١٤٥٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا خَالِدٌ، نَا شُعْبَةُ، عن خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ،
===
أو يقال: إن العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله، وهو علم الأصول، وإما علم أحكام الله تعالى وتكاليفه، وهو علم الفروع، وإما علم تصفية الباطن لظهور الأنوار الروحانية، وهذه السورة الكريمة مشتملة على هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه.
وقيل: الأم في كلام العرب الراية التي تنصب في العسكر، ويكون مفزعًا للعسكر في الكرِّ والفرِّ، وسُمِّيت هذه السورة به, لأنها مفزع أهل الإيمان، كما أن الأرض تُسمَّى أمًّا، لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ومماتهم.
والثالث: السبع المثاني، أما وجه تسميتها بالسبع المثاني، فلأنها سبع آيات تثنى في كل ركعة من الصلاة، أو لأنها مستثناة من سائر الكتب، قال ﵇: "والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم"، وقيل: سميت مثاني, لأنها سبع آيات، كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن، وقيل: إنها سبع آيات، وأبواب النيران سبعة، فمن قرأها أغلقت عنه الأبواب السبعة، وقيل: سميت مثاني, لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له، وقيل: لأن الله تعالى أنزلها مرتين.
ومن أسمائها: الوافية، والكافية، والشافية، وسورة الشفاء، وسورة الأساس، وسورة الصلاة، وسورة السؤال، وسورة الشكر، وسورة الدعاء، وهذا ملخص من "التفسير الكبير" (١).
١٤٥٨ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا خالد) بن الحارث، (نا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث،
стр. 3502
عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى: "أَنَّ النَّبِىَّ (١) ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّى فَدَعَاهُ, قَالَ: فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ, قَالَ: فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِى؟ » , قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى, قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ !
===
عن أبي سعيد (٢) بن المعلى) الأنصاري المدني، صحابي، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن أوس بن المعلى، ويقال: الحارث بن نفيع الخزرجي، وأصح ما قيل فيه الحارث بن نفيع بن المعلى، توفي سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
(أن النبي ﷺ مَرَّ به وهو) أي أبو سعيد (٣) بن المعلى (يصلي فدعاه) أي دعا رسول الله ﷺ أبا سعيد (قال) أبو سعيد: (فصليت) أي بقيت مشغولاً بصلاتي، ولم أجب على الفور (ثم) بعد ما أتممت صلاتي (أتيته) أي رسول الله ﷺ (قال) أبو سعيد: (فقال) رسول الله ﷺ : (ما منعك أن تجيبني؟ ) أي تجيب دعوتي على الفور؟
(قال) أبو سعيد: (كنت أصلي) أي منعني عن الإجابة على الفور أني كنت مشتغلاً بصلاتي، فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب (قال) رسول الله ﷺ : (ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤)).
قال الحافظ في "الفتح" (٥): والذي تأول القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد
стр. 3503
لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ- أَو: في الْقُرْآنِ-"- شَكَّ خَالِدٌ - "قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ"،
===
أن إجابة النبي ﷺ في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم يختص بالنبي ﷺ ، وما جنح إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم، بعد قولهم بوجوب الإجابة هل تبطل الصلاة أم لا، انتهى.
قلت: وأما عند الحنفية فقال الطحطاوي في "حاشية مراقي الفلاح" (١): يفترض على المصلي إجابة النبي ﷺ ، واختلف في بطلانها حينئذ، كذا ذكره البدر العيني، وكذا أبو السعود (٢) في تفسير سورة الأنفال، انتهى.
واختلف في معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فقال بعضهم: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان، وقال مجاهد: للحق، وقال آخرون: إذا دعاكم إلى ما في القرآن، وقال آخرون: معناه إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو، قاله ابن جرير في "تفسيره" (٣)، وقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق.
(لأعلمنك) وهكذا في رواية البخاري (أعظم صورة من القرآن - أو في القرآن - شك خالد)، وفي رواية أحمد: "ألا أعلمك"، قال ابن التين: معناه ثوابها أعظم من غيرها، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، ومنع ذلك الأشعري وجماعة.
(قبل أن أخرج من المسجد)، وفي رواية البخاري: "قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل. لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ ".
стр. 3504
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْلَكَ؟ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ". [خ ٤٦٤٧، ن ٩١٣، جه ٣٧٨٥، دي ٣٣٧١، حم ٣/ ٤٥٠، خزيمة ٨٦٢]
===
(قال: قلت: يا رسول الله قولك؟ ) مفعول لفعل محذوف، وهو راعِ، أو احفظ قولك الذي وعدتني به من تعليم السورة (قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم).
قال الحافظ (١): وفي حديث أبي هريرة "قال: فإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" تصريح بأن المراد بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٢) هي الفاتحة، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطول من أولى البقرة إلى آخر الأعراف، ثم براءة، وقيل: يونس.
وأما قوله: "والقرآن العظيم الذي أوتيته" قال الخطابي: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل، كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٤)، وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ محذوف الخبر، والتقدير ما بعد الفاتحة مثلًا فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: "هي السبع المثاني"، ثم عطف قوله: "والقرآن العظيم"، أي ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة، ويستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة أن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهد.
стр. 3505
(٣٥٢) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مِنَ الطُّولِ
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أُوتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِى الطُّوَلِ, وَأُوتِىَ مُوسَى سِتًّا, فَلَمَّا أَلْقَى الأَلْوَاحَ رُفِعَتْ
===
(٣٥٢) (بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ) أي سورة الفاتحة (مِنَ الطُّوَلِ) أي من السور الطوال باعتبار اشتمال آياتها على المعاني الطويلة لا باعتبار اللفظ
١٤٥٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله ﷺ سبعًا من المثاني الطول) وقد تقدم في الباب السابق أن المراد من السبع المثاني الفاتحة، فلما وصفت بالطول علم بذلك أن الفاتحة هي الطول (١)، ولهذا عقد المصنف "باب من قال: هي من الطول"، وأخرج فيها هذا الحديث.
وقد أخرج ابن جرير في "تفسيره" (٢): عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: سبعًا من المثاني، قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، قال إسرائيل: وذكر السابعة فنسيتها، وهذا يدل على أن عند ابن عباس المراد من السبع المثاني هي السبع السور الطوال لا سبع آيات، وكان المصنف اختار من أقوال ابن عباس ما أخرج ابن جرير في "تفسيره": حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ يقول: السبع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويقال: هن السبع الطول، وهن المئون.
(وأوتي موسى ستًّا) أي ستة ألواح (فلما ألقى) أي موسى (الألواح رفعت
стр. 3506
ثِنْتَانِ وَبَقِيَ أَرْبَعٌ". [ن ٩١٤ مختصرًا]
(٣٥٣) بابُ مَا جَاءَ فِى آيَةِ الْكُرْسِىِّ
١٤٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الأَعْلَى, حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ, عَنْ أَبِى السَّلِيلِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِىِّ, عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبَا الْمُنْذِرِ, أَىُّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ »
===
ثنتان وبقي أربع) من الست، وأخرج السيوطي في "الدر المنثور" (٢): عن ابن عباس قال: "لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلَّا سدسها"، وفي رواية عنه: "قال: كتب الله لموسى في الألواح فيها ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) فلما ألقاها رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، يقول الله: ﴿وفي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ (٤) يقول: فيما بقي منها.
(٣٥٣) (بَابُ مَا جَاءَ في) فضل (آيةِ الْكُرْسِيَّ)
١٤٦٠ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا عبد الأعلى، نا سعيد بن إياس، عن أبي السليل) اسمه ضُرَيب بن نقير القيسي الجريري البصري، ثقة، (عن عبد الله بن رباح) بموحدة (الأنصاري، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : أبا المنذر) بتقدير حرف النداء، كنية أبي بن كعب (أي آية) لفظ أيَّ اسم استفهام معرب لازم الإضافة، ويجوز تذكيره وتأنيثه عن إضافته إلى المؤنث (معك من كتاب الله) وكان ﵁ ممن حفظ القرآن كله في زمنه ﷺ (أعظم؟ ) قال إسحاق بن راهويه وغيره: المعنى راجع إلى الثواب والأجر، أي أعظم ثوابًا وأجرًا، وهو المختار.
стр. 3507
قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: «أَبَا الْمُنْذِرِ, أَىُّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ » قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ قَالَ: فَضَرَبَ فِى صَدْرِى وَقَالَ: «لِيَهْنِ لَكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ الْعِلْمُ». [م ٨١٠، حم ٥/ ١٤١]
(٣٥٤) بابٌ: فِى سُورَةِ الصَّمَدِ
١٤٦١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
===
(قال) أبي: (قلت: الله ورسوله أعلم) ترك الجواب أولًا تأدبًا، أو لإرادة أن رسول الله ﷺ بنفسه يجيب عن هذا السؤال، ويخبر بالآية التي هي أعظم، لأن كثرة ثواب الشيء وكثرة أجره لا دخل فيها للقياس، أو ظن أن الآية التي عنده أعظم لا يكون عند رسول الله ﷺ أعظم أجرًا.
فلما كرر وأعاد رسول الله ﷺ السؤال علم أن المطلوب منه الجواب اختبارًا لعقله، فأجاب (قال: ) يا (أبا المنذر أيُّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال) أبي بن كعب: (قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) أي آية الكرسي إلى آخرها، وإنما كان آية الكرسي أعظم آية لاحتوائها على بيان توحيد الله تعالى وتمجيده وتعظيمه، وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكل ما كان من الأذكار في تلك المعاني أبلغ كان في باب التدبر والتقرب به إلى الله أجل وأعظم.
(قال) أبي: (فضرب) النبي ﷺ (في صدري) محبة (وقال: ليهن (٢) لك يا أبا المنذر العلم) وفيه منقبة عظيمة لأبي المنذر أبي بن كعب.
(٣٥٤) (بَابٌ: في) فَضل (سُورَةِ الصَّمَدِ)
١٤٦١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن
стр. 3508
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا, فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأنَّ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». [خ ٥٠١٣، ن ٩٩٥، ط ١/ ٢٠٨/ ١٧، حم ٣/ ٩٣، ق ٣/ ٢١]
===
عبد الله بن عبد الرحمن) بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، ومنهم من يسقط عبد الرحمن من نسبه، ومنهم من ينسبه هو إلى جده فيقول: عبد الرحمن بن أبي صعصعة، ثقة، (عن أبيه) عبد لله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المدني، ثقة، (عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا).
قال الحافظ في "الفتح" (١): القارئ هو قتادة بن النعمان، أخرج أحمد من طريق أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها، الحديث، والذي سمعه لعله أبو سعيد راوي الحديث، لأنه أخوه لأمه، وكانا متجاورين، وبذلك جزم ابن عبد البر، فكانه أبهم نفسه وأخاه.
(يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها) أي يكررها (فلما أصبح) أي أبو سعيد (جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك) الذي سمعه (له) أي لرسول الله ﷺ بقراءته السورة مكررًا (وكأن) بتشديد النون (الرجل) أي السائل وهو أبو سعيد (يتقالها) بتشديد اللام، أي يعتقد أنها قليلة، والمراد استقلال العمل لا التنقيص، قاله الحافظ.
(فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده إنها) أي سورة الصمد (لتعدل) أي تساوي (ثلث القرآن) قال الحافظ (٢): حمله بعض العلماء على ظاهره فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث فهي ثلث بهذا الاعتبار.
стр. 3509
(٣٥٥) بابٌ: فِى الْمُعَوِّذَتَيْنِ
===
قال الزرقاني (١): واعترضه ابن عبد البر بأن في القرآن آيات كثيرة أكثر مما فيها من التوحيد، كآية الكرسي، وآخر الحشر، ولم يرد فيها ذلك. وأجاب أبو العباس القرطبي بأنها اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنان جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور، وهما الأحد الصمد، لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، لأن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال، لأنه الذي انتهى إليه سؤدده، فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلَّا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثًا.
وقال قوم: معناه تعدل ثلث القرآن في الثواب، وضعفه ابن عقيل بحديث: "من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات".
وقال إسحاق بن راهويه: ليس المراد أن من قرأها ثلاث مرات كمن قرأ القرآن جميعه، هذا لا يستقيم، ولو قرأها مِأَتَي مرة، وقيل: معناه إن الرجل لم يزل يرددها حتى بلغ ترديده لها بالكلمات والحروف والآيات ثلث القرآن، وهذا تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم قال: السكوت في هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها وأسلم، قال السيوطي: وإلى هذا نحا جماعة كابن حنبل وابن راهويه، وأنه من المتشابه الذي لا يدري معناه، ونقل ابن السيد حمله على ظاهره، وهو الأظهر.
(٣٥٥) (بَابٌ: فِي) فضل (الْمُعَوَّذَتَيْنِ)
بكسر الواو، وتفتح، قاله القاري (٢)
стр. 3510
١٤٦٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ فِى السَّفَرِ فَقَالَ لِى: " يَا عُقْبَةُ, أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ ", فَعَلَّمَنِى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ , وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. قَالَ: فَلَمْ يَرَنِى سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا، فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَقَالَ: " يَا عُقْبَةُ, كَيْفَ رَأَيْتَ؟ ". [ن ٥٤٣٦، حم ٤/ ١٤٤، خزيمة ٥٣٤، ق ٢/ ٣٩٤]
١٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ،
===
١٤٦٢ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب قال: أخبرني معاوية) بن صالح، (عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية) هو قاسم بن عبد الرحمن الشامي، (عن عقبة بن عامر قال: كنت أقود) أي أجر (برسول الله ﷺ ناقته في السفر) وفي بعض الروايات: في الغزو (فقال لي: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟ ) أي في باب التعوذ (فعلمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾).
(قال) عقبة: (فلم يرني) رسول الله ﷺ (سررت) أي فرحت (بهما) بتعلمهما (جدًّا) أي سرورًا كثيرًا (فلما نزل لصلاة الصبح صلَّى بهما) أي بالمعوذتين (صلاة الصبح للناس) أي: قرأ بهما في ركعتيهما (فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة التفت) أي توجه (إلي فقال) رسول الله ﷺ : (يا عقبة كيف رأيت؟ ) أي حال السورتين بأنهما تكفيان لصلاة الصبح.
١٤٦٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه) أبي سعيد،
стр. 3511
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالأَبْوَاءِ، إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَيَقُولُ: "يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا, فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا"
===
(عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة) بالضم ثم السكون والفاء، كانت قرية كبيرة ذات منبر، على طريق المدينة من مكة، على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام، وكان اسمها مهيعة، وإنما سميت الجحفة، لأن السيل اجتحفها، وهي الآن خراب، وهي التي دعا النبي ﷺ بنقل حمى المدينة إليها فانتقلت إليها، وكان لا يمر بها طائر إلَّا حمي، ولخفاء موضعها الآن استبدل الناس الإحرام من رابغ (١) محل مشهور قبيلها، لأمنه وكثرة مائه.
(والأبواء) بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة، سميت بها لتبوأ السيول بها، قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، قال السكري: الأبواء جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات، وهناك بلد ينسب إلى هذا الجبل، وبها قبر آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ .
(إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل) أي شرع (رسول الله يتعوذ بـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ اَلفَلَقِ﴾ قال في "القاموس": الفلق محركة: الصبح، أو ما انفلق من عموده، أو الفجر، والخلق كله، وجهنم، أو جُبٌّ فيها. (و ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنَاسَ﴾) أي بهاتين السورتين المشتملتين على ذلك.
(ويقول) الظاهر قال، وعدل إلى الاستقبال لاستحضار الحال الماضية، أو لمشاكلة ما عطف عليه، ويحتمل وقوع التكرار منه ﵊ حثًّا له وتحريضًا (يا عقبة تعوذ بهما) أي اقرأهما تعوذًا (فما تعوذ متعوذ بمثلهما)
стр. 3512
قَالَ: "وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا في الصَّلَاةِ". [ق ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، دي ٣٤٤٠]
(٣٥٦) بابٌ (١): كيف يُسْتحبُّ التَّرْتِيل فِى الْقِرَاءَةِ؟ (٢)
١٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (٣)، نَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ, وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ
===
بل هما أفضل التعاويذ، ومن ثم لما سحر ﵊ مكث مسحورًا سنة، حتى أنزل الله تعالى عليه ملكين يعلمانه أنه يتعوذ بهما ففعل، فزال ما كان يجد من أثر السحر.
(قال) عقبة: (وسمعته) رسول الله ﷺ (يؤمنا بهما) أي يصلي بنا (في الصلاة) يقرأ بهاتين السورتين في ركعتيها.
(٣٥٦) (بَابٌ: كيْفَ يُسْتَحَبُّ التَّرْتيلُ في القِرَاءَةِ ؟ )
١٤٦٤ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني عاصم بن بهدلة، عن زر) بن حبيش، (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (قال: قال رسول الله ﷺ : يقال) عند دخول الجنة وتوجه العاملين إلى مراتبهم على حسب مكاسبهم (لصاحب القرآن) (٤) أي من يلازمه بالتلاوة والعمل، لا من يقرؤه وهو يلعنه (اقرأ وارتق) إلى درجات الجنة أو مراتب القرب (ورتل) أي لا تستعجل في قراءتك في الجنة التي هي لمجرد التلذذ والشهود الأكبر (كما كنت ترتل) قراءتك، أي في الدنيا، فيه إشارة إلى أن الجزاء على وفق الأعمال كمية وكيفية
стр. 3513
فِى الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ (١) عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". [ت ٢٩١٤، حم ٢/ ١٩٢، ق ٢/ ٥٣]
===
(في الدنيا) من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها).
وقد ورد في الحديث أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، يقال للقارئ: اقرأ وارتق الدرجة على قدر ما تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منها كان رقيه من الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الارتقاء عند منتهى القراءة.
قال الداني: وأجمعوا على أن عدد آي القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد، فقيل: ومِئَتَا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: وخمس وعشرون، وقيل: وست وثلاثون.
قال الطيبي: وقيل: المراد أن الترقي يكون دائمًا، فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له، كذلك هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا تتتناهى، وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم عن مستلذاتهم، بل هي أعظم مستلذاتهم.
قال الطيبي (٢): والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل الدين أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل من الحافظ والتالي له إذا لم ينل شأنه في العمل والتدبر، وقد كان في الصحابة من هو أحفظ من الصديق وأكثر تلاوة منه، وكان هو أفضلهم على الإطلاق لسبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره له وعمله به، وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمهما، فالمراد من الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرها، وحينئذ تقدر القراءة في القيامة على
стр. 3514
١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا جَرِيرٌ، عن قَتَادَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا". [خ ٥٠٤٥، ن ١٠١٤، جه ١٣٥٣، حم ٣/ ١١٩]
===
قدر العمل، فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلَّا وقد أقام ما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما يكون للنبي ﷺ ، ثم للأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين ومعرفة اليقين، فكل منهم يقرأ على مقدار ملازمته إياه تدبرًا وعملًا، هكذا في "المرقاة" (١).
١٤٦٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا جرير) بن حازم، (عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النبي ﷺ ؟ فقال) أنس: (كان) رسول الله ﷺ (يمد مدًّا) والمراد أن رسول الله ﷺ يمد ما كان في القرآن من حروف المد، قال الحافظ (٢): المد عند القراءة على ضربين، أصلي: وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي: وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة، وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلَّا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولًا، وقد يزاد على ذلك قليلًا، وما أفرط فهو غير محمود، انتهى.
قلت: وفي رواية للبخاري (٣) عن قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم، قال الحافظ: أي يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون من الرحمن، والحاء من الرحيم.
стр. 3515
١٤٦٦ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ, عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ: "أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ, عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ وَصَلَاتِهِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟ ! , كَانَ يُصَلِّى وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى, ثُمَّ يُصَلِّى قَدْرَ مَا نَامَ, ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ,
===
١٤٦٦ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، نا الليث (٢)، عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله، (عن يعلي بن مملك: أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته؟ ) أي في الليل (فقالت: وما لكم وصلاته) وفي رواية أحمد: "ما لكم ولصلاته" بترك الواو وزيادة اللام على الصلاة، قال الطيبي (٣): وما لكم عطف على مقدر، أي ما لكم وقراءته، وما لكم وصلاته، والواو في قوله: "وصلاته" بمعنى مع، أي ما تصنعون هع قراءته وصلاته، ذكرتها تحسرًا وتلهفًا على ما تذكرت من أحوال رسول الله ﷺ ، لا أنها أنكرت السؤال على السائل، انتهى. أو معناه أي شيء يحصل لكم مع وصف قراءته وصلاته وأنتم لا تستطيعون أن تفعلوا مثله، ونظيره قول عائشة: وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق.
كان) رسول الله ﷺ (يصلي وينام قدر ما صلَّى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلَّى حتى يصبح) أي كانت صلاته في أوقات [ثلاث] إلى الصبح، أو كان يستمر حاله هذا من القيام والنيام إلى أن يصبح، قلت: ويدل على التوجيه الثاني ما رواه النسائي في "المجتبى" (٤) في "باب ذكر صلاة
стр. 3516
وَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ, فَإِذَا هِىَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا". [ت ٢٩٢٣، ن ١٠٢٢، حم ٦/ ٢٩٤، خزيمة ١١٥٨، ق ٣/ ١٣]
١٤٦٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ يُرَجِّعُ". [خ ٤٨٣٥، م ٧٩٤، تم ٣١٢، ق ١٠/ ٢٢٩]
===
رسول الله ﷺ بالليل"، ولفظه فقالت: كان (٢) يصلي العتمة، ثم يصبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلَّى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح.
(ونعتت) أي وصفت (قراءته فإذا هي) أي أم سلمة (تنعت (٣) قراءته) أي رسول الله ﷺ (حرفًا حرفًا)، وفي رواية النسائي (٤): قراءةً مفسرةً حرفًا حرفًا، أي مرتلة ومجودة ومميزة غير مخالطة، أو المراد بالحرف الجملة المفيدة فتفيد مراعاة الوقوف بعد تبيين الحروف.
١٤٦٧ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن معاوية بن قرة) بضم القاف، (عن عبد الله بن مغفل قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وهو على ناقة يقرأ بسورة الفتح وهو يرجع) أي يردد في الصوت.
قال الحافظ (٥): الترجيح هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره كما سيأتي في حديث
стр. 3517
١٤٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ طَلْحَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ, عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ». [ن ١٠١٥، جه ١٣٤٢، دي ٣٥٠٠، حم ٤/ ٢٨٣]
===
عبد الله بن مغفل: "أاأ" بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هزِّ الناقة، والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن" أي النغم، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: معنى الترجيح تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.
١٤٦٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير) بن حازم، (عن الأعمش، عن طلحة) بن مصرف، (عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : زيَّنُوا القرآن) أي قراءته (بأصواتكم) الحسنة، أو أظهروا زينة القرآن بحسن أصواتكم، قال القاضي (١): قيل: من القلب، يدل عليه أنه روي عن البراء أيضًا عكسه، وقيل: المراد تزيينه بالتجويد والترتيل وتليين الصوت وتحزينه.
وأما التغني (٢) بحيث يخل بالحروف زيادة ونقصانًا، فهو حرام يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، ويجب إنكاره، فإنه من أسوء البدع، وزاد الحاكم: "فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا". وروى الطبراني: "حسن الصوت زينة القرآن"، وعبد الرزاق: "لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن"، يعني كما أن الحلل والحلي يزيد للحسناء حسنًا، وهو أمر
стр. 3518
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ, بِمَعْنَاهُ, أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَهِيكٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ.
وَقَالَ يَزِيدُ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ.
وَقَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ فِى كِتَابِى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ
===
مشاهد, فدل علي أن رواية العكس محمولة علي القلب لا العكس, فتدبر, ولا منع من الجمع.
١٤٦٩ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وقتيبة بن سعيد وبزيد بن خالد بن موهب الرملي، بمعناه) أي كل واحد منهم روى الحديث بمعنى حديث الاخر وإن اختلف لفظه، (أن الليث حدثهم، عن عبد الله) بن عبيد الله (بن أبي مليكة) منسوب إلى جده، (عن عبيد الله بن أبو نهيك) بفتح النون، المخزومي، حجازي، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): عبد الله بن أبي نهيك، ويقال: عبيد الله، قال أبو حاتم: عبيد الله بن أبي نهيك القاسم بن محمد، روى عن سعد بن أبي وقاص، وعنه ابن أبي مليكة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: لكنه ذكره في عبيد الله مصغرًا، وكذا ذكره جماعة، وقال النسائي والعجلي: عبيد الله بن أبي نهيك ثقة.
(عن سعد بن أبي وقاص، وقال يزيد: عن ابن أبي مليكة) أي لم يذكر اسمه، (عن سعيد بن أبي سعيد) أي موضع سعد بن أبي وقاص (وقال قتيبة: هو في كتابي عن سعيد بن أبي سعيد) أي في حفظي عن سعد بن أبي وقاص، وفي كتابي عن سعيد بن أبي سعيد.
حاصله: أنه وقع الاختلاف في سند هذا الحديث، فقال بعض تلامذة
стр. 3519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الليث: عن سعد بن أبي وقاص، وقال بعضهم: عن سعيد بن أبي سعيد، فأبو الوليد الطيالسي وقتيبة قالا: عن سعد بن أبي وقاص، ولكن في كتاب قتيبة: عن سعيد بن أبي سعيد، فاختلف حفظه كتابه، وفي رواية يزيد بن خالد: عن سعيد بن أبي سعيد، وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك: عن سعدٍ، كما سيأتي.
وروى الطحاوي في "مشكل الآثار" (١) من طريق عبد الله بن صالح، ثنا الليث بن سعد، أبنا عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعيد بن أبي سعيد.
ثم أخرج من عبد الله بن صالح، قال لنا الليث بالعراق - يعني في هذا الحديث-: عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج من طريق شعيب بن الليث، ثنا الليث، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد أو سعيد.
ثم أخرج من طريق أبي الوليد الطيالسي، ثنا الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن سعد.
وقال الذهبي في "التجريد" (٢): سعيد بن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في التغني بالقرآن من رواية عبيد الله بن أبي نهيك عنه، والصواب عن ابن أبي نهيك، عن سعد، وقال الحافظ في "الإصابة" (٣) في القسم الرابع: سعيد بن أبي سعيد، روى عن النبي ﷺ في التغني بالقرآن من رواية عبيد الله بن أبي نهيك عنه، والصواب عن ابن أبي نهيك عن سعد، هكذا استدركه الذهبي في "التجريد"، وليست لسعيد بن أبي سعيد صحبة، وإنما جاءت هذه الرواية مرسلة.
стр. 3520
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". [حم ١/ ١٧٢، دي ١٤٩٠]
===
وقد ذكر المزي في "الأطراف" (١) وعزاه لأبي داود (٢)، وأبو داود قد بين الاختلاف في "مسنده" (٣) عن الليث، ومن جملته هذه الرواية، ثم ذكر المزي في "المراسيل" (٤): سعيد بن أبي سعيد المقبري حديث "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" تقدم في ترجمة عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، وهذا هو الصواب، وقد غلط صاحب "العون" (٥) في هذا المحل، فقال فيه ما قال على ظنه.
(قال: قال رسول الله ﷺ : ليس منا) أي خلقًا وسيرة، أو متصلًا بنا ومتابعًا لنا في طريقتنا الكاملة، ونظيرُ مِنْ الاتصالية قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٦) (من لم يتغن بالقرآن) أي لم يحسن صوته به، أو لم يجهر، أو لم يستغن (٧) به عن غيره، أو لم يترنم، أو لم يتحزن، أو لم يطلب به غنى النفس، أو لم يرج به غنى اليد، والتوربشتي (٨) رجح معنى الاستغناء، وقال: المعنى ليس من أهل سنتنا، وممن تبعنا في أمرنا، وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة أن قارئ القرآن مثاب على قراءته مأجور من غير تحسين صوته، فكيف يحمل على كونه مستحقًا للوعيد وهو مثاب مأجور.
قلت: وكذلك رجح الطحاوي في "مشكله" (٩) معنى الاستغناء.
стр. 3521
١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (١) بْنِ أَبِى نَهِيكٍ, عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ (٢) اللَّهِ ﷺ مثْلَهُ. [انظر سابقه]
١٤٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى يَزِيدَ:
===
١٤٧٠ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو) بن دينار، (عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد) بن أبي وقاص (قال: قال رسول الله ﷺ مثله).
١٤٧١ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد) بن نصر الباهلي مولاهم، البصري، أبو يحيى المعروف بالنرسي بفتح النون وسكون الراء وبالمهملة، لا بأس به، (نا عبد الجبار بن الورد) المخزومي مولاهم، المكي، أبو هشام، صدوق يهم (قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد)، ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" في شيوخ عبيد الله بن أبي يزيد أبا لبابة، وفي تلامذة أبي لبابة بن عبد المنذر عبيد الله بن أبي يزيد.
وأخرج الطحاوي هذا الحديث (٣) من طريق إبراهيم بن أبي الوزير، ثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي يزيد، ثم قال: قال أبو جعفر: هكذا قال، وإنما هو ابن أبي نهيك، ثم قواه بحديث فهد، قال: ثنا فهد قال: حدثنا يَسَرَة بن صفوان بن جميل اللخمي، [قال: ] ثنا عبد الجبار بن ورد، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك - هكذا قال لنا فهد: [عن عبد الله] وإنما هو عبيد الله - قال: دخلنا على أبي لبابة، الحديث.
стр. 3522
مَرَّ بِنَا أَبُو لُبَابَةَ فَاتَّبَعْنَاهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ, فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ, فَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْبَيْتِ, رَثُّ الْهَيْئَةِ, فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» , قَالَ: فَقُلْتُ لاِبْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ, أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ؟ قَالَ: "يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ". [ق ١٠/ ٢٣٥]
===
فكلام الطحاوي يدل على أن تسمية عبيد الله بن أبي يزيد غير صواب، والله تعالى أعلم، وعبيد الله بن أبي يزيد المكي مولى آل قارظ بن شيبة، وثقه ابن المديني وابن معين والعجلي وأبو زرعة وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(مر بنا أبو لبابة) بن عبد المنذر الأنصاري المدني، اسمه بشير، وقيل: رفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، ويقال: إن رفاعة ومبشرًا أخواه، ويقال: شهد بدرًا، ويقال: رده النبي ﷺ حين خرج إلى بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، ثم شهد أحدًا وما بعدها، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في الفتح، وكان أحد النقباء، شهد العقبة، مات في خلافة علي ﵁.
(فاتَّبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت) الرب: الثوب الخلق البالي، فأطلق على كل شيء خلق ضعيف رديء (رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، ظاهره أن أبا لبابة اختار رثاثة الحال, لأنه حمل قوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" على معنى الاستغناء.
(قال) أي ابن الورد: (فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع)، فحمل ابن أبي مليكة التغني على حسن الصوت.
стр. 3523
١٤٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: قَالَ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي يَسْتَغْني بِهِ. [خ ٥٠٢٤]
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ وَحَيْوَةُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ». [خ ٥٠٢٣، م ٧٩٢، ن ١٠١٦، ق ٣/ ١٢]
===
١٤٧٢ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: قال وكيع وابن عيينة) أي في تفسير من لم يتغن: (يعني يستغني به).
١٤٧٣ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، حدثني عمر بن مالك وحيوة) بن شريح التجيبي، (عن ابن الهاد) يزيد، (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيمي القرشي، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ما أذن الله لشيء) ما نافية، أي ما استمع لشيء (ما أذن) ولفظ ما هذا مصدرية، أي كاستماعه (لـ) صوت (نبي) أي استماع محبة ورحمة (حسن الصوت يتغنى) أي يحسن صوته (بالقرآن) أي بتلاوته، وقيل: مصدر بمعنى القراءة أو المقروءة، وقيل: أراد بالقرآن ما يقرأ من الكتب المنزلة، ويدل عليه تنكير نبي، وقال الأزهري: والحمل على الاستغناء خطأ من حيث اللغة، انتهى. وقد أخطأ في التخطئة من حيث اللغة، إذ في "النهاية": رجل ربطها تغنيًا، أي استغناء بها عن الطلب من الناس، ومن لم يتغن بالقرآن، أي من لم يستغن به عن غيره، وفي "القاموس": تغنيت: استغنيت.
(يجهر به) أي في صلاته أو تلاوته أو حين تبليغ رسالته، ظاهر سياق أبي داود يدل على أن لفظ "يجهر به" داخل في الحديث، وليس كذلك, لأنه أخرج البخاري (١) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
стр. 3524
(٣٥٧) بابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ
١٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ, عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ,
===
عن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لم يأذن الله لنبي ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن، وقال صاحب له: يريد يجهر به".
قال الحافظ (١) الضمير في "له" لأبي سلمة، والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث، فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة، وسمعه من عبد الحميد، قلت: وهي ثابتة عن أبي سلمة من وجه آخر أخرجه مسلم (٢) من طريق الأوزاعي، عن أبي هريرة بلفظ: "ما أذن الله لشيء كَأَذَنِهِ (٣) لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به"، وكذا ثبت عنده من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، وظاهر هذا الكلام أن قوله: "يجهر به" تفسير من أبي سلمة مدرج في الحديث، والله أعلم.
(٣٥٧) (بَابُ التَّشْدِيدِ) أي: التغليظ (فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَه) أي: ترك قراءته تهاونًا وتساهلًا حتى نسي
١٤٧٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس) أي عبد الله، (عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد) بفاء، عن سعد بن عبادة في الذي ينسى القرآن، وقيل: عن رجل، عن سعد، وقيل: عن عبادة بن الصامت، وقيل غير ذلك، روى عنه يزيد بن أبي زياد، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد رديء في هذا المعنى، وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه، قلت: وقال ابن المديني: مجهول.
стр. 3525
عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثم يَنْسَاهُ إلَّا لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ». [دي ٣٣٤٠]
(٣٥٨) بابٌ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ "
===
(عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه) أي بالنظر عندنا، وبالغيب عند الشافعي، أو المعنى ثم يترك قراءته نسي أو ما نسي (إلَّا لقي الله يوم القيامة أجذم) أي ساقط الأسنان، أو على هيئة المجذوم، أو ليست له يد، أو لا يجد شيئًا يتمسك به في عذر النسيان، أو ينكس رأسه بين يدي الله حياء وخجالة من نسيان كلامه الكريم.
وقال الطيبي (١): أي مقطوع اليد من الجذم وهو القطع، وقيل: مقطوع الأعضاء، يقال: رجل أجذم إذا تساقطت أعضاؤه من الجذام، وقيل: أجذم الحجة، أي لا حجة له، ولا لسان يتكلم [به]، وقيل: خالي اليد عن الخير.
والحديث أخرجه الإِمام أحمد (٢) من طريق خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة قال: سمعت غير مرة ولا مرتين يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من أميرِ عَشَرةٍ إلَّا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا، لا يَفُكُّه من ذلك الغُلِّ إلَّا العَدْلُ، وما من رجل قرأ القرآن فَنَسِيَه إلا لقي اللهَ يوم يلقاه وهو أَجْذَمُ".
وقد تقدم في "باب كنس المسجد" من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ ، وفيه: "وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها".
(٣٥٨) (بَابٌ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ")
قال الحافظ في "الفتح" (٣): أي على سبعة أوجه، يجوز أن يقرأ بكل وجه
стр. 3526
١٤٧٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: "سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا,
===
منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما ينتهي إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل: فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما، وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعين في العشرات.
١٤٧٥ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد) غير مضاف إلى شيء (القاريِّ) بتشديد الياء التحتانية، نسبة إلى القارة، بطن من خزيمة بن مدركة، وليس هو منسوبًا إلى القراءة، وكانوا قد حالفوا بني زهرة، وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإِسلام، وكان عبد الرحمن من كبار التابعين، وقد ذكر في الصحابة لكونه أتي به إلى النبي ﷺ وهو صغير، مات سنة ٨٨ هـ، كذا في "الفتح" (١).
(قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام) الأسدي، له ولأبيه صحبة، وكان إسلامهما يوم الفتح، وكان لهشام فضل، ومات قبل أبيه، ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر (يقرأ سورة الفرقان) أي في حياة رسول الله ﷺ (على غير ما أقرؤها) وفي البخاري: "فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله ﷺ ).
стр. 3527
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا, فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ, ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ, ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِي, فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ» , فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِى: «اقْرَأْ» , فَقَرَأْتُ,
===
(وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه) أي لا أمهله إلى إتمام الصلاة (ثم أمهلته حتى انصرف) عن الصلاة (ثم لببته بردائى) وفي رواية: "بردائه". بفتح اللام وموحدتين الأولى مشددة والثانية ساكنة، أي جمعت عليه ثيابه عند لبته لئلا يتفلت مني، وكان عمر ﵁ شديدًا في الأمر بالمعروف، وفعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبي ﷺ بل قال له: "أرسله".
(فجئت به رسول الله ﷺ ) وفي البخاري: "فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ "، كأنه لما لبَّبه بردائه، صار يجرُّه به، فلهذا صار قائدًا له، ولولا ذلك لكان يسوقه، ولهذا قال له رسول الله ﷺ لما وصلا إليه: "أرسله".
(فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا) أي هشامًا (يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها)، وفي رواية البخاري: "على حروف لم تُقرئنيها"، قال الزرقاني (١): ولم يقع في شيء من الطرق تفسير الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، نعم اختلف الصحابة فمن دونهم في أحرف كثيرة من هذه السورة كما بينه في "التمهيد".
(فقال له) أي لهشام (رسول الله ﷺ : اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته) أي هشامًا (يقرأ، فقال رسول الله ﷺ ) لما أتم هشام قراءتهما (هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت) أي القراءة التي أقرأنيها رسول الله ﷺ
стр. 3528
فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» , ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ, فَاقْرؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». [خ ٤٩٩٢، م ٨١٨، ت ٢٩٤٣، ن ٩٣٦، حم ١/ ٥٦٠، ق ٢/ ٣٨٣]
===
(فقال: هكذا أنزلت، ثم قال) رسول الله ﷺ : (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف).
قال الحافظ (١): هذا أورده النبي ﷺ تطمينًا لعمر ﵁ لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين.
وقد وقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام.
منها: ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل.
ومنها: ما وقع لعمرو بن العاص مع رجل في آية، أخرجه أحمد بإسناد حسن.
ومنها: ما وقع من حديث أبي جهم بن الصمة عند أحمد وأبي عبيد والطبري: أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها هن رسول الله ﷺ .
ومنها: ما وقع للطبرى والطبراني عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلف قراءتهم، فبقراءة اْيهم آخذ؟ الحديث،
وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة، بلغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين قولًا، وقال المنذوي: أكثرها غير مختار.
(فاقرؤوا ما تيسر منه) أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القاريء، وهذا يقول قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، لأن لغة هشام بلسان
стр. 3529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قريش وكذلك عمر ﵁، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما، نبه على ذلك ابن عبد البر، ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة.
وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، فجاء عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العَجُزِ من هوازن، قال: والعَجُزُ: سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال لهم: عليا هوازن، ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم.
وأخرج أبو عبيد من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزل القرآن بلغة الكعبين: كعب قريش وكعب خزاعة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الدار واحدة، يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم.
وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش وهذيل وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر.
واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (١) فعلى هذا فتكون اللغات السبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي.
وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم: هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات.
ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولًا بلسان قريش
стр. 3530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك مع اتفاق المعنى، وعلى هذا ينزل اختلافهم في القراءة كما تقدم، وتصويب رسول الله ﷺ كلا منهم.
وقال الزرقاني (١): واختلف في ذلك على نحو أربعين قولًا، أكثرها غير مختار، قال ابن العربي: لم يأت في ذلك نص ولا أثر، وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي: هذا من المشكل الذي لا يدرى معناه, لأن الحرف يأتي لمعان للهجاء وللكلمة وللمعنى وللجهة، انتهى.
وأقربها قولان: أحدهما: أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيدة وثعلب والزهري وآخرون، وصححه ابن عطية والبيهقي.
والثاني: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتَعال وهَلُمَّ وعَجِّل وأَسْرع، وعليه سفيان بن عيينة وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبد البر (٢) لأكثر العلماء، لكن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، وهو أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها من لغته، بل ذلك مقصور على السماع منه ﷺ ، كما يشير إليه قول كل من عمر وهشام: أقرأني النبي ﷺ ، ولئن سلم إطلاق الإباحة بقراءة المرادف ولو لم يسمع، لكن إجماع الصحابة زمن عثمان ﵁ الموافق للعرضة الأخيرة يمنع ذلك.
واختلف هل السبعة باقية إلى الآن يقرأ بها أم كان ذلك ثم استقر الأمر على بعضها؟ ذهب الأكثر إلى الثاني كابن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوي، وهل استقر ذلك في زمن النبي محمد أم بعده؟ الأكثر على الأول، واختاره الباقلاني
стр. 3531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم أقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر، فأذن لكل أن يقرأ على حرفه أي على طريقته في اللغة، حتى انضبط الأمر، وتدربت الألسن، وتمكن الناس من ألاقتصار على لغة واحدة، فعارض جبريل النيي ﷺ القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن، فنسخ الله تلك القراءات المأذونة فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس.
قال أبو شامه: ظن قوم أن المراد القراءة السبعه الموجودة الآن، وهو خلاف إجماع العلماء، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.
وقال مكي بن أبي طالب: من ظن أن قراءة هؤلاء كعاصم ونافع هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا، ويلزم منه أن ما خرج عن قراءتهم مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم، وقد بين الطيري وغيره أن اختلاف القراء إنما هو حرف واحد، انتهى.
قلت: وأما المشيخ ولي الله الدهلوي - رحمة الله عليه- قال في شرحه على "الموطأ" (١) ما حاصله: إن ما تقرر عندي وترجح في هذا الاختلاف أن ذكر السبع في الحديث لبيان الكثرة لا للتحديد.
والحاصل: أن العرب يؤدون الكلام الواحد مع رعاية ترتيب النظم على وجوه محتلفة، وكل واحد من الوجوه حرف، وهذا التعدد قد يكون بجهة اختلاف مخارج الحروف، وقد يكون بجهة المدة والترخيم والترقيق وغيرها، وقد يكون لاستعمال ألفاظ مترادفة كالفاجر والأثيم، ومثل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و ﴿قُلْ لِمَنْ كَفَرَ﴾.
فاختلاف القُرَّاء السبعة الذي كتب في مصاحف عثمان هو من جملة
стр. 3532
١٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِىُّ: "إِنَّمَا هَذِهِ الأَحْرُفُ فِى الأَمْرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ يخْتَلِفُ (١) فِى حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ". [م ٨١٩]
١٤٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ, حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِىِّ, عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا أُبَىُّ, إِنِّى أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ, فَقِيلَ لِى: عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ (٢)،
===
اختلاف الأحرف، واختلاف الصحابة والتابعين في أداء كلمة بوجه لا تتحمله المصاحف العثمانية داخل أيضًا في اختلاف الأحرف مثلًا: فامضوا، فاسعوا، ووصى ربك، وقضى ربك، وما خلق الذكر والأنثى، بخلاف ما إذا كان الاختلاف على وجه يُخِلُّ بترتيب النظم وُيغَيِّرُه تغييرًا فاحشًا بحيث لا يطلق عليه القرآن لا يكون داخلًا في السبعة الأحرف، انتهى ملخصًا.
١٤٧٦ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق، أنا معمر قال: قال الزهري: إنما هذه الأحرف) أي الاختلاف في الأحرف (في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام) حاصله: أن اختلاف الأحرف مقصور على اختلاف في اللفظ لا يتعدي إلى اختلاف المعنى والحكم.
١٤٧٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي) هشام بن عبد الملك، (نا همام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد الخزاعي، عن أبي بن كعب قال: قال النبي ﷺ : يا أبي، إني أقرئت القرآن) أي: أقرأني جبرئيل (فقيل لي) لعل القائل هو الله تعالى أو ملك (على حرف أو حرفين؟ ) بتقدير الاستفهام، أي: أتحب أن تقرأ على حرف
стр. 3533
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِى مَعِى: قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ, قُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ, فَقِيلَ لِى: عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ, فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِى مَعِى: قُلْ عَلَى ثَلَاثَةٍ (١) , قُلْتُ: عَلَى ثَلَاثَةٍ (٢) , حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ, ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إلَّا شَافٍ كَافٍ, إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ (٣) , أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ». [حم ٥/ ١٢٤، ق ٢/ ٣٨٤]
===
أو حرفين (فقال الملك الذي معي) أي جبرئيل: (قل على حرفين) أي أحب أن أقرأ على حرفين (قلت: على حرفين، فقيل لي) القائل هو الأول: (على حرفين أو ثلاثة؟ ) بتقدير الاستفهام، أي أتحب أن تقرأ على حرفين أوثلاثة؟ (فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، قلت: على ثلاثة) أي أحب أن أقرأ على ثلاثة أحرف (حتى بلغ) أي الملك أو التزايد (سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها) أي من الأحرف (إلَّا شاف) لأمراض الجهل (كاف) في الصلاة، أو شاف للعليل في فهم المقصود، كاف للإعجاز في إظهار البلاغة، أو شاف لصدور المؤمنين للاتفاق في المعنى، وكاف في الحجة على صدق النبي ﷺ ، أو شاف في إثبات المطلوب للمؤمنين، كاف في الحجة على الكافرين، قاله القاري (٤).
(إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا) أصبت، والأوضح ما في رواية أحمد في "مسنده" (٥): إن قلت: غفورًا رحيمًا، أو قلت: سميعًا عليمًا، أو عليمًا سميعًا، فالله كذلك، حاصله: أنك إن بدلت صفة بصفة أخرى، فلا مضايقة فيه (ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب) فهذا لا يجوز, لأن هذا يخل بالنظم ويغير المعنى.
стр. 3534
١٤٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِى غِفَارٍ, فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ, إِنَّ أُمَّتِى لَا تُطِيقُ ذَلِكَ» , ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً (١) فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا,
===
١٤٧٨ - (حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم) بن عتيبة، (عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار) هو بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخره تاء تأنيث، هو مستنقع الماء كالغدير، وجمعه أضى كعصى، وقيل: بالمد والهمز مثل إناء، وهو موضع بالمدينة النبوية، ينسب إلى بني غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، لأنهم نزلوا عنده، كذا في "الفتح".
(فأتاه) رسول الله ﷺ (جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ) القرآن (أمتك على حرف) واحد (قال) رسول الله ﷺ : (أسأل الله معافاته) عفوه، وجاء بالمفاعلة للمبالغة (ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك) لاختلاف ألسنتهم أو لحميتهم على أن ينتقلوا من لغتهم إلى لغة غيرهم (ثم أتاه) أي جبرئيل رسول الله ﷺ (ثانية) أي مرة ثانية (فذكر) أي ابن المثنى (نحو هذا) اختصره المصنف.
وأخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) مطولًا ولفظه: "ثم جاء الثانية فقال: إن الله ﵎ يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذاك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله ﵎ يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا".
وقد أخرجه مسلم (٣) أطول مما لأحمد، وفيه: "ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته
стр. 3535
حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ (١): إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتكَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَؤُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا". [م ٨٢١, ن ٩٣٩، حم ٥/ ١٢٧، ق ٢/ ٣٨٤]
(٣٥٩) باب الدُّعَاءِ
١٤٧٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ ذَرٍّ, عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِىِّ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ هي (٢) الْعِبَادَةُ
===
ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يامرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف"، الحديث.
(حتى بلغ سبعة أحرف، قال) في الرابعة كما في مسلم: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك) القرآن (على سبعة أحرف) ظاهره أنه كان في الحديث ذكر المرة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، فحذف في الاختصار، ولكن لم أر في رواية أحد ذكر المرة الخامسة والسادسة والسابعة (فأيما حرف قرؤوا عليه) من تلك الحروف (فقد أصابوا).
(٣٥٩) (بابُ الدُّعَاءِ) (٣) , أي: في فضله وآدابه
١٤٧٩ - (حدثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن منصور، عن ذر) بن عبد الله، (عن يُسيع) مصغرًا، ويقال له: أسيع بن معدان (الحضرمىِ) ويقال: الكندي الكوفي، أخرجوا له حديثه عن النعمان: في الدعاء هي العبادة"، (عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ -قال: الدعاء هي العبادة) الحصر للمبالغة، فإن
стр. 3536
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " [ت ٢٩٦٩، جه ٣٨٢٨، حم ٤/ ٢٦٧]
١٤٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ, عَنْ أَبِى نُعَامَةَ,
===
الدعاء غاية التذلل، والتذلل بين يدي الله تعالى هو أصل العبادة وخلاصتها.
(﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) إلى آخر الآية, فالاستدلال على كون الدعاء هي العبادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)، فإنه أطلق لفظ العبادة على الدعاء، معناه إن الذين لا يدعون الله ويتركون الدعاء استكبارًا فهم يستكبرون عن عبادة الله ، فثبت بها أن الدعاء هي العبادة.
فإن قلت- قوله تعالى ﴿ادْعُونِي﴾ بصيغة الأمر الذي هو للوجوب، وقوله تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ إطلاق الوعيد يدل على فرضية، الدعاء ووجوبه، وأجمعت الأمة على عدم الوجوب.
قلت: إن الدعاء مفهومه يشمل جميع العبادات من الفرائض والنوافل، فبعض أفرادها فرض، وبمعضها نفل، فلا إشكال فيه، أو يقال: إن الأمر للاستحباب، والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقًا، بل على تركها استكبارًا.
١٤٨٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن زياد بن مخراق) بميم مكسورة وسكون معجمة وراء وقاف، المزني مولاهم، أبو الحارث البصري، قدم الشام، وشهد خطبة عمر بن عبد العزيز، قال الأثرم: سألت أحمد عنه فقال: ما أدري، قال: وقلت له: روى حديث سعد أن النبي ﷺ قال: "يكون بعدي قوم يعتدون في الدعاء"، الحديث، فقال: نعم، لم يقم إسناده، وقال النسائي: ثقة، وكذا عن ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي نعامة) قيس بن عباية بفتح أوله وتخفيف الموحدة ثم تحتانية،
стр. 3537
عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ قَالَ: "سَمِعَنِى أَبِى وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا, وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا, فَقَالَ (١): يَا بُنَىَّ, إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِى الدُّعَاءِ» ,
===
الحنفي الرماني، وقيل: الضبي البصري، قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي نعامة الحنفي فقال: اسمه قيس بن عباية، بصري، ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه بكذب ولا ببدعة، قلت: فما قاله صاحب "العون": اسمه عيسى بن سوادة وكذا غيره في حواشي النسخ، فهو غلط محض.
(عن ابن لسعد) بن أبي وقاص، وقال الإِمام أحمد: عن مولى لسعدٍ، أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو (قال: سمعني أبي) أي سعد بن أبي وقاص (وأنا أقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها) أي حسنها (وكذا وكذا) كناية عما في الجنة من المنازل والسرر والبسط والغرف وغيرها (وأعوذ بك من النار وسلاسلها) جمع سلسلة (وأغلالها) جمع غل وهو الطوق (وكذا وكذا) كناية عما فيها من أنواع العذاب.
(فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء) أي يتجاوزون الحد فيها، والاعتداء في الدعاء أن يدعو بما يستحيل شرعًا أو عادة، مثل طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، أو ما في معناه من نزول سماء وطلوع أرض وغيرهما.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان أن يطلع السماء، أو تحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يجيء له الموت، أو بأمر لا يعلم حقيقته ونحو ذلك، وقد فسر الاعتداء في الدعاء بتكلف السجع، وقال بعضهم: الاعتداء هو طلب مما لا يليق به كرتبة الأنبياء والصعود إلى السماء، وقيل: هو الصياح في الدعاء.
стр. 3538
فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ, إنك إِنْ (١) أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ, وَإِنْ أُعِذْتَ (٢) مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ".
[جه ٣٨٦٤، حم ١/ ١٧٢]
===
(فإياك) أي اتق نفسك (إن تكون منهم) أي من المعتدين في الدعاء (إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر)، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٣).
وقد أخرج الإِمام أحمد (٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، قال: سمعت أبا عباية، عن مولًى لسعد أن سعدًا ﵁ سمع ابنًا له يدعو وهو يقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥)، إنَّ بِحَسْبِك أن تقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة، وما قَرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قَرَّب إليها من قول أو عمل.
وقد أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٦): حدثنا شعبة، أخبرني زياد بن مخراق، سمعت أبا عباية (٧)، شك أبو داود أن سعدًا سمع ابنا له يقول، الحديث.
стр. 3539
١٤٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ, حَدَّثَنَا حَيْوَةُ, أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ: أَنَّ أَبَا عَلِىٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِى صَلَاتِهِ, لَمْ يُمَجِّدِ (١) اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا» , ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ (٢) رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ, ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ , ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ». [ت ٣٤٧٦، ن ١٢٨٤]
===
١٤٨١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن المقرئ، (نا حيوة) بن شريح التجيبي، (أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ) الخولاني المصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: لا بأس به، ثقة.
(أن أبا علي عمرو بن مالك حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ ) هو فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أَوَّلُ ما شَهِدَ شهد أُحُدًا، ثم نزل دمشق وولي قضاءها (يقول: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته) أي في داخل صلاته أو بعدها (لم يمجد الله) في بدء دعائه (ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عَجلَ هذا)، أي كان ينبغي له أن يبدأ بآداب الدعاء من التحميد والثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ، فعجل وتركها وبدأ بالطلب.
(ثم دعاه) أي الرجل (فقال له أو لغيره) ليسمع هو ويعمل به: (إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه) هو من عطف العام على الخاص (ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو)، وفي روايه الترمذي: ثم ليصلي على النبي ﷺ ، ثم ليدع (بعد بما شاء) من خير الدنيا والآخرة.
стр. 3540
١٤٨٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ, عَنْ أَبِى نَوْفَلٍ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ
===
قال الشوكاني (١): قيل: هذا الحديث موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره في التشهد، فإن ذلك متضمن للتمجيد والثناء، وهذا مجمل، وذلك مبين للمراد، وهو لا يتم إلَّا بعد تسليم أن النبي ﷺ سمع الرجل يدعو في قعدة التشهد.
١٤٨٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل) بن أبي عقرب البكري الكندي العريجي، قال في "التقريب": بفتح المهملة وكسر الراء والجيم، وفي "الخلاصة": العرنجي بفتح المهملتين وإسكان النون، وكلاهما غير صحيح.
والصواب ما قال السمعاني في "الأنساب" (٢): بضم العين المهملة وفتح الراء وبعدها الياء الساكنة آخر الحروف وفي آخرها الجيم، هذه النسبة إلى العُرَيج، وهو اسم لجماعة، ولبطون من العرب، وهو عُرَيج بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، منهم أبو نوفل بن أبي عقرب العريجي البصري، وقال الحافظ في "الإصابة" (٣) في ترجمة أبيه أبي عقرب: أبو عقرب البكري من بني عريج بمهملة وجيم مصغرًا، ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وصححه وصوبه في "أسد الغابة": قيل: اسمه مسلم بن أبي عقرب، وقيل: عمرو بن مسلم بن أبي عقرب، وقيل: معاوية بن مسلم بن أبي عقرب، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وسماه شعبة معاوية بن عمرو، قال: وكنت آتيه أنا وأبو عمرو بن العلاء فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو عن العربية.
(عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب) أي يحب (الجوامع