عن صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ السَّكُونِيِّ، عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ بِشَيْءٍ: أَوْصَانِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا أَنَامُ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، وَبِسُبْحَةِ (١) الضُّحَى في الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ". [م ٧٢٢، حم ٦/ ٤٤٠]
١٤٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، نَا أَبُو زَكريَّا (٢) السَّيْلَحِينِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ثَابِتٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
===
(عن صفوان بن عمرو، عن أبي إدريس السكوني) الحمصي، قلت: قرأت بخط الذهبي: قال ابن القطان: حاله مجهولة، قال الذهبي: قد روى عنه غير صفوان بن عمرو، فهو شيخ محله الصدق، كذا قال، ولم يسم الراوي الآخر، وقد جزم ابن القطان بأنه ما روى عنه غير صفوان، وقول الذهبي: إن من روى عنه أكثر من واحد فهو شيخ محله الصدق، لا يوافقه عليه من يبتغي على الإِسلام مزيد العدالة، بل هذه الصفة هي صفة المستورين الذين اختلفت الأئمة في قبول أحاديثهم، والله أعلم.
(عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن بشيء) الباء للسببية، أي بشيء مانع من الموانع، ويحتمل أن يكون بدلاً من لفظ منهن، أي لا أدع بشيء منهن، (أوصاني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر) وهذه أحد الثلاثة، (ولا أنام إلَّا على وتر) وهذه ثانيتها، (وبسبحة الضحى في الحضر والسفر) وهذه ثالثتها. وقد تقدم البحث في هذا الحديث.
١٤٣٤ - (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، نا أبو زكريا) يحيى بن إسحاق (السيلحيني، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن
стр. 3467
رَبَاحٍ، عن أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "مَتَى تُوْتِرُ؟ "، قَالَ: أُوْتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَتَى تُوْتِرُ؟ "، قَالَ: آخِرَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "أَخَذَ هَذَا بِالْحَذَرِ". وَقَالَ لِعُمَرَ: "أَخَذَ هَذَا بِالقُوَّةِ". [خزيمة ١٠٨٤، ك ١/ ٣٠١، ق ٣/ ٣٥]
(٣٤٤) بابٌ: في وَقْتِ الْوِتْرِ
١٤٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عن الأَعْمَشِ، عن مُسْلمٍ، عن مَسْرُوقٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَتَى كَانَ يُوْتِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ:
===
رباح، عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل) أي أوتر من آخر الليل (فقال) رسول الله ﷺ (لأبي بكر: أخذ هذا بالحذر) أي بالاحتياط عن الفوت، وفي نسخة: بالحزم. (وقال لعمر: أخذ هذا بالقوة) أي بما هو أقوى وأصعب.
(٣٤٤) (بَابٌ: في وَقْتِ الوِتْرِ)
١٤٣٥ - (حدثنا أحمد بن يونس، نا أبو بكر بن عياش) بتحتانية ومعجمة، ابن سالم الأسدي، الكوفي، المقرئ، الحناط بمهملة ونون، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد، أو عبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو رؤبة، أو مسلم، أو خِدَاش، أو مطرف، أو حماد، أو حبيب، عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح.
(عن الأعمش، عن مسلم) بن صبح، أبي الضحى، (عن مسروق قال: قلت لعائشة: متى كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ ) أي في أي وقت من الليل كان يوتر (قالت: كل ذلك قد فعل) أي في كل أوقات الليل صلَّى فيها الوتر بعد صلاة
стр. 3468
أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَوَسَطَهُ، وَآخِرَهُ، وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ". [خ ٩٩٦، م ٧٤٥، ت ٤٥٦، ن ١٦٨١، جه ١١٨، حم ٦/ ٤٦، ق ٣/ ٣٥]
===
العشاء (أوتر أول (١) الليل) أي أوتر في أول الليل بعد العشاء (ووسطه) هكذا في نسخ أبي داود، وفي بعض الكتب "وأوسطه"، أي أوتر في وسطه (وآخره) أي أوتر في آخره (ولكن انتهى وتره حين (٢) مات) أي قبل وفاته ﷺ (إلى السحر) أي قبيل الفجر، فالوتر فيه أفضل.
قال في "البدائع" (٣): وأما بيان وقته فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في بيان أصل الوقت، وفي بيان الوقت المستحب، أما أصل الوقت فوقت العشاء عند أبي حنيفة، إلا أنه شرع مرتبًا عليه حتى لا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه وقته لعدم شرطه وهو الترتيب، إلَّا إذا كان ناسيًا كوقت أداء الوقتية وهو وقت الفائتة لكن شرع مرتبًا عليه، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي وقته بعد أداء صلاة العشاء، وهذا بناءً على ما ذكرنا أنّ الوتر واجب عند أبي حنيفة وعندهم سنَّة.
والدليل على أن وقته ما ذكرنا، لا ما بعد فعل العشاء أنه لو لم يصل العشاء حتى طلع الفجر، لزمه قضاء الوتر كما يلزمه قضاء العشاء، ولو كان وقتها ذلك لما وجب قضاء الوتر، إذ لم يتحقق وقتها لاستحالة تحقق ما بعد فعل العشاء بدون فعل العشاء.
وأما الوقت المستحب للوتر فهو آخر الليل، لما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: "كان تارةً يوتر أول الليل"
стр. 3469
١٤٣٦ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نَا ابْنُ أَبِي زَائِد قالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ". [م ٥٧٠، ت ٤٦٧، حم ٢/ ٣٧، ك ١/ ٣٠١]
١٤٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي قَيْسٍ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ (١): رُبَّمَا أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَوْتَرَ مِنْ آخِرِهِ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَتْ (٢) قِرَاءَتُهُ؟ أَكَانَ يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ". [م ٣٠٧، ت ٤٤٩، ن ١٦٦٢، حم ٦/ ٣٧، تم ٣١٧، ك ١/ ٣١٠، جه ١٣٥٤]
===
الحديث (٣)، وهذا إذا كان لا يخاف فوته، فإن كان يخاف فوته يجب أن لا ينام إلَّا على وتر.
١٤٣٦ - (حدثنا هارون بن معروف، نا ابن أبو زائدة) يحيى بن زكريا (قال: حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: بادروا الصبح بالوتر) أي عجلوا بأداء الوتر قبل طلوع الصبح، وعلم بهذا أنه إذا أصبح خرج وقت الوتر.
١٤٣٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ قالت: ربما أوتر أول الليل، وربما أوتر من آخره، قلت: كيف كانت قراءته؟ أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك) أي كل واحد من الأمرين (كان يفعل، ربما أسرَّ وربما جهر) أي في القراءة (وربما اغتسل فنام، وربما توضَّأ فنام) هذا
стр. 3470
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ: تَعْني في الْجَنَابَةِ.
١٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيلِ وِتْرًا" (١). [خ ٩٩٨، م ٧٥١]
===
جواب حذف سؤاله، فما أدري حذفه الراوي اختصارًا أو سقط من الكاتب، ولم أقف على السؤال فيما عندي من النسخ.
وقد أخرج النسائي (٢) هذا الحديث في باب الاغتسال قبل النوم، فذكر السؤال، ولفظه عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة ﵂ كيف كان نوم رسول الله ﷺ في الجنابة؟ أيغتسل قبل أن ينام أو ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك [قد]، كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، انتهى.
(قال أبو داود: وقال غير قتيبة (٣): تعني في الجنابة) حاصله أن غير قتيبة زاد في آخر الحديث تعني في الجنابة، أي لم تذكر عائشة لفظ الجنابة في الاغتسال، ولكن تريد يعني مرادها من الاغتسال، اغتسال الجنابة.
١٤٣٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى) القطان، (عن عبيد الله) بن عمر، (حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل) (٤) أي صلاة التهجد (وترًا) أي صلاة (٥) الوتر في آخرها، والأمر للندب بالاتفاق إلا عند من هو قائل بنقض الوتر.
стр. 3471
(٣٤٥) بَابٌ: في نَقْضِ الْوِتْرِ
===
(٣٤٥) (بَابٌ: في نَقْضِ الْوِتْرِ)
قال الشوكاني (١): قال العراقي: ذهب أكثر العلماء إلى أن من أوتر وأراد الصلاة بعد ذلك، لا ينقض وتره، ويصلي شفعًا شفعًا حتى يصبح، قال: فمن الصحابة أبو بكر الصديق، وعمار بن ياسر، ورافع بن خديج، وعائذ بن عمرو، وطلق بن علي، وأبو هريرة، وعائشة ﵃، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢)، عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس، وممن قال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعلقمة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن البصري، روى ذلك ابن أبي شيبة عنهم في "المصنف" أيضًا، وقال به من التابعين: طاوس، وأبو مجلز، ومن الأئمة: سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، روى ذلك الترمذي عنهم في "سننه" (٣)، وقال: إنه أصح، ورواه العراقي عن الأوزاعي والشافعي وأبي ثور، وحكاه القاضي عياض عن كافة أهل الفتيا.
وروى الترمذي عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ [ومن بعدهم] جواز نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها أخرى، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، قال: وذهب إليه إسحاق.
واستدلوا بحديث ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام، ثم أردت أن أصلي بالليل، شفعت بواحدة ما مضى من وتري، ثم صليت مثنى مثنى، فإذا قضيت صلاتي أوترت بواحدة؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر، رواه أحمد (٤).
стр. 3472
١٤٣٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عن قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: "زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ في يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَمْسَى عِنْدَنَا وَأَفْطَرَ، ثُمَّ قَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَوْتَرَ بِنَا، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِده فَصَلَّى بأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا وِتْرَانِ في
===
قلت: ولا دليل فيه, لأنه فعل ابن عمر باجتهاد منه، وقد تقدم أن الأمر في حديث "اجعلوا" ليس للوجوب بل للندب.
واستدل الأولون على عدم كون الأمر للوجوب بحديث عائشة وأبي (١) سلمة، وأبي أمامة، ففي حديث عائشة الطويل عند مسلم (٢): "فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس"، وفي حديث أم سلمة: "كان يصلي بعد الوتر ركعتين"، رواه الترمذي (٣)، وزاد ابن ماجه (٤): "خفيفتين وهو جالس"، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد (٥): "كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ".
١٤٣٩ - (حدثنا مسدد، نا ملازم بن عمرو، نا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق قال: زارنا طلق بن علي) وهو أبوه (في يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر) الصوم (ثم قام بنا) أي صلَّى بنا التراويح (تلك الليلة وأوتر بنا) وصلى بنا الوتر (ثم انحدر إلى مسجده) الذي كان يصلي فيه (فصلَّى بأصحابه) أي أهل المسجد (حتى إذا بقي الوتر قدم رجلًا فقال: أوتر بأصحابك) أي صل بهم الوتر (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا وتران في
стр. 3473
لَيْلَةٍ". [ت ٤٧٠، ن ١٦٧٩، حم ٤/ ٢٣، خزيمة ١١٠١، ق ٣/ ٣٦، حب ٢٤٤٩]
===
ليلة) قوله: وتران بالألف، هكذا في النسخ جاء على لغة بني الحرث (١)، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٢).
قال البيضاوي (٣): وهذان اسم إنَّ على لغة بلحرث بن كعب، فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديرًا، أي الألف عندهم علامة التثنية لا علامة إعراب، حتى تتغير كغيرها، فأعربوه بإعراب مقدر كالمقصور.
قال الترمذي (٤) بعد إيراد هذا الحديث: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، واختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها ركعة، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته, لأنه لا وتران في ليلة، وهو الذي ذهب إليه إسحاق، انتهى.
وحاصل مذهبهم أن من أوتر أول الليل ثم قام من آخره، فإن لم يصل سبحة التهجد حرم من ثوابها، وإن صلَّى ولم يصل الوتر بعدها يخالف قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا". وإن صلَّى الوتر بعدها أيضًا خالف قوله ﷺ : "لا وتران في ليلة"، فقالوا: ينقض الوتر الذي صلَّى في أول الليل بأنه إذا قام من آخر الليل وقد أوتر في أوله يتطهر ويصلي ركعة واحدة يضيفها إلى ركعة الوتر التي صلاها في أول الليل ينوي نقض الوتر، ثم يصلي ما بدا له ركعتين ركعتين، ثم يوتر في آخر صلاته، فإذا فعل ذلك فقد نقض وتره الذي صلَّى أول الليل، وأحرز فضيلة التهجد وثوابه، ووافق قوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، ولم يخالف قوله ﷺ : "لا وتران في ليلة"؛ لأن الوتر الأول قد نقضه.
стр. 3474
(٣٤٦) بابُ الْقُنُوتِ في الصَّلَوَاتِ
===
وقال الآخرون: إذا أوتر من أول الليل، ثم قام من آخره، يصلي ما بدا له من صلاة التهجد ولا ينقض وتره, لأنه لا يجوز نقضه بل لا يمكن, لأن الرجل إذا أوتر أول الليل فقد قضى وتره، فإذا هو نام بعد ذلك، ثم قام وتوضأ وصلَّى ركعة أخرى، فهذه صلاة غير تلك الصلاة، وغير جائز في النظر أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى التي صلاها في أول الليل، فلا يصيران صلاة واحدة، وبينهما نوم وحدث ووضوء وكلام في الغالب، وإنما هما صلاتان متباينتان كل واحدة منهما غير الأولى، فمن فعل ذلك فقد أوتر مرتين، بل ثلاث مرات، مرة في أول الليل، ومرة ثانية بهذه الركعة التي صلَّى ينوي نقض الوتر، ثم إذا هو أوتر أيضًا في آخر صلاته صار موترًا ثلاث مرات في ليلة واحدة، وخالف قوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، لأنه جعل الوتر في مواضع من الليل في أولها وأوسطها وآخرها، وخالف قوله ﷺ : "لا وتران في ليلة", لأنه زاد على وترين، وأوتر ثلاث مرات، وهذا قول أبي حنيفة وغيرهم من الأئمة، وقالوا: إن الأمر في قوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم"، الحديث، ليس للوجوب, لأنه قد تقدم أنه قد روي من غير وجه أن النبي ﷺ قد صلَّى السبحة بعد الوتر، والله تعالى أعلم.
وأما أداء طلق بن علي صلاة التراويح مرتين، فيمكن أن يوجه أنه صلَّى عند ابنه قيس بن طلق بعضها مع الوتر، ثم صلَّى ما بقي منها بأصحابه في مسجده (١).
(٣٤٦) (بَابُ الْقُنُوتِ) أي: الدعاء (في الصَّلَوَاتِ) أي: المكتوبات
قلت: قد عقد صاحب "منتقى الأخبار" "باب القنوت في المكتوبة عند
стр. 3475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النوازل وتركه في غيرها"، وأورد فيه حديث (١) أبي مالك الأشجعي عند أحمد والترمذي وابن ماجه: "أنه سأل أباه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا هل كانوا يقنتون؟ قال: أي بُنَيَّ مُحْدَثٌ"، قال: وفي رواية: "صليت خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُنيَّ بدعة".
قال الشوكاني في "النيل" (٢): وفي الباب عن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي أنه قال: القنوت في صلاة الصبح بدعة (٣). قال البيهقي: لا يصح.
وعن ابن عمر عند الطبراني قال- في قيامهم عند فراغ القارئ من السورة. يعني قيام القنوت-: إنها لبدعة، ما فعلها رسول الله ﷺ ، وفي إسناده بشر بن حرب الداري، وهو ضعيف (٤).
وعن ابن مسعود عند الطبراني في "الأوسط" والبيهقي والحاكم في "كتاب القنوت": "ما قنت رسول الله ﷺ في شيء من صلاته"، زاد الطبراني: "إلَّا في الوتر وأنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر ولا عمر حتى ماتوا، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت في الصلوات كلهن" (٥)، قال البيهقي: كذا رواه محمد بن جابر السحيمي، وهو متروك. وعن أم سلمة
стр. 3476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عند ابن ماجه قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن القنوت في الفجر"، ورواه الدارقطني (١)، وفي إسناده ضعف.
والحديث يدل على عدم مشروعية القنوت، وقد ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم (٢)، كما حكاه الترمذي في كتابه، وحكاه العراقي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس، وقال: قد صح عنهم القنوت، وإذا تعارض الإثبات والنفي قُدِّم المثبت، وحكاه عن أربعة من التابعين، وعن أبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
وقد اختلف النافون لمشروعيته، هل يشرع عند النوازل أم لا؟ وذهب جماعة إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه الحازمي عن أكثر الناس من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء الأمصار (٣)، ثم عد من الصحابة الخلفاء (٤) الأربعة إلى تمام تسعة عشر من الصحابة، ومن المخضرمين: أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، ومن التابعين اثنا عشر، ومن الأئمة والفقهاء: أبو إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي، وأصحابه، وعن الثوري روايتان، ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير.
واعلم أنه قد وقع الاتفاق (٥) على ترك القنوت في أربع صلوات من غير
стр. 3477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سبب، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم يبق الخلاف إلَّا في الصبح (١) من المكتوبات، وفي صلاة الوتر في غيرها.
أما القنوت في صلاة الصبح، فاحتج المثبتون له بحجج، منها: حديث البراء وأنس الآتيان، ويجاب بأنه لا نزاع في وقوع القنوت منه ﷺ ، إنما النزاع في استمرار مشروعيته، فإنه قد قدمنا ما حكاه النووي عن جمهور المحققين أن لفظ كان لا يدل على الاستمرار، وإذا سلمنا فغايته (٢) مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي تركه آخرًا، كما صرحت به الأدلة الآتية، على أن في الحديثين أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب فهو جوابنا عن الفجر، وأيضًا في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "أنه كان يقنت في صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح" (٣)، فما هو جوابكم عن مدلول لفظ "كان" فهو جوابنا.
قالوا: وأخرج الدارقطني وغيره، والحاكم وصححه، عن أنس: "أن النبي ﷺ قنت شهرًا" الحديث، وفي آخره: "فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا" (٤)، وهذا لو صح لكان قاطعًا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي، وهومختلف فيه، ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده عمرو بن عبيد، وليس بحجة.
قال الحافظ (٥): ويعكر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن
стр. 3478
١٤٤٠ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ، نَا مُعَاذٌ - يَعْنِي ابْنَ هِشَام-، حَدَّثَنِي أَبِي، عن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سلَمَة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: "وَاللَّه لأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ (١) صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ،
===
الربيع، عن عاصم بن سليمان: قلنا لأنس: "إن قومًا يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الفجر؟ ، فقال: كذبوا، إنما قنت شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء المشركين" (٢)، وقيس وإن كان ضعيفًا لكنه لم يتهم بالكذب، وروى ابن خزيمة في "صحيحه" (٣) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﷺ لم يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم".
فاختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت فلا يقوم بها حجة، وإذا تقرر هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة، وقد حاول جماعة من حذاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل، انتهى ملخصًا.
١٤٤٠ - (حدثنا داود بن أمية) الأزدي، (نا معاذ - يعني ابن هشام-، حدثني أبي) أي هشام بن أبي عبد الله، (عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، نا أبو هريرة قال: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ ) أي لأصلين بكم صلاة قريبًا بصلاته ﷺ وشبيهًا بها.
(قال) أبو سلمة: (فكان أبو هريرة يقنت) أي يصلي القنوت (في الركعة الآخرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الصبح،
стр. 3479
وَيَدْعُو (١) لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكَافِرِينَ" (٢). [خ ٧٩٧، م ٦٧٦، ن ١٠٧٥، ق ٢/ ١٩٨، قط ٢/ ٣٨]
===
ويدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين).
قال في "الدر المختار": ولا يقنت لغيره، أي الوتر، إلَّا لنازلة، فيقنت الإِمام في الجهرية، وقيل: في الكل.
وقال الشامي في "رد المحتار" (٣) قوله: "فيقنت الإِمام في الجهرية" يوافقه ما في "البحر" و"الشرنبلالية" عن "شرح النقاية" عن "الغاية": وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنت الإِمام في صلاة الجهر، وهو قول الثوري وأحمد، انتهى. وكذا ما في شرح الشيخ إسماعيل عن "البناية": إذا وقعت نازلة قنت الإِمام في الصلاة الجهرية، لكن في "الأشباه" عن "الغاية": قنت في صلاة الفجر، ويؤيده ما في "شرح المنية" حيث قال بعد كلام: فتكون شرعيته أي شرعية القنوت في النوازل مستمرة، وهو محمل قنوت من قنت من الصحابة بعد وفاته ﵊، وهو مذهبنا وعليه الجمهور.
قال الحافظ (٤) أبو جعفر الطحاوي: إنما لا يقنت عندنا في صلاة الفجر من غير بلية، فإن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به، فعله رسول الله ﷺ ، وأما القنوت في الصلوات كلها للنوازل فلم يقل به إلَّا الشافعي، فكأنهم حملوا ما روي عنه ﵊ أنه قنت في الظهر والعشاء كما في مسلم، وأنه قنت في المغرب أيضًا كما في البخاري على النسخ لعدم ورود المواظبة والتكرار الواردتين في الفجر عنه
стр. 3480
١٤٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ. (ح): وَحَدَّثنَا ابْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَني أَبِي قَالُوا كُلُّهُمْ: نَا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عن ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عن الْبَرَاءِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ في صلَاةِ الصُّبْحِ". [م ٦٧٨، ن ١٠٧٦، ت ٤٠١، حم ٤/ ٢٨٠، دي ١٥٩٧، ق ٢/ ١٩٨]
(١) زاد ابن مُعَاذٍ: "وصلاة المغرب".
===
﵊، انتهى، وهو صريح في أن قنوت النازلة عندنا مخصص بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات الجهرية أو السرية، ومفاده أن قولهم بأن القنوت في الفجر منسوخ، معناه نسخ عموم الحكم لا نسخ أصله، كما نبه عليه نوح أفندي.
قوله: "وقيل في الكل" قد علمت أن هذا لم يقل به إلَّا الشافعي، وعزاه في "البحر" إلى جمهور أهل الحديث، فكان ينبغي عزوه إليهم لئلا يوهم أنه قول في المذهب، انتهى.
وقال الطحطاوي في "حاشية الدر المختار" (٢) بعد نقل كلام صاحب "البحر": والذي يظهر لي أن قوله في "البحر": وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنت الإِمام في صلاة الجهر، تحريف من النساخ وصوابه الفجر، انتهى.
١٤٤١ - (حدثنا أبو الوليد) الطيالسي (ومسلم بن إبراهيم وحفص بن عمر، ح وحدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (حدثني أبي) معاذ (قالوا كلهم) أي أبو الوليد ومسلم وحفص ومعاذ: (نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن، (عن البراء) بتخفيف الراء، ابن عازب: (أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح، زاد ابن معاذ: وصلاة المغرب).
стр. 3481
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمن بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا الْوَلِيدُ، نَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي (١) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ (٢)،
===
١٤٤٢ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد) قال في "درجات مرقاة الصعود": صوابه أبو الوليد كما برواية ابن داسة وابن الأعرابي، واسمه هشام بن عبد الملك، قلت: وأصله عن السيوطي (٣)، وهو غير صواب، والصواب الوليد، وهو الوليد بن مسلم القرشي، مولى بني أمية، أبو العباس الدمشقي، ذكر الحافظ في شيوخه الأوزاعي، وذكره في شيوخ عبد الرحمن بن إبراهيم.
وقد أخرج هذا الحديث الطحاوي في "معاني الآثار" (٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة مثله.
وفيه التصريح بأنه ابن مسلم، وهذا يدل على أن ما وقع في نسخ ابن داسة وابن الأعرابي من أبي الوليد فتصحيف من النساخ، فإن أبا الوليد هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي، وليس في شيوخه الأوزاعي، وليس هو من شيوخ عبد الرحمن بن إبراهيم، والله تعالى أعلم.
ثم رأيت "السنن الكبير" (٥) للبيهقي فذكر فيها هذا الحديث بهذا السند من طريق ابن داسة ولفظه: وأخبرنا أبو علي الروذباري، أبنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا الوليد هو ابن مسلم، ثنا الأوزاعي فذكر بإسناده، قال: قنت رسول الله ﷺ ، الحديث، فذكر الوليد وصرح بأنه ابن مسلم، فثبت بذلك ما قلنا، والحمد لله على ذلك.
(نا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة) بن
стр. 3482
عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في صَلَاةِ الْعَتَمَةِ شَهْرًا، يَقُولُ في قُنُوتِهِ: "اللهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ،
===
عبد الرحمن، (عن أبي هريرة قال: قنت رسول الله ﷺ في صلاة العتمة شهرًا، يقول في قنوته: اللهُمَّ نَجِّ الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي، أخو خالد بن الوليد، شهد بدرًا مشركًا، فأَسَرَه عبد الله بن جحش، فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام، وكان هشام أخا الوليد لأبيه وأمه، حتى افتكاه بأربعة آلاف درهم، فلما افتدي أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ قال: كرهت أن تظنوا بي أني جزعت من الإسار، فحبسوه بمكة، وكان رسول الله ﷺ يدعو له فيمن دعا له من المستضعفين المسلمين، ثم أفلت من إسارهم، ولحق برسول الله ﷺ ، وشهد معه عمرة القضية، وقال: يا رسول الله ﷺ ، حسرت وأنا ميت، وإذا مت فكفني في فضل ثوبك، واجعله مما يلي جلدك، ومات فكفنه النبي ﷺ في قميصه.
(اللهُمَّ نج سلمة بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وأمه ضباعة بنت عامر بن قرط، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وابن عم خالد بن الوليد، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وهاجر إلى الحبشة، ومنع من الهجرة إلى المدينة، وعذب في الله ، فكان رسول الله ﷺ يدعو له في صلاته في القنوت، ولم يشهد بدرًا لذلك، وشهد مؤتة، ولم يزل بالمدينة مع رسول الله ﷺ حتى توفي النبي ﷺ ، فخرج إلى الشام مجاهدًا حين بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام، فقتل بمرج الصفر سنة أربع عشر، وقيل: بأجنادين.
وذكر في بعض الروايات بعده عياش بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو أخو أبي جهل لأمه، أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب، ولما هاجر إلى المدينة قدم عليها أخواه لأمه أبو جهل والحارث بن هشام، وذكرا له أن أمه
стр. 3483
اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "وَمَا تَرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا؟ ". [خ ٨٠٤، م ٦٧٥، ق ٢/ ٢٠٠]
===
حلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه وحبساه بمكة، وكان رسول الله ﷺ يدعو له، قتل عياش يوم اليرموك.
(اللهُمَّ نج المستضعفين من المومنين) الذين في إسار كفار مكة (اللهُمَّ اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة، الوطأ في الأصل الدوس بالقدم، والمراد به الإهلاك والأخذ بالعذاب الشديد (على مضر) (١) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، ابن نزار بن معد بن عدنان، وهو شعب عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش وهذيل وأسد وتميم وضبة ومزينة والضباب وغيرهم.
(اللهُمَّ اجعلها) أي الوطأة (عليهم) أي على كفار مضر (سنين) أي الأعوام المجدبة (كسني يوسف) أي كالسنين التي كانت في زمن يوسف ﵊ المشار إليها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ (٢)، وجمع السَّنَةِ بالواو والنون شاذ من جهة أنه ليس من ذوي العقول، ومن جهة تغير مفرده بكسر أوله.
(قال أبو هريرة: وأصبح رسول الله ﷺ ذات يوم) أي صلَّى صلاة الصبح يومًا، ولفظ ذات زائدة (فلم يدع لهم، فذكرت ذلك) أي سألت سبب ترك دعائه (له) أي لرسول الله ﷺ (فقال) رسول الله ﷺ (وما تراهم قد قدموا؟ ) أي كان ذلك الدعاء لهم لأجل تخلصهم من أيدي الكفرة، وقد نجوا منهم، وجاؤوا إلى المدينة، فما بقي حاجة إلى الدعاء لهم بذلك.
стр. 3484
١٤٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عن هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابعًا في الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِب، وَالْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلًّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصيَّةَ، وُيؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ". [حم ١/ ٣٠١، خزيمة ٦١٨، ك ١/ ٢٢٥]
===
١٤٤٣ - (حدثنا عبد الله بن معاوية) بن موسى (الجمحي) بضم الجيم وفتح الميم في آخره الحاء المهملة، نسبة إلى بني جمح، أبو جعفر البصري، معمر، كانت له مئة سنة وزيادة على عشر، ثقة، (نا ثابت بن يزيد) الأحول، أبو زيد البصري، ثقة ثبت، (عن هلال بن خباب) بمعجمة وموحدتين، العبدي مولاهم، أبو العلاء البصري نزيل المدائن، صدوق، تغير بأخرة.
(عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا) أي في كل يوم منه لم يتركه في وقت (في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة) أي في الركعة الأخيرة (إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان) قال في "القاموس": قبيلتان من سليم (وعصية) كسمية بطن.
وقال العيني (١): رعل بكسر الراء وسكون العين المهملة، ابن خالد (٢) بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. وذكوان بفتح الذال المعجمة، ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم، وعصية بضم العين المهملة، مصغر عصا، ابن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وهؤلاء الثلاثة قبائل سليم (ويؤمن من خلفه) أي يقولون: آمين.
стр. 3485
١٤٤٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: نَا حَمَّادٌ، عن أَيُّوبَ، عن مُحَمَّدٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالكٍ: "أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ قَنَتَ النَّبِيُّ (١) ﷺ في صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ (٢)؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ. قَالَ مُسَدَّدٌ: بِيَسِيرٍ (٣). [خ ١٠٠١، م ٦٧٧، ن ١٠٧١، جه ١١٨٣، دي ١٥٩٦]
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ". [م ٦٧٧، حم ٣/ ١٨٤، وانظر سابقه]
١٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ،
===
١٤٤٤ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، عن أيوب) السختياني، (عن محمد) بن سيرين، (عن أنس بن مالك أنه سئل: هل قنت النبي ﷺ في صلاة الصبح؟ فقال) أنس: (نعم، فقيل له: قبل الركوع) أي من الركعة الثانية (أو بعد الركوع، قال: بعد الركوع، قال مسدد: بيسير) (٤) أي زاد مسدد بعد قوله: "بعد الركوع" لفظ "بيسير"، ولم يقله سليمان بن حرب.
١٤٤٥ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (نا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قنت شهرًا) في صلاة الصبح (ثم تركه) لأنه قنت في نازلة، فارتفعت وزالت.
١٤٤٦ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا يونس بن عبيد،
стр. 3486
عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، "حَدَّثَنِي مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ (١) ﷺ صلَاةَ الْغَدَاةِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانيَةِ قَامَ هُنيَةً". [ن ١٠٧٢]
(٣٤٧) بابٌ: في فَضْلِ التَّطوُّعِ في الْبَيْتِ
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ، نَا مَكِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَبْدُ اللهِ- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ -،
===
عن محمد بن سيرين، حدثني من صلَّى مع النبي ﷺ ) قال في "التقريب" (٢) في المبهمات: محمد بن سيرين حدثني من صلَّى مع النبي ﷺ (صلاة الغداة) هو أنس (فلما رفع رأسه من الركعة الثانية) أي ركوع الركعة الثانية (قام هنية) بضم هاء وفتح نون وشدة تحتية بلا همز، وفي بعضها بهمزة مفتوحة بعد تحتية ساكنة، مصغر هَنَة، كناية عن شيء نحو الزمان، ويقال: هنيهة بإبدال الثانية هاء.
(٣٤٧) (بابٌ: في فَضْلِ التَّطَوّعِ في الْبَيْتِ)
١٤٤٧ - (حدثنا هارون بن عبد الله البزاز، نا مكي بن إبراهيم) بن بشير التميمي البلخي الحنظلي، أبو السكن، ثقة ثبت، وأخطأ في حديثه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر في الصلاة على النجاشي، والصواب عن الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة، قاله الحافظ في "التهذيب" (٣).
(نا عبد الله -يعني ابن سعيد بن أبي هند-) الفزاري- بالفاء والزاي ثم راء- مولاهم، أبو بكر المدني، عن أحمد: ثقة ثقة، وعن ابن معين وأبي داود: ثقة، ووثقه العجلي ويعقوب وسفيان وابن سعد وابن المديني وابن البرقي، وقال القطان: كان صالحًا يعرف وينكر، وقال النسائي:
стр. 3487
عن أَبِي النَّضْرِ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن زيدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ الله ﷺ في الْمَسْجِدِ حُجْرَةً، فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الليل فَيُصَلِّي فِيهَا
===
ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ.
(عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية، (عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أنه قال: احتجر) أي اتخذ (رسول الله ﷺ في المسجد) أي في مسجد المدينة (حجرة) من حصير لصلاته تطوعًا، وانفراده للذكر والفكر تضرعًا، والظاهر أنه كان معتكفًا، فجعل الحصير ليحجزه عن الناس حال الأكل والنوم والسآمة، ويؤخذ منه جواز اتخاذ الحجرة في المسجد من حصير ونحوه، لكن يشترط كما هو ظاهر أنه لا يحجز على أكثر مما يسعه وإلا حرم, لأن أخذه أكثر من ذلك فيه تضييق على المصلين، لكن ينبغي أن محله إن كان ثمة من يحتاج لذلك المحل ولو نادرًا، أما لو علم بالعادة أن الناس وإن كثروا في المسجد لا يحتاجون لما أخذه، فلا تتجه الحرمة حينئذ.
(فكان رسول الله ﷺ يخرج من الليل) أي من الحجرة (فيصلي فيها) سياق هذه العبارة مشكل، فإن الخروج يدل على الصلاة خارجًا منها، وقوله: "فيصلي فيها" يدل على أن الصلاة كانت داخلها، والذي أظن أن في العبارة تقديمًا وتأخيرًا، هكذا: فكان رسول الله ﷺ يصلي فيها فيخرج من الليل، يدل عليه رواية الشيخين (١): "اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس"، الحديث. أي فكان يخرج منها ويصلي بالجماعة.
قلت: وهذه قصة صلاة التراويح، وأما ما وقع في رواية عائشة عند أبي داود من قولها: "صلَّى رسول الله ﷺ في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة"، فهي قصة أخرى.
стр. 3488
قَال: فَصَلَّوْا مَعَهُ بِصَلَاتِهِ- يَعْنِي رِجَالًا- وَكَانُوا يَأتُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا بَابَهُ، قَال: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا فَقَال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا زَال بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ
===
(قال) زيد بن ثابت: (فصلوا) أي الناس (معه) مؤتمين (بصلاته- يعني رجالًا-) تفسير لضمير قوله: فصلوا (وكانوا يأتونه كل ليلة) فيخرج إليهم فيصلون بصلاته (حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم، وحصبوا بابه) أي رموه بالحصباء للإعلام بحضورهم وبطلب خروجه إليهم.
(قال) زيد: (فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبًا) أي غضبان (فقال) رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس، ما زال بكم) خبر زال قدم على الاسم (صنيعكم) اسمه، أي ثبت فعلكم هذا وهو حرصكم في إقامة صلاة التراويح، أو الذي فعلتم من رفع الأصوات والتنحنح ورمي الباب بالحصباء، فلم يمنعني من الخروج إليكم والصلاة بكم (حتى ظننت) أي خشيت (أن سيكتب) أي سيفرض (عليكم) لو واظبت على إقامتها بالجماعة لفرضت عليكم، وفيه دليل على أن التراويح سنَّة جماعة وانفرادًا، والأفضل في عهدنا الجماعة لكسل الناس.
(فعليكم) وفي رواية الشيخين: فصلوا أيها الناس (بالصلاة) أي بهذه الصلاة (في بيوتكم) والأمر للاستحباب (فإن خير صلاة المرء) وهذا عام لجميع النوافل والسنَّة إلا النوافل التي من شعار الإِسلام كالعيد والكسوف والاستسقاء.
قلت: وهذا يدل على أن صلاة التراويح في البيت أفضل، والجواب عن الذين قالوا بأفضليتها في المسجد جماعة: أن رسول الله ﷺ قال ذلك لخوف الافتراض، فإذا زال الخوف بوفاته ﵇ ارتفع المانع، وصار فعله في المسجد أفضل كما فعله رسول الله ﷺ في المسجد، ثم أجراه عمر بن الخطاب
стр. 3489
في بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ". [خ ٧٣١، م ٧٨١، ت ٤٥٠، ن ١٥٩٩، حم ٥/ ١٨٢، ق ٣/ ١٠٩]
١٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى (١)، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَا نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْعَلُوا في بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تتَخِذُوهَا قُبُورًا". [قد مضى برقم ١٠٤٣]
===
واستمر عمل المسلمين عليه, لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد. (في بيته) خبر إن (إلَّا الصلاة المكتوبة) أي المفروضة، فإنها في المسجد أفضل، قال ابن حجر: وبه أخذ أئمتنا فقالوا: يسن فعل النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في البيت، فهو أفضل منه في المسجد، ولو الكعبة أو الروضة الشريفة، لأن فضيلة الاتباع تربو على فضيلة المضاعفة، ولتعود بركتها على البيت، ولأنه أبعد عن الرياء وإن خلا المسجد، والظاهر أن الكعبة والروضة الشريفة تستثنيان للغرباء لعدم حصولهما في مواضع أخر، فتغتنم الصلاة فيهما قياسًا على ما قاله أئمتنا: إن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة النافلة، والله أعلم، قاله القاري (٢).
١٤٤٨ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) بن سعيد، (عن عبيد الله، أنا نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) أي بعض صلواتكم التي هي النوافل مؤداة في بيوتكم، قوله: "من صلاتكم" مفعول أول، "وفي بيوتكم" مفعول ثان، قدم على الأول للاهتمام بشأن البيوت، وأن من حقها أن يجعل لها نصيبًا من الطاعات لتصير منورة, لأنها مأواكم ومنقلبكم، وليس كقبوركم التي لا تصلح لصلاة.
(ولا تتخذوها قبورًا) أي مثل القبور بأن تترك الصلاة فيها كما تتركون في
стр. 3490
(٣٤٨) بابٌ
١٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقِيَامِ"، قِيلَ (١): فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ
===
المقابر، شبه المكان الخالي عن العبادة بالمقبرة والغافل عنها بالميت، وقيل: لا تجعلوا بيوتكم مواطن النوم لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، وقيل: إن مثل ذاكر الله وغير ذاكر الله كمثل الحي والميت الساكن في البيوت والساكن في القبور، فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر، كما جعل نفسه بمنزلة الميت، وقيل: معناه لا تدفنوا فيها موتاكم لئلا يكدر عليكم معاشكم ومأواكم.
(٣٤٨) (بَابٌ)
هذا الباب خَالٍ عن الترجمة كأنه تتمة للأبواب السابقة، فإنه ذكر فيه فضيلة طول القنوت في الصلوات النافلة
١٤٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا حجاج) بن محمد المصيصي (قال: قال ابن جريج) عبد الملك: (حدثني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: أن النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام)، وقد تقدم هذا المتن بهذا السند في "باب افتتاح صلاة الليل بركعتين" فهو مكرر، ولكن زاد ها هنا سؤال الصدقة والهجرة والقتل في سبيل الله ولم يذكرها فيما تقدم.
(قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد) بضم الجيم ويفتح، قال الطيبي (٢): الجهد بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: هما لغتان
стр. 3491
الْمُقِلِّ"، قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ"،
===
(المقل) أي ما يتحمله قليل المال من التصدق ويبذل جهده فيه، والجمع بينه وبين قوله: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، أن الفضيلة تتفاوت بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين، وقيل: المراد بالمقل الغني القلب ليوافق قوله: "أفضل الصدقة ... إلخ"، وقال ابن الملك: أي أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على الجوع أن يعطيه، والمراد بالغنى في قوله: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى" من لا يصبر على الجوع والشدة توفيقًا بينهما، فمن يصبر فالإعطاء في حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضل في حقه أن يمسك قوته ثم يتصدق بما فضل، انتهى.
وحاصل ما ذكروه أن تصدق الفقير الغني القلب ولو كان قليلًا أفضل من تصدق الغني بكثير المال (١) ولو كان كثيرًا، فهو من أدلة أفضلية الفقير الصابر على الغني الشاكر، وأن عبادة الأول مع قلتها أفضل من الثاني مع كثرتها، فكيف بتساويهما؟ ويحتمل أن يكون المراد من الحديث ما ورد في حديث مرفوع: "سبق درهمٌ مائةَ ألف درهم، قالوا: يا رسول الله، وكيف؟ قال: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها"، رواه النسائي (٢) عن أبي ذر.
(قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر) أي هجرة من هجر، أو يقال: فأي صاحب الهجرة أفضل، وكذا في البواقي (ما حرم الله عليه).
والحاصل أن الهجرة على نوعين: أحدهما هجرة الوطن في الله تعالى، والثاني هجرة عن المعاصي والمحرمات، فالأفضل في الهجرة هي الثانية وهي ترك المحرمات، فأما الأولى، فإذا كان مع ترك المحرمات فهو أفضل، وأما إذا لم يترك المحرمات فلا يساوي درجة الهجرة الثانية.
стр. 3492
قِيلَ (١): فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ"، قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: "مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ". [ن ٢٥٢٦، دي ١٤٢٤، حم ٣/ ٤١١، وانظر رقم ١٣٢٥]
(٣٤٩) بَابُ الْحَثِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى، نَا ابْنُ عَجْلَانَ، نَا الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ الله رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ (٢) فَصَلَّى وَأَيْقَظَ (٣)
===
(قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه) ويدخل فيه من يجاهد الكفار والمبتدعين بإبطال مذاهبهم ورد أقوالهم باللسان وبالكتابة وبإشاعة الكتب فيها، ولا ينافيه ما ورد: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (٤) , لأنه أشق على النفس، أو الأفضلية إضافية.
(قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق) أي أريق وسفك (دمه وعقر جواده) أي قطع قوائمه، ولعل هذا محمول على أن عقر جواده وقع في حياته وبمرأى منه، ثم قتل، فكأنه بذل ماله ونفسه في سبيل الله، وجاهد راكبًا وماشيًا، وقطع قوائمه كناية عن غاية شجاعته، وأنه كان مما لا يطاق أن يظفر به إلا بعقر جواده.
(٣٤٩) (بابُ الحَثِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ)، أي: صلاة التهجد
١٤٥٠ - (حدثنا محمد بن بشار، نا يحيى) القطان، (نا ابن عجلان، نا القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : رحم الله) دعاء، ويحتمل الخبر (رجلًا قام) أي انتبه (من الليل فصلَّى وأيقظ
стр. 3493
امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ الله امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ في وَجْهِهِ المَاءَ". [ن ١٦١٠، جه ١٣٣٦، حم ٢/ ٢٥٠، وانظر رقم ١٣٠٨]
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، نَا عُبَيْدُ اللهِ (١) بْنُ مُوسَى، عن شَيْبَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عن الأَغَرِّ أَبي مُسْلِمٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . "مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فصلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّه كثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ". [جه ١٣٣٥ وانظر رقم ١٣٠٩]
===
امرأته فصلت) التهجد (فإن أبت) عن القيام لغلبة النوم (نضح) أي رش (في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى) الزوج (نضحت في وجهه الماء) لإيقاظه.
١٤٥١ - (حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان) بن عبد الرحمن، (عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : من استيقظ) أي انتبه (من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين) وهذا أقل ما يصلى في الليل (جميعًا) تأكيد للضمير في صليا أي كلاهما (كتبا من) جملة (الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) الذي وقع في القرآن ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
стр. 3494
(٣٥٠) بابٌ: في ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
١٤٥٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ (١)، عن عُثْمَانَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". [خ ٥٠٢٧، ن ٢٩٠٧، جه ٢١١، دي ٣٣٣٨، حم ١/ ٥٨]
===
(٣٥٠) (بَابٌ: في ثَوَابِ قِرَاءَة الْقُرْآنِ)
أي: قراءته مع فهم معناه
١٤٥٢ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن علقمة (٢) بن مرثد، عن سعد بن عبيدة) السلمي، أبو حمزة الكوفي، ختن أبي عبد الرحمن السلمي على ابنته، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وقال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج ثم تركه، يكتب حديثه، (عن أبي عبد الرحمن) السلمي.
(عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: خيركم) أي يا معشر القراء، أو يا أيتها الأمة، أي أفضلكم (من تعلم القرآن) حق تعلّمه (وعلمه) أي حق تعليمه، ولا يتمكن من هذا إلَّا بالإحاطة بالعلوم الشرعية أصولها وفروعها، مع زوائد العوارف القرآنية، وفوائد المعارف الفرقانية، ومثل هذا الشخص يعد كاملًا لنفسه ومكملًا لغيره، وهو أفضل المؤمنين مطلقًا، ويدعى في الملكوت عظيمًا، والفرد الأكمل من هذا الجنس هو النبي ﷺ ، ثم الأشبه فالأشبه، وأدناه فقيه الكتاب، ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما، إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل.
стр. 3495
١٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عن زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ، عن أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ في بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟ ! ". [حم ٣/ ٤٤٠]
١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا هِشَامٌ وَهَمَّامٌ،
===
ثم الخطاب عام لا يختص بالصحابة، ولو خص بهم فغيرهم بالطريق الأولى، ولكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص.
١٤٥٣ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، نا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه) معاذ بن أنس (أن رسول الله ﷺ يقال: من قرأ القرآن) أي أحكمه كما في رواية، أي: فأتقنه، وقال ابن حجر: أي حفظه عن ظهر قلب (وعمل بما فيه ألبس والداه تاجًا يوم القيامة)، قال الطيبي (١): كناية عن الملك والسعادة، انتهى. والأظهر حمله على الظاهر كما يظهر من قوله: (ضوؤه) أي التاج (أحسن من ضوء الشمس) حال كونها (في بيوت الدنيا لو كانت) الشمس على الفرض والتقدير (فيكم) أي في بيوتكم تتميم للمبالغة، فإن الشمس مع ضوئها وحسنها لو كانت داخلة في بيوتنا كانت آنس وأتم مما لو كانت خارجة عنها (فما ظنكم) أي إذا كان هذا جزاء والديه لكونهما سببًا لوجوده (بالذي عمل بهذا؟ ! ).
قال الطيبي: استقصار للظن عن كنه معرفة ما يعطى للقارئ العامل به من الكرامة والملك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما أفادته ما الاستفهامية المؤكدة لمعنى تحير الظان.
١٤٥٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام) الدستوائي (وهمام) بن يحيى
стр. 3496
عن قَتَادَةَ، عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانَ". [خ ٤٩٣٧، م ٧٩٨، ت ٢٩٠٤، جه ٣٧٧٩، دي ٣٣٦٨]
===
(عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به) أي الحاذق، من المهارة، وهي الحذق، وجاز أن يراد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ، وأن يريد به كليهما وأن يريد به ما هو أعم منهما.
(مع السفرة) جمع سافر، وهم الرسل إلى الناس برسالات الله تعالى، وقيل: السفرة الكتبة، والمراد بها الملائكة (١) الذين هم حملة اللوح المحفوظ كما قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٢) سموا بذلك, لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء، فكأنهم يستنسخونها، وقيل: المراد بها أصحاب رسول الله ﷺ ، لأنهم أول ما نسخوا القرآن، وقيل: السفرة الكرام الكاتبون لأعمال العباد، أو من السفار بمعنى الإصلاح، فالمراد حينئذ النازلون بأمر الله بما فيه مصلحة العباد.
(الكرام) جمع الكريم، أي المكرمين على الله المقربين عند مولاهم لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية والمخالفة (البررة) جمع بار وهو المحسن، وقيل: أي المطيعون, لأن البر الطاعة.
(والذي يقرؤه وهو يشتد عليه) وفي رواية الشيخين: ويتتعتع فيه، أي يتردد ويتلبد عليه لسانه، والتعتعة في الكلام التردد فيه من حصرٍ أو عيٍّ (فله أجران)
стр. 3497
١٤٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّه فِيمَنْ عِنْدَهُ". [م ٢٦٩٩، ت ٢٩٤٥، جه ٢٢٥]
١٤٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، نَا مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عن أَبِيهِ،
===
أي أجر لقراءته، وأجر لتحمل مشقته، وهذا تحريض على تحصيل القراءة، وليس معناه أن الذي يتتعتع فيه أجره أكثر من الماهر، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا حيث اندرج في سلك الملائكة المقربين، أو الأنبياء، والمرسلين، أو الصحابة المقربين.
١٤٥٥ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ما اجتمع قوم) أي: المؤمنون (في بيت من بيوت الله) أي: في مسجد من مساجده (يتلون كتاب الله) أي القرآن (ويتدارسونه بينهم) أي يعلمون ويتعلمون (إلَّا نزلت عليهم السكينة) قيل: هو بمعنى الرحمة، وقيل: إنها الملائكة، وقيل: هي ما يحصل به السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية (وغشيتهم) أي أحاطت بهم (الرحمة، وحفتهم الملائكة) أي أطافت بهم (وذكرهم الله فيمن عنده) من الملائكة المقربين.
١٤٥٦ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، نا موسى بن عُلَيٍّ) بالتصغير (ابن رباح) بموحدة، اللخمي، أبو عبد الرحمن البصري، صدوق ربما أخطأ، (عن أبيه) علي بن رباح بن قصير- ضد الطويل-، اللخمي، أبو عبد الله البصري، ثقة، والمشهور فيه علي بالتصغير، وكان يغضب منها.
стр. 3498
عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ في الصُّفَّةِ فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأخُذَ نَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوينِ بِغَيْرِ إِثْمٍ بِاللَّهِ وَلَا قَطْعِ (١) رَحِمٍ؟ "
===
(عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ) أي من حجرته (ونحن في الصفة) وهو موضع مظلل في مسجد المدينة يأوي إليه فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يسكنون فيه، قال ابن حجر (٢): وكانت هي في مؤخر المسجد معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلين، وكانوا يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المائتين، ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن.
(فقال: أيكم يحب أن يغدو) أي يذهب في الغدوة، وهي أول النهار، أو ينطلق كل يوم (إلى بطحان) بضم الموحدة وسكون الطاء، اسم واد بالمدينة، سمي بذلك لسعته وانبساطه، وضبطه ابن الأثير بفتح الباء أيضًا (أو العقيق) قيل: أراد العقيق الأصغر، وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة، وخصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي تقام فيها أسواق الإبل في المدينة، والظاهر أن "أو" للتنويع، لكن في "جامع الأصول": أو قال إلى العقيق، فدل على أنه شك من الراوي.
(فيأخذ ناقتين كوماوين) تثنية كوماء قلبت الهمزة واوًا، وأصل الكوم العلو، أي ناقتين عظيمتي السنام، وهي من خيار مال العرب (زهراوين) أي مائلتين إلى البياض من كثرة السمن (بغير إثم بالله) كسرقة وغصب (ولا قطع رحم) تخصيص بعد تعميم، وفي للسببية (٣) كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ وقوله: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾.
стр. 3499
قَالُوا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَإِنْ ثلَاثٌ فَثَلَاثٌ مِثْلَ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ". [م ٨٠٣، حم ٤/ ١٥٤]
===
(قالوا: كلنا يا رسول الله) أي كلنا يحب ذلك. وهذا لا ينافي اختيارهم الفقر، فإنهم أردوا الدنيا للدين، ليصرفوا على الفقراء والمساكين، وليجهزوا جيش المسلمين، فأراد ﷺ أن يرقيهم عن هذا المقام.
(قال: فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد) أي إذا كنتم كذلك غير تاركين لهما فلأن يغدو ... إلخ. (فيتعلم) وفي رواية الشيخين (١) (آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وإن ثلاث) أي ثلاث آيات (فثلاث) أي خير له من ثلاث فوق، وفي رواية مسلم: وأربع خير من أربع، ومثل أعدادهن (٢) (مثل أعدادهن من الإبل) أي وسائر الأعداد من الآيات خير من مثل أعدادهن من الإبل، وقيل: يحتمل أن يراد أن آيتين خير من ناقتين ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل، وكذا أربع.
والحاصل أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق، ومن أعدادهن من الإبل، وهذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى الفهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى، أو بثوابها من الدرجات العلى.
والذي يظن أن حرف الواو العاطفة سقطت في نسخ أبي داود الموجودة عندنا في أول قوله: مثل أعدادهن.
стр. 3500
(٣٥١) بَابُ (١) فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
١٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن الْمَقْبُرِيِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي". [خ ٤٧٠٤، ت ٣١٢٤، حم ٢/ ٤٤٨]
===
(٣٥١) (بَابٌ: ) في فَضْلِ (فَاتِحَةِ الْكِتَابِ)
١٤٥٧ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا عيسى بن يونس، نا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، (عن المقبري) سعيد بن أبي سعيد، (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني).
سورة فاتحة الكتاب لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، فذكر منها في الحديث ثلاثة أسماء، الأول أم القرآن، والثاني أم الكتاب، وأم الشيء أصله، وأصول القرآن ومقاصده أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوة، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى. فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يدل على الإلهيات من الذات المستجمع لصفات الكمال والصفات لله تعالى، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يدل على المعاد، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يدل على نفي الجبر والقدر، وأن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر الآية يدل على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات.
ولما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها لقبت بأم القرآن وأم الكتاب.
أو يقال: إن المقصود إما معرفة عزة الربوبية أو معرفة ذلة العبودية، وهذه السورة مشتملة على كلا الأمرين.
стр. 3501
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا خَالِدٌ، نَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ،
===
أو يقال: إن العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله، وهو علم الأصول، وإما علم أحكام الله تعالى وتكاليفه، وهو علم الفروع، وإما علم تصفية الباطن لظهور الأنوار الروحانية، وهذه السورة الكريمة مشتملة على هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه.
وقيل: الأم في كلام العرب الراية التي تنصب في العسكر، ويكون مفزعًا للعسكر في الكرِّ والفرِّ، وسُمِّيت هذه السورة به, لأنها مفزع أهل الإيمان، كما أن الأرض تُسمَّى أمًّا، لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ومماتهم.
والثالث: السبع المثاني، أما وجه تسميتها بالسبع المثاني، فلأنها سبع آيات تثنى في كل ركعة من الصلاة، أو لأنها مستثناة من سائر الكتب، قال ﵇: "والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم"، وقيل: سميت مثاني, لأنها سبع آيات، كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن، وقيل: إنها سبع آيات، وأبواب النيران سبعة، فمن قرأها أغلقت عنه الأبواب السبعة، وقيل: سميت مثاني, لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له، وقيل: لأن الله تعالى أنزلها مرتين.
ومن أسمائها: الوافية، والكافية، والشافية، وسورة الشفاء، وسورة الأساس، وسورة الصلاة، وسورة السؤال، وسورة الشكر، وسورة الدعاء، وهذا ملخص من "التفسير الكبير" (١).
١٤٥٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا خالد) بن الحارث، (نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث،
стр. 3502
عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى: "أَنَّ النَّبِىَّ (١) ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّى فَدَعَاهُ, قَالَ: فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ, قَالَ: فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِى؟ » , قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى, قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ !
===
عن أبي سعيد (٢) بن المعلى) الأنصاري المدني، صحابي، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى، ويقال: الحارث بن نفيع الخزرجي، وأصح ما قيل فيه الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
(أن النبي ﷺ مَرَّ به وهو) أي أبو سعيد (٣) بن المعلى (يصلي فدعاه) أي دعا رسول الله ﷺ أبا سعيد (قال) أبو سعيد: (فصليت) أي بقيت مشغولاً بصلاتي، ولم أجب على الفور (ثم) بعد ما أتممت صلاتي (أتيته) أي رسول الله ﷺ (قال) أبو سعيد: (فقال) رسول الله ﷺ : (ما منعك أن تجيبني؟ ) أي تجيب دعوتي على الفور؟
(قال) أبو سعيد: (كنت أصلي) أي منعني عن الإجابة على الفور أني كنت مشتغلاً بصلاتي، فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب (قال) رسول الله ﷺ : (ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤)).
قال الحافظ في "الفتح" (٥): والذي تأول القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد
стр. 3503
لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ- أَو: في الْقُرْآنِ-"- شَكَّ خَالِدٌ - "قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ"،
===
أن إجابة النبي ﷺ في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي ﷺ ، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم، بعد قولهم بوجوب الإجابة هل تبطل الصلاة أم لا، انتهى.
قلت: وأما عند الحنفية فقال الطحطاوي في "حاشية مراقي الفلاح" (١): يفترض على المصلي إجابة النبي ﷺ ، واختلف في بطلانها حينئذ، كذا ذكره البدر العيني، وكذا أبو السعود (٢) في تفسير سورة الأنفال، انتهى.
واختلف في معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فقال بعضهم: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان، وقال مجاهد: للحق، وقال آخرون: إذا دعاكم إلى ما في القرآن، وقال آخرون: معناه إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو، قاله ابن جرير في "تفسيره" (٣)، وقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق.
(لأعلمنك) وهكذا في رواية البخاري (أعظم صورة من القرآن - أو في القرآن - شك خالد)، وفي رواية أحمد: "ألا أعلمك"، قال ابن التين: معناه ثوابها أعظم من غيرها، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، ومنع ذلك الأشعري وجماعة.
(قبل أن أخرج من المسجد)، وفي رواية البخاري: "قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل. لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ ".
стр. 3504
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْلَكَ؟ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ". [خ ٤٦٤٧، ن ٩١٣، جه ٣٧٨٥، دي ٣٣٧١، حم ٣/ ٤٥٠، خزيمة ٨٦٢]
===
(قال: قلت: يا رسول الله قولك؟ ) مفعول لفعل محذوف، وهو راعِ، أو احفظ قولك الذي وعدتني به من تعليم السورة (قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم).
قال الحافظ (١): وفي حديث أبي هريرة "قال: فإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" تصريح بأن المراد بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٢) هي الفاتحة، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطول من أولى البقرة إلى آخر الأعراف، ثم براءة، وقيل: يونس.
وأما قوله: "والقرآن العظيم الذي أوتيته" قال الخطابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٤)، وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ محذوف الخبر، والتقدير ما بعد الفاتحة مثلًا فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: "هي السبع المثاني"، ثم عطف قوله: "والقرآن العظيم"، أي ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة، ويستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة أن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهد.
стр. 3505
(٣٥٢) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مِنَ الطُّولِ
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أُوتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِى الطُّوَلِ, وَأُوتِىَ مُوسَى سِتًّا, فَلَمَّا أَلْقَى الأَلْوَاحَ رُفِعَتْ
===
(٣٥٢) (بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ) أي سورة الفاتحة (مِنَ الطُّوَلِ) أي من السور الطوال باعتبار اشتمال آياتها على المعاني الطويلة لا باعتبار اللفظ
١٤٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله ﷺ سبعًا من المثاني الطول) وقد تقدم في الباب السابق أن المراد من السبع المثاني الفاتحة، فلما وصفت بالطول علم بذلك أن الفاتحة هي الطول (١)، ولهذا عقد المصنف "باب من قال: هي من الطول"، وأخرج فيها هذا الحديث.
وقد أخرج ابن جرير في "تفسيره" (٢): عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: سبعًا من المثاني، قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، قال إسرائيل: وذكر السابعة فنسيتها، وهذا يدل على أن عند ابن عباس المراد من السبع المثاني هي السبع السور الطوال لا سبع آيات، وكان المصنف اختار من أقوال ابن عباس ما أخرج ابن جرير في "تفسيره": حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يقول: السبع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويقال: هن السبع الطول، وهن المئون.
(وأوتي موسى ستًّا) أي ستة ألواح (فلما ألقى) أي موسى (الألواح رفعت