﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " [ت ٢٩٦٩، جه ٣٨٢٨، حم ٤/ ٢٦٧]
١٤٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ, عَنْ أَبِى نُعَامَةَ,
===
الدعاء غاية التذلل، والتذلل بين يدي الله تعالى هو أصل العبادة وخلاصتها.
(﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) إلى آخر الآية, فالاستدلال على كون الدعاء هي العبادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)، فإنه أطلق لفظ العبادة على الدعاء، معناه إن الذين لا يدعون الله ويتركون الدعاء استكبارًا فهم يستكبرون عن عبادة الله ، فثبت بها أن الدعاء هي العبادة.
فإن قلت- قوله تعالى ﴿ادْعُونِي﴾ بصيغة الأمر الذي هو للوجوب، وقوله تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ إطلاق الوعيد يدل على فرضية، الدعاء ووجوبه، وأجمعت الأمة على عدم الوجوب.
قلت: إن الدعاء مفهومه يشمل جميع العبادات من الفرائض والنوافل، فبعض أفرادها فرض، وبمعضها نفل، فلا إشكال فيه، أو يقال: إن الأمر للاستحباب، والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقًا، بل على تركها استكبارًا.
١٤٨٠ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة، عن زياد بن مخراق) بميم مكسورة وسكون معجمة وراء وقاف، المزني مولاهم، أبو الحارث البصري، قدم الشام، وشهد خطبة عمر بن عبد العزيز، قال الأثرم: سألت أحمد عنه فقال: ما أدري، قال: وقلت له: روى حديث سعد أن النبي ﷺ قال: "يكون بعدي قوم يعتدون في الدعاء"، الحديث، فقال: نعم، لم يقم إسناده، وقال النسائي: ثقة، وكذا عن ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي نعامة) قيس بن عباية بفتح أوله وتخفيف الموحدة ثم تحتانية،
стр. 3537
عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ قَالَ: "سَمِعَنِى أَبِى وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا, وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا, فَقَالَ (١): يَا بُنَىَّ, إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِى الدُّعَاءِ» ,
===
الحنفي الرماني، وقيل: الضبي البصري، قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي نعامة الحنفي فقال: اسمه قيس بن عباية، بصري، ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه بكذب ولا ببدعة، قلت: فما قاله صاحب "العون": اسمه عيسى بن سوادة وكذا غيره في حواشي النسخ، فهو غلط محض.
(عن ابن لسعد) بن أبي وقاص، وقال الإِمام أحمد: عن مولى لسعدٍ، أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو (قال: سمعني أبي) أي سعد بن أبي وقاص (وأنا أقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها) أي حسنها (وكذا وكذا) كناية عما في الجنة من المنازل والسرر والبسط والغرف وغيرها (وأعوذ بك من النار وسلاسلها) جمع سلسلة (وأغلالها) جمع غل وهو الطوق (وكذا وكذا) كناية عما فيها من أنواع العذاب.
(فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء) أي يتجاوزون الحد فيها، والاعتداء في الدعاء أن يدعو بما يستحيل شرعًا أو عادة، مثل طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، أو ما في معناه من نزول سماء وطلوع أرض وغيرهما.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان أن يطلع السماء، أو تحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يجيء له الموت، أو بأمر لا يعلم حقيقته ونحو ذلك، وقد فسر الاعتداء في الدعاء بتكلف السجع، وقال بعضهم: الاعتداء هو طلب مما لا يليق به كرتبة الأنبياء والصعود إلى السماء، وقيل: هو الصياح في الدعاء.
стр. 3538
فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ, إنك إِنْ (١) أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ, وَإِنْ أُعِذْتَ (٢) مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ".
[جه ٣٨٦٤، حم ١/ ١٧٢]
===
(فإياك) أي اتق نفسك (إن تكون منهم) أي من المعتدين في الدعاء (إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر)، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (٣).
وقد أخرج الإِمام أحمد (٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، قال: سمعت أبا عباية، عن مولًى لسعد أن سعدًا ﵁ سمع ابنًا له يدعو وهو يقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، وقرأ هذه الآية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥)، إنَّ بِحَسْبِك أن تقول: اللهُمَّ إني أسألك الجنة، وما قَرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قَرَّب إليها من قول أو عمل.
وقد أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٦): حدثنا شعبة، أخبرني زياد بن مخراق، سمعت أبا عباية (٧)، شك أبو داود أن سعدًا سمع ابنا له يقول، الحديث.
стр. 3539
١٤٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ, حَدَّثَنَا حَيْوَةُ, أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ: أَنَّ أَبَا عَلِىٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِى صَلَاتِهِ, لَمْ يُمَجِّدِ (١) اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا» , ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ (٢) رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ, ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ , ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ». [ت ٣٤٧٦، ن ١٢٨٤]
===
١٤٨١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن المقرئ، (نا حيوة) بن شريح التجيبي، (أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ) الخولاني المصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: لا بأس به، ثقة.
(أن أبا علي عمرو بن مالك حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ ) هو فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أَوَّلُ ما شَهِدَ شهد أُحُدًا، ثم نزل دمشق وولي قضاءها (يقول: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته) أي في داخل صلاته أو بعدها (لم يمجد الله) في بدء دعائه (ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عَجلَ هذا)، أي كان ينبغي له أن يبدأ بآداب الدعاء من التحميد والثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ، فعجل وتركها وبدأ بالطلب.
(ثم دعاه) أي الرجل (فقال له أو لغيره) ليسمع هو ويعمل به: (إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه) هو من عطف العام على الخاص (ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو)، وفي روايه الترمذي: ثم ليصلي على النبي ﷺ ، ثم ليدع (بعد بما شاء) من خير الدنيا والآخرة.
стр. 3540
١٤٨٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ, عَنْ أَبِى نَوْفَلٍ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ
===
قال الشوكاني (١): قيل: هذا الحديث موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره في التشهد، فإن ذلك متضمن للتمجيد والثناء، وهذا مجمل، وذلك مبين للمراد، وهو لا يتم إلَّا بعد تسليم أن النبي ﷺ سمع الرجل يدعو في قعدة التشهد.
١٤٨٢ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل) بن أبي عقرب البكري الكندي العريجي، قال في "التقريب": بفتح المهملة وكسر الراء والجيم، وفي "الخلاصة": العرنجي بفتح المهملتين وإسكان النون، وكلاهما غير صحيح.
والصواب ما قال السمعاني في "الأنساب" (٢): بضم العين المهملة وفتح الراء وبعدها الياء الساكنة آخر الحروف وفي آخرها الجيم، هذه النسبة إلى العُرَيج، وهو اسم لجماعة، ولبطون من العرب، وهو عُرَيج بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، منهم أبو نوفل بن أبي عقرب العريجي البصري، وقال الحافظ في "الإصابة" (٣) في ترجمة أبيه أبي عقرب: أبو عقرب البكري من بني عريج بمهملة وجيم مصغرًا، ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وصححه وصوبه في "أسد الغابة": قيل: اسمه مسلم بن أبي عقرب، وقيل: عمرو بن مسلم بن أبي عقرب، وقيل: معاوية بن مسلم بن أبي عقرب، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وسماه شعبة معاوية بن عمرو، قال: وكنت آتيه أنا وأبو عمرو بن العلاء فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو عن العربية.
(عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب) أي يحب (الجوامع
стр. 3541
مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ". [حم ٦/ ١٤٨]
١٤٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ, اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ, لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ, فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ». [خ ٦٣٣٩، م ٢٦٧٩، ت ٣٤٩٧، جه ٣٨٥٤، حم ٢/ ٢٤٣]
===
من الدعاء) أي الجامعة لخير الدنيا والآخرة، وقيل: هي ما كان لفظه قليلًا ومعناه كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١)، ومثل الدعاء بالعافية في الدنيا والآخرة، أو الجامعة للتحميد والصلاة وجميع آداب الدعاء، أو الجامعة لجميع المؤمنين بأن لا يخص نفسه (ويدع) أي يترك (ما سوى ذلك).
١٤٨٣ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولن أحدكم اللهُمَّ اغفر لي إن شئت، اللهُمَّ ارحمني إن شئت) قيل: منع عن قوله: إن شئت، لأنه شك في القبول، والله تعالى كريم لا بخل عنده، فليتيقن بالقبول (ليعزم المسألة) أي ليطلب جازمًا من غير شك (فإنه لا مكره له) وفي رواية أنس عند البخاري (٢): "لا مستكره له"، وهما بمعنى، أي لله تعالى على الفعل، أو لا يقدر أحد أن يكرهه على فعل أراد تركه بل يفعل ما يشاء، فلا معنى لقوله: إن شئت، لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، فلا حاجة إلى التقييد به مع أنه موهم بعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل، أو لاستعظامه على الفاعل على المتعارف بين الناس.
وقال الحافظ في "الفتح" (٣): والمراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة
стр. 3542
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِى». [خ ٦٣٤٠، م ٢٧٣٥، ت ٣٣٨٧، جه ٣٨٥٣، حم ٢/ ٣٩٦]
===
ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه، ويعلم أنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلَّا برضاه، وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك، فليس للتعليق فائدة، وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأول أولى.
١٤٨٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد) اسمه سعد بن عبيد، مولى ابن أزهر اسمه عبد الرحمن، (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يستجاب) أي يجاب (لأحدكم) أي دعاؤه (ما لم يعجل) ثم بينه بقوله: (فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي)، قال ابن بطال: المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء، فيكون كالمانِّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة، فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء.
فإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وعد بإجابة مطلق الدعاء، وهذا الحديث يحكم بأنه إذا استعجل لا يستجاب له، فكيف التوفيق بينهما؟ .
والجواب عنه: أن الحافظ نقل عن الكرماني أنه دل الحديث على أن مطلق قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مقيد بما دل عليه الحديث.
قلت: ويمكن أن يجاب بأن المراد من الإجابة الموعودة هو الأعم من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، وإلى ذلك أشار ابن الجوزي بقوله: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلًا أو آجلًا، فينبغي للمؤمن أن
стр. 3543
١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (١)، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ،
===
لا يترك الطلب من ربه، والأحاديث أيضًا تدل على أن دعوة المؤمن لا ترد، وأنها إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن تدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل.
فإن قلت: إن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور، فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة.
والجواب عن الأول أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلَّا ما قدر الله تعالى كان إذعانًا لا معاندة، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفًا على الدعاء، لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها.
وحكى القشيري في "الرسالة" الخلاف في المسألة، فقال: اختلف أَيّ الأمرين أولى؛ الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة، لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل، قاله الحافظ في "القتح" (٢).
١٤٨٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الملك بن محمد بن أيمن) تقدم ذكره في "باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام"، وقال الحافظ (٣) في ترجمته: روى له أبو داود حديثًا واحدًا منقطعًا، وضعفه.
قلت: وقد تقدم في الباب المذكور حديثه بهذا السند عن محمد بن كعب القرظي قال: قلت له - يعني لعمر بن عبد العزيز-: حدثني عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث"، فهذا الحديث ثاني
стр. 3544
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عن مُحَمَّدِ بْن كَعْبٍ الْقرَظِىِّ (١)، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
===
أحاديثه، وأما ما ادعى الحافظ من انقطاع السند فلم أقف على وجه انقطاعه، وفي أي محل من السند منقطع.
(عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق)، وقد تقدم ذكره فيما تقدم ذكر عبد الملك، وقال الحافظ في "التهذيب" (٢): له عند أبي داود حديثه عمن حدثه عن محمد بن كعب عن ابن عباس في الصلاة خلف النائم.
قلت: وله عند أبي داود هذا الحديث الثاني أيضًا بعد الحديث المتقدم.
قال الحافظ: وأخرج له الترمذي حديثه عن ابن أبي الزناد بسنده إلى زيد بن ثابت في الاغتسال في الحج، ولم يذكر اسم جده، وقد توقف غير واحد هل الذي أخرج له الترمذي هو الذي أخرج له أبو داود أو غيره، وقال ابن القطان: أجهدت نفسي في التنقب عن حاله فلم أجد أحدًا ذكره، قال: ولا أدري أهو المذكور في حديث النهي عن الصلاة خلف النائم أو غيره، وقال ابن المواق: لا أراه إلَّا إياه، قلت: ويبعد ظنه بعد ما بينهما من الطبقة.
(عمن حدثه) قال في "التقريب" (٣) في المبهمات: عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمد بن كعب يقال: هو أبو المقدام هشام بن زيد، وقال في "تهذيب التهذيب" (٤) في المبهمات: عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه، في محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، الحديث مشهور برواية أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب.
(عن محمد بن كعب القرظي، حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ
стр. 3545
قَالَ: "لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ، مَنْ نَظَرَ في كِتَاب أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ في النَّارِ، وَسَلُوا الله بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا،
===
قال: لا تستروا الجدر) جمع جدار، أي لا تغطوها بالثياب, لأنه زي المتكبرين والمتنعمين.
و(من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه)، قال بعضهم: إنما أراد بالكتاب الذي فيه أمانة، أو شيء يكره صاحبه أن يطلع عليه أحد دون الكتب التي فيها علم، فإنه لا يحل منعه، ولا يجوز كتمانه، وقيل: عام في كل كتاب، لأن صاحب الشيء أولى بماله، وأحق بمنفعة ملكه، وإنما يأثم بكتمان العلم الذي يسئل عنه، فإما أن يأثم في منفعة كتاب عنده وحبسه عن غيره فلا وجه له.
(فإنما ينظر في النار) قال الخطابي (١): هو تمثيل، يقول كما يحذر النار فليحذر هذا الصنيع، إذ كان معلومًا أن النظر إلى النار والتحديق إليها يضر بالبصر، ويحتمل أن يكون أراد بالنظر إليها الدنو منها والصُّلِيُّ بها، لأن النظر إلى الشيء إنما يتحقق عن قرب المسافة والدنو منه، ويجوز أن يكون معناه كأنما ينظر إلى ما يوجب النار، فأضمره في الكلام.
(وسلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها) قال القاري (٢): قال ابن حجر: لأن اللائق لطالب شيء يناله أن يمد كفه إلى المطلوب، ويبسطها متضرعًا ليملأها من عطائه الكثير المؤذن به رفع اليدين إليه جميعًا، أما من سأل رفع شيء وقع به من البلاء، فالسنَّة أن يرفع إلى السماء ظهر كفيه اتباعًا له ﵊، وحكمته التفاؤل في الأول بحصول المأمول، وفي الثاني بدفع المحظور.
стр. 3546
فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ". [ق ٢/ ٢١٢، ك ٤/ ٢٧٠، جه ٣٨٦٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: (١) رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ كُلُّهَا وَاهِيَة،
===
(فإذا فرغتم) أي من الدعاء (فامسحوا بها) أي بأكفكم (وجوهكم) فإنها تنزل عليها آثار الرحمة فتصل بركتها إليها، وقول ابن عبد السلام: لا يسن مسح الوجه بهما، ضعيف، إذ ضعف حديث المسح لا يؤثر لما تقرر أن الضعيف حجة في الفضائل اتفاقًا.
ويخالف هذا الحديث بظاهره ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢) عن أنس "أن نبي الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء، حتى يرى بياض إبطيه".
قال النووي (٣): هذا الحديث يوهم ظاهره أنه ﷺ لم يرفع يديه إلَّا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من "شرح المهذب" (٤)، ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه إلَّا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع، وقد رآه غيره رفع، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بد من تأويله لما ذكرناه، والله أعلم، انتهى.
(قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية)، وقد روى هذا الحديث ابن ماجه (٥): حدثنا محمد بن الصباح، ثنا عائذ
стр. 3547
وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
١٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ قَالَ: قَرَأْتُهُ (١) في أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ- يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ-:
===
ابن حبيب، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ﷺ "إذا دعوت الله الحديث"، وفي سنده صالح بن حسان، وهو ضعيف.
وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" (٢) أيضًا هذا الحديث من طريق وهيب ابن خالد، عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ، الحديث. وفي سنده أيضًا صالح بن حسان (٣).
(وهذا الطريق) الذي أوردناه في الكتاب (أمثلها) قلت: لم أقف على وجه كون هذا الطريق أمثل، فإن فيه من حدثه مع جهالته، فلو كان هذا أبا المقدام فقد ضعَّفوه، حتى قال فيها بن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. (وهو) أي هذا الطريق (ضعيف أيضًا) لأن في سنده مجهولًا.
١٤٨٦ - (حدثنا سليمان بن عبد الحميد) بن رافع، ويقال: ابن سليمان (البهراني) الحكمي، قال أبو حاتم: هو صديق أبي، كتبت عنه، وسمعت منه بحمص، وهو صدوق، وقال النسائي: كذاب ليس بثقه ولا مأمون، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال: قرأته) أي الحديث (في أصل إسماعيل، يعني ابن عياش)، وأصل إسماعيل هو الكتاب الذي جمع فيه مسموعاته، كأنه ليس له رواية عنه، ولكن قرأ في كتابه بخطه، وهذه صورة الوجادة، وهي وجدان الطالب صحيفة مكتوبًا
стр. 3548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيها الأحاديث، وعرفانه أنها مكوبة بخط فلان من غير بينة على هذا، فلا يجوز التحديث بالوجادة إلَّا بشرط الإذن من الشيخ.
قال في "النخبة" (١): وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، وهي أن يجد بخط يعرف كاتبه فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ في إطلاق أخبرني بمجرد ذلك، إلَّا إن كان له منه إذن للرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغلطوا.
وقال السيوطي في "تدريب الراوي" (٢): القسم الثامن من أقسام التحمل: الوجادة، وهي مصدرٌ لِوَجَدَ مُوَلَّدٌ غير مسموع من العرب، وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر، ولم يلقه أو لقيه، ولم يسمع منه، أو سمع منه، لكن لا يرويها الواجد عنه بسماع ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت، أو قرأت بخط قلان أو في كتابه بخطه "حدثنا فلان" ويسوق الإسناد والمتن، أو بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديمًا وحديثًا، وهو من باب المنقطع، ولكن فيه شوب اتصال، وقد تسهل بعضهم فأتى فيها بلفظ "عن" فقال: قال ابن الصلاح: وذلك تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه.
ووقع في "صحيح مسلم" (٣) أحاديث مروية بالوجادة، وانتقدت بأنها من باب المقطوع، وأجاب الرشيد العطار بأنه رواها من طرق أخرى موصولة، قلت: وجواب آخر وهو: أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه.
ثم قال: وأما العمل في الوجاده فنقل عن معظم المحدثين وفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه،
стр. 3549
حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، نَا أَبُو ظَبْيَةَ أَنَّ أَبَا بَحْرِيَّةَ السَّكُونِيَّ
===
وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره، انتهى ملخصًا.
(حدثني ضمضم) بن زرعة، (عن شريح) بن عبيد، (نا أبو ظبية) بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية، ويقال: أبو طيبة بالمهملة وتقديم التحتانية على الموحدة، والأول أصح، السلفي، ثم الكلاعي، الحمصي، شهد خطبة عمر بالجابية، قال العسكري: لا يعرف اسمه، عن ابن معين: ثقة، وعن الأعمش: كانوا لا يعدلون به رجلًا إلَّا رجلًا صحب محمدًا ﷺ .
(أن أبا بحرية) بفتح الموحدة وسكون المهملة وتشديد المثناة التحتانية، عبد الله بن قيس الكندي الحمصي (السكوني) التراغمي، اختلف في ضبطه، قال في "التقريب" (١): بمثناة ثم معجمة، وفي "المغني" (٢): التراغمي بمضمومة وخفة راء وكسر غين معجمة، منسوب إلى تراغم بن كدا، وفي "الخلاصة": اليزاغمي بفتح التحتانية والمعجمة الأولى وكسر الثانية، وفي "الأنساب" (٣): بفتح التاء ثالث الحروف والراء بعدها الغين المكسورة وفي آخرها الميم، نسبة إلى التراغم، ونقل في حاشية "تهذيب التهذيب" عن "لب اللباب" في ترجمة سلمة التراغمي: بفتحتين وكسر المعجمة، نسبة إلى التراغم، بطن من السكون.
وقال في "جامع الأصول" (٤) في ترجمة سلمة بن نفيل (٥): والتراغمي بضم التاء فوقها نقطتان، وتخفيف الراء، وبالغين المعجمة، شهد خطبة عمر بالجابية، وذكر أبو الحسن بن سميع أنه أدرك الجاهلية، وثَّقه ابن معين والعجلي وابن عبد البر، مات زمن الوليد بن عبد الملك.
стр. 3550
حَدَّثَهُ، عن مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ السَّكُونِيَّ ثُمَّ الْعَوْفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِذَا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفكُمْ، وَلَا تَسأَلُوهُ بِظُهُورِهَا".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: لَهُ عِنْدَنَا صُحْبَةٌ - يَعْيي مَالِكَ بْنَ يَسَارٍ -.
١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ, حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ, عَنْ عُمَرَ بْنِ نَبْهَانَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو هَكَذَا بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ وَظَاهِرِهِمَا".
===
(حدثه) أي أبو بحرية أبا ظبية (عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي) صحابي، قال سليمان بن عبد الحميد شيخ أبي داود: لمالك بن يسار عندنا صحبة. وفي نسخة من "السنن": ما لمالك عندنا صحبة بزيادة ما النافية، وقال البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث، ولا أدري له صحبة أو لا، والعوفي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالفاء، كذا في "جامع الأصول".
(أن رسول الله ﷺ قال: إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها) تقدم شرحه (قال أبو داود: قال سليمان بن عبد الحميد: له عندنا صحبة، يعني مالك بن يسار).
١٤٨٧ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا سلم بن قتيبة) مصغرًا، الشعيري بفتح المعجمة، أبو قتيبة الخراساني، نزيل البصرة، قال في "التقريب": صدوق، (عن عمر بن نبهان) بفتح النون وسكون الموحدة، العبدي، ويقال: الغبري بضم المعجمة وفتح الموحدة الخفيفة، البصري، خال محمد بن بكر البرساني، له عند أبي داود في الدعاء ببطون كفيه وظاهرهما، ضعيف، (عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ (١) يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما) أي مرة
стр. 3551
١٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِىُّ, حَدَّثَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ -, حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِى ابْنَ مَيْمُونٍ صَاحِبَ الأَنْمَاطِ -, حَدَّثَنِى أَبُو عُثْمَانَ, عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا». [ت ٣٥٥٦، جه ٣٨٦٥، ك ١/ ٤٩٧، ق ٢/ ٢١١]
١٤٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا وُهَيْبٌ - يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ -،
===
يدعو ويجعل باطن كفيه إلى السماء، وأخرى يجعل ظاهرهما إلى السماء، وهذا الثانية في الاستسقاء، والأولى في غيره.
١٤٨٨ - (حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا عيسى - يعني ابن يونس-، نا جعفر - يعني ابن ميمون صاحب الأنماط -) التميمي، أبو علي، ويقال: أبو العوام، يياع الأنماط، قال في "التقريب": صدوق يخطئ، (حدثني أبو عثمان) النهدي، (عن سلمان) الفارسي (قال: قال رسول الله ﷺ : إن ربكم حيي) فعيل أي مبالغ في الحياء، وفسر في حق الله سبحانه بما هو الغرض والغاية، وغرض الحيي من الشيء تركه والإباء منه، لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان عن تخوف ما يعاب ويذم بسببه، وهو محال على الله تعالى, لكن غايته فعل ما يسر وترك ما يضر، أو معناه عامل معاملة المستحيي (كريم) وهو الذي يعطي من غير سؤال (يستحيي من عبده) المؤمن (إذا رفع يديه إليه) أي للسؤال (أن يردهما صفرًا) بكسر (١) الصاد وسكون الفاء أي خاليتين عن الرحمة، يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، قاله القاري (٢).
١٤٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا وهيب - يعني ابن خالد -،
стр. 3552
حَدَّثَنِى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهُمَا, وَالاِسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ, وَالاِبْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا".
١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, حَدَّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: "وَالاِبْتِهَالُ هَكَذَا, وَرَفَعَ يَدَيْهِ, وَجَعَلَ (١) ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِى وَجْهَهُ".
===
حدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب) الهاشمي المدني، قال في "التقريب": ثقة، (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: المسألة) بحذف المضاف أي أدب السؤال (أن ترفع يديك حَذْوَ منكبيك أو نحوهما) أي قريبًا منهما (والاستغفار) أي أدبه (أن تشير بأصبع واحدة) قال القاري (٢): قال الطيبي (٣): الإشارة بالسبابة سبَّا للنفس الأمَّارة، والشيطان، والتعوذ منهما أدب الاستغفار، وقيده بواحدة، لأنه يكره الإشارة بالأصبعين (والابتهال) أي التضرع والمبالغة في الدعاء في دفع المكروه عن النفس أدبه (أن تمد يديك جميعًا) أي حتى يرى بياض إبطيك.
١٤٩٠ - (حدثنا عمرو بن عثمان، نا سفيان، حدثني عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس بهذا الحديث) المتقدم (قال) سفيان (فيه: والابتهال هكذا، ورفع) رسول الله ﷺ (يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه) أي رفع يديه رفعًا كلِّيًّا حتى يرى بياض الإبطين جميعًا، وصارت كفاه محاذيتين لرأسه، قال الطيبي (٤): أواد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب، فيجعل يديه الترس
стр. 3553
١٤٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ, حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ (١) , عَنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ, فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
١٤٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن حَفْصِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،
===
ليستره عن المكروه، والفرق بين حديث سفيان وحديث وهيب بن خالد أن في حديث وهيب بيان الابتهال بالقول، وفي حديث سفيان بالفعل.
١٤٩١ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا إبراهيم بن حمزة) بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام المدني، أبو إسحاق، قال في "التقريب": صدوق، (نا عبد العزيز بن محمد) الدراوردي، (عن العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن أخيه إبراهيم بن عبد الله) بن معبد بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات" في طبقة أتباع التابعين، وقد أخرج البخاري في "التاريخ" بعد أن روى حديثه عن ميمونة حدث نافع عنه عن ابن عباس عن ميمونة، قال البخاري: ولا يصح فيه ابن عباس، فهذا مشعر لصحة روايته عن ميمونة عند البخاري، وقد علم مذهبه في التشديد في هذه المواطن، قلت: فعلى هذا يكون داخلًا في التابعين.
(عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال، فذكر نحوه)، أي نحو الحديث المتقدم، ولعل الغرض من إيراد هذا السند تأييد حديث خالد بأن فيه تعليمًا قوليًّا.
١٤٩٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة) عبد الله، (عن حفص بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص) الزهري، قال الذهبي في "الميزان" (٢): لا يدرى
стр. 3554
عن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عن أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ".
١٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن مَالِكِ بْنِ مِغْولٍ،
===
من هو، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١): روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، عن قتيبة عنه، وقال رشدين بن سعد: عن ابن لهيعة، عن حفص، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وتابعه يحيى بن إسحاق في الإسناد، لكن قال: عن حبان بن واسع بدل حفص بن هاشم، وحفص مجهول، لم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم، قلت: أظن الغلط فيه من ابن لهيعة, لأن يحيى بن إسحاق السيلحيني من قدماء أصحابه، وقد حفظ عنه حبان بن واسع، وأما حفص بن هشام فليس له ذكر في شيء من كتب التواريخ، ولا ذكر أحد أن لابن عتبة ابنًا يسمى حفصًا، انتهى.
(عن السائب بن يزيد، عن أبيه) هو يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي، صحابي، أسلم يوم الفتح، قال الزهري عن سعيد بن المسيب: ما اتخذ النبي ﷺ قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان في وسط خلافته، قال ليزيد ابن أخت نمر: اكفني بعض الأمور، يعني صغارها واستقضاه.
(أن النبي ﷺ كان إذا دعا) أي أراد الدعاء (فرفع يديه مسح وجهه بيديه) إذا فرغ من الدعاء، قال الطيبي (٢): دل على أنه إذا لم يرفع يديه في الدعاء، لم يمسح، وهو قيد حسن لأنه ﷺ كان يدعو كثيرًا، كما في الصلاة والطواف وغيرهما من الدعوات المأثورة دبر الصلاة، وعند النوم، وبعد الأكل، وأمثال ذلك، ولم يرفع يديه لم يمسح بهما وجهه.
١٤٩٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن مالك بن مغول،
стр. 3555
نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عن أَبيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، أَنّي أشْهَدُ أَنَّكَ (١) أَنْتَ اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ الله بِالاسْمِ الّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ". [ت ٣٤٧٥، جه ٣٤٥٧، ك ١/ ٥٠٤]
===
نا عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة: (أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا) وهو أبو موسى الأشعري كما يدل عليه حديث أحمد في "مسنده" (يقول: اللهُمَّ إني أسألك أني) وفي رواية الترمذي وأحمد "بأني" (أشهد أنك أنت الله لا إله إلَّا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال) رسول ﷺ للرجل: (لقد سألت الله بالاسم) وفي رواية أحمد والترمذي: "والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم" (الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب).
وأخرج الإِمام أحمد هذا الحديث في "مسنده" (٢) مطولًا من طريق عثمان بن عمر، أنا مالك، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرج بريدة عِشاءً، فلقيه النبي ﷺ ، فأخذ بيده فأدخله المسجد، فإذا صوت رجل يقرأ، فقال النبي ﷺ : "تراه مرائيًا؟ "، فأسكت بريدة، فإذا رجل يدعو، فقال: اللَّهُمَّ إنى أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلَّا إنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال النبي ﷺ "والذي نفسي بيده"، أو قال: "والذي نفس محمد بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب"، قال: فلما كان من القابلة خرج بريدة عِشاءً، فلقيه النبي ﷺ ، فأخذ بيده فأدخله المسجد، فإذا صوت الرجل يقرأ، فقال النبي ﷺ : "أتقوله مراء؟ " فقال بريدة: أتقوله مراء يا رسول الله ﷺ ؟ فقال النبي ﷺ : "لا، بل مؤمن منيب، لا، بل مؤمن منيب"، فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب
стр. 3556
١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ، نَا زيدُ بْنُ حُبَابٍ (١)، نَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: "لَقَدْ سَأَلْتَ (٢) اللَّه بِاسْمهِ الأَعْظَمِ". [انظر سابقه]
١٤٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَلَبِيُّ، نَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ،
===
المسجد، فقال رسول الله ﷺ : "إن الأشعري- أو إن عبد الله بن قيس- أعطى مزمارًا من مزامير داود"، فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ فقال: "بلى أخبره"، فأخبرته، فقال: أنت لي صديق، أخبرتني عن رسول الله ﷺ بحديثٍ.
١٤٩٤ - (حدثنا عبد الرحمن بن خالد) بن يزيد القطان الواسطي ثم (الرقي) قال في "التقريب": صدوق، (نا زيد بن حباب، نا مالك بن مغول بهذا الحديث، قال) زيد (فيه: لقد سألت الله باسمه الأعظم) وسيجيء تفصيل الأقوال في اسم الله الأعظم.
١٤٩٥ - (حدثنا عبد الرحمن بن عبيد الله) بن حكيم الأسدي، أبو محمد (الحلبي) الكبير، المعروف يابن أخي الإِمام بحلب، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال أحمد بن إسحاق بن صالح الوزان: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
(نا خلف بن خليفة) بن صاعد الأشجعي مولاهم، أبو أحمد، كان بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدة، ثم تحول إلى بغداد فأقام بها إلى حين وفاته، اختلفوا في أنه هل رأى عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ أم لا؟ قال العجلي: ثقه، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، لكنه خرف فاضطرب عليه حديثه، وقال ابن سعد: أصابه الفالج قبل موته، حتى ضعف وتغير واختلط، وحكى القراب اختلاطه عن ابراهيم بن أبي العباس، وكذا حكاه مسلمة الأندلسي ووثقه، وقال: من سمع منه قبل التغير فروايته
стр. 3557
عن حَفْصٍ - يَعْنِي ابْنَ أَخِي أَنَسٍ -، عن أَنَسٍ: "أَنَّهُ كَانَ مَعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ بَأَن لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ اْلْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى". [ن ١٣٠٠، حم ٣/ ١٥٨، ك ١/ ٥٠٤]
===
صحيحة، وذكر الحاكم في "المدخل" أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد.
(عن حفص، يعني ابن أخي أنس) بن مالك، أبو عمر المدني. قيل: هو ابن عبد الله، أو ابن عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن عمر بن عبد الله، أو عبيد الله بن أبي طلحة، وقيل: ابن محمد بن عبد الله، وقال ابن حبان في "الثقات": حفص بن عبد الله بن أبي طلحة صحب أنسًا إلى الشام، روى له أحمد في "مسنده" عدة أحاديث من رواية خلف بن خليفة عنه عن أنس، قال في بعضها: عن حفص بن عمر، وقال في بعضها: عن حفص ابن أخي أنس، فيترجح أن اسم أبيه عمر، قال الدارقطني: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
(عن أنس) (١) بن مالك: (أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يصلي) قال في "الدرجات": هو أبو عياش الزرقي (٢)، كذا برواية "بتاريخ ابن عساكر" (ثم دعا اللهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان) أي المعطي المنعم، من المن: العطاء، لا من المنة، وكثيرًا ما يرد السنن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (بديع السموات والأرض) أي مبدعها، وهو الخالق المخترع بلا مثال سابق (يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قَيُّوْمُ، فقال النبي ﷺ : لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).
стр. 3558
١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ في هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
===
١٤٩٦ - (حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد) بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصارية الأشهلية، أم سلمى، ويقال: أم عامر، بايعت النبي ﷺ ، وشهدت اليرموك، قلت: ولها ذكر في "صحيح مسلم" (١) في الغسل من الحيض، عن عائشة ﵂ قالت: دخلت أسماء بنت شكل، كذا وقع عنده، وقال الخطيب: هو وهم، والصواب أسماء بنت السكن، وهي بنت يزيد بن السكن، خطيبة الأنصار، وتبع الخطيب على ذلك جماعة، وهو متجه، فقال الحافظ أبو أحمد الدمياطي: ليس في الأنصار من اسمه شكل، ففي "البخاري" (٢) في هذا الحديث بعينه: "أن امرأة من الأنصار سألت"، قلت: وليس الوهم في اسم أبيها من مسلم، وإنما هو ممن فوقه، فقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، وأبو عوانة وأبو نعيم في "مستخرجيهما" عن أبي الأحوص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن صفية، وذكر أسماء بنت شكل جماعة في الصحابة، منهم ابن سعد والباوردي والطبراني وغيرهم، انتهى.
قلت: والذي قال الطبراني والباوردي وابن سعد وغيرهم، لعلهم أخذوها من مسلم وابن أبي شيبة ولم يتنبهوا على هذا التصحيف (٣).
(أن النبي ﷺ قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
стр. 3559
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ "، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿الم * الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ". [ت ٣٤٧٨، جه ٣٨٥٥، دي ٣٣٨٩]
===
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وفاتحة) أي ابتداء (سورة آل عمران ﴿الم* الَّلهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾).
قلت: وخالف محمد بن بكر عيسى بن يونس، فأخرج الإمام أحمد من طريقه (٢): أنا عبيد الله بن أبي زياد، ثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: "إن فيهما اسم الله الأعظم".
قال القاري (٣) وروى الحاكم: "اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه"، قال القاسم ين عبد الرحمن الشامى التابعي: روى أنه قال: لقيت مائة صحابي فالتمستها، أي السور الثلاث، فوجدت أنه الحي القيوم، قال ميرك: وقرره (٤) الإِمام فخر الدين الرازي، واحتج بأنهما يدلان على صفات الربوبية، ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما، وأختاره النووي، وقال الجزري: وعندي أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ونقل الفخر أيضًا عن بعض أرباب الكشف أنه هو، واحتج له بأنه من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لم يقل أنت بل يقول هو، انتهى.
وهنا أقوال أخر في تعيين الاسم الأعظم، منها: أنه رب، أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأبي الدرداء أنهما قالا: اسم الله الأكبر رب رب.
ومنها: الله الله لله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، نقل هذا عن الإِمام زين العابدين أنه رأى في النوم.
стр. 3560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنها: كلمة التوحيد، نقله القاضي عياض عن بعض العلماء.
ومنها: أنه الله، لأنه اسم لم يطلق على غيره تعالى، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيف إليه.
ومنها: الله الرحمن الرحيم، ولعل مستنده ما اْخرجه ابن ماجه عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل، فصلت ودعت: اللهُمَّ إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى ما علمت وما لم أعلم ... إلخ. وفيه أنه ﷺ قال: "إنه هي الأسماء التي دعوت بها"، قلت: سنده ضعيف، وفي الاستدلال بهما لا يخفى.
وقد استوعب السيوطي الأقوال في رسالته، وقيل: إنه مخفي في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة ﵂، وأنكر قوم من العلماء ترجيح بعض الأسماء الإلهية على بعض، وقالوا: ذلك لا يجوز, لأنه يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وأولوا ما ورد من ذلك بأن المراد من الأعظم العظيم، إذ أسماؤه تعالى كلها عظيمة.
قال أبو جعفر الطبراني: اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، وعندي أن الأقوال كلها صحيحة، إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع لمعنى عظيم.
وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الداعي في ثوابه إذا دعا بها، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد الثواب للقارئ.
وقيل: المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقًا، بحيث لا يكون في خاطره وفكره حالتئذٍ غير الله، فإنه يحصل له ذلك معنى ذلك من الإِمام جعفر الصادق ﵁.
стр. 3561
١٤٩٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: سُرِقَتْ مِلْحَفَةٌ لَهَا, فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ سَرَقَهَا, فَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُسَبِّخِى عَنْهُ». [ش ١٠/ ٣٤٨]
===
وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يطلع عليه أحد، وأثبته آخرون، واضطربت أقوالهم في ذلك كما ذكرنا بعضها، انتهى بلفظه.
١٤٩٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن عائشة قال: سرقت ملحفة لها) قال في "القاموس": وككتاب: ما يلتحف به، واللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه كالملحفة (فجعلت تدعو على من سرقها، فجعل النبي ﷺ يقول: لا تسبخي عنه).
ليس غرضه ﷺ بهذا الكلام النهي عن التخفيف وإبقاء كل الإثم على السارق، لأن خلقه ﷺ ورأفته على الأمة ينافي ذلك، بل غرضه ﷺ عفو السارق بالكلية، وكفُّ عائشة ﵂ عن سبِّ السارق، فإن السَبَّ والسرقة توزنان، فإذا كان السبُّ أقلَّ من السرقة بقي شيء من حقها على السارق، وإذا كانت السرقة أقل من السب وزاد السب عليها عاد حق السارق عليها، وإذا تساويا لم يبق لأحدهما حق على الآخر، فلذا أشار رسول الله ﷺ إلى العفو، لأن فيه عظيم الأجر.
وكتب مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رحمه الله تعالى- قوله: "لا تسبخي عنه" إذ لا شك أن سبها يوزن كما توزن سرقة السارق، فما وازاه منه سقط، ولم يكن ذلك تعليمًا لعدم التسبيخ، بل للعفو كلية وإن لم يذكره الراوي، فكأنه نظر لهما معًا. فإن المسروق منه إذا عفا كان أعظم لأجره مما إذا عفا بعد سبه وشتمه، والسارق لعله لا يكفي السب قدر السرقة من الإثم، فيؤاخذ بالآخرة، ولا كذلك إذا عفا عنه بالكلية، فكان ذلك أفيد لهما، انتهى.
стр. 3562
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَا تُسَبِّخِي: (١) لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ.
١٤٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عُمَرَ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى الْعُمْرَةِ, فَأَذِنَ لِى وَقَالَ: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَىَّ مِنْ دُعَائِكَ» , فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِى أَنَّ لِى بِهَا الدُّنْيَا
===
(قال أبو داود: لا تُسَبِّخِي: لا تُخَفِّفِي عنه).
١٤٩٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف. قال عفان: سمعت شعبة يقول: كان عاصم لو قيل له: من بني مسجد البصرة؟ لقال: فلان عن فلان، عن النبي ﷺ أنه بناه.
(عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر) ﵁ (قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة) قال القاري (٢): أي من المدينة، قال ابن حجر: في قضاء عمرة كان نذرها في الجاهلية (فأذن لي) بها (وقال: لا تنسنا) يحتمل نون العظمة وأن يريد نحن وأتباعنا (يا أُخَيَّ) بصيغة التصغير، وهو تصغير تلطف وتعطف، ويروى بلفظ التكبير (من دعائك) فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية، وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة، وتنبيه لهم على أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء، ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم، لا سيما في مظان الإجابة، وتفخيم لشأن عمر ﵁ وإرشاد إلى ما يحمي دعاءه من الرد.
(فقال كلمة) لعل المراد بالكلمة لفظ "يا أُخَيَّ" بالإضافة إلى نفسه الشريفة، أو المراد بالكلمة الكلام الذي ساقه لطلب الدعاء (ما يسرني أن لي بها) أي ببدلها (الدنيا) أي لا يعجبني كون جميع الدنيا لي ببدلها.
стр. 3563
قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُ عَاصِمًا بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ فَحَدَّثَنِيهِ فقَالَ (١): «أَشْرِكْنَا يَا أُخَىَّ فِى دُعَائِكَ». [ت ٣٥٦٢، جه ٢٨٩٤، ق ٥/ ٢٥١]
١٤٩٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: "مَرَّ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعَىَّ فَقَالَ: «أَحِّدْ أَحِّدْ». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ". [ن ١٢٧٣]
(٣٦٠) باب التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى
١٥٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
===
(قال شعبة) قائله سليمان بن حرب: (ثم لقيت عاصمًا بعد بالمدينة فحدثنيه، فقال: أشركنا يا أخي في دعائك) غرضه بهذا الكلام بيان كمال حفظ شعبة وسوء حفظ عاصم، فإنه بدل لفظ لا تنسنا بأشركنا.
١٤٩٩ - (حدثنا زهير بن حرب، نا أبو معاوية) الضرير، (نا الأعمش، عن أبي صالح) السمان، (عن سعد بن أبي وقاص قال: مر عليَّ النبيُّ ﷺ وأنا أدعو) أي (٢) أشير (بأصبعي) قال مولانا محمد يحيى المرحوم عن شيخه ﵀: أي من مسبحتي كلتا يدي لا من يد واحدة (فقال: أَحِّدْ أَحِّدْ) أي أشر بالأصبع الواحدة (وأشار) رسول الله ﷺ (بالسبابة) أي من يده اليمنى، فعلمه التوحيد بالقول وتعيين الأصبع بالفعل.
(٣٦٠) (بَابُ التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى)
١٥٠٠ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني
стр. 3564
عَمْرٌو, أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِى هِلَالٍ حَدَّثَهُ عَنْ خُزَيْمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ, عَنْ أَبِيهَا: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ, وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ,
===
عمرو) بن الحارث بن يعقوب، (أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة) غير منسوب، روى عن عائشة بنت سعد، وعنه سعيد بن أبي هلال، قال في "التقريب" (١): لا يعرف، وقال في "تهذيب التهذيب" (٢): ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "الميزان" (٣): خزيمة لا يعرف عن عائشة بنت سعد، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال، حديثه في التسبيح.
(عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص) الزهرية المدنية، ثقة، عمرت حتى أدركها مالك، ووهم من زعم أن لها رؤية، (عن أبيها) أي سعد: (أنه) أي سعدًا (دخل مع رسول الله ﷺ علي امرأة) لم أقف على تسميتها، ولعلها جويرية زوج النبي ﷺ -أو صفية.
وقال القاري (٤): أي محرم له، أو كان ذلك قبل نزول الحجاب على أنه لا يلزم من الدخول الرؤية، ولا من وجود الرؤية حصول الشهوة.
(وبين يديها نوًى) جمع نواة وهي عظم التمر (أو حصًى) شك من الراوي (تسبح) أي المرأة (به) أي بما ذكره، وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره ﷺ ، فإنه في معناها، إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به، ولا يعتد بقول من عدها بدعة، وقد قال المشايخ: إنها سوط الشيطان، وروي أنه رؤي مع الجنيد (٥) سبحة في يده حال انتهائه، [فسئل عنه؟ ] فقال: شيء وصلنا به إلى الله كيف نتركه؟
стр. 3565
فَقَالَ: "أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا، أَوْ: أَفْضَلُ؟ "
===
(فقال) النبي ﷺ : (أخبرك بما هو أيسر) أي أسهل وأخف (عليك من هذا أو أفضل؟ ) قيل: "أو" للشك من سعد أو ممن دونه، وقيل: بمعنى الواو، وقيل: بمعنى بل، وهو الأظهر، وإنما كان أفضل لأنه اعتراف بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحيى ثناءه، وفي العَدِّ بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء، بل المراد - والله أعلم- أنه أراد ﷺ ترقيها من عالم كثرة الألفاظ والمباني إلى وحدة الحقائق والمعاني.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: وأفضلية هذا على ذاك إنما هو في الكيف لا في الكم، والمقصود منه الإشارة إلى أن الوقت المذكور المصروف في التحميدة والتهليلة والتقديسة المطلقات عن ذكر تلك القيود، ينبغي أن يصرف فيها مقيدة بتلك القيود ليزيد كمه كزيادة كيفه.
قلت: والذي أظن أن ما علمها رسول الله ﷺ أفضل كما وكيفا مما تقول هي بنفسها، فإن الذي علمها رسول الله ﷺ يزيد على ما تقول عددًا، ويزيد أيضًا ببيان صفة الخالقية، فلهذا يكون هذا أفضل من ذاك، نعم الذي تقول بنفسها فيه زيادة باعتبار صرف زيادة الوقت وزيادة المشقة، ولعله تحصل فيها الملالة، فينقص الأجر.
стр. 3566
فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِى السَّمَاءِ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِى الأَرْضِ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ, وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ, وَلَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ». [ت ٣٥٦٨]
١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عن هَانِئِ بْنِ
عُثْمَانَ، عن حُمَيْضَةَ
===
(فقال: سبحان الله عدد ما خلق) فيه تغليب لغير ذوي العقول (في السماء) أي في عالم العلويات جميعها (وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض) أي في عالم السفليات كلها (وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك) أي بين ما ذكر من السماء والأرض، وهو الهواء والطير والسحاب وغيرها (وسبحان الله عدد ما هو خالق) أي خالقه فيما بعد ذلك، وقيل: ما هو خالق له من الأزل إلى الأبد، والمراد الاستمرار.
(والله أكبر مثل ذلك) أي مثل ما تقدم في القرائن السابقة، فيكون التقدير: الله أكبر عدد ما خلق في السماء، والله أكبر عدد ما خلق في الأرض، والله أكبر عدد ما خلق بين ذلك، والله أكبر عدد ما هو خالق، وليس المراد أن تقول في تسبيحها لفظ مثل ذلك.
(والحمد الله مثل ذلك) أي على هذا المنوال، (ولا إله إلَّا الله مثل ذلك) أي على هذا الحال، (ولا حول ولا قوة إلَّا بالله مثل ذلك) أي مثل ما تقدم، والأظهر أن هذا من اختصار الراوي، فنقل آخر الحديث بالمعنى خشية الإطالة، ويدل عليه بعض الآثار.
١٥٠١ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود) الخريبي، (عن هانئ بن عثمان) الجهني، أبو عثمان الكوفي، روى عن أمه حميضة بنت ياسر، عن يسيرة في فضل عقد التسبيح بالأنامل، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن حميضة) بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية، وفتح الضاد المعجمة
стр. 3567
بِنْتِ يَاسِرٍ, عَنْ يُسَيْرَةَ أَخْبَرَتْهَا: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ, وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ, فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ". [ت ٣٥٨٣، حم ٦/ ٣٧٠]
===
(بنت ياسر) بمثناة تحتية وسين مهملة، روت عن جدتها يسيرة، وعنها ابنها هانئ بن عثمان، ذكرها ابن حبان في "الثقات".
(عن يسيرة) بضم المثناة التحتية ثم سين مهملة مفتوحة ثم تحتية ثم راء ثم تاء التأنيث، ويقال: أسيرة بالهمزة في أوله بدل الياء، بنت ياسر (١)، ويقال: أم ياسر، وكانت من المهاجرات، وقيل: من الأنصار، ذكرها ابن سعد في النساء الغرائب من غير الأنصار، وقال ابن حبان وابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر: كانت من المهاجرات.
قلت: وقد أخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (٢) من طريق محمد بن بشر، ثنا هانئ بن عثمان، عن أمه حميضة بنت ياسر، [عن جدتها يسيرة]- وكانت من المهاجرات - قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل" الحديث.
(أخبرتها: أن النبي ﷺ أمرهن) أي النساء المؤمنات (أن يراعين) أي يحافظن ويعددن (بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل) في تعدادهن (فإنهن) أي الأنامل (مسؤولات مستنطقات) أي يسأل عنهن، ويتكلمن بخلق النطق فيها، فيشهدن لصاحبها أو عليه بما اكتسبه بهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) الآية.
стр. 3568
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ فِى آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَثَّامٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ - قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: - (١) بِيَمِينِهِ". [ت ٣٤١٠، ن ١٣٤٨، جه ٩٢٦]
١٥٠٣ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آل طَلْحَةَ,
===
١٥٠٢ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن قدامة في آخرين) أي حال كونهما داخلين في شيوخ آخرين (قالوا: نا عثام) بن علي بن هجير بجيم مصغرًا، ابن بجير العامري الكلابي، أبو علي الكوفي، قال في "التقريب" (٢): صدوق، وقال في "تهذيب التهذيب" (٣): وثَّقه أبو زرعة وابن سعد والدارقطني والبزار، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن الأعمش، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح) أي يعقد الأنامل بالتسبيح (قال ابن قدامة) الشيخ الثاني لأبي داود: (بيمينه) أي بيده اليمنى، زاد هذا اللفظ ابن قدامة ولم يذكره عبيد الله.
١٥٠٣ - (حدثنا داود بن أمية، نا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي التيمي (مولى آل طلحة) كوفي، عن ابن معين: ثقة، وقال الترمذي وأبو علي الطوسي ويعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود: صالح الحديث.
стр. 3569
عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِ جُوَيْرِيَةَ - وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ, فَحَوَّلَ اسْمَهَا - فَخَرَجَ (١) وَهِىَ فِى مُصَلَّاهَا, وَرَجَعَ (٢) وَهِىَ فِى مُصَلَّاهَا, فَقَالَ: «لَمْ (٣) تَزَالِى فِى مُصَلَّاكِ هَذَا؟ » , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: «قَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ
===
(عن كريب، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ من عند جويرية) أي بكرة حين صلَّى الصبح كما عند مسلم (وكان اسمها برة فحول اسمها) وسماها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية (٤)، سباها رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع، وتزوجها، وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية، وكره أن يقال: خرج من عند برة.
قال ابن سعد في "الطبقات" (٥) بسنده: عن أبي قلابة: أن النبي ﷺ سبى جويرية، فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا تسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: أرأيت إن خَيَّرتها أليس قد أحسنت؟ قال: بلى، فأتاها (٦) أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: قد اخترت رسول الله ﷺ .
(فخرج) رسول الله ﷺ من عندها (وهي في مصلاها) أي في محل صلاتها التي صلت فيه الصبح (ورجع) رسول الله ﷺ إليها بعد أن أضحى وارتفع النهار (وهي في مصلاها) تسبح (فقال: لم تزالي) أي ما زلت (في مصلاك هذا؟ ) بتقدير الاستفهام (قالت: نعم، قال) رسول الله ﷺ : (قد قلت بعدك) أي بعد ما خرجت من عندك (ربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت) بصيغة
стр. 3570
بِمَا قُلْتِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَى نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ". [م ٢٧٢٦، ت ٣٥٥٥، ن ١٣٥٢، جه ٣٨٠٨]
===
المجهول أي قوبلت (بما قلت) أي بجميع ما قلت من الذكر من أول الصبح إلى هذا الوقت (لوزنتهن) أي لترجحت تلك الكلمات على جميع أذكارك، وزادت عليهن بالأجر والثواب، أو لساوتهن، يقال: هذا يزن درهمًا أي يساويه (١).
(سبحان الله وبحمده) أي وبحمده أحمده (عدد خلقه) أي قدر عدد خلقه (ورضى نفسه) أي أسبح وأحمد بقدر ما يرضيه خالصًا مخلصًا له، فالمراد بالنفس ذاته (وزنة عرشه) أي أسبحه وأحمده بقدر ثقل عرشه أو بمقدار عرشه (ومداد كلماته) أي مثلها في العدد أو عدم النفاد، والمداد بكسر الميم مصدر مثل المدد، وهو الزيادة والكثرة، أي بمقدار ما يساويها بمعيار قيل أو وزن أو ما أشبهه من وجوه الحصر، وهذا تمثيل يراد به التقريب، لأن الكلام لا يدخل في الكيل، وكلماته تعالى هو كلامه وصفته لا تعد ولا تنحصر، فإذا المراد المجاز مبالغة في الكثرة، لأنه ذكر أولًا ما يحصره العد الكثير من عدد الخلق، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم منه، أي ما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله.
سياق أبي داود لهذا الحديث يخالف سياق مسلم وغيره، فإن سياقه يدل على أنه من مسانيد ابن عباس، وسياق مسلم وغيره يدل على أنه من مسانيد جويرية.
ففي "مسلم" (٢) عن ابن عباس من طريق سفيان بهذا السند، عن ابن عباس عن جويرية: أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة، الحديث.
وعند الترمذي (٣) والنسائي من طريق شعبة بسنده، عن ابن عباس عن جويرية بنت الحارث: أن النبي ﷺ مَرَّ عليها وهي تسبح.
стр. 3571
١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ, حَدَّثَنِى حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَائِشَةَ, حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ, يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى, وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ, وَلَهُمْ
===
وفي "مسند الحسن بن سفيان" عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة بسند مسلم، عن ابن عباس قال: قالت جويرية بنت الحارث: خرج النبي ﷺ وأنا في مصلاي، فرجع حين تعالى النهار، الحديثا، ذكر الحافظ جميع السياقات في "الإصابة" (١).
١٥٠٤ - (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة) المدني، مولى بني أمية، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال: سألت أبي عنه فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثني أبو هريرة قال: قال أبو ذر: يا رسول الله) ﷺ (ذهب أصحاب الدثور) (٢) أي الأموال الكثيرة (بالأجور) أي بالأجور الكثيرة (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم
стр. 3572
فُضُولُ (١) أَمْوَالٍ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا, وَلَيْسَ لَنَا مَالٌ نَتَصَدَّقُ بِهِ (٢) , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تُدْرِكُ بِهِنَّ مَنْ سَبَقَكَ وَلَا يَلْحَقُكَ مَنْ خَلْفَكَ إلَّا مَنْ أَخَذَ بِمِثْلِ عَمَلِكَ؟ » , قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «تُكَبِّرُ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَتَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَتُسَبِّحُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَتَخْتِمُهَا بِلَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ, غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ, وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». [دي ١٣٥٣، حم ٢/ ٢٣٨]
===
فضول أموال) أي أموال فاضلة (يتصدقون بها) أي بالأموال الفاضلة (وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تدرك بهن) أي بسبب قراءة تلك الكلمات (من سبقك ولا يلحقك من خلفك إلَّا من أخذ بمثل عملك؟ ) فيعمل به (قال: بلى يا رسول الله) علمنيها.
(قال) رسول الله ﷺ : (تكبر الله دبر) أي خلف (كل صلاة) من الصلوات المكتوبات (ثلاثًا وثلاثين) (٣) مرة (وتحمده ثلاثًا وثلاثين) مرة (وتسبحه ثلاثًا وثلاثين) مرة (وتختمها) أي الكلمات (بلا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) مرة واحدة (غفرت له) أي لمن قال تلك الكلمات بعد الصلوات (ذنوبه ولو كانت) الذنوب كثيرًا (مثل زبد البحر).
قال في "اللسان": زَبَدُ الماءِ والجِرَّةِ واللُّعابِ: طُفاوته وقذاه، والمراد بالذنوب الصغائر.
стр. 3573
(٣٦١) بابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ
١٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَىُّ شَىْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَأَمْلَاهَا الْمُغِيرَةُ عَلَيْهِ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ, اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ, وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ, وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». [خ ٨٤٤، م ٥٩٣، ن ١٣٤١]
===
(٣٦١) (بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ (١) إِذَا سَلَّمَ)
أي: ما يقول من الدعاء إذا سلم وفرغ من الصلاة
١٥٠٥ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن وراد مولى المغيرة بن شعبة) وكاتبه، (عن المغيرة بن شعبة: كتب معاوية) الظاهر أنه كتب من الشام (إلى المغيرة بن شعبة) لعله كتب إليه حين كان واليًا على الكوفة من جهة معاوية (أي شيء) أي دعاء (كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلم من الصلاة؟ فأملاها) أي الدعاء والكلمات، والإملاء أن تلقى على الكاتب فيكتب (المغيرة عليه) أي على وراد (وكتب) أي أمر بالكتابة (إلى معاوية قال: كان رسول الله ﷺ يقول) عقب الصلاة: (لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد)، زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة: "يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير"، (وهو على كل شيء قدير، اللهُمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
стр. 3574
١٥٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ, عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ (١) ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ,
===
قال الحافظ في "الفتح" (٢): قال الخطابي: الجد الغنى ويقال: الحظ، قال: و"من" في قوله: "منك" بمعنى البدل، قال الشاعر: فليت لنا من ماء زمزم شربة أي: بدل ماء زمزم، انتهى، وفي "الصحاح" معنى "منك" ههنا عندك، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح، وقال ابن التين: الصحيح [عندي]، أنها ليست بمعنى البدل ولا عند، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء، ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى عند، أو فيه حذف، تقديره: من قضائي أو سطوتي أو عذابي، وحكى الراغب أن المراد به ههنا أبو الأب، أي لا ينفع أحدًا نسبه، انتهى.
والجد مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، قال القرطبي: حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواها بالكسر، وقال: والمعنى لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري. قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظه منك، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك، انتهى.
١٥٠٦ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا ابن علية) إسماعيل، (عن الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير) محمد بن مسلم (قال: سمعت عبد الله بن الزبير على المنبر يقول: كان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة) أي المكتوبة (يقول: لا إله إلَّا الله وحده) في الألوهية (لا شريك له)
стр. 3575
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ, لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ, أَهْلُ النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ, لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». [م ٥٩٤، ن ١٣٣٩]
١٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدَةُ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُهَلِّلُ (١) فِى دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ, فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الدُّعَاءِ زَادَ فِيهِ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ, لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا نَعْبُدُ إلَّا إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ ...................... ». وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ [انظر سابقه]
===
لا في الذات ولا في الصفات (له الملك وله الحمد) أولًا وآخرًا (وهو على كل شيء قدير) من الإيجاد والإعدام، (لا إله إلَّا الله) ولا نعبد إلَّا، إياه، إذ لا يستحق العبادة أحد سواه (مخلصين) أي نعبده مخلصين (له الدين) الطاعة (ولو كره الكافرون، أهل النعمة) بالرفع أي أنت، وبالنصب مفعول لأعبد أو أمدح (والفضل والثناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون).
١٥٠٧ - (حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، نا عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٧ هـ، وقيل بعدها، (عن هشام بن عروة، عن أبي الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير يهلل) أي يدعو بالتهليل (في دبر كل صلاة) من الصلوات المكتوبة، أو كل صلاة سواء كانت مكتوبة أو نافلة (فذكر) أي هشام (نحو هذا الدعاء) في الحديث المتقدم (زاد) هشام (فيه) أي في حديثه: (ولا حول) أي لا تحول عن معصية الله (ولا قوة) على طاعة الله (إلَّا بالله، لا إله إلا الله لا نعبد إلَّا إياه، له النعمة) كلها (وساق بقية الحديث) وهي قوله: والفضل والثناء الحسن إلى خاتمة الدعاء.