عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». [ت ٥٨١، م ٧٤٧، ن ١٧٩٠، جه ١٣٤٣، حم ١/ ٣٢ - ٥٣، ق ٢/ ٢٨٤]
(٣١١) بَابٌ: فِيمَنْ نَوَى الْقِيَامَ فَنَامَ
١٣١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رَضًى:
===
عن حزبه (١) أي فاته كله لغلبة النوم (أو عن شيء منه) أي فاته بعضه (فقرأه) أي الحزب (ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له) أي عند الله (كأنما قرأه من الليل) فيثاب بثواب قراءة الليل.
(٣١١) (بَابٌ: فِيمَنْ نَوَى الْقِيَامَ فَنَامَ)
أي فيمن عزم في أول الليل على أن يقوم في الليل فنام فلم يستيقظ
١٣١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده) أي عند سعيد بن جبير ظرف لرضىً (رضىً) مصدر وصف به مبالغة كما يقال: رجل صدق، وزيد عدل، ويحتمل أن يكون صفة على وزن غني، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢) في المبهمات: سعيد بن جبير عن رجل عنده رضىً عن عائشة في النوم عن صلاة الليل، هو الأسود بن يزيد النخعي.
وقال الحافظ في "شرح النخبة" (٣): وكذا لا يقبل خبره لو أبهم بلفظ التعديل كأن يقول الراوي: أخبرني الثقة؛ لأنه قد يكون ثقةً عنده مجروحًا عند
стр. 3257
أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ, وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً». [ن ١٧٨٤، ط ١/ ١١٧/ ١، ق ٣/ ١٥]
(٣١٢) بَابٌ: أَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ ؟
١٣١٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَعَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ,
===
غيره، وهذا على الأصح في المسألة، ولهذه النكتة لم يقبل المرسل، ولو أرسله العدل جازمًا به لهذا الاحتمال بعينه، وقيل: يقبل تمسكًا بالظاهر إذ الجرح خلاف الأصل.
(أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ -قال: ما من امرئ) قال في "القاموس": والمرء مثلثة الميم: الإنسانُ أو الرجلُ، ولا يُجْمَعُ من لفظه أو سُمِعَ مَرؤونَ وهي بهاءٍ، ويقال: مَرَة والامرأة، وفي امْرئٍ مع ألف الوصل ثلاث لغات: فتح الراء دائمًا، وضمها دائمًا، وإعرابها دائمًا، وتقول: هذا امْرُؤٌ، ومَرْءُ، ورأيت امْرَأً ومرءًا، ومررت بامْرِئٍ وبمرءٍ معربًا من مكانين.
(تكون له صلاة بليل) أي يعتادها في الليل (يغلبه) أي الرجل (عليها) أي الصلاة (نوم) فتفوته (١) الصلاة (إلَّا كتب له أجر صلاته) بنيته التي نواها (وكان نومه عليه) أي على الرجل (صدقة) تصدق الله به عليه، فيكون له في نومه أجر.
(٣١٢) (باب: أَيُّ اللَّيْلِ) أي: أيُّ ساعاته (أَفْضَلُ؟ )
١٣١٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي عبد الله الأغر) سلمان،
стр. 3258
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا (١) كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ, فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ, مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ, مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ». [خ ١١٤٥، م ٧٥٨، حم ٢/ ٢٦٤، ت ٤٤٦، جه ١٣٦٦]
===
(عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل (٢) ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر) (٣) صفة لثلث (فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
قال القاري (٤): قال ابن حجر: أي ينزل أمره ورحمته أو ملائكته، وهذا تأويل الإِمام مالك وغيره، ويدل له الحديث الصحيح: "إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا ينادي فيقول: هل من داع فيستجاب له؟ " الحديث.
والتأويل الثاني، ونسب إلى مالك أيضًا: أنه على سبيل الاستعارة، ومعناه الإقبال على الداعي بالإجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة، كما هو عادة الكرماء لا سيما الملوك إذا نزلوا بقرب محتاجين ملهوفين مستضعفين.
قال النووي في "شرح مسلم" (٥): في هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران.
فمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بحقيقتها على ما يليق به
стр. 3259
(٣١٣) بَابُ وَقْتِ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ
١٣١٦ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ،
===
تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث.
والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف، وهو محكي عن مالك والأوزاعي إنما يتأول (١) على ما يليق بها بحسب بواطنها (٢)، فعليه الخبر مؤوَّل بتأويلين أي المذكورين، وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظوهر كالمجيء، والصورة، والشخص، والرجل، والقدم، واليد، والوجه، والغضب، والرحمة، والاستواء على العرش، والكون في السماء، وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما اختلفوا هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته من غير أن تأوله بشيء آخر؟ وهو مذهب أكثر أهل السلف، وفيه تأويل إجمالي، أو مع تأويله بشيء آخر، وهو مذهب أكثر أهل الخلف وهو تأويل تفصيلي، ولم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح معاذ الله أن يظن بهم ذلك، وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما من فرق الضلالة واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم، إلى آخر ما قاله الشيخ القاري في "المرقاة على المشكاة".
(٣١٣) (بَابُ وَقْتِ قِيَامِ النبِي ﷺ مِنَ اللَّيْلِ)
١٣١٦ - (حدثنا حسين بن يزيد) بن يحيى الطحان الأنصاري (الكوفي)
стр. 3260
حَدَّثَنَا حَفْصٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُوقِظُهُ اللَّهُ بِاللَّيْلِ, فَمَا يَجِئُ السَّحَرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حِزْبِهِ". [ق ٣/ ٣]
١٣١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى, حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. (ح): وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ, عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ, وَهَذَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ لَهَا: أَىُّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّى؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصُّرَاخَ قَامَ فَصَلَّى". [خ ١١٣٢، م ٧٤١، ٧٨٣، ن ١٦١٦، حم ٦/ ٩٤، ق ٣/ ٣]
===
لين الحديث، (نا حفص) بن غياث، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إنْ) مخففة من الثقيلة كان رسول الله ﷺ ليوقظه الله بالليل، فما يجيء السحر) أي آخر الليل (حتى يفرغ) رسول الله ﷺ (من حزبه) أي ورده.
١٣١٧ - (حدثنا إبراهيم بن موسى، أبو الأحوص) سلام بن سليم، (ح: وحدثنا هناد، عن أبي الأحوص، وهذا) أي المذكور لفظ (حديث إبراهيم، عن أشعث) بن أبي الشعثاء، (عن أبيه، عن مسروق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقلت لها) أي لعائشة ﵂: (أيَّ حين) من الليل (كان) رسول الله ﷺ (يصلي؟ قالت: كان إذا سمع الصراخ) أي صوت الديك (قام فصلَّى) وأكثر ما يصيح (١) الديك في الحجاز بعد نصف الليل، قاله الطيبي (٢)، وكان هذا أكثر أوقاته.
стр. 3261
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِى إلَّا نَائِمًا تَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ ". [خ ١١٣٣، م ٧٤٢، جه ١١٩٧، حم ٦/ ١٣٧, ق ٣/ ٣]
١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا, عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِىِّ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَخِى حُذَيْفَةَ,
===
١٣١٨ - (حدثنا أبوتوبة) الربيع بن نافع، (عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: ما ألفاه) أي ما أدرك رسول الله ﷺ (السحر عندي) أي عندما كان رسول الله ﷺ عندي في نوبتي (إلَّا نائمًا تعني) أي بالضمير (النبي ﷺ ).
قال الحافظ (١): قال ابن التين: قولها: "إلَّا نائمًا" تعني مضطجعًا على جنبه, لأنها قالت في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدثني وإلَّا اضطجع"، انتهى. وتعقبه ابن رشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل, لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة، وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح وإليه ميل البخاري، انتهى.
١٣١٩ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله) بن أبي قدامة (الدؤلي) الحنفي، ويقال: محمد بن عبيد أبو قدامة، قال الذهبي: ما روى عنه فيما أعلم إلَّا عكرمة بن عمار، وقال في "التقريب": مقبول، (عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة) قال في "تهذيب
стр. 3262
عن حُذَيْفَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ (١) إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى". [حم ٥/ ٣٨٨]
١٣٢٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نَا الْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ السَّكْسَكِيُّ،
===
التهذيب" (٢): عبد العزيز أخو حذيفة، ويقال: ابن أخي حذيفة، روى عن حذيفة "أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر صلَّى"، ذكره ابن حبان في التابعين من كتاب "الثقات"، وقال: لا صحبة له.
قلت: صحح أبو نعيم أنه ابن أخي حذيفة، ووهم ابن منده بذكره إياه في الصحابة، وقوله: إنه أخو حذيفة، وذكره في الصحابة أيضًا أبو إسحاق بن الأمين وغيره، وذلك مصير منهم إلى أنه أخو حذيفة فيكون له إدراك أو رؤية، لأن أبا حذيفة قتل يوم أحد مع النبي ﷺ ، ولكن قال الحافظ في "تهذيبه" (٣) في ترجمة محمد بن عبد الله بن أبي قدامة: روى عن عبد العزيز بن أبي حذيفة ويقال: أخي حذيفة، انتهى. قلت: لفظ أبي تصحيف، والصواب ابن أخي حذيفة.
(عن حذيفة) بن اليمان (قال: كان النبي ﷺ إذا حزبه) أي نابه (أمر) شديد (صلَّى) أي بادر إلى الصلاة، فالمراد بالصلاة الصلاة الشرعية أو الدعاء، قال القاري (٤): وهذه الصلاة ينبغي أن تسمى بصلاة الحاجات, لأنها غير مقيدة بكيفية من الكيفيات، ولا مختصة بوقت من الأوقات.
١٣٢٠ - (حدثنا هشام بن عمار، نا الهقل) بكسر أوله وسكون القاف ثم لام (ابن زياد السكسكي) بمهملتين مفتوحتين بينهما كاف ساكنة، الدمشقي، نزيل بيروت، قيل: هو لقب واسمه محمد أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة.
стр. 3263
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ كَعْبٍ الأَسْلَمِىَّ يَقُولُ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَبِحَاجَتِهِ فَقَالَ: «سَلْنِى» , فَقُلْتُ: مُرَافَقَتَكَ فِى الْجَنَّةِ, قَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ » قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ, قَالَ: «فَأَعِنِّى عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». [م ٤٨٩، ت ٣٤١٦، ن ١١٣٨، جه ٣٨٧٩، حم ٤/ ٥٧]
===
(نا الأوزاعى، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمعت ربيعة بن كعب) بن مالك (الأسلمي) أبو فراس بكسر فاء وخفة راء وسين مهملة، المدني، كان من أهل الصُّفة، خدم النبي ﷺ ، وروى عنه، له في الكتب حديث واحد (١)، فيه: "أعني على نفسك بكثرة السجود" (يقول: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ) لعله كان يخدمه (٢) في السفر (آتيه بوَضوئه) أي ماء الوضوء (وبحاجته) أي ما يحتاج إليه في ذلك الوقت.
(فقال) رسول الله ﷺ : (سلني، فقلت: مرافقتك) أي أسأل صحبتك وقربك (في الجنة، قال: أو) الهمزة للاستفهام والواو للعطف. أي أو تسأل (غير ذلك؟ قلت: هو) أي غير ذلك (ذاك) حاصله أن كل ما أسأله هو مرافقتك ليس إلا ذاك (قال: فأعني) أي فكن لي عونًا (على نفسك) الأمَّارة بالسوء التي تمنع من حصول مطلوبك (بكثرة السجود) أي بكثرة الصلاة والعبادة، أو يقال: أعني على إصلاح نفسك.
стр. 3264
١٣٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) , قَالَ: "كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ", قال: وَكَانَ (٢) الْحَسَنُ يَقُولُ: "قِيَامُ اللَّيْلِ". [ق ٣/ ١٩]
===
قال القاري (٣): قال ابن الملك: وفيه إشارة إلى أن هذه المرتبة العالية لا تحصل بمجرد السجود، بل به مع دعائه ﵇ له إياها من الله تعالى، وفي قوله: على نفسك إيذان بأن نيل المراتب العلية إنما يكون بمخالفة النفس الدنية.
١٣٢١ - (حدثنا أبو كامل، نا يزيد بن زريع، نا سعيد) بن أبي عروبة، (عن قتادة، عن أنس بن مالك في هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال) أنس: (كانوا) أي الصحابة ﵃ (يتيقَّظون ما بين المغرب والعشاء يصلون) أي ليصلوا صلاة العشاء، فالمراد بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الاستيقاظ لانتظار صلاة العشاء.
(قال) قتادة: (وكان الحسن) البصري (يقول) في تفسير الآية: إن المراد منه (قيام الليل) لصلاة التهجد.
قال ابن جرير في "تفسيره" (٤): واختلف أهل التأويل في الصلاة التي وصفهم جلَّ شأنه أن جنوبهم تتجافى لها عن المضجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال: نزلت هذه الآية في قوم كانوا يصلون في هذا الوقت، ثم أخرج من حديث أنس بطرق مختلفة.
стр. 3265
١٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسٍ في قَوْلِهِ : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١)، قَالَ: "كَانُوا يُصَلِّونَ فِيمَا بَيْنَ (٢) الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ"، زَادَ في حَدِيثِ يَحْيَى:
===
وقال آخرون: عني بها صلاة المغرب، ثم أخرج الروايات التي تدل على أنها العتمة، وقال آخرون: عني بها قيام الليل، ثم أخرج الرواية الدالة عليه، وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله، ثم أخرج الرواية الدالة عليه.
ثم قال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم شغلًا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفًا وطمعًا، وذلك نبوُّ جنوبهم عن المضاجع ليلًا, لأن المعروف من وصف الواصف رجلًا بأن جنبه نبا عن مضجعه، إنما هو وصف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، إلى آخر ما قال.
١٣٢٢ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾) أي كانوا قليلًا يهجعون في بعض الليل، وهو الوقت الذي بين المغرب والعشاء، لا ينامون فيه، بل يصلون فيه، فعلى هذا من تبعيضية، وقيل: معناه: كانوا ينامون قليلًا من الليل ويصلون أكثره، ووقف بعضهم على قوله: كانوا قليلًا أي من الناس، ثم ابتدأ من الليل ما يهجعون، أي لا ينامون في الليل البتة، بل يقومون الليل كله في الصلاة والعبادة.
(قال) أي أنس: كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء، زاد) أي محمد بن المثنى (في حديث يحيى) بن سعيد دون حديث ابن أبي عدي:
стр. 3266
وَكَذَلِكَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [ق ٣/ ١٩، ك ٢/ ٤٦٧]
(٣١٤) بَابُ افْتِتَاحِ صَلَاةِ اللِّيْلِ بِرَكْعَتَينِ
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ, حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ, عَنِ (١) ابْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ». [م ٧٦٨، حم ٢/ ٢٣٢، ق ٣/ ٦]
===
(وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾) أي كما نزلت ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية في الذين كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء، كذلك نزلت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ أيضًا فيهم.
(٣١٤) (بَابُ افْتِتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِرَكعَتَيْنِ)
أي خفيفتين
١٣٢٣ - (حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة، نا سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم من الليل) ليتهجد (فليصل ركعتين خفيفتين) (٢) أي في الابتداء.
قال القاري (٣) ذيل حديث عائشة: "كان إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين": قال في "الأزهار": المراد بهما ركعتا الوضوء، ويستحب فيهما التخفيف لورود الروايات بتخفيفهما قولًا وفعلًا، انتهى. والأظهر أن الركعتين من جملة التهجد، يقومان مقام تحية الوضوء، [لأن الوضوء] ليس له صلاة على حدة، فيكون فيه إشارة إلى أن من أراد أمرًا
стр. 3267
١٣٢٤ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ خَالِدٍ -, عَنْ رَبَاحِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِذَا - بِمَعْنَاهُ - زَادَ: ثُمَّ لْيُطَوِّلْ بَعْدُ مَا (١) شَاءَ". [انظر تخريج الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةٌ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبِى هُرَيْرَةَ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ أَوْقَفُوهُ عَلَى أَبِى هُرَيْرَةَ,
===
يشرع فيه قليلًا ليتدرج، قال الطيبي: ليحصل بهما نشاط الصلاة ويعتاد بهما، ثم يزيد عليهما بعد ذلك، انتهى.
١٣٢٤ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا إبراهيم -يعني ابن خالد-، عن رباح) بن زيد، (عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال) أبو هريرة: (إذا) الحديث حدث أي مخلد (بمعناه) أي بمعنى الحديث المرفوع المتقدم، وهذا موقوف على أبي هريرة (زاد) مخلد: (ثم ليطول) الصلاة (بعد) أي بعد هاتين الركعتين (ما شاء).
(قال أبو داود: روى هذا الحديث حماد بن سلمة وزهير بن معاوية وجماعة، عن هشام) بن حسان، (عن محمد أوقفوه على أبي هريرة، وكذلك رواه أيوب وابن عون أوقفوه على أبي هريرة).
قال البيهقي في "سننه" (٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو بن أبي جعفر، أنبأنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين"، رواه مسلم عن أبي بكر، وكذلك رواه أبو خالد الأحمر وجماعة عن هشام بن حسان، ورواه جماعة
стр. 3268
وَرَوَاهُ ابْنُ عَوْنٍ عن مُحَمَّدٍ (١) قَالَ: "فِيهِمَا تَجَوُّزٌ".
١٣٢٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ - يَعْنِى أَحْمَدَ -, حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى عُثْمَانُ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ, عَنْ عَلِىٍّ الأَزْدِىِّ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِىٍّ
===
عن هشام موقوفًا على أبي هريرة، منهم: حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وكذلك رواه أيوب وابن عون وابن سيرين، وروي في حديث أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة "ثم ليطول بعد ما شاء" أخبرنا أبو علي الروذباري، أبنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مخلد بن خالد، ثنا إبراهيم، عن رباح، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة من قوله.
(ورواه ابن عون (٢)، عن محمد قال: فيهما تجوز) إما على صيغة الأمر أو على صيغة المستقبل بحذف إحدى التائين، ويحتمل المصدر أيضًا.
١٣٢٥ - (حدثنا ابن حنبل - يعني أحمد-، نا حجاج) بن محمد المصيصي (قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي المكي، كان قاضيًا على مكة، ثقة، (عن علي) بن عبد الله أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقي (الأزدي) قال ابن عدي: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به، وقال منصور عن مجاهد: كان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان كل ليلة، روى له مسلم حديثًا واحدًا في الدعاء إذا استوى على الراحلة في السفر، ونقل ابن خلفون عن العجلي أنه وثقه.
وقال في "الميزان" (٣): قد احتج به مسلم، ما علمت لأحد فيه جرحة، وهو صدوق.
(عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي) بضم المهملة وسكون
стр. 3269
الْخَثْعَمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ (١) سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقِيَامِ". [ن ٢٥٢٦ (بلفظ: طول الْقنوت)، دي ١٤٢٤، حم ٣/ ٤١١]
===
الموحدة بعدها معجمة ثم ياء ثقيلة (الخثعمي) أبو قتيلة بقاف مصغرًا، صحابي، قال ابن سعد: نزل مكة (أن النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام).
وأخرج الترمذي (٢) هذا الحديث عن جابر قال: قيل للنبي ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (٣).
قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود. وقال بعضهم: كثرة الركوع (٤) والسجود أفضل من طول القيام، وقال أحمد بن حنبل: قد روي عن النبي ﷺ في هذا حديثان، ولم يقض فيه بشيء.
وقال إسحاق: أما بالنهار (٥) فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، إلَّا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلى, لأنه يأتي على جزئه وقد ربح كثرة الركوع والسجود.
قال أبو عيسى: وإنما قال إسحاق هذا, لأنه كذا وُصِفَ صلاةُ النبي ﷺ بالليل، ووُصِفَ طول القيام، وأما بالنهار فلم يُوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل.
قال الشوكاني في "النيل" (٦): قال النووي (٧): وفي هذه المسألة مذاهب:
стр. 3270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحدها: أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بذلك ابن عمر.
والمذهب الثاني: أن تطويل القيام أفضل لحديث جابر، وإلى ذلك ذهب الشافعي وجماعة كما سيأتي.
و[المذهب] الثالث: أنها سواء، وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ولم يقض فيها [بشيء].
وقال في محل آخر في شرح حديث جابر (١): والحديث يدل على أن القيام أفضل من الركوع والسجود وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي (٢) وهو الظاهر، ولا يعارض حديث الباب وما في معناه الأحاديث المتقدمة في فضل السجود؛ لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل، إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام، وأما حديث "ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي" فإنه لا يصح لإرساله كما قال العراقي، ولأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، وكذلك أيضًا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حالي سجوده أفضليته على القيام, لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء.
قال العراقي: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإِمام في الفرائض والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلَّا إذا علم من حالي المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف، كما تقدم، انتهى.
стр. 3271
(٣١٥) بَابٌ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَىَ مَثْنَىَ
١٣٢٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى,
===
(٣١٥) (باب: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى)
١٣٢٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا) قال العيني (١): وقع في "معجم الطبراني" هو: ابن عمر، لكن يعكر عليه رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر: "أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ هو وأنا بينه وبين السائل"، فذكر الحديث، وذكر محمد بن نصر في كتاب "أحكام الوتر" من رواية عطية، عن ابن عمر: أن أعرابيًا سأل؟ قلت: إذا حمل الأمر على تعدد السائل لا اعتراض فيه، ويجوز أن يكون ابن عمر عبر عن السائل تارة بـ: رجلًا، وتارة بـ: أعرابيًا، ويجوز أن يكون هو السائل مع سؤال (٢) الرجل.
(سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل) أي عددها, لأن جوابه ﵇ بقوله: "مثنى" يدل على ذلك (فقال رسول الله ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى) (٣) مرفوع بأنه خبر مبتدأ وهو قوله: صلاة الليل، وهو بدون التنوين لأنه غير منصرف، وسئل ابن عمر ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تسلم في كل ركعتين، وقال بعضهم: فيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى اثنتين أن يتشهد بين كل ركعتين, لأن راوي الحديث أعلم بالمراد، ولأنه لا يقال في الرباعية مثلًا إنها مثنى.
стр. 3272
فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ (١) لَهُ مَا قَدْ صَلى". [خ ٩٩٠، م ٧٤٩، -٧٥١، ط ١/ ١٢٣/ ١٣، ن ١٦٧١، جه ١٣٢٠]
(٣١٦) بَابٌ في رَفْعِ الصَّوتِ بِالْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ
١٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَكَانِيُّ،
===
قلت: زعم هذا الحنفي بما ذكر لا يستلزم نفي السلام، ومقصوده أن لا بد من التشهد بين كل ركعتين، وأما أنه يسلم أو لا يسلم فهو بحث آخر، فيجوز أن يقال في الرباعية: مثنى مثنى، أي أن كل ركعتين منها مثنى مع قطع النظر عن السلام.
قال الحافظ (٢): حمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، ويحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها لما فيه من الراحة غالبًا.
(فإذا خشي أحدكم الصبح) أي فوت الوتر بطلوع الفجر (صلى ركعة واحدة) مع الركعتين المتقدمتين (توتر) هذه الركعة (له) أي للمصلي (ما قد صلَّى) أي الصلاة التي صلَّى قبل الركعة وهي الركعتان المتقدمتان، وهذه الجملة قرينة على اتصال الركعة الواحدة بما قبلها، ومن يقتصر على ركعة واحدة كيف يوتر له ما قبلها, وليس قبلها مثنى لانقطاعها عنها؟
(٣١٦) (بَابٌ في رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ)
١٣٢٧ - (حدثنا محمد بن جعفر) بن زياد بن أبي هاشم، أبو عمران (الوركاني) قال في "التقريب": بفتحتين، وقال السمعاني في "الأنساب" (٣): بفتح الواو وسكون الراء، من أهل خراسان، منسوب إلى وركان، وهي قرية من
стр. 3273
نَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ (١) ﷺ عَلَى قَدْرِ مَا (٢) يَسْمَعُهُ مَنْ في الْحُجْرَةِ وَهُوَ في الْبَيْتِ". [حم ١/ ٢٧١، ق ٣/ ١١]
١٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَائِدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِى خَالِدٍ الْوَالِبِىِّ,
===
قرى قاشان، (نا ابن أبي الزناد) عبد الرحمن، (عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قراءة النبي ﷺ ) أي رفع صوت قراءته (على قدر ما يسمعه) أي مقدار صوت ما يسمعه (من في الحجرة وهو) ﷺ في (البيت) أي في بيته.
قيل: المراد بالحجرة صحن البيت، ويحتمل أن يقال: إن المراد بالبيت هو الحجرة نفسها. أي يسمع من فيها، وقال العسقلاني: الحجرة أخص من البيت، يعني كان لا يرفع صوته كثيرًا ولا يسر بحيث لا يسمعه أحد، وهذا إذا كان يصلي ليلًا، وأما في المسجد فكان يرفع صوته فيها كثيرًا، ذكره ابن الملك (٣).
١٣٢٨ - (حدثنا محمد بن بكار بن الريان) الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله البغدادي الرصافي، ثقة، (نا عبد الله بن المبارك، عن عمران بن زائدة) بن نشيط بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ثم مهملة، الكوفي، ثقة، (عن أبيه) زائدة بن نشيط، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن أبي خالد الوالبي) بموحدة قبلها كسرة، اسمه هرمز، ويقال: هرم، مقبول، من الثانية، وقد على عمر، وقيل: حديثه عنه مرسل، فيكون من الثالثة، هذه النسبة إلى والبة، وهي حي من بني أسد.
стр. 3274
عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيّ ﷺ بِاللَّيْلِ يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا". [خزيمة ١١٥٩، ك ١/ ٣١٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو خَالِدٍ الْوَالِبِيُّ اسْمُهُ: هُرْمُزُ.
١٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ, أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ, عَنْ أَبِى قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِى بَكْرٍ يُصَلِّى يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ. قَالَ: وَمَرَّ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُصَلِّى رَافِعًا صَوْتَهُ. قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا أَبَا بَكْرٍ, مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ
===
(عن أبي هريرة أنه قال: كانت قراءة النبي ﷺ بالليل) في "الأزهار": يعني في الصلاة، ويحتمل [في] غيرها أيضًا، والخبر محذوف وهو مختلفة (يرفع) صوته رفعًا متوسطًا (طورًا) [أي]، مرة أو حالة إن كان خاليًا (ويخفض طورًا) إن كان هناك نائم أو بحسب حاله المناسب لكل منهما (قال أبو داود: أبو خالد الوالبي اسمه هرمز).
١٣٢٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن النبي ﷺ ) وهذا السند مقطوع، (ح: وحدثنا الحسن بن الصباح، نا يحيى بن إسحاق) السيلحيني، (أنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله (١) بن رباح، عن أبي قتادة: أن النبي ﷺ خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر) أي مار بأبي بكر (يصلي) حال عنه (يخفض) حال عن ضمير يصلي (من صوته) من زائدة أو تبعيضية (قال: ومر بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعًا صوته، قال) أبو قتادة: (فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ : يا أبا بكر مررت بك وأنت
стр. 3275
تُصَلِّي تَخْفِضُ (١) صَوْتَكَ" قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ". قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ".
زَادَ الْحَسَنُ في حَدِيثِهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شيْئًا"،
===
تصلي تخفض صوتك) أي لِمَ اخترت هذا؟
(قال) أبو بكر، لما غلب عليه من الشهود والجمال: (قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله) جواب متضمن لعلة الخفض، أي أنا أناجي ربي وهو يسمع، ولا يحتاج إلى رفع الصوت.
(قال: وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك) أي لم اخترت هذا؟ (قال) أبو قتادة: (فقال) عمر، لما غلب عليه من الهيبة والجلال: (يا رسول الله ﷺ أوقظ) أي أنبه (الوسنان) أي النائم الذي لم يستغرق في نومه (وأطرد) أي أبعد (الشيطان) ووسوته بالغفلة عن ذكر الرحمن، وتأمل في الفرق بين مرتبتيهما ومقاميهما، وإن كان لكل نية حسنة في فعليهما وحاليهما من مرتبة الجمع للأول وحالة الفرق للثاني، والأكمل هو جمع الجمع الذي كان حاله عليه الصلام ودَلَّهما عليه.
(زاد الحسن في حديثه: فقال النبي ﷺ ) لكونه الطبيب الحاذق والحبيب المشفق الموصل إلى مرتبة الكمال: (يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا) أي قليلًا لينتفع بك السامع ويتعظ مهتدٍ، ولما غلب عليه مزاج التوحيد الحار المحرق ما سوى الله الحق في الدار ليحصل له المقام الجمعي الشهودي بأن لا تحجبه الوحدة عن الكثرة، ولا الخلق عن الحق، وهو أكمل المراتب، وأفضل المناصب الذي هو وظيفة الرسل الكرام وطريقة الأولياء التابعين المكملين العظام.
стр. 3276
وَقَالَ لِعُمَرَ: "اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا". [ت ٤٤٧، خزيمة ١١٦١، ق ٣/ ١١]
١٣٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينِ بْنُ يَحْيَى الرَّازِىُّ, حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ,عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ: فَقَالَ لأَبِى بَكْرٍ: «ارْفَعْ شَيْئًا» وَلا لِعُمَرَ: «اخْفِضْ شَيْئًا».
زَادَ: «وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلَالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ» قَالَ: كَلَامٌ طَيِّبٌ يجمعه الله
===
(وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا) أي قليلًا لئلا يتشوش بك نحو مصلٍ أو نائم معذور، وإنما أراد به ﷺ بأمره ليعتدل مزاجه، فإن برودة الخلق وكافورية الشيطان كانت غالبة عليه، فأمره بمزج عسل التوحيد الذي فيه شفاء للناس، وباستعمال حلاوة المناجاة التي هي لذة العبادات وزبدة الطاعات عند أرباب الحالات وأصحاب المقامات، أذاقنا الله من مشاربهم، وأنالنا من مآربهم- آمين- قال الطيبي (١): نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢).
١٣٣٠ - (حدثنا أبو حصين) بالمهملة مكبرًا (ابن يحيى) بن سليمان (الرازي) ثقة، قيل: اسمه عبد الله، (نا أسباط بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بهذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم (لم يذكر) أبو هريرة: (فقال لأبي بكر: ارفع شيئًا، ولا لعمر: اخفض شيئًا، زاد) أبو هريرة: (وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة) من تبعيضية (قال) بلال: (كلام طيب) أي القرآن (يجمعه الله)
стр. 3277
بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ (١) النَّبِيُّ ﷺ : "كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ". [ق ٣/ ١١]
١٣٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَجُلاً
===
أي على لساني (بعضه إلى بعض، فقال النبي ﷺ : كلكم قد أصاب) أي من قرأ سرًا، ومن قرأ جهرًا، ومن قرأ الآيات من هذه السورة (٢) والآيات من سورة أخرى فقد أصاب.
فإن قلت: هذا الحديث يعارض الحديث المتقدم، فإن في هذا الحديث تصويب فعلهما، وفي الحديث المتقدم عدم التصويب بل فيه شيء من الإنكار؟
قلت: كلا ليس فيه إنكار بل فيه إرشاد إلى ما هو الأولى لهما، ولا ينافيه تصويب ما كانا عليه من حالتيهما قبل ذلك، والله أعلم.
١٣٣١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة: أن رجلًا (قال الحافظ في "الفتح" (٣): جزم عبد الغني بن سعيد في "المبهمات" بأن المبهم في رواية هشام عن أبيه، عن عائشة هو عبد الله بن يزيد الأنصاري، فروى من طريق عمرة عن عائشة "أن النبي ﷺ سمع صوت قارئ يقرأ، فقال: صوت من هذا؟ قالوا: عبد الله بن يزيد، قال: لقد ذَكَّرني آية يرحمه الله كنت أنسيتها"، ويؤيد ما ذهب إليه مشابهة قصة عمرة عن عائشة بقصة عروة عنها بخلاف قصة عباد بن عبد الله عنها، فليس فيه تعرض لنسيان الآية.
стр. 3278
قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَرَأَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ بالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ فُلَانًا كَأَيِّن (١) مِنْ آيَةٍ أَذْكَرَنِيهَا اللَّيْلَةَ كُنْتُ قَدْ أَسْقَطْتُهَا". [خ ٥٠٤٢، م ٧٨٨، "السنن الكبرى" للنسائي ٨٠٠٦، ق ٣/ ١٢]
===
(قام من الليل فقرأ فرفع صوته بالقرآن) يحتمل أن قراءته كانت بالصلاة أو خارجها (فلما أصبح) أي دخل في الصباح (قال رسول الله ﷺ : يرحم الله فلانًا) دعاء له (كأين) بكاف وهمزة مفتوحتين وتحتانية مكسورة مشددة في آخره نون ساكنة بمعنى كم (من آية) قال في "القاموس": وكأين وكائن بمعنى كم في الاستفهام والخبر، مركب من كاف التشبيه وأيٍّ المنونة، ولهذا جاز الوقف عليها بالنون، ورسم في المصحف نونًا (أذكرنيها الليلة كنت قد أسقطتها).
قال الحافظ (٢): لم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وفي رواية: "كنت أنسيتها" قال الحافظ: هي مفسرة لقوله: "أسقطتها" فكأنه قال: أسقطتها نسيانًا لا عمدًا، وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي "كنت نسيتها" بفتح النون ليس قبلها همزة.
قال الإسماعيلي: النسيان من النبي ﷺ لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قريب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله ﷺ في حديث ابن مسعود في السهو: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" (٣). والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤)، قال: فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال لعارض (٥) قوله تعالى:
стр. 3279
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ هَارُونُ النَّحْوِيُّ، عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ في الْحُرُوفِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾.
===
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١)، وأما الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٢) على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزةٍ.
وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبيء ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع تبليغه، والآخر: أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكُّره إما بنفسه وإما بغيره، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا.
وفي الحديث أيضًا جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد.
واختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، واحتجوا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: "عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها" (٣) وفي إسناده ضعف، انتهى مختصرًا.
(قال أبو داود: ورواه هارون النحوي) (٤) هو هارون بن موسى الأزدي العتكي مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق البصري، الأعور، ثقة، صاحب القراءات، (عن حماد بن سلمة) فهذه الرواية من باب رواية الأكابر عن الأصاغر, لأن هارون من الطبقة السابعة وحماد بن سلمة من الثامنة (في) تفسير (سورة آل عمران) متعلق بقوله: رواه (في الحروف) أي في بيان القراءات في سند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾).
стр. 3280
١٣٣٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ, فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ (١) رَبَّهُ, فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا, وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْقِرَاءَةِ» أَوْ قَالَ: «فِى الصَّلَاةِ». [حم ٣/ ٩٤، خزيمة ١١٦٢، ك ١/ ٣١١، ق ٣/ ١١]
===
حاصله أن قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ (٢) الآية، قرئ بوجهين: أولهما: وكأين بفتح الكاف والهمزة والياء المشددة المكسورة في آخره نون، وهذا قراءة جميع القراء إلا ابن كثير، فإن وقف عليه فالبصري يقف على الياء تنبيهًا على الأصل، والباقون يقفون بالنون اتباعًا لصورة الرسم، وثانيهما: كائن على وزن فاعل، وهو قراءة ابن كثير، فروى هارون هذا الحديث على خلاف ما رواه موسى بن إسماعيل، فإن كان رواية موسى بن إسماعيل عن حماد على الوجه الأول، فرواية هارون على الوجه الثاني، وإن كان رواية موسى بن إسماعيل على الوجه الثاني، فرواية هارون على الوجه الأول.
١٣٣٢ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن إسماعيل ابن أمية، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم) أي أصحابه (يجهرون بالقراءة (٣)، فكشف الستر وقال: ألا) حرف تنبيه (إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يوذين بعضكم بعضًا) أي برفع صوته (ولا يرفع بعضكم على بعض) صوته (في القراءة) أي قراءة القرآن (أو) للشك من الراوي (قال: في الصلاة) والشاك راوٍ من رواة السند، وفي رواية البيهقي: "في القراءة في الصلاة" بدون لفظ أو للشك.
стр. 3281
١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ, عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِىِّ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ, وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ». [ت ٢٩١٩، ن ١٦٦٣، حم ٤/ ١٥١، ق ٣/ ١٣، ك ١/ ٥٥٥]
(٣١٧) بَابٌ: في صَلَاةِ اللَّيْلِ
===
١٣٣٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : الجاهر) أي المعلن (بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر) أي المخفي (بالقرآن كالمسر بالصدقة).
قال القاري (١): قال الطيبي: جاء آثار بفضيلة الجهر بالقرآن، وآثار بفضيلة الإسرار [به]، فالجمع بأن يقال: الإسرار أفضل لمن يخاف الرياء، والجهر أفضل لمن لا يخافه بشرط أن لا يؤدي غيره من مصلٍ أو نائم أو غيره (٢)، وذلك لأن العمل في الجهر يتعدى نفعه إلى غيره من استماع أو تعلم أو ذوق، أو كونه شعارًا للدين، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه، ويطرد النوم عنه، وينشط غيره للعبادة، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل.
(٣١٧) (بَابٌ: في صَلَاةِ اللَّيْلِ)
اعلم أن صلاة الليل يطلق حقيقة على ما يصلى فيه، سواء كان فرضًا أو واجبًا أو نفلًا، ولكن خص في استعمال الشرع بالتهجد والوتر، ولم يطلق على صلاة المغرب والعشاء، فإنهما وإن كانا من صلاة الليل باعتبار الحقيقة،
стр. 3282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولكن صارت الحقيقة مهجورة فيهما، فلهذا لا يشمل صلاة الليل في إطلاق الشرع عليهما (١)، ولا يطلق إلا على صلاة التهجد والوتر، فإطلاق لفظ صلاة الليل عليه حقيقة قاصرة.
ثم اختلفت الروايات في صلاة الليل، أما التهجد فوقع الاختلاف فيها في أدائها فقط، وأما حكمها فمتفق عليه أنها ليس بواجب على الأمة، وأما الوتر فوقع الاختلاف في حكمها وفي أدائها، وسيأتي بحثه في أبواب الوتر.
أما الاختلاف الواقع في صلاة التهجد في أدائها فليس هو باختلاف في الواقع، بل وقع الاختلاف فيها في أدائها بحسب اختلاف الأوقات في الأداء، فإن رسول الله ﷺ صلاها دائمًا، فمرة صلاها على كيفية خاصة، وفي أخرى على كيفية أخرى، فلهذا وقع الاختلاف فيها خصوصًا في الروايات التي روت عائشة ﵂، فإنها كثيرة الاختلاف بحيث يصعب الجمع بينها، ولهذا حكم بعضهم بالاضطراب فيها، وحاشا من ذلك كما ستعرف إن شاء الله تعالى، فأكثر الروايات عنها تدل على أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاة الليل إحدى عشرة ركعة، وفي بعضها: كان يصلي بعد الوتر ركعتين قاعدًا.
ولما كان رسول الله ﷺ صلاهما في بعض الأحيان لبيان الجواز، وليعلم أن قوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" ليس للوجوب، ذكرتهما مرة وتركتهما أخرى.
وأما الروايات التي تدل على أنه ﷺ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ففي بعضها هذا العدد يتم بالركعتين اللتين كان يصليهما قاعدًا، وفي بعضها يتم بما كان يصلي من ركعتي سنَّة الفجر لقربها من صلاة الليل.
وأما الاختلاف الواقع في أدائها ففي بعضها: أنه ﷺ كان يصلي إحدى
стр. 3283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عشرة ركعة يسلم من كل ثنتين، وفي بعضها: يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم.
وفي رواية: كان يوتر بثمان ركعات، لا يجلس إلَّا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى، لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، ولا يسلم إلَّا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وهذا لفظ حديث سعد بن هشام، عن عائشة ﵂.
ولفظ حديث زرارة بن أوفى، عن عائشة أنها قالت: ثم يقوم إلى مصلاه فيصلي ثمان ركعات، يقرأ فيهن بأم الكتاب وسورة من القرآن وما شاء الله، ولا يقعد في شيء منها حتى يقعد في الثامنة، ولا يسلم، ويقرأ في التاسعة، ثم يقعد فيدعو بما شاء الله أن يدعوه ويسأله ويرغب إليه، ويسلم تسليمة واحدة شديدة يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه، ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب، [ويركع وهو قاعد]، ثم يقرأ الثانية فيركع ويسجد وهو قاعد، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم وينصرف، فلم تزل تلك صلاة رسول الله ﷺ حتى بدن، فنقص من التسع ثنتين، فجعلها إلى الست والسبع وركعتيه وهو قاعد حتى قبض على ذلك.
وفي حديث عروة عن عائشة قالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه قبل الصبح، يصلي ستًا مثنى مثنى، ويوتر بخمس، لا يقعد بينهن إلَّا في آخرهن.
وفي حديث عبد الله بن أبي قيس قال: قلت لعائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة.
ولفظ حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عند مسلم، أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على
стр. 3284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا.
فالاختلافات الواقعة في هذه الأحاديث المذكورة أكثرها محمولة على اختلاف الأحوال والأوقات، ولكن الذي وقع فيها أنه كان يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، وكذا ما وقع في الأخرى: "كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة"، الحديث، ففيها إشكال صعب على رأي الحنفية فإنهم قالوا بوجوب القعود والتشهد بعد كل من الركعتين في الفرض والنفل جميعًا، لقوله ﷺ : "وأن تشهد في كل ركعتين" وهو مجمع عليه عندهم.
فالجواب عنه ما قال القاري (١): وقد يقال: المعنى لا يجلس في شيء للسلام بخلاف ما قبله من الركعات، وفيه نظر, لأن الحنفية قائلون بأن الوتر ثلاث لا تجوز الزيادة عليها، فإذا صلَّى خمس ركعات، فإن نوى الوتر في أول التحريمة لا يجوز ذلك, لأن الزيادة على الثلاث ممنوعة، وإن نوى النفل في أول التحريمة لا يؤدي الوتر بنية النفل.
وإن قيل: إنها كانت في ابتداء الإِسلام، ثم أستقر الأمر على أن الوتر ثلاث ركعات فينافيه ما سيأتي من حديث زرارة بن أوفى عند أبي داود: "فلم تزل تلك صلاة رسول الله ﷺ حتى بدن، فنقص من التسع [ثنتين] فجعلها إلى الست والسبع وركعتيه وهو قاعد حتى قبض على ذلك".
فالأولى في التوجيه على مذهب الحنفية أن يقال: لا يجلس في شيء من الخمس جلسة الفراغ والاستراحة حتى يجلس تلك الجلسة في الآخرة، أي بعد الركعة الآخرة، أو يقال: لا يجلس، أي لا يصلي جالسًا في شيء من الخمس حتى يجلس، أي يصلي في الأخيرة جالسًا، والله أعلم.
стр. 3285
١٣٣٤ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ الْمُثنَى، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن حَنْظَلَةَ، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بسَجْدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ الْفَجْرِ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة" [خ ١١٤٠، م ٧٣٨، ن ١٦٩٦، ق ٣/ ٧]
١٣٣٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ, فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ". [خ ٩٩٤، م ٧٣٦، ن ١٦٩٦، ت ٤٤٠، جه ١١٧٧، حم ٦/ ٣٤]
===
١٣٣٤ - (حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم، (عن حنظلة) بن أبي سفيان، (عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلِّي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة) أي بركعة (ويسجد) أي يصلي (سجدتي) أي ركعتي (الفجر) فهذه إحدى عشرة ركعة من صلاة الليل ما سوى ركعتي الفجر، فعند من قال بركعة واحدة للوتر عشر ركعات من صلاة الليل، وعند من قال بثلاث ركعات للوتر فثمان ركعات لصلاة الليل (فذلك ثلاث عشرة ركعة).
١٣٣٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن) وقد تقدم البحث في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر وبعدهما قريبًا.
стр. 3286
١٣٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١) وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ (٢) وَهَذَا لَفْظُهُ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، نَا الأَوْزَاعِيُّ - وَقَالَ نَصْرٌ: عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالأَوْزَاعِيُّ - عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَةَ، عن عَائَشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَنْصَدِعَ الْفَجْرُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ، وُيوْتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَمْكُثُ في سُجُوده قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيةً
===
١٣٣٦ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) دحيم (ونصر بن عاصم) الأنطاكي (وهذا لفظه) أي لفظ نصر (قالا: نا الوليد) بن مسلم، (نا الأوزاعي، وقال نصر: عن ابن أبي ذئب والأوزاعي) فزاد ابن أبي ذئب (عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع) أي ينشق (الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بواحدة) أي مضمومة إلى الشفع الذي قبلها، قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: فيه أن أقل الوتر ركعة فردة، والتسليم من كل ركعتين، وبهما قال الأئمة الثلاثة (ويمكث في سجوده).
قال القاري (٣): قال البيضاوي: في الحديث دليل على أنه يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى بسجدة فردة لغير التلاوة والشكر. قال الطيبي (٤): قيل: الفاء في "فيسجد" داعية إلى هذا، لكن قوله: "من ذلك" لا يساعد عليه إلا أن يقال: من ابتدائية متصلة بالفعل، أي فيسجد السجدة من جهة ما صدر عنه ذلك المذكور، فيكون حينئذ سجدة شكر، والظاهر أن الفاء لتفصيل المجمل، يعني فيسجد كل واحدة من سجدات تلك الركعات طويلة.
(قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية) قلت: وهذا مبني على لفظ الحديث
стр. 3287
قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ" [انظر سابقه]
١٣٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وُيونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَ ابْنَ شِهَاب أَخْبَرَهُمْ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: "وُيوْتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأ
===
الذي اتفق عليه الشيخان، فإن لفظه فيسجد السجدة من ذلك"، أما على لفظ أبي داود وهو "ويمكث في سجوده" فلا يجري ذلك البحث فيه، بل لفظ أبي داود محتمل لسجدة الشكر وسجدة الصلاة، والظاهر المراد سجود الصلاة.
ونقل عن بعض الشوافع، قال بعض علمائنا من الشراح: قد اختلفت الآراء في جواز السجدة المنفردة من غير تلاوة وشكر، والأصح أنه حرام كالتقرب بركوع مفرد ونحوه، والثاني يجوز، قاله صاحب "التقريب"، وذكر صاحب "الروضة" سواء في هذا الخلاف في تحريم السجدة ما يفعل بين صلاة وغيرها، وليس هذا ما يفعل كثيرون من الجهلة السجدة بين يدي المشايخ، فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال سواء كانت إلى القبلة أو إلى غيرها، وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل عنه.
(قبل أن يرفع رأسه) أي قبل إتمام السجود (فإذا سكت الموذن بالأولى) أي بالمناداة الأولى وهو الأذان، والثانية الإقامة (من صلاة الفجر قام) أي رسول الله ﷺ (فركع ركعتين خفيفتين) سنَّة الفجر (ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن) ليستريح من تعب قيام الليل.
١٣٣٧ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد، أن ابن شهاب أخبرهم بإسناده) أي الحديث المتقدم (ومعناه، قال) سليمان بن داود في حديثه: (ويوتر بواحدة) أي بركعة واحدة (ويسجد سجدة قدر ما يقرأ
стр. 3288
أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ" وَسَاقَ مَعْنَاهُ. قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ. [انظر تخريج الحديث السابق]
١٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوْتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ حَتَّى يَجْلِسَ في الآخِرَةِ فَيُسَلِّمَ" (١). [م ٧٣٧، ت ٤٥٩، ن ١٧١٧، جه ١٣٥٩، حم ٦/ ٥٠، ق ٣/ ٢٧]
===
أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) من السجود (فإذا سكت الموذن من صلاة الفجر) أي من أذانها (وتبين له الفجر، وساق) سليمان بن داود (معناه) أي معنى الحديث المتقدم (قال) سليمان: (وبعضهم يزيد على بعض)
وفي الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ كان يصلي سنَّة الفجر بعد تبين الفجر، ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن، فإذا آذنه المؤذن خرج يصلي بالناس، فتكون صلاته في الإسفار.
قال القاري (٢): قال الطيبي: الحديث يدل على أن التبين لم يكن في الأذان، وإلَّا لما كان لذكر التبين فائدة، قلت: الظاهر أن المراد بالتبين الإسفار، فيفيد أن الإسفار مستحب حتى في حق السنَّة، ثم رأيت ابن حجر ذكر نظير ما ذكرته، ثم قال: وأفاد الحديث ندب التغليس بالأذان، وحكمته اتساع الوقت ليتم تَهيؤ الناس للدخول في الصلاة.
١٣٣٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم).
стр. 3289
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
١٣٣٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكٍ، عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
===
وهذا الحديث لا يخالف مذهب الشافعية، قال في "روضة المحتاجين": وله في الفصل أن يتشهد بعد كل ركعتين أو أربع مثلًا وإن لم يسلم، وفي الوصل أن لا يتشهد إلا قبل الأخيرة وبعدها أو بعدها فقط، وهو أولى للنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب في وقوع ركعة بين التشهدين، وأما الحنفية فظاهر الحديث مخالف لهم، فإنه يجب التشهد بعد كل من الركعتين عندهم، وقد تقدم توجيه الحديث على مذهبهم.
وقال الطحاوي (١) بعد ما أخرج حديث هشام بن عروة عن عروة: كان يوتر بخمس سجدات، ولا يجلس بينها حتى يجلس في الخامسة ثم يسلِّم، وحديث محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة: كان يجلس في خمس (٢) لا يجلس إلا في آخرهن: فقد خالف ما روى هشام ومحمد بن جعفر عن عروة ما روى الزهري من قوله: كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ويسلِّمُ بين كل ركعتين، فلما اضطرب ما روي عن عروة في هذا عن عائشة من صفة وتر رسول الله ﷺ لم يكن فيما روي عنها في ذلك حجة، ورجعنا إلى ما روى عنها غيره،
(قال أبو داود: ورواه ابن نمير عن هشام نحوه) أي نحو ما روى وهيب عن هشام، وحديث ابن نمير عن هشام أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣)، ولفظه: "قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلَّا في آخرها".
١٣٣٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة،
стр. 3290
عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفتَيْنِ". [خ ١١٧٠، م ٧٣٦، حم ٦/ ١٧٧] (وانظر سابقه)
١٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبَانُ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً, وَكَانَ يُصَلِّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ, وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُصَلِّى - قَالَ مُسْلِمٌ: بَعْدَ الْوِتْرِ, ثُمَّ اتَّفَقَا - رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ, فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ,
===
عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة) وسيأتي تفصيله في الحديث الآتي (ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) أي سنَة الفجر.
١٣٤٠ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم قالا: نا أبان) بن يزيد العطار، (عن يحيى) أظنه ابن أبي كثير، (عن أبي سلمة، عن عائشة: أن نبي الله ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي ثماني ركعات ويوتر) الشفع منها (بركعة ثم يصلي، قال مسلم: بعد الوتر) ولم يقل موسى ابن إسماعيل لفظ بعد الوتر (١) (ثم اتفقا) أي موسى ومسلم (ركعتين وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع) أي إذا صلى ركعتين بعد الوتر وهو قاعد، فإذا أراد فيها الركوع لم يركع قاعدًا بل قام فركع.
ولكن هذا مخالف لما سيأتي من حديث زرارة عن عائشة: "ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب، ويركع وهو قاعد، ثم يقرأُ الثانية فيركع ويسجد وهو قاعد"، فيحمل على اختلاف الأوقات بأنه صلاهما مرة قاعدًا بحيث ركع
стр. 3291
وُيصَلِّي بَيْنَ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالإِقَامَةِ رَكْعَتَيْنِ. [م ٧٣٨، ن ١٧٥٦، حم ٦/ ٥٢]
١٣٤١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ : كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِى رَمَضَانَ وَلَا فِى غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً,
===
وسجد وهو قاعد، وصلاهما مرة بأنه أحرم قاعدًا، ثم إذا أراد أن يركع قام فركع وسجد وهو قائم، لكن ثبت عن عائشة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصلي صلاة الليل قاعدًا حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آية، ثم ركع.
فهذا الحديث يدل على أن قيام رسول الله ﷺ بعد القعود في صلاة تكون القراءة فيها طويلة، وهاتان الركعتان يقرأهما رسول الله ﷺ بقراءة خفيفة، فلا يناسب فيهما القيام بعد القعود، ويحتمل أن يكون هذا متعلقًا بثماني ركعات بأنه إذا صلاها قاعدًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ آيًا من القرآن، فركع وسجد وهو قائم، (ويصلي بين أذان الفجر والإقامة ركعتين) وهما سنَّة الفجر.
١٣٤١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه) أي أبا سلمة (أخبره) أي سعيدًا (إنه) أي أبا سلمة (سأل عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ) صلاة الليل (في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة).
يشكل هذا بما تقدم من روايتها أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الشفعة التي كان يصليها جالسًا، فكيف تقول: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؟
وأيضًا يشكل بصلاة التراويح، فإنه ﷺ صلاها ثلاث ليال، ثم تركها بعذر فرضيتها.
стр. 3292
يُصَلِّى أَرْبَعًا, فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ, ثُمَّ يُصَلِّى أَرْبَعًا, فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ, ثُمَّ يُصَلِّى ثَلَاثًا
===
والجواب عن الأول: أن السائل لما سأل عن صلاة الليل وزاد لفظ: في رمضان، فظن أن رسول الله ﷺ لعله كان يزيد في رمضان على تهجده في غير رمضان، فردته بقولها: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره، أي في غالب الأحوال والأوقات، فغرضها بهذا الكلام الرد على ما يظن أنه ﷺ كان يزيد في رمضان على غيره، فلا ينافيه ما كان يصليه في بعض الأوقات ركعتين.
وأما عن الثاني: فإن هذا الحديث لا تعلق له بالتراويح لا نفيًا ولا إثباتًا، فكأنها صلاة أخرى، والاستدلال بهذ الحديث على أن التراويح ثمان ركعات لغو، هكذا كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀.
(يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا) (١) وهذا تفصيل لما أجمله أولًا، فإن عائشة بينت أولًا صلاة الليل في رمضان وفي غيره بالإجمال، ثم فصلتها بهذا، فظهر بهذا أنه ﷺ كان يصليها هكذا في أكثر الأحوال، وهذا الحديث ظاهر في الاستدلال على ما ذهب إليه الحنفية من أن الوتر ثلاث ركعات وما سواه ثمان ركعات من صلاة الليل.
قال في "الإكمال" (٢): ثم اختلفوا في معنى الأربع، فقيل: إنه لم يكن يسلم من كل ركعتين، وقيل: إنه لم يجلس إلا في آخر كل أربعة، وقال مالك: والأكثر أنه كان يسلم من كل ركعتين، ثم اختلفوا في معنى الأربع، فقيل: أراد أنها على صفة واحدة في التلاوة والتحسين، لم تختلف الأخيرتان من الأولتين (٣)،
стр. 3293
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فقَالَ: «يَا عَائِشَةُ, إِنَّ عَيْنَىَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِى». [خ ١١٤٧، م ٧٣٨، ن ١٦٩٧، ت ٤٣٩، حم ٦/ ٣٦، ق ١/ ١٢٢]
===
ثم الأربعة الثانية مستوية أيضًا في الطول والحسن وإن لم تبلغ في الطول قدر الأولى، كما قال في الآخر "صلَّى ركعتين طويلتين ثم صلَّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما". وقيل إنما خص الأربع بالذكر, لأنه كان ينام قبل (١) كل أربعة نومة، وفي حديث أم سلمة: كان يصلي ثم ينام قدر ما صلَّى، ثم يصلي قدر ما نام، هذا معنى ذكر الأربع لا أنه لم يكن يفصل بينهما بسلام.
(قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ﷺ ، أتنام قبل أن توتر؟ فقال) رسول الله ﷺ : (يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي).
قال في "الإكمال" عن القاضي عياض: لما رأته أنه ينام قبل أن يوتر، وعهدت من أبيها العكس على ما علم، وكانت صغيرة ليس عندها كبير علم، ظنت أن فعل أبيها لا يجوز غيره سألت فأجابها بذلك. قلت: والمعنى أن السبب في تقديم الوتر إنما هو خوف غلبة النوم وهو في ذلك بخلاف الناس، لأنه ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه، انتهى.
قلت: ما قال القاضي عياض في توجيه قول عائشة بعيد جدًا، فإنه لم يثبت أن عائشة ﵂ سألته حين زفت إليه بل كانت عالمة فقيهة لا يقبل العقل السليم منها أنها تظن لما رأت من أبيها أنه لا ينام قبل الوتر، ورأت فعله ﷺ أنه ينام قبله، فتحمل فعل رسول الله ﷺ على عدم الجواز، وأيضًا لا يطابقه الجواب، فإن جوابه بأن كليهما أي النوم قبل الوتر وعدم النوم قبله جائز إن كان كافيًا لا يحتاج إلى بيان أن عينه تنام ولا ينام قلبه.
وما وجهه صاحب "الإكمال" أن السبب في تقديم الوتر إنما هو خوف غلبة النوم ورسول الله ﷺ في ذلك بخلاف الناس، فإن عينه تنام ولا ينام قلبه،
стр. 3294
١٣٤٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: "طَلَّقْتُ امْرَأَتِي فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ لأَبِيعَ عَقَارًا كَانَ لِي بِهَا فَأَشْتَرِيَ بِهِ السِّلَاحَ وَأَغْزُوَ، فَلَقِيتُ نَفَرًا مِنَ أَصْحَاب النَّبِيِّ (١) ﷺ ، فَقَالُوا: قَدْ أَرَادَ نَفَرٌ مِنَّا سِتَّةٌ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَنَهَاهُمُ الَنَبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
===
فغير صحيح، فإنّ رسول الله ﷺ نام ليلة التعريس حتى طلوع الشمس ولم يتنبه له، فالقلب المستيقظ لا يدرك طلوع الشمس، فكيف يدرك طلوع الفجر، بل غرض عائشة ﵂ عندي من سؤالها أنها حفظت من رسول الله ﷺ أن النوم ناقض للوضوء، ورؤى رسول الله ﷺ ينام في أثناء صلاة الليل، ويوتر بعد النوم من غير أن يجدد وضوءه، فسألته عن ذلك، فأجابها رسول الله ﷺ بأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه فيدرك الحدث، وليس أحد من أمته في ذلك مثله فتنتقض طهارتهم، والله أعلم.
١٣٤٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا همام، ثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام قال) سعد: (طلقت امرأتي فأتيت المدينة) أي من البصرة، فإن أباه هشامًا كان نزيلها (لأبيع عقارًا كان لي بها) أي بالمدينة (فأشتري) على صيغة المتكلم (به) أي بالمال الذي يحصل من بيع العقار (السلاح وأغزو) ولفظ مسلم: "ويجاهد الروم حتى يموت".
(فلقيت نفرًا من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: قد أراد نفر منا ستة أن يفعلوا ذلك) أي يطلقوا أزواجهم وينهمكوا في الغزو حتى يموتوا (فنهاهم النبي ﷺ ، وقال) رسول الله ﷺ (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) ولفظ مسلم: "أليس لكم فيّ أسوة حسنة"، فإن رسول الله ﷺ غزا الكفار غزوات ولم يطلق أزواجه، ولفظ مسلم: "فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها وأشهد على رجعتها".
стр. 3295
فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عن وِتْرِ النَّبِيِّ (١) ﷺ فَقَالَ: أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ النَّاسِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأتِ عَائِشَةَ، فَأَتَيْتُهَا فَاسْتَتْبَعْتُ حَكِيمَ بْنِ أَفْلَحَ فَأَبَى، فَنَاشَدْتُهُ فَانْطَلَقَ مَعِي، فَاسْتَأذَنَّا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ قَالَتْ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَتْ: هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ أُحَدٍ؟
===
(فأتيت ابن عباس فسألته عن وتر النبي ﷺ فقال: أدلك) بحذف حرف الاستفهام، وفي نسخة: ألا أدلك (على أعلم الناس بوتر رسول الله ﷺ ؟ ) قال النووي (٢): فيه أنه يستحب للعالم إذا سئل عن شيء ويعرف أن غيره أعلم منه به أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة.
(فأت عائشة) هكذا في أكثر النسخ بالهمزة بدون الياء، فما في النسخة القادرية والمجتبائية بالياء بعد الهمزة تصحيف من الكاتب (فأتيتها) أي فأردت أن آتيها، وفي رواية مسلم: "فسلها ثم ائتني فأخبرني بردها عليك، فانطلقت إليها" (فاستتبعت) أي استصحبت وطلبت منه أن يصحبني (حكيم بن أفلح فأبى) أن يصحبني (فناشدته) أي أقسمته، وفي رواية مسلم: فقال: "ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا، فأبت فيهما إلا مُضِيًّا".
(فانطلق معي، فاستأذنا على عائشة، فقالت: من هذا؟ قال: حكيم بن أفلح) ولعل المتكلم بالاستئذان كان حكيم بن أفلح (قالت: ومن معك؟ قال) حكيم: (سعد بن هشام) أي معي سعد بن هشام (قالت: هشام بن عامر الذي قتل يوم أحد؟ ) بحذف همزة الاستفهام، ولفظ: "الذي قتل" صفة لعامر لا لهشام، وسياق أبي داود يدل على أن لفظ: "الذي قتل يوم أحد" من كلام عائشة، وسياق مسلم يدل على أنه من كلام قتادة.