← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ , فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ === ثقة، وعن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة، وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، وقال ابن أبي حاتم في "كتاب المراسيل" عن أبيه: أهل الحديث اتفقوا على عدم سماعه من عروة، قال: واتفاقهم على شيء يكون حجة. قلت: ودعوى الاتفاق غلط، وقال ابن عدي: هو ثقة حجة، وقال العجلي: سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيهًا، ومفتي الكوفة، مات سنة ١١٩ هـ. (عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) الهاشمي، ثقة، لم يثبت سماعه من جده، ولا أنه لقيه، مات سنة ١٢٤ هـ أو سنة ١٢٥ هـ. (عن أبيه) هو علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أبو محمد، ثقة عابد قليل الحديث، مات سنة ١١٨ هـ، (عن جده عبد الله بن عباس قال: بت) أي نمت ورقدت (ليلة عند النبي ﷺ ، فلما استيقظ من منامه أتى طهوره) أي الماء الذي أعدّ لوضوئه ﷺ (فأخذ (١) سواكه فاستاك

стр. 352

ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلَّاهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجعَ إِلَى فِرَاشِه فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ رَجعَ إِلَى فِرَاشِه فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، كلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ === ثم تلا (١) هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها)، وفي رواية مسلم: "فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة"، ولم يذكر الشك، فالشك المذكور في رواية أبي داود ليس من ابن عباس ﵁، بل من بعض الرواة، يعني يقول الراوي: أشك في قول أستاذي قال: حتى قارب أن يختم السورة، أو قال: حتى ختمها, ولعل الشك (٣) من هشيم. (ثم توضأ) أي أتم الوضوء (فأتى مصلاه فصلَّى ركعتين)، وفي رواية مسلم: "فأطال فيهما القيام والركوع والسجود"، (ثم رجع إلى فراشه، فنام ما شاء الله، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك) أي تسوك وتوضأ، وتلا الآيات، وصلَّى ركعتين، (ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك) من الاستياك، والوضوء، وتلاوة الآيات، والصلاة، (ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك) ويتوضأ،

стр. 353

وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَر". [م ٢٥٦، ن ١٧٠٤، حم ١/ ٣٧١] === ويقرأ هؤلاء الآيات، كما في رواية مسلم (ويصلي ركعتين، ثم أوتر) وفي مسلم: "ثم أوتر بثلاث". قال النووي (١): هذه الرواية مخالفة لباقي الروايات في تخلل النوم بين الركعات وفي عدد الركعات، فإنه لم يذكر في باقي الروايات تخلل النوم وذكر الركعات ثلاث عشرة، قال القاضي عياض: هذه الرواية, وهي رواية حصين عن حبيب بن أبي ثابت بما استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة، قال الدارقطني: وروي عنه على سبعة أوجه، وخالف فيه الجمهور. قلت: قول النووي: هذه الرواية فيها مخالفة لباقي الروايات في تخلل النوم بين الركعات، لعله صدر عنه على غفلة من الرواية التي تقدمت في "باب السواك" ما نصه: حدثنا عبد بن حميد نا أبو نعيم نا إسماعيل بن مسلم نا أبو المتوكل أن ابن عباس حدثه: أنه بات عند نبي الله ﷺ ذات ليلة، فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوّك وتوضأ، ثم قام فصلَّى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء، فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلَّى (٢)، انتهى. فهذه الرواية تؤيد رواية حصين بن عبد الرحمن في تخلل النوم بين الركعات. وأما الاختلاف الواقع في ذكر الركعات، فالظاهر أنهما واقعتان مختلفتان، ففي إحداهما صلَّى رسولى الله ﷺ ثلاث عشرة ركعة متصلة،

стр. 354

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: فَتَسوَّكَ وَتَوَضَّأ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ. === لم يتخلل النوم بينها، وفي بعضها صلاها منفصلة بتخلل النوم بينها، واقتصر على تسع ركعات، فلا مخالفة فيها أصلًا. وأما ما قال الدارقطني في اضطرابها، فإن كان المراد بالاضطراب الاضطراب في السند، فالسند ليس فيه اضطراب أصلًا، وأما إن كان المراد بالاضطراب الاضطراب في المتن، فليس في المتن اختلاف لا يمكن الجمع فيه، ووجه الجمع إما الحمل على تعدد القصة أو بما جمع به القاضي عياض ﵀، فلا يرد الحديث الصحيح بمثل ذلك الاختلاف، وهذا الحديث يدل على أن الوتر ثلاث، ومعنى "أوتر" يعني أوتر الركعتين، بضم الثالثة معهما، كما تقوله الحنفية. (قال أبو داود: ورواه ابن فضيل عن حصين) بن عبد الرحمن (قال: فتسوّك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، حتى ختم السورة)، ورواية ابن فضيل عن حصين أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) كما ذكرناه. وغرض المصنف بذكره ها هنا بيان الاختلاف الواقع في رواية هشيم عن حصين، ورواية ابن فضيل عن حصين، وذكر شيئًا من اختلاف ها هنا، ثم أخرج المصنف هاتين الروايتين فيما بعد في "باب صلاة الليل"، وذكر فيه بعض الاختلافات الواقعة فيها في اللفظ، ولا يضر مثل هذا الاختلاف، لأن التحديث بالمعنى جائز عند المحدثين.

стр. 355

٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوْسَى الرَّازِيُّ قَالَ: ثَنَا عِيْسَى، ثَنَا مِسْعَر، عَنِ الْمِقْدَام بْن شُرَيْح، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيّ شَئءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. [م ٢٥٣، ت ٨، جه ٢٩٠، حم ٦/ ٤١، خزيمة ١٣٤] === ٥٨ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: ثنا عيسى) بن يونس، (ثنا مسعر) بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح المهملة، ابن كِدَام بكسر أوله، وتخفيف ثانيه، ابن زهير الهلالي العامري الرؤاسي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، وكان مرجئًا، مات سنة ١٥٣ هـ أو سنة ١٥٥ هـ، لم يشهد سفيان جنازته من أجل الإرجاء (١). (عن المقدام بن شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي ويعقوب بن سفيان، (عن أبيه) شريح مصغرًا، ابن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي، أبو المقدام الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وكان من أصحاب علي، قتل بسجستان سنة ٧٨ هـ مع عبيد الله بن أبي بكرة، وثقه أحمد وابن معين والنسائي. (قال) أي شريح: (قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك). قال النووي: فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره. قلت: وهذا الحديث وجد ها هنا في بعض النسخ المطبوعة في الهند، ولم يوجد في النسخة المكتوبة لمولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري، ولا في المطبوعة بمصر، بل في النسخة المكتوبة الأحمدية كتب هذا الحديث على الحاشية عندما ذكر "باب في الرجل يستاك بسواك غيره"، وكتب قبل الحديث هذه العبارة: قال أحمد - هو ابن حزم -: قال

стр. 356

(٣١) بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ ٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْمَلِيح, === لنا أبو سعيد الأعرابي: هذا بما تفرد به أهل المدينة، ثم ذكر الحديث. وكتب بعد تمام الحديث: هذا الحديث عزاه لأبي داود، ثم قال: حديث أبي داود برواية أبي بكر بن داسة (١). وفي النسخة المصرية أدخله في المتن "باب الرجل يستاك بسواك غيره"، ولا مناسبة له بترجمة الباب إلَّا أن يقال: أن دخوله بالبيت يعم الليل والنهار، فإذا كان استياكه كلما دخل بيته يلزم منه أنه ﷺ يستاك عند دخوله البيت ليلاً كان أو نهاراً، فكان إذا قام من الليل وخرج ثم دخل يستاك، كما يدل عليه ما رواه ابن فضيل عن حصين، ذكره المصنف قبيل هذا مختصرًا، وأخرجه مسلم في "صحيحه في "باب السواك" مطولاً بأنه ﷺ قام ذات ليلة من آخر الليل، فخرج فنظر إلى السماء، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران، ثم رجع إلى البيت فتسوّك وتوضأ. (٣١) (بَابُ فَرْضِ الْوُضُوء) (٢) أي هذا باب فرضية الوضوء وكون الوضوء فرضًا ٥٩ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي المليح) بن أسامة بن عمير، قيل:

стр. 357

عن أَبِيهِ، عن النَبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَة مِنْ غُلُولٍ، === اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، ثقة، مات سنة ٩٨ هـ، وقيل: سنة ١٠٨ هـ، وقيل بعد ذلك. (عن أبيه) (١) أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر الهذلي البصري، والد أبي المليح، صحابي (٢)، تفرد عنه ولده. (عن النبي ﷺ قال (٣): لا يقبل (٤) الله صدقة من غلول) بضم الغين (٥) وأصل الغلول (٦) الخيانة في الغنيمة، والمراد ها هنا المال الذي حصل بسبب حرام، ولعل وجه تخصيصه بالذكر أن الغلول لما كان الخيانة

стр. 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في مال الغنيمة، والغنيمة فيها حق لجميع المسلمين، فإذا كان التصدق من المال الذي له فيه حق غير مقبول، فأولى أن لا يقبل من المال الذي ليس له حق فيه، فالحاصل أن التصدق من مال حرام غير مقبول، حتى قال بعض علمائنا: من تصدق بمال حرام يرجو الثواب كفر. قلت: فإن قيل: صرح الفقهاء بأن من اكتسب مالاً بغير حق، فإما أن يكون كسبه بعقد فاسد، كالبيوع الفاسدة والاستئجار على المعاصي والطاعات، أو بغير عقد، كالسرقة والغصب والخيانة والغلول، ففي جميع الأحوال المال الحاصل له حرام عليه، ولكن إن أخذه من غير عقد ولم يملكه يجب عليه أن يرده على مالكه إن وجد المالك، وإلَّا ففي جميع الصور يجب عليه أن يتصدق بمثل تلك الأموال على الفقراء، فهذا القول منهم يخالف الحديث المذكور، فإن الحديث دال على حرمة التصدق بالمال الخبيث، وقد نص الله تعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) الآية، وقولهم بوجوب التصدق معارض بالحديث والآية، فما وجه التوفيق بينهما؟ قلنا: الآية والحديث يدلان على حرمة التصدق بالمال الحرام لأجل تحصيل الأجر والثواب، وقد أشير إليه في الحديث بقوله: "لا يقبل الله" فإذا تصدق بالمال الحرام يريد القبول والأجر يحرم عليه ذلك، وأما إذا كان عند رجل مال خبيث، فإما إن ملكه بعقد فاسد، أو حصل له بغير عقد، ولا يمكنه أن يردّه إلى مالكه، ويريد أن يدفع مظلمته عن نفسه، فليس له حيلة إلَّا أن يدفعه إلى الفقراء, لأنه لو أنفق على نفسه فقد استحكم

стр. 359

وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ" (١). [ن ١٣٩ - ٢٥٢٣، جه ٢٧١] === ما ارتكبه من الفعل الحرام، ودخل تحت قوله ﷺ : "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام" الحديث، أو أضاعه واستهلكه، فد خل تحت قوله ﷺ : "نهى عن إضاعة المال"، فيلزم عليه أن يدفعه إلى الفقراء، ولكن لا يريد بذلك الأجر والثواب، ولكن يريد دفع المعصية عن نفسه، ويدل عليه مسائل اللقطة. (ولا صلاة (٢) بغير طهور) (٣) هو بالضم، الطهر، وبالفتح الماء الذي يتطهر به، قال ابن حجر (٤): أي لا تصح، إذ نفي القبول إما بمعنى نفي

стр. 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الصحة كما ها هنا، وإما بمعنى نفي الثواب كما في الحديث: "من أتى عَرَّافًا لم تقبل صلاته أربعين صباحًا"، والحديث يدل على فرضية الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وعلى تحريمها بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة، إلَّا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير من قولهما: تجوز صلاة الجنازة (١) بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، أجمع العلماء على خلافه، فلو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر يكفر عندنا لتلاعبه واستخفافه. وأما من لم يجد ماء (٢) ولا ترابًا، فقال النووي (٣): فيه أربعة أقوال للشافعي، وهي مذاهب للعلماء، قال بكل واحد منها قائل، أصحها عند أصحابنا: يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة، والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء، والثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء، والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء، وهذا القول اختيار المزني، وهو أقوى الأقوال (٤) دليلاً، فأما وجوب الصلاة فلقوله ﷺ : "وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم"، وأما الإعادة

стр. 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فإنما تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني في كل صلاة أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها، والله أعلم، انتهى. وهذا عند الشافعية. وأما عندنا فقال في "البدائع" (١): وأما المحبوس في مكان نجس لا يجد ماء ولا ترابًا نظيفًا، فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء، ثم يعيد إذا خرج، وهو قول الشافعي (٢)، وقول محمد مضطرب، وذكر في عامة الروايات مع أبي حنيفة، وفي "نوادر أبي سليمان" مع أبي يوسف. وجه قول أبي يوسف: أنه إن عجز عن حقيقة الأداء فلم يعجز عن التشبه، فيؤمر بالتشبه، كما في "باب الصوم". وقال بعض مشايخنا: إنما يصلي بالإيماء على مذهبه إذا كان المكان رطباً، أما إذا كان يابسًا فإنه يصلي بركوع وسجود، والصحيح عنده يُومئ كيف ما كان, لأنه لو سجد لصار مستعملاً للنجاسة. ولأبي حنيفة أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، فإن الله تعالى جعل أهل مناجاته الطاهر لا المحدث، والتشبه إنما يصح من الأهل، ألا ترى أن الحائض لا يلزمها التشبه في باب الصوم والصلاة لانعدام الأهلية. والظاهر أن المصلي بغير طهارة إذا قصد به حرمة الوقت لا يكفر، لأنه لا يصدق عليه أنه مستخفٌ، بخلاف ما إذا صلى بغير طهارة عمدًا لا لهذا القصد، فإنه يكفر؛ لأنه مُسْتخفٌّ بالشرع حينئذ، ولو صلى بلا طهارة حياءً أو رياءً أو كسلاً فهل يكون مستخفًّا أم لا؟ محل بحث، والأظهر في

стр. 362

٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللَّه تَعَالَى صَلَاةَ أَحَدِكُمْ === المستحي أن لا يكون مُسْتَخِفًا بخلاف الآخرين، والله أعلم، ملخص من القاري والنووي (١). ٦٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر) بن راشد، (عن همام بن منبه) (٢) بن كامل الصنعاني اليماني، أبو عقبة أخو وهب، ثقة، مات سنة ١٣٢ هـ على الصحيح، وأصل منبه من خراسان من أهل هراة، أخرجه كسرى من هراة يعني إلى اليمن، فأسلم في عهد النبي ﷺ ، فحسن إسلامه. (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله تَعَالَى صلاة أحدكم) أي قبول إجابة وإثابة، فإن الطهارة شرط لصحة الصلاة، بخلاف المسبل إزاره والآبق، فإن صلاتهما لا تقبل أيضًا، لكنها لا تقبل إثابةً، وتقبل إجابةً، فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزم من عدم القبول عدم الجواز والصحة. قال الحافظ (٣): والمراد بالقبول ها هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبّر عنه بالقبول مجازًا، وأما القبول المنفي في مثل قوله ﷺ : "من أتى عرافًا لم تقبل له

стр. 363

إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ". [خ ١٣٥، م ٢٢٥، ت ٧٦، حم ٢/ ٣٠٨، خزيمة ١١] ٦١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ قَالَ: حدثنا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ, === صلاة"، فهو الحقيقي, لأنه قد يصح العمل، ويتخلف القبول لمانع. (إذا أحدث) (١) أي صار ذا حدث (٢) قبل الصلاة أو في أثنائها، والمراد بالصلاة المضافة صورتها أو باعتبار ما كانت (حتى يتوضأ) أي حقيقة أو حكمًا، أو يتوضأ بمعنى يتطهّر، فيشمل الغسل والوضوء والتيمم، قاله القاري (٣). قلت: والحديث تفسيرٌ وشرحٌ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية (٤)، فهذه الآية بظاهرها تدل على أنه يجب التوضؤ عند إرادة الصلاة في جميع الأحوال، وبَيَّن الحديث أن المراد في الآية وجوب التوضؤ عند إرادة القيام إلى الصلاة حالة الحدث، فعلى هذا معناها: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وأنتم محدثون ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الآية. ٦١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع) بن الجراح، (عن سفيان) تردد فيه صاحب "غاية المقصود" هل هو الثوري أو ابن عيينة؟

стр. 364

عن ابْنِ عَقِيلٍ, === وقال: لم أقف على تعيينه، وأغرب الشيخ سراج أحمد في "شرحه" على "الترمذي" فقال فيما ذكر في أول السند الذي رواه الترمذي عن هناد وقتيبة ومحمود بن غيلان قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان، فقال: ابن سعيد ابن مسروق الثوري الكوفي، أبو عبد الله، ثم ذكر الترمذي بعد التحويل: وحدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، فقال هذا الشارح ها هنا: ابن عيينة أبي عمران الهلالي الكوفي، فما قال الشارح هو على خلاف اصطلاح المحدثين، فإن السندين يجتمعان على سفيان، فعلى اصطلاح القوم يجب أن يكون ما اجتمع عليه السندان واحدًا، فلعل هذا تسامح من الشيخ ﵀. والذي يغلب على ظني أن الذي ها هنا هو الثوري، فإن الحافظ ابن حجر (١) ذكر سفيان الثوري في شيوخ وكيع الذي روى عنهم، ولم يذكر فيهم ابن عيينة، وقال في ترجمة وكيع في سلسلة من روى عن وكيع: وشيخه سفيان الثوري، فهذا يفيد بأن لوكيع خصوصية مع الثوري التي ليست بابن عيينة، فبهذا يتعين المبهم، قال الحافظ في "النخبة": وإن روى الراوي عن اثنين متفقي الاسم، ولم يتميزا فاختصاصه بأحدهما يتبين المهمل، انتهى. (عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل مكبرًا، ابن أبي طالب الهاشمي، نسب إلى جده، أبو محمد المدني، ضعفه كثير من المحدثين، مثل يحيى بن معين والنسائي، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل:

стр. 365

عن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ, === وهو مقارب الحديث، وقال ابن عبد البر: هو أوثق من تكلم فيه، انتهى. وهذا إفراط، وقال الذهبي في "الميزان": قلت: حديثه في مرتبة الحسن، مات بعد سنة ١٤٠ هـ. (عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم المدني، ثقة عالم، المعروف بابن الحنفية، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة، ويقال: من مواليهم، سبيت في الردة من اليمامة في خلافة أبي بكر، اختلف في موته، والراجح أنه مات سنة ٨٠ هـ، وقال البخاري في "تاريخه الصغير": قال أبو نعيم: مات ابن الحنفية سنة ٨٠ هـ. (عن علي) بن (١) أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي (٢)، أبو الحسن، أمير المؤمنين، كناه رسول الله ﷺ أبا تراب، ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵂، من السابقين الأولين، وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يُروَ لأحد من الصحابة من الفضائل ما روي لعلي، قتل في رمضان سنة ٤٠ هـ، قتله عبد الرحمن بن ملجم، وجهل موضع قبره. (قال) أي علي: (قال رسول الله ﷺ : مفتاح الصلاة (٣) الطهور) بالضم ويفتح، أي مفتاحها الأعظم، فإنه من جملة شروطها، قاله القاري.

стр. 366

وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ". [ت ٣، جه ٢٧٥، دي ٦٨٧، حم ١/ ١٢٣، ١٢٩، ق ٢/ ١٥، قط ١/ ٣٦٠] === (وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) قال المظهر (١): سمى الدخول في الصلاة تحريمًا, لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي، وسمى التسليم تحليلًا لتحليل ما كان محرمًا على المصلي لخروجه عن الصلاة، قال الطيبي: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في حريم الملك المحمى عن الأغيار، وجعل فتح باب الحرم بالتطهر عن الأدناس، وجعل الالتفات إلى الغير والاشتغال به تحليلًا تنبيهًا على التكميل بعد الكمال، انتهى، "زجاجة". قلت: قد أجمعت الأمة على أن لا دخول في الصلاة إلَّا بتكبيرة الافتتاح، وهي قول العبد: "الله أكبر"، ولا خلاف فيه، أو "الله الأكبر"، وخالف فيه مالك وأحمد، أو"الله الكبير" أو"الله كبير" وخالف فيهما الشافعي أيضًا. لمالك وأحمد النقل المتوارث من لدن النبي ﷺ ، وهي قضية متلقاة من الشرع، فنهي فيها إلى ما أنهانا إليه الشرع، وكذلك قال الشافعي ﵀، إلَّا أنه يقول: الأكبر أبلغ في الثناء, لأن تعريف الخبر يقتضي حصره في المبتدأ، فكان مشتملًا على المنقول وزيادة، فيلحق به دلالة (٢). وقال أبو يوسف: إن كان يحسن التكبير لا يجوز بغير هذه الأربعة من الألفاظ, لأن النص ورد بلفظ التكبير، قال الله تعالى:

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١)، و"تحريمها التكبير"، وفي العبادات البدنية إنما يعتبر النصوص ولا يشتغل بالتعليل، ولذا لم يقم الخد والذقن مقام الجبهة في السجود، والأذان لا يتأدى بغير لفظ التكبير، فتحريمة الصلاة أولى، وإنما جاز بالكبير، لأن أفعل وفعيلاً في صفاته تعالى سواء، إذ لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بعد المشاركة, لأنه لا يشاركه أحد في أجل الكبرياء، فكان أفعل بمعنى فعيل. وقال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى-: إن قال بدلًا عن التكبير: "الله أجل" أو"أعظم"، أو "الرحمن أكبر"، أو "لا إله إلَّا الله"، أو "تبارك الله"، أو غيره من أسماء الله تعالى وصفاته التي لا يشارك فيها، كالرحمن والخالق والرزاق، وعالم الغيب والشهادة، وعالم الخفيات، والقادر على كل شيء، والرحيم لعباده، أجزأه ذلك عن التكبير، وذلك لأن التكبير المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وقوله ﵊: "وتحريمها التكبير"، وحيث ما ذكر من النصوص معناه التعظيم، فكان المطلوب بالنص التعظيم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢)، وهو أعم من لفظة "الله أكبر" وغيرها , ولا إجمال فيه، فالثابت بالفعل المتوارث حينئذ يفيد الوجوب لا الفرضية، وبه نقول، حتى يكره لمن يحسنه تركه، كما قلنا في القراءة مع الفاتحة، وفي الركوع والسجود مع التعليل. وقال ابن عُليّة وأبو بكر الأصم: إن تكبيرة الافتتاح ليست بشرط، ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية بغير تكبير، فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار، حتى أنكرا افتراض القراءة في الصلاة، فأبو حنيفة ومحمد

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === - رحمهما الله - احتجا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة؛ لأنه عقب الصلاة (١) الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شرع دخول الصلاة بمطلق الذكر، فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد، وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص، وأن الحديث معلول به, لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولًا به من حيث اشتراط مطلق الذكر، ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلًا لمخالفته الكتاب، فإذًا ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل. على أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم، قال تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظمه تعظيمًا، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي عظمنه، وقال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي فعظم، فكأن الحديث وارد بالتعظيم، وبأي اسم ذكر فقد عظم الله تعالى، وكذا من سبح الله تعالى، فقد عظّمه ونزّهه عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدوث، فصار واصفًا له بالعظمة والقدم، وكذا إذا هلَّل, لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما. والدليل على أن قوله "الله أكبر" أو"الرحمن أكبر" سواء، قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) ولهذا يجوز

стр. 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم فكذا هذا، والذي يحقق مذهبهما ما روي عن عبد الرحمن السلمي أن الأنبياء - صلوات الله عليهم -، كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلَّا الله، ولنا بهم أسوة، قاله الحلبي والكاساني (١). وأما الخروج (٢) عن الصلاة بلفظ السلام فواجب عندنا على ما هو القاعدة عند الحنفية أن الخبر الواحد يفيد الوجوب، وعند مالك والشافعي فرض، حتى لو تركها تفسد صلاته، احتجا بقوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" خص التسليم بكونه محللاً، فدل أن التحليل بالتسليم على التعيين، فلا يتحلل بدونه. ولنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن مسعود حين علَّمه التشهد: "إذا قلتَ هذا، أو فعلتَ هذا، فقد قضيت ما عليك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". والاستدلال به من وجهين؛ أحدهما: أنه جعله قاضيًا ما عليه عند هذا الفعل أو القول، وما للعموم في ما لايعلم، فيقضى أن يكون قاضيًا جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضًا لم يكن قاضيًا جميع ما عليه بدونه, لأن التسليم يبقى عليه. والثاني: أنه خَيَّرَه بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم، ولو كان فرضًا ما خَيَّره، وأما الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلَّا أنه خص التسليم لكونه واجبًا، انتهى ما في "البدائع" ملخصًا. قلت: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أخرجه أحمد في

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === "مسنده" (١) قال: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا الحسن بن الحرّ، ثني القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي وحدَّثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله فعَلَّمه التشهد في الصلاة، قال: "قل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله: "أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، انتهى. وسياق هذا الحديث يوهم إلى أن قوله: "فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا ... إلخ" يحتمل أن يكون من قول رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون مدرجًا من قول عبد الله بن مسعود، فلو سُلم أنه من قول ابن مسعود ﵁ فهو في حكم المرفوع, لأنه لا دخل للرأي فيه. ويؤيد رفعه ما أخرجه الترمذي (٢) عن رفاعة بن رافع: "أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد"، الحديث. وفي آخره: "ثم اجْلِسْ فاطمأن جالسًا، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك، قال: وكان هذا أهون عليهم"، الحديث. فهذا يدل صريحًا على أن قوله: "فإذا فعلت ... إلخ" مرفوع من قوله ﷺ . وأما ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة برواية القعنبي وابن المثنى، ثم ذكر لفظ ابن المثنى، ثم قال في آخره: قال القعنبي:

стр. 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. وقال في آخره: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك، وقال فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، فهذا السياق أيضًا يدل على أن قوله: "فإذا فعلت هذا" يحتمل أن يكون مدرجًا من قول أبي هريرة، أو مرفوعًا من قوله ﷺ ، وأيضًا أنه مرفوع, لأن قوله: "وقال في آخره" معناه قال أبو هريرة في آخر الحديث مرفوعًا من قول رسول الله ﷺ ، فمعنى هذا أن أبا هريرة زاد في آخره، وهذا على سبيل التسليم وإلَّا فيمكن أن يكون ضمير لفظ "قال" راجعًا إلى رسول الله ﷺ . فعلى هذا معنى هذا الكلام بتقدير "قال" أي قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ في آخره، ويؤيده قوله في آخر الحديث: "وقال فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، معناه قال أبو هريرة في هذا الحديث مرفوعًا: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، فإن هذه الجملة ليست مدرجة قطعًا، بل هو مرفوع من قول رسول الله ﷺ . ويحتمل أن يكون ضمير "قال" في الموضعين أي قال في آخره، وقال فيه، راجعًا إلى القعنبي أي زاد القعنبي في آخره على خلاف رواية ابن المثنى، وأيضًا زاد القعنبي في هذا الحديث أي في أثنائه "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء"، فالظاهر يدل على أن هذا الكلام من قول رسول الله ﷺ وليس مدرجًا من قول الصحابي. وأما الخروج بصُنْعه فقال بعض الفقهاء: هو فرض عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما، وقال الحلبي: اعلم أن كون الخروج بصنعه فرضًا لم يرو عن أبي حنيفة صريحًا، وإنما ألزم بعض علماء المذهب به استدلالاً من جوابه في المسألة الاثني عشرية، وهي الفساد برؤية المتيمم

стр. 372

(٣٢) بَابُ الرَّجُلِ يُجَدّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ ٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ يَزِيدَ المُقْرِئ. (ح): وَثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، === الماء بعد القعود قدر التشهد، ثم نقل الشيخ ابن الهمام عن الكرخي أنه قال: لا خلاف بينهم في أن الخروج بفعله ليس بفرض، ولم يرو عن أبي حنيفة ﵁ بل هو حمل من أبي سعيد البردعي لما رأى خلافه في المسائل المذكورة، وهو غلط, لأنه لو كان فرضًا لاختص بفعل هو قُرْبة، انتهى ملخصًا. (٣٢) (بَابُ الرَّجُلِ يُجَدّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ) يعني الوضوء على الوضوء من غير سبق حدث ليس بواجب، بل هو فضيلة ومندوب إليه ٦٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن يزيد) العدوي، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن (المقرئ) القصير، أصله من ناحية البصرة، وقيل: من ناحية الأهواز، وثّقه النسائي والخليلي، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، مات سنة ٢١٣ هـ وقد قارب المئة، وهو من كبار شيوخ البخاري، فما قال صاحب "غاية المقصود" بعد ذكر عبد الله بن يزيد المقرئ: والمقرئ بالضم والسكون وفتح الراء وهمزة ثم ياء، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، غير صحيح، بل هو بضم الميم وكسر الراء بعدها همزة، صيغة اسم فاعل من الإقراء (١)، وليس هو منسوبًا إلى مقرى التي هي قرية بدمشق، ولا تعلق له بتلك القرية. (ح: وثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا عيسى بن يونس،

стр. 373

قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زِيَادٍ، - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ يَحْيَى أَضْبط -، عن غُطَيْفٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عن أَبِي غُطَيْفٍ الْهُذَليِّ === قالا) أي عبد الله وعيسى: (ثنا عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم، بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة، الإفريقي، أبو أيوب، ويقال: أبو خالد، القاضي، وكان ضعيفًا في حفظه، وكان رجلًا صالحًا، ولي قضاء إفريقية لمروان، قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم، وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث، وكان ابن وهب يُطْريه، وكان أحمد بن صالح ينكر على من يتكلم فيه ويقول: هو ثقة، وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات، قال البخاري عن المقرئ: مات سنة ١٥٦ هـ. (قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أضبط) مراده بهذا الكلام أني أخذت هذا الحديث من شيخين؛ أحدهما محمد بن يحيى بن فارس، والثاني مسدد، فعن كليهما رويت هذا الحديث، ولكن ما روى محمد بن يحيى فأنا له أشد ضبطًا وإتقانًا مني لحديث مسدد. (عن غطيف) هو أبو غطيف بالتصغير، الهذلي، مجهول، وقيل: هو غطيف، ويقال: غضيف، بالضاد المعجمة، قال الحافظ: قلت: وضعفه الترمذي، (وقال محمد) بن يحيى: (عن أبي غطيف الهذلي) قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: لا يعرف اسمه. قلت: وضعفه الترمذي، وغرضه بهذا الكلام بيان الاختلاف بين لفظ مسدد وبين لفظ محمد بن يحيى، فإن مسددًا ذكر في روايته عن غطيف، وسماه محمد بن يحيى بالكنية، وقال: عن أبي غطيف، وزاد النسبة أيضًا فقال: الهذلي.

стр. 374

قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْن عُمَرَ، فَلَمَّا نُودِيَ بِالظُّهْرِ تَوَضَّأ فَصَلَّى، فَلَمَّا نُودِيَ بِالْعَصْرِ تَوَضَّأ! فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يقُولُ: "مَنَ تَوَضَّأ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ". [ت ٥٩، جه ٥١٢] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ. === (قال) أبو غطيف: (كنت عند ابن عمر) أي عبد الله بن عمر (فلما نُوْدي بالظهر توضأ) عبد الله (فصلَّى، فلما نودي بالعصر توضأ (١)) أي كرَّر الوضوء وجَدَّده، (فقلت له) أي كلمته في تجديد الوضوء مع كونه توضأ قبل، (فقال) أي أجاب ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يقول: من توضأ (٢) على طهر) أي على وضوء (كتب له عشر حسنات) في "شرح السنَّة" (٣): تجديد الوضوء مستحب (٤) إذا كان قد صلَّى بالوضوء الأول صلاة، وكرهه قوم إذا لم يصل بالأول صلاة، ذكره الطيبي، وقال ابن الملك: وإن لم يصل فلا يستحب، قلت: والظاهر في معناها الطواف والتلاوة، ولعل سبب الكراهة هو الإسراف، قاله القاري (٥). (قال أبو داود: وهذا) المذكور هو (حديث مسدد وهو أتم) من حديث محمد بن يحيى، أورده ها هنا وإن كان لحديث محمد بن يحيى أضبط لكون حديث مسدد أتم (٦).

стр. 375

(٣٣) بَابُ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ ٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِي وَغَيْرُهُمْ قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثِيرٍ, === (٣٣) (بَابُ ما يُنَجِّسُ المَاءَ) (١) غرض المصنف من عقد هذا الباب بيان الأشياء النجسة التي إذا خالطت الماء تُنَجِّسُه ٦٣ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني، (وعثمان بن أبي شيبة (٢)، والحسن بن علي) الخلال (وغيرهم قالوا: حدثنا أبو أسامة) حماد، (عن الوليد بن كثير) المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني، ثم الكوفي، وثقه ابن معين وغيره، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة إلَّا أنه إباضي، وقال ابن سعد: له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث وليس بذاك، وقال الساجي: وكان إباضيًا ولكنه كان صدوقًا، وقال في "الخلاصة": وثّقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن سعد: ليس بذاك. وقال السمعاني في "الأنساب" (٣): الإباضي، بكسر الألف وفتح الباء

стр. 376

عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن أَبِيهِ قَالَ: "سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوُبهُ مِنَ الدَّوَابِّ والسِّبَاعِ , === الموحدة في آخره الضاد المعجمة، هذه النسبة إلى جماعة من الخوارج، وهم أصحاب الحارث الإباضي، ويقال لهذه الفرقة: الحارثية أيضًا. وخالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة وفي دعواه أن الاستطاعة قبل الفعل، وأكفرته الإباضية في ذلك، والإباضية جماعة وفرق مختلفة العقائد يكفر بعضهم بعضًا، انتهى. قلت: ورمي برأي الخوارج، مات سنة ١٥١ هـ. (عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، قال الدارقطني: مدني، ثقة، مات بعد سنة ١١٠ هـ، (عن عبيد الله) مصغرًا (ابن عبد الله بن عمر) وهذا في نسخة، وأما في النسخة المصرية والنسخة المطبوعة الهندية القديمة ففيه: عبد الله مكبرًا، وكلاهما ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فكنية عبد الله أبو عبد الرحمن المدني كان وصي أبيه، وكنية عبيد الله أبو بكر، وهو شقيق سالم، وكلاهما ثقتان، مات عبيد الله سنة ست ومائة، ومات عبد الله سنة ١٠٥ هـ. (عن أبيه) هو عبد الله بن عمر (قال: سئل النبي ﷺ ) السائل غير معلوم (عن الماء) أي عن طهارة الماء ونجاسته الذي يكون في الفلاة كما في بعض الروايات (وما ينوبه) (١) عطف على الماء على سبيل البيان، نحو أعجبني زيد وكرمه. يقال: ناب المكان وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى (من الدواب والسباع) بيان لـ "ما"، قال الخطابي: فيه دليل على أن سؤر

стр. 377

فَقَالَ ﷺ : "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ". [ن ٥٢، ت ٦٧، جه ٥١٧ - ٥١٨، ك ١/ ١٣٣، قط ١/ ١٥، دي ٧٣١، حم ٢/ ١٢ - ٢٦ - ٣٨] === السباع نجس , والَّا لم يكن لسؤالهم وجوابه بهذا الكلام معنى، أو ذلك لأن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وربما لا تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، ذكرها الطيبي، والأول مذهبنا، والثاني مذهب الشافعية (١). (فقال) النبي ( ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم يحمل (٢) الخبث) قيل: القلة الجرة الكبيرة التي تسع مئتين وخمسين رطلاً بالبغدادية، فالقلتان خمس مئة رطل، وقيل: ست مئة، سُمِّيَتْ بذلك, لأن اليد تُقِلُّها، وقيل: القلة ما يستقلها البعير، أخرجه الخمسة، وفي لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد: "لم يُنَجّسْه شيء"، وأخرجه أيضًا الإمام الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما وقد احتجّا بجميع رواته، وقال ابن منده: إسناد حديث (٣) القلتين على شرط مسلم، قاله الشوكاني (٤).

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ومداره على الوليد بن كثير فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وقيل: عنه عن عبيد الله بن عمر، وقيل: عنه عن عبد الله بن عمر، وهذا اضطراب في الإسناد، وقد روي أيضًا بلفظ: "إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس" كما في رواية لأحمد والدارقطني، وبلفظ: "إذا بلغ الماء قلة، فإنه لا يحمل الخبث"، كما في رواية للدارقطني وابن عدي والعقيلي، وبلفظ: "أربعين قلة" عند الدارقطني، وهذا اضطراب في المتن. وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه على تقدير أن يكون محفوظاً من جميع تلك الطرق لا يعد اضطرابًا, لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، قال الحافظ: وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر مكبرًا، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر مصغرًا، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية "أو ثلاث" شاذة ورواية "أربعين قلة" مضطربة. وأيضًا ضعفها الدارقطني (١) بالقاسم بن عبد الله العمري. قلت: الجواب عن الاضطراب في الإسناد غير صحيح، فإن الاضطراب في الإسناد يكون بالمخالفة بإبدال الراوي، ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، وإنما كان الاضطراب موجبًا لضعف الحديث لإشعاره بعدم ضبط الراوي، فالجواب عنه بأنه انتقال من ثقة إلى ثقة لا يدفع الاضطراب بل يؤكده. وكذلك لو قيل في الجواب بأن الوليد بن كثير يحتمل أن يكون روى عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر، ويحتمل أن يكون روى

стр. 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر، فروى عنهما، فهذا لا يفيد أيضًا في دفع الاضطراب، فإن الاحتمال لا يؤثر فيه ولا يغني عنه شيئًا، ألا ترى أن الترمذي قال في "سننه" (١) في حديث زيد بن أرقم: وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، فحكم بالاضطراب في إسناده مع أنه قال في آخره: قال أبو عيسى: سألت محمدًا عن هذا، فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا، فمع نقل الاحتمال عن شيخه لم يتوجه إليه، ولم يمتنع عن حكمه بالاضطراب في إسناده. وقد اختلف الحفاظ في هذا الاختلاف، فمال المصنف إلى أن حديث محمد بن عباد هو الصواب، كما في بعض النسخ، وفي بعضهما: "الصواب محمد بن جعفر"، وليس في النسخة الأحمدية هذا ولا ذاك، وقال ابن أبي حاتم في "كتاب العلل" عن أبيه أنه قال: والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه، ومال الدارقطني إلى الجمع بين الروايتين، وصحح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن عباد ابن جعفر جميعًا، واختاره البيهقي، ومشى خلفهما الحافظ ابن حجر، فهذا الاختلاف يؤكد الاضطراب ويقويه. وأما الجواب عن الاضطراب في المتن فلا يصح أيضًا، فإن زيادة لفظ "أو ثلاث" ليس بشاذ، بل هو زيادة ثقة، وكذا رواية "أربعين قلة" ليس فيها اضطراب، فإنها رويت مرفوعة وموقوفة، فأما المرفوع فهو ما روي عن القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر، وضَعَّفه الدارقطني بالقاسم، وأما الموقوف فذكر الدارقطني أن الثوري ومعمر بن راشد وروح بن القاسم رووه عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمر موقوفًا.

стр. 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثم روى بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم رووه عن ابن المنكدر عن ابن عمر قال: "إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس"، وأخرج رواية سفيان من جهة وكيع وأبي نعيم عنه: "إذا بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء"، وأخرج رواية معمر من جهة عبد الرزاق عن غير واحد عنه، فأخرج عن أبي هريرة من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة قال: "إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثًا". وأنت تعلم أن الموقوف فيما لا مجال للقياس فيه في حكم المرفوع، فصحت رواية أربعين قلة، وثبت الاضطراب في حديث الباب، ولو سلمنا دفع الاعتراض عن السند والمتن، فاختلاف مقدار القُلَّةِ يمنع عن العمل به. ولذا قال ابن عبد البر في "التميهد" (١): ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع. وقال في "الاستذكار" (٢): حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه، وقال الطحاوي: إنما لم نقل به, لأن مقدار (٣) القلتين لم يثبت، ثم بعد ذلك يعارضه ما ثبت في آثار الصحابة من تنجس البئر بوقوع الحيوان

стр. 381

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَفْظُ ابْن العَلَاءِ، وقَالَ عُثْمَانُ والْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بنِ جَعْفرٍ. === فيها، ونزح الماء عنها، وقد أخرج الطحاوي (١) وغيره تلك الروايات مفصلة، من شاء فلينظر إليها (٢). (قال أبو داود: هذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر) معناه: يقول أبو داود: هذا الذي ذكرنا في السند من قوله: "عن محمد بن جعفر بن الزبير" هو لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي على خلاف لفظ ابن العلاء فقالا: عن محمد بن عباد بن جعفر، بدل عن محمد بن جعفر بن الزبير. وغرضه بيان الاختلاف بين ألفاظ الشيوخ، وهذا الاختلاف ليس مقصورًا على الاختلاف في اللفظ، فإن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر راويان مختلفان، وقد ذكرنا محمد بن جعفر، فأما محمد بن عباد بن جعفر، فهو محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي، وثّقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣).

стр. 382

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ الصَّوَابُ. === (قال أبو داود: وهو الصواب) وفي نسخة: والصواب محمد بن جعفر، فعلى النسخة الأولى الضمير يرجع إلى محمد بن عباد بن جعفر، فعند أبي داود على هذه النسخة: الصواب محمد بن عباد بن جعفر، وأما من قال: محمد بن جعفر، فقد وهم. وأما على النسخة الثانية (١) فالصواب عند المؤلف: محمد بن جعفر، فمن قال: محمد بن عباد بن جعفر، فقد وهم، فاختار المؤلف (٢) طريق الترجيح. وبعضهم (٣) اختار طريق الجمع فقال في "سنن الدارقطني" (٤): قال الشيخ أبو الحسن: فاتفق عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الزبير الحميدي، ومحمد بن حسان الأزرق، ويعيش بن الجهم، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والحسين بن علي بن الأسود، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، وعلي بن شعيب، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، وأبو مسعود، ومحمد بن الفضيل البلخي، فرووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، وتابعهم الشافعي عن الثقة عنده، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، و [قال] يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومن

стр. 383

٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وحَدَّثَنَا أَبُوكَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ -؛ === ذكرنا معه في أول الكتاب: عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير. فلما اختلف على أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعًا عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر (١) ﵀: وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن [عبد الله بن] عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن [عبد الله بن] عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. ٦٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة، (ح: وحدثنا أبو كامل) الجحدري، فضيل بن حسين بن طلحة البصري، ثقة حافظ، ابن أخي كامل بن طلحة، وأوثق منه، مات سنة ٢٣٧ هـ، (ثنا يزيد -يعني ابن زريع -) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢ هـ

стр. 384

عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن مُحَمَّدِ بْن جَعْفَرٍ - قَالَ أَبُو كَامِلٍ: ابْنُ الزُّبَيْر -، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن أَبِيهِ: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن الْمَاءِ يَكُونُ في الْفَلَاةِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر الحديث السابق] === (عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن محمد بن جعفر) بن الزبير، (قال أبو كامل: ابن الزبير) غرض المصنف بهذا الكلام أن شيخه موسى بن إسماعيل قال: محمد بن جعفر ولم يزد عليه شيئًا (١)، وأما شيخه أبو كامل فزاد في روايته بعد لفظة محمد بن جعفر صفة له، فقال: محمد بن جعفر بن الزبير، ثم اتفقا فقالا: عن عبيد الله إلى آخر السند. (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله: (أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة، فذكر معناه) غرضه بإيراد هذه الرواية تقوية رواية وليد بن كثير برواية محمد بن إسحاق، وأنت تعلم أن الوليد بن كثير خارجي إباضي، ومحمد بن إسحاق اختلف في جرحه وتعديله، حتى قال بعض الأئمة فيه: إنه كذّاب، ودجّال، فما لا يكون قويًّا بنفسه لا يقوي غيره، فلا يبلغ درجة الصحة (٢)، والغرض الثاني زيادة لفظ قوله: "يكون في الفلاة"، فإن هذا اللفظ ليس في رواية الوليد بن كثير، وبيان أن هذه الرواية موافقة لرواية وليد بن كثير في المعنى.

стр. 385

٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أنَا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ الْمَاءُ قلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ". [ق ١/ ٢٦٢، جه ٥١٨، حم ٢/ ٢٣ - ١٠٧] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ. === ٦٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أنا عاصم بن المنذر) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، قال أبو زرعة: ثقة، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البزار: ليس به بأس، حدث بحديث واحد في القلتين، قال: ولا نعلمه حدث بغيره ولا روى عنه غير الحمادين. (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي) عبد الله (أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس) وهذا اللفظ صريح في عدم تنجس الماء بملاقاة النجاسة إذا كان الماء قلتين، فبناءً على هذا يمكن أن يرد تأويل صاحب "الهداية" أنه يضعف عن تحمل النجاسة، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بأنه يحتمل أن يكون هذا اللفظ أورده الراوي حسب ما فهمه، ورواه بالمعنى الذي فهمه، وفهمه ليس بحجة فلا يكون حجة. (قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم) هذه العبارة موجودة في النسخة المجتبائية الدهلوية والمصرية، وأما في النسخة المطبوعة القديمة والمكتوبة الأحمدية فلم توجد فيهما, ولكن قال الدارقطني (١) بعد ما أخرج رواية محمد بن إسحاق وذكر رواية عاصم بن المنذر الذي حدث به

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حماد بن سلمة: وخالفه حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه موقوفًا غير مرفوع، وكذلك رواه إسماعيل بن علية [عن عاصم بن المنذر] عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفًا أيضًا، انتهى. فعُلِم بهذا أن هذه العبارة الموجودة في بعض النسخ معناها صحيح. وحاصل المعنى: أن عاصم بن المنذر روى عنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد هذا الحديث، فرفعه حماد بن سلمة، ووقفه حماد بن زيد، فاختلف الحمادان في رفعه ووقفه، والدارقطني قوى الرواية الموقوفة برواية إسماعيل بن علية، فالظاهر أن كونه موقوفًا أقوى من المرفوع، فالعجب من الذين يحكمون على هذا الحديث بالصحة من المحدثين، كيف يحكمون عليه بكونه صحيحًا على خلاف أصولهم؟ فإن الصحة درجة رفيعة لا يبلغها، إلَّا بعد تحقق جميع أجزائها وشروطها، وهو بعد في حيز المنع، كما سبقت الإشارة إليه، ولو سُلّم فكم من حديث بلغ درجة الصحة لا يكون موجباً للعمل، إلَّا بعد ارتفاع الموانع، مثلًا لو كان الحديث منسوخًا أو مجملًا وإن كان صحيحًا لا يوجب العمل. ووجه مناسبة الحديث بترجمة الباب بأنه ﷺ سئل عن الماء وعما ينوبه من الدواب والسباع، فهذا يدل على أن دخول الدواب في الماء يُنَجّسُه, لأنها تبول فيه غالبًا، وأيضًا تكون أكارعها ملطخةً بالبول، وكذلك السباع إذا وردت الماء وشربت فسؤرها نجس , فدل هذا الحديث أن هذه تُنَجِّسُ الماء، فإنه ورد السؤال عنها، وخرج عن جوابه ﷺ بطريق المفهوم أن الماء إذا خالطه هذه الأشياء وكان أقل من قلتين ينجس , والله أعلم بالصواب.

стр. 387

(٣٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ ٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثيرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عن عُبَيدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, === (٣٤) (بَابُ مَا جَاءَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ) أي في طهارة مائها وعدم تنجسها بما يلقى فيها من النجاسات الغليظة ٦٦ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب، (والحسن بن علي) الخلال، (ومحمد بن سليمان الأنباري) (١) أبو هارون بن أبي داود، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق، وقال في "تهذيب التهذيب": قال الخطيب: كان ثقة، وقال مسلمة: ثقة، وقال الحضرمي: مات سنة ٢٣٤ هـ. (قالوا) أي الثلاثة المذكورة: (حدثنا أبو أسامة) حماد، (عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد القرظي، أبو حمزة المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، قال البخاري: كان أبوه ممن لم ينبت من سبي قريظة، فخلي سبيله، ثقة عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي ﷺ ، مات سنة ١٢٠ هـ، وقيل: كان يقصُّ في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة تحت الهدم سنة ١١٨ هـ. (عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج) ذكره الحافظ في

стр. 388

عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ === عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ويقال: ابن عبد الله (١) هو راوي "حديث بئر بضاعة" مستور، هكذا في "التقريب". وقال في "تهذيب التهذيب" (٢) في ذكر عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري: وقيل: عبيد الله بن عبد الله، وقيل: عبد الله، وقيل: إنهما اثنان، ثم قال: قلت: قال ابن القطان الفاسي: في هذا الرجل خمسة أقوال، فذكر الثلاثة، وزاد ما ذكره البخاري عن يونس بن بكير: عبد الله بن عبد الرحمن، فهذا قول رابع، والخامس قاله محمد بن سلمة عن ابن إسحاق: عبد الرحمن بن رافع، ثم قال: وكيف ما كان، فهو من لا يعرف له حال، وقال ابن منده: عبيد الله بن عبد الله بن رافع مجهول، نعم صحح حديثه أحمد بن حنبل وغيره، وقد نص البخاري على أن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم. (عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ (٣) من بئر بضاعة) بضم الباء وأجيز كسرها، وحكي أيضًا بالصاد المهملة، وهي بئر معروفة بالمدينة، قاله ابن الملك، وقال الطيبي نقلاً عن التوربشتي: بضاعة (٤) دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة

стр. 389

وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْم الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ === يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم "علي القاري" (١). (وهي بئر (٢) يطرح) على صيغة المجهول، يجوز فيه التذكير والتأنيث، أي يلقى كما في رواية (فيها الحِيَضُ) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيضة، بكسر الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض أو تستثفرها (ولحم الكلاب). قال الطيبي (٣): ووجه معنى "يلقى فيها" أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل أن ينزل فيها أهل البادية، فيلقي تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فيكسحها السيل فيلقيها في البئر، فَعَبَّر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا بما لا يجوّزه مسلم، فأنَّى يظن (٤) ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم "قاري" (٥) , وقيل: كانت الريح تلقيها بها أو يفعله (٦) المنافقون "مرقاة الصعود". (والنتن) بفتح النون وسكون التاء وتكسر، وهي الرائحة الكريهة، والمراد بها ها هنا الشيء المنتن، كالعذرة والجيفة، وكان الماء كثيرًا سيَّالًا يجري بها , ولكثرته لا يؤثر به ذلك ولا يغيره، فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة.

стр. 390

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَئٌ". [ن ٣٢٧، ت ٦٦، حم ٣/ ١٥، قط ١/ ٣٠، ق ١/ ٤] === (فقال رسول الله ﷺ : الماء) قيل: الألف واللام للعهد الخارجي، فتأويله أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم كلي، كما قاله الإِمام مالك (طهور) أي طاهر مطهر لكونه جاريًا في البساتين، و (لا ينجسه (١) شيء) (٢) أي ما لم يتغير بدليل الإجماع على نجاسة المتغير، فما جاء في بعض الطرق أنه كان كنُقاعة الحِنَّاء، محمول على لون جوهر مائها. فإن قيل: لِمَ لم يجبهم بنعم حين قالوا: أنتوضأ؟ قلنا: لأنه يصير مقيدًا بحال الضرورة وليس كذلك، وأيضًا فإنه يفهم من الاقتصار على الجواب بنعم أنه إنما يتوضأ به فقط، ولا يَتَطَهَّرُ به لبقية الأحداث والأنجاس، "نيل" (٣). والحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه، سواء كان قليلاً أو كثيرًا ولو تغيرت أوصافه أو بعضها , لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة يتنجس , فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلاً إلَّا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس وأبو هريرة
следующие страницы →