، (رواه عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله (٢) بن عبد الله) وغرض المصنف من هذا الكلام بيان الفرق بين رواية أحمد بن خالد وإبراهيم بن سعد، فكلاهما رويا عن محمد بن إسحاق، فقال أحمد بن خالد: عن محمد بن إسحاق قال: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مكبرًا، وقال إبراهيم بن سعد فيما روى عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله بن عبد الله مصغرًا، وعبد الله وعبيد الله كلاهما ابنان لعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، فيمكن أن تكون الرواية عنهما، ويحتمل أن يكون ذكر أحدهما وَهْمًا وخطأ من الراوي.
стр. 324
(٢٦) بَابٌ: كَيْفَ يَسْتَاكُ
٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، الْمَعْنَى، قَالَا: ثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ.
قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّه ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ
===
(٢٦) (بَابٌ: كَيْفَ يَسْتَاكُ) (١)
يعني هل يكتفي بالاستنان على الأسنان، أو يتسوك على اللسان وفي الحلق؟
٤٩ - (حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي) (٢) أبو الربيع الزهراني البصري، الحافظ، سكن بغداد، ثقة، وقال ابن خراش: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، ولا أعلم أحدًا تكلم فيه، بخلاف ما زعم ابن خراش، مات سنة ٢٣٤ هـ، (المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (قالا: ثنا حماد بن زيد) ابن درهم، (عن غيلان بن جرير) (٣) المعولي، بالكسر والسكون، وفتح الواو، نسبة إلى معولة، بطن من الأزد، وقال في "الأنساب" بفتح الميم، الأزدي البصري، ثقة، مات سنة ١٢٩ هـ، (عن أبي بردة، عن أبيه) أبي موسى الأشعري.
فالمصنف ﵀ لما روى عن أستاذيه، وأشار إلى اتحاد معنى الروايتين بقوله: "المعنى" كما في بعض النسخ، فدل على أن بين لفظيهما اختلافًا، فأراد أن يبين اختلاف لفظيهما، فقال: (قال مسدد) يعني لفظ مسدد هكذا: (قال) أي أبو موسى: (أتينا رسول الله ﷺ نستحمله)
стр. 325
فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَسْتَاكُ، وَقَدْ وَضَعَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "أه أه"، يَعْنِي يَتَهَوَّعُ. [خ ٢٤٤، م ٢٥٤، ن ٣]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: كَانَ حَدِيثًا طَوِيلًا اخْتَصَرْتُهُ.
===
أي: نطلب منه أن يحملنا على الإبل، (فرأيته يستاك على لسانه) (١).
ثم ذكر لفظ رواية سليمان فقال: (قال أبو داود: وقال سليمان: قال) أي أبو موسى: (دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو) أي النبي ﷺ (يقول: أه أه (٢)، يعني يتهوع) أي كأنه يتقيأ.
فلم يذكر مسدد وضع السواك على طرف اللسان، ولم يذكر التهوع، فلهذا قال (قال أبو داود: قال مسدد: كان حديثًا طويلًا اختصرته) (٣).
وقد أخرج النسائي (٤) هذا الحديث من حديث قتيبة: ثنا حماد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله ﷺ في - يعني- رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: "والله لا أحملكم"، الحديث،
стр. 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وليس فيه ذكر السواك. وكذلك أخرجه مسلم من حديث خلف بن هشام، وقتيبة، ويحيى بن حبيب الحارثي بهذا السند، وليس فيه ذكر السواك، وفي أخرى لمسلم (١) من طريق أبي أسامة عن بُرَيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحُمْلان، إذ هم معه في جيش العُسْرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله! إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء"، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينًا، الحديث، وكذلك الروايات الآخر في هذه القصة من مسلم ﵀ ليس في أحد منها ذكر السواك.
وكذلك أخرج البخاري (٢) من حديث أبي النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فوجدته يستنُ بسواك بيده يقول: أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع، وليس فيه ذكر سؤال الحملان، وقد أخرج البخاري بهذا السند المذكور حديث الاستحمال في "كتاب الأيمان" في "باب الاستثناء في الأيمان"، وليس فيه ذكر السواك، وكذلك الروايات التي أخرجها الإِمام أحمد في "مسنده" في هذه القصة، ليس فيها ذكر السواك.
ولكن أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" (٣) قصة أخرى من حديث أبي موسى الأشعري، قال أبو موسى: "أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رَجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنببي ﷺ يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى؟ أو يا عبد الله بن
стр. 327
(٢٧) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ
===
قيس" قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني انظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت"، فهذه القصة فيها ذكر السواك، واللفظ لمسلم.
فما جمعه أبو داود في حديثه بين قصة الاستحمال وذكر السواك فيها، فلم أجده فيما تتبعت من كتب الحديث، فذكر الاستحمال في هذا الحديث، لعله غير محفوظ.
وقد ورد في رواية البخاري في قصة الاستحمال، ولفظها: أتينا رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين أستحمله وهو يقسم نَعَمًا من نعم الصدقة، قال أيوب أحسبه قال: وهو غضبان، الحديث. وهاتان الحالتان من الغضب وقسمة النعم بظاهرهما تأبيان أن يكون رسول الله ﷺ يستاك في هاتين الحالتين، فهذا يؤيد أيضًا أن الجمع بين قصة الاستحمال وذكر السواك كما ذكره أبو داود بعيد، والله تعالى أعلم.
(٢٧) (بَاب: في الرَّجُلِ يَسْتَاكُ (١) بِسِوَاكِ غَيْرِهِ)
هل يجوز ذلك الفعل أو لا يجوز؟
стр. 328
٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائَشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْتَنُّ، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلِيهِ في فَضْلِ السِّواكِ: أَنْ كَبِّرْ: أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا (١)
===
٥٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عنبسة بن عبد الواحد) بن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو خالد الكوفي، الأعور، ثقة عابد، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) وهو عروة بن الزبير، (عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستنُّ) (٢) أي يستاك، (وعنده رجلان، أحدهما كبر من الآخر) أي سنًا أو فضلًا (فأوحي إليه) أي من غير أن يميل إلى الآخر، فيكون تأكيدًا للوحي المنامي، أو بعد إرادته لمقتضى ما هو تقديم الأصغر، فتكون القضية واحدة (في فضل السواك) أي فضيلته وزيادته (أن كَبِّرْ) هو الموحى به أي قَدِّمْ الكبير، يعني: ادفع السواك إلى الأكبر منهما، الظاهر أنهما كانا في أحد جانبيه أو في يساره وهو الإنسب، فأراد تقديم الأقرب، فأمر بتقديم الأكبر، فلا ينافي حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره بسؤره ﵊ من اللبن لكونه على اليمين على الأشياخ من أبي بكر وعمر وغيرهما.
(أعط السواك أكبرهما) الظاهر أن هذا تفسير من أحد الرواة، قاله علي القاري (٣).
قلت: وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال:
стр. 329
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَزْمٍ: قَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ -: هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (١) [م ٣٠٠٣ معناه، خت ٢٤٦]
===
"أراني في المنام" وليس في رواية البخاري لفظة "في المنام" فهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في المنام، ورواية أبي داود عن عائشة ﵂ تقتضي أن القضية وقعت في اليقظة.
ويجمع بينهما أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم ﷺ بما رآه في النوم تنبيهًا على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعضهم، هكذا جمع الحافظ ابن حجر، فعلى هذا قال علي القاري: والظاهر أن هذا الحديث محمول على حال حكايته المنام، وإلَّا يشكل تعدد الوحي في أمر واحد.
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السنن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وقال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنَّة حينئذ تقديم الأيمن.
وها هنا عبارة كتبت في بعض النسخ المطبوعة بالهند، والنسخة المطبوعة بمصر، وليست في النسخة المكتوبة المقروءة على الشيخ الأجل مولانا محمد إسحاق الدهلوي، وهي هكذا:
(قال أحمد بن حزم: قال لنا أبو سعيد - هو ابن الأعرابي -: هذا بما تفرد به أهل المدينة)، فهذا أبو سعيد ابن الأعرابي الراوي عن المصنف
стр. 330
(٢٨) بَابُ غَسْلِ السِّواكِ
٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الأَنْصَارِيُّ ,
===
نسخة أبي داود، روى عنه تلميذه قوله، فأدرج بعض النساخ غلطًا في نسخة اللؤلؤي، وهذه العبارة كتبت في النسخة المكتوبة على الحاشية، ومعنى هذه العبارة أن رواة هذه الرواية (١) كلهم مدنيون، وهذه لطيفة من لطائف علم الإسناد.
(٢٨) (بَابُ غَسْلِ السِّواكِ)
لعل غرض المصنف بعقد هذا الباب أنه ذكر في الباب المار جواز الاستياك بسواك غيره، ثم ذكر بعد ذلك إذا استاك بسواك غيره، هل يستاك بعد الغسل أم قبله؟
٥١ - (حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن عبد الله الأنصاري) ثلاثة؛ أكبرهم اسم جده المثنى، والثاني اسم جده حفص، والثالث زياد، والمذكرر ها هنا هو الأول، وهو محمد بن عبد الله بن مثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، وقال أبو داود: تغير تغيرًا شديدًا، وقال زكريا الساجي: رجل جليل عالم، غلب عليه الرأي، قال: وحدثت عن ابن معين قال: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يليق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ قال: للحديث رجال، وقال الأثرم عن أحمد: ما كان يصنع الأنصاري عند أصحاب الحديث إلَّا النظر في الرأي، وأما السماع فقد سمع، مات بالبصرة سنة ٢١٥ هـ.
стр. 331
نَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ الحَاسِبُ، نَا كَثِيرٌ، عن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ نَبِيُّ اللَّه ﷺ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ،
===
(نا عنبسة بن سعيد) بن كثير بن عبيد القرشي التيمي، مولى أبي بكر ﵁ (الكوفي الحايسب) وكثير هو رضيع عائشة ﵂ ثقة، كذا قال ابن معين وأبو حاتم وأبو داود، قال في "الميزان" (١): له حديث واحد.
(نا كثير) بن عبيد التيمي، مولى أبي بكر الصديق، أبو سعيد الكوفي، رضيع عائشة ﵂ ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقول الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ذكر عنبسة بن سعيد: روى عن جده أبي العنبس كثير بن عبيد رضيع عائشة ﵂ يدل على أن كنية جده كثير بن عبيد أبو العنبس، فالظاهر أنه وهم، فكثير بن عبيد ليس كنيته أبو العنبس، بل كنيته أبو سعيد، كما ذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة كثير بن عبيد، نعم أبو العنبس كنية ابنه سعيد بن كثير، وكذا ما قال في "الخلاصة" في ذكر عنبسة بن سعيد، فقال: عن جده، فكتب في الحاشية عن "تهذيب التهذيب" هكذا: جده هو أبو العنبس كثير بن عبيد فهذا أيضًا غير صحيح.
(عن عائشة) ﵂ (أنها قالت: كان نبي الله ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله) (٢) للتنظيف، قال ابن حجر: يوخذ منه أن غسل
стр. 332
فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ، وَأَدْفَعُهُ إِليْهِ. [ق ١/ ٣٩]
(٢٩) بَابٌ: السّوَاكُ مِنَ الْفِطْرَة
٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ,
===
السواك في أثناء التسوك وبعده قبل وضعه سنَة، وقال ابن الهمام: يستحب في السواك أن يكون ثلاثًا بثلاث مياه.
(فابدأ به) أي باستعماله قبل الغسل لنيل البركة، ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه السواك من ماء أسنانه (فأستاك، ثم أغسله) أي أستاك به تبركًا، ثم أغسله تأدبًا.
وفيه دليل على أن استعمال سواك الغير برضاه غير مكروه، وإنما فعلت ذلك لما بين الزوج والزوجة من الانبساط.
(وأدفعه إليه) ليكمل سواكه أو ليحفظه، قال ابن حجر: والثاني غير ظاهر, لأنه خلاف الأدب عرفًا، ولورود: "كنا نُعِدّ سواكه وطهوره"، ويحتمل أن يكون المراد وأدفعه إليه وقتًا آخر، بل هذا هو الأظهر. ودلالة الحديث على غسل السواك في أثناء التسوك غير ظاهرة، "علي القاري" (١) ملخصًا.
(٢٩) (بَابٌ: السّوَاكُ مِنَ الْفِطْرَة)
٥٢ - (حدثنا يحيى بن معين) (٢) بن عون الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل , ترك أبوه معين - وكان على خراج الري - لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث، ولد سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول ﷺ
стр. 333
نَا وَكيع، عن زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عن مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عن طَلْقِ بْنِ جَيبٍ، عن ابن الزُّبَيْرِ ,
===
سنة ثلاث وثلاثين ومأتين، وله سبع وسبعون سنة إلَّا نحوًا من عشرة أيام.
(نا وكيع) بن الجراح، (عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان العبدري المكي الحجبي، لين الحديث، قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وعن أحمد: روى أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه، وليس بقوي، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ولا بالحافظ، وقال النسائي (١): منكر الحديث، قال في "الميزان" (٢): قال أحمد: أحاديثه مناكير، ثم ذكر الحديث، ثم قال: مصعب ضعيف، وقال ابن عدي: تكلموا في حفظه.
(عن طلق) بسكون اللام (ابن حبيب) العنزي، بفتح المهملة والنون، البصري، قال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وكان يرى الإرجاء، وثقه أبو زرعة وابن سعد والعجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الفتح الأزدي: كان داعية إلى مذهبه، مات بين التسعين إلى المِئة.
(عن) عبد الله (بن الزبير) (٣) بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر، وأبو خبيب بالمعجمة مصغرًا، كان أول مولود في الإِسلام بالمدينة من المهاجرين، وأمه أسماء بنت أبي بكر، هاجرت به أمه إلى المدينة وهي حامل، بويع له بالخلافة عقيب موت يزيد بن معاوية سنة ٦٤ هـ، وكانت ولايته تسع سنين، قتله الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان في ذي الحجة سنة ٧٣ هـ.
стр. 334
عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ ,
===
(عن عائشة قالت: قال رسول الله عمرو: عشر من الفطرة) (١) أي عشر خصال من سنن الأنبياء الذين أُمِرنا أن نقتدي بهم، فكأنا فطرنا عليها، كذا نقل عن أكثر العلماء، أو السنَّة الإبراهيمية ﵊، أو ما فطرت عليه الطباع السليمة من الأخلاق الحميدة، وركب في عقولهم استحسانها، وهذا أظهر، أو المراد من الفطرة "الدين" كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أي دين الله الذي اختاره لأول مفطور من البشر، وهذه الأفعال من توابع الدين، بحذف المضاف.
(قص الشارب) (٢) هو شعر ينبت على الشفة العليا، وفي بعض الأحاديث: "جُزُّوا الشواربَ"، و"أحفوا الشوارب"، و"أنهكوا الشوارب"، فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة، قال القاري: قال ابن حجر: فيسن إحفاؤه (٣) حتى تبدوَ حمرةُ الشفة العليا، ولا يُحْفيه من أصله، والأمر بإحفائه محمول على ما ذكر، وخرج بقصه
стр. 335
وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ،
===
حلقه فهو مكروه (١)، وقيل: حرام لأنه مُثلة، وقيل: سنة لرواية به حملت على الإحفاء بالمعنى المذكور.
وقال صاحب "مرقاة الصعود": قال الطحاوي: لم أر عن الشافعي به شيئًا منصوصًا، ومن رأيناه من أصحابه كالمزني، والربيع يُحْفُون، وما أظنهم أخذوه إلَّا عنه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: الإحفاء أفضل من التقصير.
(وإعفاء اللحية) (٢) هو إرسالها وتوفيرها، وكره قصها، وقص اللحية من سنن الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير من المشركين والإفرنج والهنود، ومن لا خلاق له في الدين ممن يتبعونهم ويحبون أن يتزيوا بزيهم.
وقال في "الدر المختار" (٣): ولا بأس بنتف الشيب، وأخذ أطراف اللحية (٤)، والسنَّة فيها القبضة، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد منها (٥) على قبضة قطعه، كذا ذكر محمد في "كتاب الآثار" عن الإِمام، قال: وبه نأخذ، "محيط".
ثم قال: وكذا يحرم على الرجل قطع لحيته، فعُلم من ذلك أن ما يفعله بعض من لا خلاق له في الدين من المسلمين في الهند والأتراك
стр. 336
وَالسّوَاكُ، والاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ,
===
حرام، نعم إذا نبتت اللحية للمرأة فيستحب لها حلقها.
(والسواك) وقد مر بحثه فيما تقدم قريبًا، (والاستنشاق بالماء) وهو كالمضمضة الآتية سنتان في الوضوء وفرضان في الغسل عندنا، وسنتان عند الشافعي (١)، وقال أحمد ومالك في رواية بوجوبهما.
(وقص الأظفار) أي تقليمها، وتحصل سُنَيَّتُها بأي كيفية كانت، وأولاها أن يبدأ بمسبحة اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليد اليسرى، ثم بنصرها، ثم وسطاها، ثم مسبحتها، ثم إبهامها، وفي الرجلين بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى (٢).
وفي "الشامي" (٣): قال في "الهداية" عن "الغرائب": وينبغي الابتداء (٤) باليد اليمنى، والانتهاء بها، فيبدأ بسبابتها، ويختم بإبهامها، وفي الرجل بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، انتهى. ونقله القهستاني عن "المسعودية".
وقال في "الدر المختار": وفي "المواهب": قال الحافظ ابن حجر: إنه يستحب كيفما احتاج إليه، ولم يثبت في كيفيته شيء، ولا في تعيين يوم
стр. 337
وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ,
===
له عن النبي ﷺ هم، إلَّا أنه لا يترك أكثر من أربعين يومًا، وما يُعْزى من النظم في ذلك للإمام علي قال شيخنا: إنه باطل، وكذا قال السيوطي، قد أنكر الإِمام ابن دقيق العيد جميع هذه الأبيات، وقال: لا تعتبر هيئة مخصوصة، وهذا لا أجل له في الشريعة، ولا يجوز اعتقاد استحبابه, لأن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل.
(وغسل البراجم) بفتح الباء وكسر الجيم، جمع برجم بضمهما، والبرجمة بالفتح غلظ الكلام، هي عقد الأصابع ومفاصلها (١)، ويلحق بها ما يجتمع من الوسخ بالعرق والغبار في معاطن الأذن، وقعر الصماخ، وداخل الأنف ونحوه، وغسلها سنَّة مستقلة لا تختص بالوضوء.
(ونتف الإبط) (٢) بسكون الموحدة وتكسر، أي قلع شعره بحذف المضاف، وعلم منه أن حلقه ليس بسنَة، وقيل: النتف أفضل لمن قوي عليه، قال في "الدر المختار" و"شرحه": وتنظيف بدنه بنحو إزالة الشعر من إبطيه، ويجوز فيه الحلق، والنتف أولى.
(وحلق العانة) قال في "لسان العرب": وعانة الإنسان: إسْبه، الشعر الثابت على فرجه، وقيل: هي منبت الشعر هنالك، قال أبو الهيثم: العانة منبت الشعر فوق القُبُل من المرأة، وفوق الذكر من الرجل،
стр. 338
وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ" - يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءَ -
===
والشعر الثابت عليهما يقال له الشِّعْرَةُ والإيسْبُ، قال الأزهري: هذا هو الصواب (١).
قال الشامي (٢): قال في "الهندية": ويبتدئ من تحت السرة، ولو عالج بالنَّوْرة يجوز، كذا في "الغرائب"، وفي "الأشباه": والسنَّة في عانة المرأة النتف، انتهى.
قال الأبهري: ولا يترك حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، والأظفار أكثر من أربعين يومًا، كما في رواية مسلم من حديث أنس.
(وانتقاص الماء (٣)، يعني الاستنجاء بالماء) بالقاف والصاد المهملة هو الصحيح، وصَوَّب بالفاء، قيل: هو الاستنجاء كما حكاه مسلم عن وكيع، وقال أبو عبيدة وغيره: معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره، وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية "الانتضاح" بدل "انتقاص الماء"، قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج (٤) بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس، وقيل: هو الاستنجاء بالماء، كذا في "شرح مسلم" (٥) للنووي.
стр. 339
قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. [م ٢٦١، ت ٢٧٥٨، ن ٥٠٤٣، جه ٢٩٣، حم ٦/ ١٣٧]
٥٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن عَلِيِّ بنِ زيدٍ ,
===
(قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلَّا أن تكون المضمضة)
فعلى هذا: الناسي هو مصعب بن شيبة، كما ذكره مسلم عن قتيبة، وفي رواية لمسلم أن الذي نسيها زكريا بنُ أبي زائدة، وقائلُ "إلَّا أن تكون المضمضة" يحتمل أن يكون مصعبًا، ويحتمل أن يكون الراوي عنه، و"نُسِّيْت" في نسخة بالتشديد والبناء للمفعول، وقوله: "إلَّا أن تكون" قال الطيبي: استثناء مفرغ أي لم أتذكر العاشرة فيما أظن شيئًا من الأشياء، إلَّا أن تكون مضمضة، وقال ابن حجر: ضمن نسي معنى النفي, لأن الترك موجود في ضمن كل، أي لم أتذكر شيئًا يتم الخصال به عشرًا، إلَّا أن يكون مضمضة، نقله "علي القاري" (١)، وقال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو الأولى، كذا قال النووي في "شرح مسلم".
٥٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب) مكبرًا الباهلي، أبو سليمان البصري، قال أبو حاتم: صدوق، روى له البخاري حديثًا واحدًا في أول المحاربين، مات سنة ٢٢١ هـ أو سنة ٢٢٢ هـ (قالا: نا حماد) بن سلمة، كما يفهم من رواية ابن ماجه، وإلَّا فيحتمل أن يكون حماد بن زيد، فإن داود بن شبيب يروي عنهما، وكذلك الحمادان يرويان عن علي بن زيد، (عن علي بن زيد) بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي، أبو الحسن البصري، أصله من مكة، وهو المعروف بعلي بن زيد بن
стр. 340
عن سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - قَالَ مُوسَى: عن أَبِيهِ، وَقَالَ دَاوُدُ: عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -
===
جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، ضعفه كثير من المحدثين، وتفصيله مذكور في "تهذيب التهذيب"، مات سنة ١٣١ هـ وقيل قبلها.
(عن سلمة بن محمد (١) بن عمار بن ياسر) العنسي بالنون، المدني، مجهول، روى عن جده، وقيل: عن أبيه عن جده، روى عنه علي بن جُدْعان وحده، قال البخاري: ولا نعرف أنه سمع من عمار أم لا، قال ابن معين: حديثه عن جده مرسل، وقال ابن حبان: لا يحتج به.
(قال موسى) أي ابن إسماعيل: (عن أبيه) هو محمد بن عمار بن ياسر العنسي بالنون، مولى بني مخزوم، روى عن أبيه، وعنه ابناه سلمة وأبو عبيدة، وبعضهم يقول: عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن عمار، ذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: حديثه في "سنن أبي داود" من روايته عن النبي ﷺ مرسلًا، ليس فيه عن عمار، رواه من طريق سلمة بن محمد بن عمار عن جده، ولم يذكر محمدًا، وقد ذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات من ستين إلى سبعين.
(وقال داود) بن شبيب المذكور: (عن عمار بن ياسر)، غرض أبي داود بيان الاختلاف الواقع بين ألفاظ كلا أستاذيه، فأما موسى فرواه بسنده عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه محمد أن رسول الله ﷺ قال .. الحديث، وأما داود بن شبيب فروى بسنده عن سلمة بن محمد بن
стр. 341
أَنَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ".
===
عمار بن ياسر عن جده عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال .. الحديث، فعلى الأول مرسل (١)، وعلى الثاني منقطع.
وهو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، أبو اليقظان (٢)، مولى بني مخزوم، وأمه سمية من لخم، وكان ياسر قدم من اليمن إلى مكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه مولاته سُمَيَّةَ، فولدت له عمارًا فأعتقه أبو حذيفة، وأسلم عمار وأبوه قديمًا، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل أبو جهل سمية، فهي أول شهيدة في الإِسلام، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وتواترت الروايات عن النبي ﷺ أنه قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"، قتل مع علي بصفين سنة ٣٧ هـ وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودفن هناك بصفين.
وقد روى هذا الحديث الإِمام أحمد في "مسنده" وابن ماجه في "سننه" بسنديهما عن عمار بن ياسر، وهذا لفظ أحمد: أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الفطرة أو الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، والاستحداد، والاختتان، والانتضاح".
(أن رسول الله ﷺ قال: إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق،
стр. 342
فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذكُرْ إِعْفَاءَ اللّحْيَةِ، وَزَادَ: "وَالْخِتَانَ"،
===
فذكر نحوه) أي نحو رواية عائشة ﵂، (ولم يذكر إعفاء اللحية) كما ذكر في رواية عائشة ﵂، (وزاد) في هذه الرواية: (والختان) الذي ليس في رواية عائشة.
والختان بكسر المعجمة، وتخفيف المثناة، مصدر خَتَنَ أي قطع، والختن بفتح ثم سكون، قطع بعضٍ مخصوص من عضو مخصوص، قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تستوعب من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به، واختلف في وجوب الختان، فروي عن الشافعي وكثير من المشايخ أنه واجب في حق الرجال والنساء، وعند مالك وأبي حنيفة وهو قول أكثر العلماء أنه سنَّة، قاله الشوكاني (١).
وقال الحافظ في "الفتح" (٢): وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخمسة المذكورة في الباب: الشافعي وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاء، حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختن، وعن أحمد وبعض المالكية يجب، وعن أبي حنيفة واجب وليس بفرض، وعنه سنَّة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء، انتهى.
قلت: قال في "الدر المختار" (٣): (مسائل شتى): صبيٌّ حشفته ظاهرة بحيث لو رآه إنسان ظنه مختونًا، ولا تقطع جلدة ذكره إلَّا بتشديد آلمه ترك على حاله، كشيخ أسلم، وقال أهل النظر: من لا يطيق الختان ترك أيضًا، ولو ختن ولم تقطع الجلدة كلها، ينظر: فإن قطع أكثر من النصف كان
стр. 343
قَالَ: "وَالانْتِضَاحَ"، وَلَمْ يَذْكُرِ انْتِقَاصَ الْمَاءِ، يَعْنِي الاستِنْجَاءَ. [جه ٢٩٤، حم ٤/ ٢٦٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ ,
===
ختانًا، وإن قطع النصف فما دونه لا يكون ختانًا يعتدّ به، لعدم الختان حقيقة وحكمًا، والأصل أن الختان سنَّة كما جاء في الخبر، وهو من شعائر الإِسلام وخصائصه، فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإِمام، فلا يترك إلَّا لعذر، وعذرُ الشيخ لا يطيقه ظاهر، انتهى (١).
(قال) أي الراوي في رواية عمار: (والانتضاح (٢). ولم يذكر) الراوي لفظ (انتقاص الماء) الذي ذكر في رواية عائشة ﵂. ثم فسر أبو داود لفظ "انتقاص الماء" بقوله: (يعني) بانتقاص الماء (الاستنجاء)، وإن كان مفهوم اللفظ عامًا يشمل الاستنجاء والانتضاح وجميع الغسلات.
(قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس) وهذا أثر ابن عباس
стр. 344
وقَالَ: "خَمْسٌ كُلُّهَا في الرَّأسِ"، وَذَكَرَ فِيْهَا الْفَرْقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمَّادٍ، عن طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ، وعن بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْمُزَنِيِّ
===
تتبعته في كتب الحديث الموجودة عندي فلم أجده فيها (١)، ولكن قال صاحب "غاية المقصود": وصله عبد الرزاق في "تفسيره"، والطبري (٢) من طريقه بسند صحيح، واللفظ لعبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، الحديث.
(وقال: خمس كلها في الرأس) أي قال ابن عباس: خمس خصال (٣) كلها توجد في الرأس، (وذكر فيه الفرق) فالغرض منه أن ذكر الفرق موجود في رواية ابن عباس، وغير موجود في رواية عائشة ﵂ المذكورة قبلُ، (ولم يذكر) في رواية ابن عباس (إعفاء اللحية) وقد ذكر في رواية عائشة ﵂ المارة قبل.
(قال أبو داود: وروي) بصيغة المجهول (نحو حديث حماد) المذكور قبل (عن طلق بن حببط ومجاهد، وعن بكر بن عبد الله المزني) وهو بكر بن
стр. 345
قَوْلُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ.
===
عبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله البصري، وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا مأمونًا حجة فقيهًا، مات سنة ١٠٨ هـ، وقال ابن المديني والبخاري وابن أبي خيثمة وأبو نصر الكلاباذي وغيرهم: مات سنة ١٠٦ هـ.
(قولهم) يعني موقوفًا ولم يرفعوه (ولم يذكروا) أي الرواة المذكورون في روايتهم (إعفاء اللحية).
فأما طلق بن حبيب فله حديثان، أحدهما ما يرويه مرفوعًا، وهو الذي أخرجه المصنف في أوائل الباب، وأيضًا أخرجه مسلم في "صحيحه"، وأخرجه ابن ماجه في "سننه"، ولكن فيه: عن طلق بن حبيب عن أبي الزبير، وهذا غلط من الكاتب، والصواب: عن ابن الزبير كما في نسخة، وأيضًا أخرجه النسائي، ثم أخرج النسائي بعده رواية طلق موقوفًا، روى عنه سليمان التيمي، وأبو بشر جعفر بن أياس موقوفًا عليه قوله , ثم قال النسائي بعد تخريج الروايتين: قال أبو عبد الرحمن: وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث.
قلت: مصعب بن شيبة، وإن كان تكلم فيه بعض المحدثين لكن وثقه بعضهم، وأخرج حديثه مسلم في "صحيحه"، وروايته مؤيدة بالشواهد، فعلى هذا تكون روايته صحيحة لغيرها.
وأما رواية مجاهد (١) وبكر بن عبد الله المزني فلم أجدها في الكتب الموجودة عندنا.
стр. 346
وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ: "وَإِعْفَاءُ اللّحْيَةِ".
وَعَن إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي نَحْوَهُ، وَذَكَرَ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ وَالْخِتَانَ.
===
(وفي حديث محمد (١) بن عبد الله بن أبي مريم) المدني الخزاعي مولاهم، ويقال: مولى ثقيف، روى عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وروى عنه صفوان بن عيسى، ومالك، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وأبو ضمرة، ويحيى القطان وقال: لم يكن به بأس، وآخرون، وقال: أبو حاتم: شيخ مدني صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، كذا في "تعجيل المنفعة" (٢) للحافظ ابن حجر العسقلاني.
(عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيه: وإعفاء اللحية) والغرض من ذكر رواية محمد بن عبد الله بيان أن فيها ذكر إعفاء اللحية، فقوله: "وإعفاء اللحية" مبتدأ، وقوله: "وفي حديث محمد بن عبد الله" خبره مقدم عليه، وقوله: "فيه" تأكيد، واختلف النسخ في ذلك اللفظ، فيوجد في بعضها , ولا يوجد في بعضها , ولكن هذا اللفظ موجود في النسخة المكتوبة لمولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري.
(وعن إبراهيم النخعي نحوه، وذكر إعفاء اللحية والختان)، يعني (٣)
стр. 347
(٣٠) بَابُ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ
٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن حُذَيْفَةَ قَالَ:
===
رواية إبراهيم النخعي مثل رواية محمد بن عبد الله بن أبي مريم في المعنى، إلَّا أن فيه ذكر الختان مع ذكر إعفاء اللحية، ولم نجد هاتين الروايتين في كتب الحديث.
(٣٠) (بَابُ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ)
يعني: يستحب لمن قام بالليل، سواء كان قيامه للصلاة أو لغيرها، أن يستاك؛ لأن النوم مظنة تغير الرائحة لأجل صعود الأبخرة من المعدة إلى الفم، وكذلك في جميع مظان تغير الرائحة، وكذلك عند أكل ما فيه رائحة كريهة، كالثوم، والبصل، والتنباك.
٥٤ - (حدثنا محمد بن كثير) العبدي، أبو عبد الله البصري، روى عن أخيه سليمان، وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثوري، وشعبة. روى عنه البخاري، وأبو داود، وآخرون، قال ابن معين: لم يكن بثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد بن حنبل: ثقة، مات سنة ٢٢٣ هـ، وكان له يوم مات تسعون سنة.
(نا سفيان) الثوري، (عن منصور) بن معتمر (وحصين) بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل مصغرًا الكوفي، ابن عم منصور بن المعتمر، وثقه أحمد وابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال بعضهم: ساء حفظه في آخر عمره وتغير، مات سنة ١٣٦ هـ، وله ثلاث وتسعون سنة.
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة، (عن حذيفة) بن اليمان (قال:
стр. 348
إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [خ ٢٤٥، م ٢٥٥، ن ٢، جه ٢٨٦]
٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، نَا بَهْزُ بْنُ حَكِيم، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ,
===
إن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل (١) يشوص فاه بالسواك)، والشَّوص: دلك الأسنان بالسواك عرضًا، وقيل: هو الغسل، وقيل: التنقية (٢)، فهذه أقوال الأئمة فيه، كذا قال النووي (٣)، وفي رواية مسلم: "إذا قام ليتهجد".
٥٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة، (نا بهز بن حكيم) بن معاوية بن حيدة، أبو عبد الملك، القشيري البصري، وثقه علي بن المديني ويحيى بن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال صالح جزرة: بهز عن أبيه عن جده إسناد أعرابي، وقال الحاكم: كان من الثقات ممن يجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده, لأنها شاذَّة, لا متابع له عليها، وقال الآجري عن أبي داود: هو عندي حجة، وعند الشافعي ليس بحجة، مات بعد سنة ١٤٠ هـ، وقيل قبل سنة ١٦٠ هـ.
(عن زرارة بن أوفى) العامري الحرشي، بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة، أبو حاجب البصري، قاضيها، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ثقة، وكذلك وثّقه ابن سعد والعجلي، وقال أبو حيان
стр. 349
عن سَعْدِ بْنِ هِشَامِ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوؤُهُ وَسِوَاكُهُ، فَإِذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ تَخَلَّى ثُمَّ اسْتَاكَ. [ق ١/ ٣٩]
٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَنَا هَمَّام، عن عَلِيِّ بْنِ زيدِ، عن أُمِّ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ فيَسْتَيْقِظُ إِلَّا يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. [حم ٦/ ١٦٠، ق ١/ ٣٩]
===
القصاب: صلَّى بنا زرارة الفجر ولما بلغ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (١) شهق شهقة فمات سنة ٩٣ هـ.
(عن سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني، ابن عم أنس، قال النسائي: ثقة، وذكر البخاري أنه قتل بأرض مكران على أحسن أحواله، قال أبو بكر الحازمي: مكران - بضم الميم - بلدة بالهند.
(عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوؤه وسواكه) أي يُعِدُّ أهلُه في أول الليل ماء وضوئه وسواكه، (فإذا قام من الليل تخلَّى) أي قضى الحاجة (ثم استاك).
وهذا الحديث يدل على أنه ﷺ كان يستاك عند الوضوء.
٥٦ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام) بن يحيى بن دينار، (عن علي بن زيد) بن جدعان، (عن أم محمد) امرأة زيد بن جدعان والد علي بن زيد، يقال: اسمها آمنة، وقيل: أمية بنت عبد الله، (عن عائشة: أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل ولا نهار، فيستيقظ إلَّا يتسوك قبل أن يتوضأ) (٢) لأن النوم مظنة تغير رائحة الفم، فيتأكد السواك عند الاستيقاظ منه إزالة لذلك
стр. 350
٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا هُشَيْمٌ، أَنَا حُصَيْنٌ، عن حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتِ,
===
التغير، وفي الحديث دليل على أنه ﷺ يتسوك قبل أن يتوضأَ، وأيضًا يدل على أنه ﷺ يتسوك بعد الاستيقاظ من النوم، سواء أراد التهجد أو لم يرد.
٥٧ - (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع البغدادي، (نا هشيم) بالتصغير، ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم (١) بالمعجمتين، الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ١٨٣ هـ، وقد قارب الثمانين.
(أنا حصين) مصغراً ابن عبد الرحمن، (عن حبيب) بالحاء مكبرًا (ابن أبي ثابت) قيس بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، روى عن عروة بن الزبير حديث المستحاضة، وحديث القبلة، وحديث ابن عمر في اعتمار النبي ﷺ في رجب وإنكار عائشة ﵂ لذلك، وحديثًا في الدعوات كان النبي ﷺ يقول: " اللَهُمَّ عافني في جسدي"، الحديث، وجزم الثوري أنه لم يسمع منه، وإنما هو عروة المزني آخر، وكذا تبع الثوري جماعة من المحدثين.
وأما أبو داود فيحكي قوله في "سننه" ويخالفه ويرده ويقول: قد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا، وهذا ظاهر أن الحديث لا يكون صحيحًا، إلَّا أن يكون حبيب سمعه من عروة بن الزبير. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن معين والنسائي:
стр. 351
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ , فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ
===
ثقة، وعن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة، وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، وقال ابن أبي حاتم في "كتاب المراسيل" عن أبيه: أهل الحديث اتفقوا على عدم سماعه من عروة، قال: واتفاقهم على شيء يكون حجة.
قلت: ودعوى الاتفاق غلط، وقال ابن عدي: هو ثقة حجة، وقال العجلي: سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيهًا، ومفتي الكوفة، مات سنة ١١٩ هـ.
(عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) الهاشمي، ثقة، لم يثبت سماعه من جده، ولا أنه لقيه، مات سنة ١٢٤ هـ أو سنة ١٢٥ هـ.
(عن أبيه) هو علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أبو محمد، ثقة عابد قليل الحديث، مات سنة ١١٨ هـ، (عن جده عبد الله بن عباس قال: بت) أي نمت ورقدت (ليلة عند النبي ﷺ ، فلما استيقظ من منامه أتى طهوره) أي الماء الذي أعدّ لوضوئه ﷺ (فأخذ (١) سواكه فاستاك
стр. 352
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلَّاهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجعَ إِلَى فِرَاشِه فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ رَجعَ إِلَى فِرَاشِه فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، كلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ
===
ثم تلا (١) هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها)، وفي رواية مسلم: "فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة"، ولم يذكر الشك، فالشك المذكور في رواية أبي داود ليس من ابن عباس ﵁، بل من بعض الرواة، يعني يقول الراوي: أشك في قول أستاذي قال: حتى قارب أن يختم السورة، أو قال: حتى ختمها, ولعل الشك (٣) من هشيم.
(ثم توضأ) أي أتم الوضوء (فأتى مصلاه فصلَّى ركعتين)، وفي رواية مسلم: "فأطال فيهما القيام والركوع والسجود"، (ثم رجع إلى فراشه، فنام ما شاء الله، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك) أي تسوك وتوضأ، وتلا الآيات، وصلَّى ركعتين، (ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك) من الاستياك، والوضوء، وتلاوة الآيات، والصلاة، (ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك) ويتوضأ،
стр. 353
وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَر". [م ٢٥٦، ن ١٧٠٤، حم ١/ ٣٧١]
===
ويقرأ هؤلاء الآيات، كما في رواية مسلم (ويصلي ركعتين، ثم أوتر) وفي مسلم: "ثم أوتر بثلاث".
قال النووي (١): هذه الرواية مخالفة لباقي الروايات في تخلل النوم بين الركعات وفي عدد الركعات، فإنه لم يذكر في باقي الروايات تخلل النوم وذكر الركعات ثلاث عشرة، قال القاضي عياض: هذه الرواية, وهي رواية حصين عن حبيب بن أبي ثابت بما استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة، قال الدارقطني: وروي عنه على سبعة أوجه، وخالف فيه الجمهور.
قلت: قول النووي: هذه الرواية فيها مخالفة لباقي الروايات في تخلل النوم بين الركعات، لعله صدر عنه على غفلة من الرواية التي تقدمت في "باب السواك" ما نصه: حدثنا عبد بن حميد نا أبو نعيم نا إسماعيل بن مسلم نا أبو المتوكل أن ابن عباس حدثه: أنه بات عند نبي الله ﷺ ذات ليلة، فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوّك وتوضأ، ثم قام فصلَّى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء، فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلَّى (٢)، انتهى. فهذه الرواية تؤيد رواية حصين بن عبد الرحمن في تخلل النوم بين الركعات.
وأما الاختلاف الواقع في ذكر الركعات، فالظاهر أنهما واقعتان مختلفتان، ففي إحداهما صلَّى رسولى الله ﷺ ثلاث عشرة ركعة متصلة،
стр. 354
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: فَتَسوَّكَ وَتَوَضَّأ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ.
===
لم يتخلل النوم بينها، وفي بعضها صلاها منفصلة بتخلل النوم بينها، واقتصر على تسع ركعات، فلا مخالفة فيها أصلًا.
وأما ما قال الدارقطني في اضطرابها، فإن كان المراد بالاضطراب الاضطراب في السند، فالسند ليس فيه اضطراب أصلًا، وأما إن كان المراد بالاضطراب الاضطراب في المتن، فليس في المتن اختلاف لا يمكن الجمع فيه، ووجه الجمع إما الحمل على تعدد القصة أو بما جمع به القاضي عياض ﵀، فلا يرد الحديث الصحيح بمثل ذلك الاختلاف، وهذا الحديث يدل على أن الوتر ثلاث، ومعنى "أوتر" يعني أوتر الركعتين، بضم الثالثة معهما، كما تقوله الحنفية.
(قال أبو داود: ورواه ابن فضيل عن حصين) بن عبد الرحمن (قال: فتسوّك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، حتى ختم السورة)، ورواية ابن فضيل عن حصين أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) كما ذكرناه.
وغرض المصنف بذكره ها هنا بيان الاختلاف الواقع في رواية هشيم عن حصين، ورواية ابن فضيل عن حصين، وذكر شيئًا من اختلاف ها هنا، ثم أخرج المصنف هاتين الروايتين فيما بعد في "باب صلاة الليل"، وذكر فيه بعض الاختلافات الواقعة فيها في اللفظ، ولا يضر مثل هذا الاختلاف، لأن التحديث بالمعنى جائز عند المحدثين.
стр. 355
٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوْسَى الرَّازِيُّ قَالَ: ثَنَا عِيْسَى، ثَنَا مِسْعَر، عَنِ الْمِقْدَام بْن شُرَيْح، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيّ شَئءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. [م ٢٥٣، ت ٨، جه ٢٩٠، حم ٦/ ٤١، خزيمة ١٣٤]
===
٥٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: ثنا عيسى) بن يونس، (ثنا مسعر) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح المهملة، ابن كِدَام بكسر أوله، وتخفيف ثانيه، ابن زهير الهلالي العامري الرؤاسي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، وكان مرجئًا، مات سنة ١٥٣ هـ أو سنة ١٥٥ هـ، لم يشهد سفيان جنازته من أجل الإرجاء (١).
(عن المقدام بن شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي ويعقوب بن سفيان، (عن أبيه) شريح مصغرًا، ابن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي، أبو المقدام الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وكان من أصحاب علي، قتل بسجستان سنة ٧٨ هـ مع عبيد الله بن أبي بكرة، وثقه أحمد وابن معين والنسائي.
(قال) أي شريح: (قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك). قال النووي: فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره.
قلت: وهذا الحديث وجد ها هنا في بعض النسخ المطبوعة في الهند، ولم يوجد في النسخة المكتوبة لمولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري، ولا في المطبوعة بمصر، بل في النسخة المكتوبة الأحمدية كتب هذا الحديث على الحاشية عندما ذكر "باب في الرجل يستاك بسواك غيره"، وكتب قبل الحديث هذه العبارة: قال أحمد - هو ابن حزم -: قال