. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حماد بن سلمة: وخالفه حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه موقوفًا غير مرفوع، وكذلك رواه إسماعيل بن علية [عن عاصم بن المنذر] عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفًا أيضًا، انتهى. فعُلِم بهذا أن هذه العبارة الموجودة في بعض النسخ معناها صحيح.
وحاصل المعنى: أن عاصم بن المنذر روى عنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد هذا الحديث، فرفعه حماد بن سلمة، ووقفه حماد بن زيد، فاختلف الحمادان في رفعه ووقفه، والدارقطني قوى الرواية الموقوفة برواية إسماعيل بن علية، فالظاهر أن كونه موقوفًا أقوى من المرفوع، فالعجب من الذين يحكمون على هذا الحديث بالصحة من المحدثين، كيف يحكمون عليه بكونه صحيحًا على خلاف أصولهم؟ فإن الصحة درجة رفيعة لا يبلغها، إلَّا بعد تحقق جميع أجزائها وشروطها، وهو بعد في حيز المنع، كما سبقت الإشارة إليه، ولو سُلّم فكم من حديث بلغ درجة الصحة لا يكون موجباً للعمل، إلَّا بعد ارتفاع الموانع، مثلًا لو كان الحديث منسوخًا أو مجملًا وإن كان صحيحًا لا يوجب العمل.
ووجه مناسبة الحديث بترجمة الباب بأنه ﷺ سئل عن الماء وعما ينوبه من الدواب والسباع، فهذا يدل على أن دخول الدواب في الماء يُنَجّسُه, لأنها تبول فيه غالبًا، وأيضًا تكون أكارعها ملطخةً بالبول، وكذلك السباع إذا وردت الماء وشربت فسؤرها نجس , فدل هذا الحديث أن هذه تُنَجِّسُ الماء، فإنه ورد السؤال عنها، وخرج عن جوابه ﷺ بطريق المفهوم أن الماء إذا خالطه هذه الأشياء وكان أقل من قلتين ينجس , والله أعلم بالصواب.
стр. 387
(٣٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ
٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَليدِ بْنِ كَثيرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عن عُبَيدِ الله بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ,
===
(٣٤) (بَابُ مَا جَاءَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ)
أي في طهارة مائها وعدم تنجسها بما يلقى فيها من النجاسات الغليظة
٦٦ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب، (والحسن بن علي) الخلال، (ومحمد بن سليمان الأنباري) (١) أبو هارون بن أبي داود، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق، وقال في "تهذيب التهذيب": قال الخطيب: كان ثقة، وقال مسلمة: ثقة، وقال الحضرمي: مات سنة ٢٣٤ هـ.
(قالوا) أي الثلاثة المذكورة: (حدثنا أبو أسامة) حماد، (عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد القرظي، أبو حمزة المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، قال البخاري: كان أبوه ممن لم ينبت من سبي قريظة، فخلي سبيله، ثقة عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي ﷺ ، مات سنة ١٢٠ هـ، وقيل: كان يقصُّ في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة تحت الهدم سنة ١١٨ هـ.
(عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج) ذكره الحافظ في
стр. 388
عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ
===
عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ويقال: ابن عبد الله (١) هو راوي "حديث بئر بضاعة" مستور، هكذا في "التقريب".
وقال في "تهذيب التهذيب" (٢) في ذكر عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري: وقيل: عبيد الله بن عبد الله، وقيل: عبد الله، وقيل: إنهما اثنان، ثم قال: قلت: قال ابن القطان الفاسي: في هذا الرجل خمسة أقوال، فذكر الثلاثة، وزاد ما ذكره البخاري عن يونس بن بكير: عبد الله بن عبد الرحمن، فهذا قول رابع، والخامس قاله محمد بن سلمة عن ابن إسحاق: عبد الرحمن بن رافع، ثم قال: وكيف ما كان، فهو من لا يعرف له حال، وقال ابن منده: عبيد الله بن عبد الله بن رافع مجهول، نعم صحح حديثه أحمد بن حنبل وغيره، وقد نص البخاري على أن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم.
(عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ (٣) من بئر بضاعة) بضم الباء وأجيز كسرها، وحكي أيضًا بالصاد المهملة، وهي بئر معروفة بالمدينة، قاله ابن الملك، وقال الطيبي نقلاً عن التوربشتي: بضاعة (٤) دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة
стр. 389
وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْم الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟
===
يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم "علي القاري" (١).
(وهي بئر (٢) يطرح) على صيغة المجهول، يجوز فيه التذكير والتأنيث، أي يلقى كما في رواية (فيها الحِيَضُ) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيضة، بكسر الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض أو تستثفرها (ولحم الكلاب).
قال الطيبي (٣): ووجه معنى "يلقى فيها" أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل أن ينزل فيها أهل البادية، فيلقي تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فيكسحها السيل فيلقيها في البئر، فَعَبَّر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا بما لا يجوّزه مسلم، فأنَّى يظن (٤) ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم "قاري" (٥) , وقيل: كانت الريح تلقيها بها أو يفعله (٦) المنافقون "مرقاة الصعود".
(والنتن) بفتح النون وسكون التاء وتكسر، وهي الرائحة الكريهة، والمراد بها ها هنا الشيء المنتن، كالعذرة والجيفة، وكان الماء كثيرًا سيَّالًا يجري بها , ولكثرته لا يؤثر به ذلك ولا يغيره، فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة.
стр. 390
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَئٌ". [ن ٣٢٧، ت ٦٦، حم ٣/ ١٥، قط ١/ ٣٠، ق ١/ ٤]
===
(فقال رسول الله ﷺ : الماء) قيل: الألف واللام للعهد الخارجي، فتأويله أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم كلي، كما قاله الإِمام مالك (طهور) أي طاهر مطهر لكونه جاريًا في البساتين، و (لا ينجسه (١) شيء) (٢) أي ما لم يتغير بدليل الإجماع على نجاسة المتغير، فما جاء في بعض الطرق أنه كان كنُقاعة الحِنَّاء، محمول على لون جوهر مائها.
فإن قيل: لِمَ لم يجبهم بنعم حين قالوا: أنتوضأ؟ قلنا: لأنه يصير مقيدًا بحال الضرورة وليس كذلك، وأيضًا فإنه يفهم من الاقتصار على الجواب بنعم أنه إنما يتوضأ به فقط، ولا يَتَطَهَّرُ به لبقية الأحداث والأنجاس، "نيل" (٣).
والحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه، سواء كان قليلاً أو كثيرًا ولو تغيرت أوصافه أو بعضها , لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة يتنجس , فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلاً إلَّا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس وأبو هريرة
стр. 391
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ رَافِعٍ.
===
والحسن البصري وابن المسيب وداود الظاهري ومالك، وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وابن حنبل وإسحاق إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه، واختلفوا في حد القليل الذي يجب صونه عن وقوع النجاسة فيه، فقيل ما ظن استعمالها باستعماله؛ وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ (١) -.
قال القاري (٢): وأغرب ابن حجر في قوله: أخذ مالك بعموم هذا، يلزم عليه إلغاء العمل بمفهوم حديث القلتين مع عدم المسوغ لذلك.
قلت: المسوغ له أنه لم يقل بالمفهوم، كما هو قول أئمتنا، ثم قوله وقول أبي حنيفة: إن الماء يتنجس مطلقًا إلَّا إذا عظم بحيث لا يتحرك طرفه بتحرك طرفه الآخر، مخالف لهذا الحديث ولمنطوق حديث القلتين لا يضر، إذ ما خالفهما إلَّا وقد ثبت عنده ما يوجب مخالفتهما، وقد تقدمت علة القلة، وعلة الامتناع عن الأخذ بعموم هذا الحديث مشتركة بين أبي حنيفة والشافعي - رحمهما الله- انتهى.
(قال أبو داود (٣): وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع)، غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف الواقع بين الرواة في عبيد الله بن عبد الله بن رافع، فقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ومرَّ تحقيقه في السند، فما قال
стр. 392
٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْب وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ,
===
بعضهم: عبد الرحمن بن رافع كما يقول المصنف، يحتمل (١) أن يكون معناه أن بعضهم يقول: عبد الرحمن بن رافع مكان عبد الله بن رافع والد عبيد الله كما هو قول ثان في والد عبيد الله من قولين: أحدهما عبد الله والثاني عبد الرحمن، والاحتمال الثاني أن يكون معنى قول بعضهم: عبد الرحمن بن رافع، مكان عبيد الله بن عبد الله بن رافع، كما هو قول خامس على ما نقله الحافظ في "تهذيب التهذيب"، فحينئذ يتوجه إليه قول البخاري: إن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم، والراجح هو الاحتمال الأول كما يسوق المصنف ذلك السند، فيقول: حدثنا أحمد بن أبي شعيب ... إلخ.
٦٧ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب)، هو أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب مسلم الحراني، أبو الحسن، مولى قريش، ثقة، مات سنة ٢٣٣ هـ، فما قال فيه بعضهم: أحمد بن سعيد الحراني صوابه ابن أبي شعيب.
(وعبد العزيز بن يحيى) بن يوسف البكائي مولاهم، أبو الأصبغ الحراني، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: ثقة، قال الحافظ في "التهذيب": قلت: ذكر عبد الغني أن البخاري روى عنه في "كتاب الضعفاء" مات سنة ٢٣٥ هـ (الحرَّانيان قالا) أي أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز: (حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو عبد الله الحراني، وثقه كثيرون، وقال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، مات سنة ١٩١ هـ على الصحيح.
стр. 393
عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِعٍ الأَنْصَاريّ ثُمَّ الْعَدَوِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّه ﷺ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ
===
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن سليط) بفتح أوله وكسر اللام (ابن أيوب) بن الحكم الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، أخرج له أبو داود والنسائي في قصة بئر بضاعة، قال الحافظ: مقبول، من السادسة.
(عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي) منسوب إلى جد أبيه عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن حارث بن الخزرج بن عمر بن مالك بن أوس، ولكن لم يشتهر عدوي بتلك النسبة، فإنه قال السمعاني في "الأنساب" (١): العدوي بفتح العين والدال المهملتين، هذه النسبة إلى خمسة رجال.
ثم قال: والثالث: عديُ الأنصارِ، منهم حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري (٢) من بني عدي بن النجار، شهد بدرًا، وحارثة بن سراقة من بني عدي بن النجار، فهذا يرشدك أن المشهور الذي في الأنصار هو المنسوب إلى عدي النجار، ولهذا لم يقل أحد ممن ضبط أسماء الرجال لعبيد الله ولا لرافع بن خديج العدوي إلَّا أبو داود.
(عن أبي سعيد الخدري قال) أي أبو سعيد: (سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له) أي في حال يسأل عنه، فالجملة حالية: (إنه يُستقى لك)
стр. 394
مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ! - وَهِيَ بِئْر يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَاب وَالْمَحَائِضُ وَعِذَرُ النَّاسِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ" [حم ٣/ ٨٦، ق ١/ ٢٥٧، قط ١/ ٣٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سعيدٍ قَالَ: سَألْتُ قَيِّمَ بِئْرِ
===
أي يطلب السقي لك (من بئر بضاعة و) الحال (هي) أي بئر بضاعة (بئر يلفى فيها لحوم الكلاب والمحائض) جمع محيض، والمراد به خرق الحيض الملطخة بالدم (وعِذر الناس) بفتح عين وكسر ذال فراء، وروي بكسر عين وفتح ذال، أي: غائطُهم، تلقيها الرياح أو السيل، فإنه كان بمنخفض من المكان ومنحدر السيل.
(فقال رسول الله ﷺ : إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والمراد من الماء ماء بئر بضاعة؛ لأن السؤال وقع عن مائها لا ينجسه شيء بما يلقى فيها من لحوم الكلاب والمحائض وعذر الناس، ولا يمكن أن يكون الحكم على عمومها بأن الماء مطلقًا قليلاً كان أو كثيرًا طاهر ومطهر لا ينجسه وقوع شيء، سواء كان مغيرًا لأوصافه أو غير مغير؛ لأنه أجمعت الأمة على أن الماء قليلاً كان أو كثيرًا إذا تغير أحد أوصافه بوقوع النجاسة يتنجس.
ومحال عند العقل أن تلقى في البئر تلك النجاسات الكثيرة، ولا يتغير أحد أوصاف الماء، ويستحيل أيضًا أن يشرب من مثل ذلك الماء من في طبعه أدنى نظافة فضلاً عنه ﷺ الذي بلغ من النظافة واللطافة في أعلى المرتبة، فيجب تأويلها بما قاله العلماء من أنه يلقي فيها السيل تلك النجاسات ثم تخرج منها، فليس فيه حجة لأحد من المالكية والشافعية؛ لأنه يزيد على القلتين فلم يتنجس.
(قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم (١) بئر
стр. 395
بُضَاعَةَ عن عُمْقِهَا، فَقُلْتُ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ؟ قَالَ: إِلَى الْعَانَةِ. قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدَّرْتُ أَنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي: مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُع، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا،
===
بضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال) أي القيم: (إلى العانة) أي منبت الشعرة تحت السرة، (قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة).
لعل غرض المصنف بذلك بيان أن بئر بضاعة لما حكم بطهارة مائها مع وقوع تلك النجاسات فيها ثم لم يأمر النبي ﷺ بإخراج مائها ثبت أن الماء لا ينجسه شيء، ثم لما أجاب البعض عنه يكون مائها جاريًا في البساتين والنخلات وقالوا: إن عدم تنجسها لكونها جارية لا لأن الماء بإطلاقه لا ينجسه شيء، أراد أبو داود دفعه بأن الماء فيها كان إلى العانة أو إلى دون العورة، فكيف يحكم عليه بالجريان، ومما ينبغي أن يتنبه عليه أن الجريان لا يستلزم كونها نهرًا، بل الجريان بكثرة النزع من البئر، كما هو في سقي الأشجار أيضًا جريان، وكذلك كثيرًا ما يكون في داخل البئر مدخل الماء، ومخرجه، كما هو مشاهد في "بئر أريس"، فيجري الماء فيها.
(قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي: مددته) أي الرداء (عليها) أي على البئر (ثم ذرعته) أي الرداء، قال في "القاموس": وذرع الثوب كمنع: قَاسَه (فإذا عرضها) أي البئر (ستة أذرع) جمع ذراع بالكسر، من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (وسألت الذي فتح لي باب البستان) الذي فيه البئر (فأدخلني إليه) أي إلى البستان (هل غُيِّرَ بناؤها) أي بناء البئر (عماكانت عليه؟ قال: لا).
стр. 396
وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغِيِّرَ اللَّوْنِ.
(٣٥) بَابُ الْمَاءِ لَا يُجْنِبُ
===
لعل غرضه بهذا الكلام بيان أن المصنف رأى بئر بضاعة ومسحها بردائه ثم ذرعه، فإذا عرضها ستة أذرع وهي باقية على ما كانت عليه في زمان رسول الله ﷺ ولم تغير عن حالها، وماؤها يزيد على قلتين، فلأجل ذلك حكم رسول الله ﷺ بعدم تنجسها بوقوع النجاسات.
قال أبو داود: (ورأيت فيها ماء متغير اللون) (١)، ولعل وجه التغير أنها بقيت معطلة عدة أيام لم يخرج منها الماء، ولم يسق منها الأشجار، أو تغير لون الماء بوقوع أوراق الأشجار فيها من البستان، والله أعلم.
(٣٥) (بَابُ الْمَاءِ لا يُجْنِبُ)
هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وعليها علامة النسخة، فيعلم منه أن هذا الباب ليس في بعض النسخ، ويقال: أجنب يجنب، والجنابة الاسم، وهي في الأصل البعد، والجنب يبعد مواضع الصلاة، ثم استعمل في النجاسة؛ لأنها يبعد ويجتنب عنها فلا تستعمل (٢).
стр. 397
٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاك، عن عِكْرِمَةَ,
===
٦٨ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص) سلام (١) بن سليم الحنفي مولاهم، الكوفي، الحافظ، وثقه العجلي وابن معين وأبو زرعة والنسائي، مات سنة ١٧٩ هـ.
(قال: حدثنا سماك) (٢) بكسر أوله وتخفيف الميم، ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما يلقن، وكان شعبة يضعفه، والثوري يضعفه بعض الضعف، وقال زكريا بن عدي عن ابن المبارك: سماك ضعيف، وقال صالح جزرة: يضعف، وقال ابن خراش: في حديثه لين، مات سنة ١٢٣ هـ.
(عن عكرمة) (٣) البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس، أصله من البربر، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة لعلي، اختلف الناس في جرحه وتعديله، فبعضهم رموه بالكذب، وبعضهم رموه برأي الخوارج، ووثقه آخرون، قال ابن منده في "صحيحه": أما حال عكرمة في نفسه فقد عدله أمة من علماء التابعين فمن بعدهم، وحدثوا واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاث مئة رجل من البلدان، منهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد (٤) من التابعين
стр. 398
عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأ مِنْهَا - أَوْ يَغْتَسِلَ - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي كُنْتُ
===
على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يتلقى حديثه بالقبول، ويحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح، وميَّزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، وأخرجوا روايته، وهم البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به.
ثم قال الحافظ: قال أبو عبد الله: وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعدلوه، قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل غير جرحه، مات سنة ١٠٧ هـ.
(عن) عبد الله (بن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ ) هي ميمونة (١) خالة ابن عباس (في جفنة) بفتح الجيم، قصعة كبيرة، أي مدخلة يدها فيها تغترف (٢) منها (فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل) شك من الراوي (٣) (فقالت) ميمونة (له: يا رسول الله، إني كنت
стр. 399
جُنُبًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِب". [ت ٦٥، جه ٣٧٠ - ٣٧١، ك ١/ ١٥٩، حم ١/ ٢٣٥، ق ١/ ١٨٨]
===
جنبًا) (١) أي واغتسلت بهذا الماء، وهو فضلة يدي (فقال رسول الله ﷺ : إن الماء لا يُجْنِب) بضم الياء وكسر النون، ويجوز فتح الياء وضم النون، أي لا يصير جنبًا، احتج (٢) به على طهورية الماء المستعمل، وأجيب بأنها اغترفت منه ولم تنغمس، إذ يبعد إلاغتسال داخل الجفنة عادة، و"في" بمعنى "من"، فيستدل به على أن المحدث إذا غمس يده في الإناء للاغتراف من غير نية رفع الحدث عن يده لا يصير مستعملاً.
قلت: الغالب أنها - رضي الله تعالى عنها - غسلت يدها قبل إدخالها الجفنة، كما كان رسول الله ﷺ يفعله، ولا دليل على أنها أدخلت يدها قبل الغسل، فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وحديث حميد: "نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة"؟ قلت: هذا الحديث يدل على الجواز، وذلك على ترك الأولى للتنظيف (٣).
стр. 400
(٣٦) باب الْبَوْلِ فِى الْمَاءِ الرَّاكِدِ
٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ
===
(٣٦) (بَابُ الْبَوْلِ في الْمَاءِ الرَّاكِدِ) أي الذي لا يجري
٦٩ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال) أي أحمد: (ثنا زائدة) ابن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، قال أحمد: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تُبال أن لا تسمعه عن غيرهما إلَّا حديث أبي إسحاق، قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم غازيًا سنة ١٦١ هـ.
(في حديث (١) هشام) مراد المصنف بذلك بيان أن زائدة له شيوخ، فيقول تلميذه أحمد بن يونس: حدثنا زائدة في الأحاديث التي رواها عن شيخه هشام، وهو هشام بن حسان الأزدي القردوسي بضم القاف والدال، أبو عبد الله البصري، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما، وكان شعبة يتكلم في حفظه، وقال ابن معين: كان يتقي حديثه (٢)، وقال ابن المديني: كان القطان يضعف حديثه عن عطاء، وكان أصحابنا يثبتونه. قال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء, لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب، مات سنة ١٤٨ هـ.
(عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
стр. 401
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». [خ ٢٣٩، م ٢٨١، ت ٦٨، ن ٥٨، جه ٣٤٣]
===
البصري، ثقة ثبت كبير القدر إمام وقته، لا يرى الرواية بالمعنى، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، ومات وهو ابن ٧٧ سنة، مات سنة ١١٠ هـ.
(عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا يبولن) (١) صيغة نهي أُكّدَتْ بالنون الثقيلة (أحدكم) أيها الأملى (في الماء الدائم) أي الراى الساكن، من دام الشيء سكن ومكث، وزاد في رواية الصحيحين: "الذي لا يجري"، صفة ثانية مؤكدة للأولى، أو صفة كاشفة لها. وقيل: الذي لا يجري بشيء من تبنة وغيرها، وفي معنى الجاري الماء الكثير، وهو العشر في العشر عندنا، ومقدار قلتين عند من يقول به.
(ثم يغتسل منه) الرواية بالرفع (٢) أي لا يبل، ثم هو يغتسل فيه، فيغتسل خبر لمبتدأ محذوف، عطف الجملة على جملة لا يبولن، وترتيب الحكم على ذلك يدل على أن الموجب للمنع أنه يتنجس , فلا يجوز الاغتسال به، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن البخاري لا يتنجس إلَّا بالتغير، وقيل: الظاهر أنه عطف على لايبولن ويكون "ثم" مثل الواو في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أو مثل الفاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ
стр. 402
٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». [حم ٢/ ٤٣٣، ق ١/ ٢٣٨، جه ٣٤٤]
===
عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (١) أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف، ثم الاغتسال، فثم استبعادية، أي بعيد من العاقل ذلك، أي الجمع (٢) بين هذين الأمرين، "قاري" (٣) ملخصًا.
٧٥ - (حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ، بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة، التميمي، أبو سعيد القطان، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، مات سنة ١٩٨ هـ.
(عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي) وهو عجلان، مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدني، قال النسائي: لا بأس به، وقال الآجري عن أبي داود: لم يرو عنه غير ابنه محمد، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبولن (٤) أحدكم في الماء الدائم) أي الساكن الراكد الذي لا يجري حقيقة أو حكمًا، فالمراد به الماء القليل (ولا يغتسل) بالجزم والرفع نهيًا وخبرًا (فيه من الجنابة) ويؤيده
стр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رواية مسلم قال: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا.
قال في "شرح السنَّة" (١): فيه دليل على أن الجنب إن أدخل يده فيه ليتناول الماء لم يتغير حكمه، وان أدخل يده فيه ليغسلها من الجنابة تغير حكمه، وكذا حكمه عندنا، قاله القاري (٢).
قلت: اختلف في حكم الماء المستعمل أنه طاهر أم نجس؟ فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ، ولم يذكر أنه طاهر أم نجس, وروى محمد عن أبي حنيفة ﵀ أنه طاهر غير طهور، وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه أنه نجس , غير أن الحسن روى عنه أنه نجس نجاسة غليظة يقدر فيه بالدرهم، وبه أخذ، وأبو يوسف روى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة يقدر فيه بالكثير الفاحش، وبه أخذ، وقال زفر: إن كان المستعمل متوضئًا فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثًا فهو طاهر غير طهور، وهو أحد أقاويل الشافعي، وفي قول له: إنه طاهر وطهور بكل حال، وهو قول مالك.
ثم مشايخ بلخ حققوا الخلاف، وقالوا: الماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد طاهر غير طهور، وبه أخذ الشافعي، وهو أظهر أقوال الشافعي، ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف فقالوا: إنه طاهر غير طهور عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي أنه كان يقول: إنا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة ﵀ -وهو اختيار المحققين (٣) من مشايخنا بما وراء النهر.
стр. 404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واختلف في سبب صيرورة الماء مستعملاً، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الماء إنما يصير مستعملاً بأحد الأمرين: إما بإزالة الحدث، أو بإقامة القربة، وعند محمد لا يصير مستعملاً إلَّا بإقامة القربة، وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملاً إلَّا بإزالة الحدث، وهذا الاختلاف لم ينقل عنهم نصًا، لكن مسائلهم تدل عليه.
وجه قول من قال: إن الماء المستعمل طهورٌ، ما روي عن النبي ﷺ منه أنه قال: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلَّا ما غير"، الحديث (١). ولم يوجد التغير بعد الاستعمال، فبقي على طهوريته، ولأن هذا ماء طاهر لاقى عضوًا طاهرًا، فلا يصير نجسًا، كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب طاهر، أما كون الماء طاهرًا فظاهر.
وأما كون المحل طاهرًا، فالدليل عليه أن كونه طاهرًا حقيقة، فلانعدام النجاسة الحقيقية، وأما حكمًا فلقوله ﷺ : "إن المؤمن لا ينجس". وقال ﷺ لعائشة ﵂: "ليست حيضتك في يدك"، ولهذا جازت صلاة حامل الحدث والجنب، وحامل النجاسة لا تجوز، إلَّا أنه لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه تمكن فيه نوع خبث لإزالة الآثام كالمال الذي تصدق به، ولهذا سميت الصدقة غُسالة الناس، وقد ورد الشرع باستعمال الماء المطلق، وهو الذي لا يقوم به خبث، وأيضًا استدلوا على طهورية الماء المستعمل (٢) بصبه ﷺ لوضوئه على جابر، وبتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه.
والدليل على كون الماء المستعمل نجسًا، هذا الحديث وما ورد في معناه من الأحاديث التي رواها أصحاب الصحاح، ووجه الاستدلال به
стр. 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنه ﷺ حرم الاغتسال في المال القليل؛ لإجماعنا على أن الاغتسال في الماء الكثير كالبحر مثلًا ليس بحرام، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغُسالة لم يكن للنهي معنى؛ لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام، وكان هذا نهيًا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، وذا يقتضي التنجيس به.
لا يقال: يحتمل أنه نهى لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرًا من غير ضرورة، وذلك حرام؛ لأنا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرًا باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالبًا عليه، وأما إذا كان مغلوبًا فلا، وها هنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن أقل من غير المستعمل، فكيف يخرج به من أن يكون مطهرًا.
ولا يقال: يحتمل أنه نهى لأن أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية، وذا يوجب تنجيس الماء القليل؛ لأنا نقول: الحديث مطلق، فيجب العمل بإطلاقه، ولأن النهي عن الاغتسال ينصرف إلى المسنون؛ لأنه هو المتعارف فيما بين المسلمين، والمسنون منه هو إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن قبل الاغتسال على أن النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن استفيد بالنهي عن البول فيه، فوجب حمل النهي عن الاغتسال فيه على ما ذكرنا, ولأن هذا مما تستخبثه الطبائع السليمة، فكان محرمًا لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)، والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة، ولأن الأمة أجمعت على أن من كان في السفر ومعه ماء يكفيه لوضوئه وهو بحال يخاف على نفسه العطش يباح له التيمم، ولو بقي الماء طاهرًا بعد الاستعمال لما أبيح؛ لأنه يمكنه أن يتوضأ، ويأخذ الغسالة في إناء نظيف، ويمسكها للشرب.
стр. 406
(٣٧) بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ
٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ
===
(٣٧) (بَابُ الوُضُوءِ بِسُؤرِ الْكَلْبِ) (١)
يعني هل يجوز به الوضوء أم لا؟ وهل هو طاهر أم نجس؟
ولعل غرض المصنف بعقد هذا الباب الإشارة إلى رد قول الزهري الذي حكاه البخاري في "صحيحه" (٢) من جواز التوضؤ بالماء الذي ولغ فيه الكلب، وتبعه في ذلك الثوري.
٧١ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال: حدثنا زائدة في حديث هشام، عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: طهور) (٣) بضم الطاء وتفتح، قال النووي: الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال بفتحها , لغتان، نقله السيد، وقال ابن الملك: بضم الطاء بمعنى التطهر أو الطهارة (إناء أحدكم إذا ولغ (٤) فيه الكلب) (٥) ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب يلغ، كَيَهَبُ، ولْغًا، ويضم، ووُلُوغًا ووَلَغَانًا محرَّكة: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، خاص بالسباع، ومن الطير بالذباب، "قاموس"، وأكثر ما يكون الولوغ في السباع، ويقال: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب، "لسان العرب".
стр. 407
أَنْ يُغْسَلَ سبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بالتُّرَابِ". [م ٢٧٩، ت ٩١، ن ٦٣، حم ٢/ ٢٦٥]
===
قال الطيبي: هو مبتدأ والظرف معمول له، والخبر (أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب) (١)، وفي رواية أخرى: "إحداهن بالتراب"، قال ابن حجر: وهي صحيحة أيضًا على ما ذكره النووي في بعض كتبه، لكن بَيَّن في محل آخر أن في سندها ضعيفًا ومجهولاً، وفي رواية صحيحة: "أولاهن أو أخراهن بالتراب"، و"أو" فيها للشك كما بينه البيهقي وغيره، وفي أخرى صحيحة أيضًا: "وعفروه الثامنة بالتراب"، أخذ بظاهرها أحمد وغيره، وقيل: لا تعارض لإمكان الجمع يحمل رواية "أولاهن" على الأكمل، وحمل رواية السابعة على الجواز، ورواية "إحداهن" على الإجزاء، قال ابن الملك: فيجب استعمال الطهورين في ولوغ الكلب لكون (٢) نجاسته أغلظ النجاسات، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع مرات، فالصحيح أنه يكفي للجميع سبع، وهذا مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة: يغسل من ولوغه ثلاثًا بلا تعفيركسائر النجاسات.
وفي "الشرح الكبير" (٣) عن مالك: لا يغسل من غير الولوغ (٤) , لأن الكلب طاهر عنده، والغسل من الولوغ تَعَبُّدٌ، وقال النووي: في مذهب
стр. 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مالك أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، وهذه الثلاثة عن مالك، والرابع عن عبد الملك بن الماجشون المالكي أنه يفرق بين البدوي والحضري، انتهى.
وفي "صحيح البخاري" (١): وقال الزهري: إذا ولغ في الإناء وليس له وضوء غيره يتوضأ به، وقال سفيان: هذا الفقه بعينه، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) وهذا ماء، وفي النفس منه شيء يتوضأ ويتيمم.
وقال ابن الهمام (٣): روى الدارقطني عن الأعرج عن أبي هريرة عنه ﷺ ، في الكلب يلغ في الإناء يغسل ثلاثًا أو خمساً أو سبعاً، ورواه ابن عدي (٤) مرفوعًا: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث (٥) مرات". ورواه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفًا على أبي هريرة أنه كان إذا ولغ في الإناء أهراقه، ثم غسله ثلاث مرات، وحينئذ فيعارض حديث السبع، وُيقَدَّمُ عليه؛ لأن مع حديث السبع دلالة المتقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر، حتى أمر بقتلها، والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك، وقد ثبت نسخ ذلك، فإذا عارض قرينته معارض كان المتقدم له، فالأمر الوارد بالسبع محمول على الابتداء مع أن في عمل أبي هريرة ﵁ على خلاف حديث السبع - وهو راويه - كفاية؛ لاستحالة أن يترك القطعي للرأي منه، وهذا لأن ظنية خبر الواحد إنما
стр. 409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هو بالنسبة إلى غير راويه، فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في رسول الله ﷺ فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه، فلزم أنه لا يتركه إلَّا لعلمه بالناسخ إذ القطعي لا يترك إلَّا بالقطعي فبطل تجويزهم تركه بناءً على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطإ، وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة فيكون الآخر منسوخًا بالضرورة "علي القاري" (١).
ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر قال في "الفتح" (٢): واعتذر الطحاوي
وغيره بأمور؛ منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر.
وأجاب عنه العيني في "شرح البخاري" (٣) بقوله: "ورد بأن هذا إساءة الظن بأبي هريرة، والاحتمال الناشئ من غير دليل لا يعتد به".
وأما ما قال: "بأنه ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح"، فأجيب عنه: بأن قوله: "ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعًا" يحتاج إلى البيان، ومجرد الدعوى لا يسمع، ولئن سلمنا ذلك فقد يحتمل أن يكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، فلما ظهر أفتى بالثلاث، وأما دعوى الرجحان فغير صحيح، لا من حيث
стр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النظر، ولا من حيث قوة الإسناد, لأن رجال كل منهما رجال الصحيح كما بينا، وأما من حيث النظر فإن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ من باب الأولى.
ثم قال الحافظ: ومنها دعوى أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منه في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار.
فأجاب عنه العيني بمنع عدم الملازمة، فإن تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما تعدي، وإما محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وإما أنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلط بذلك عليهم. قلت: ليس هو قياس في مقابلة النص الذي هو فاسد الاعتبار، بل هو من باب ثبوت الحكم بدلالة النص، كما هو ظاهر عند من له أدنى حظ من العلم.
ثم قال الحافظ: ومنها دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًا؛ لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
وأجاب عنه العيني بأن كون الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى دليل قطعي، ولئن سلمنا ذلك يمكن أن يكون أبو هريرة قد سمع ذلك من صحابي أنه أخبره أن النبي ﷺ لما نهى عن قتل الكلاب نسخ الأمر بالغسل، فرواه أبو هريرة عن النبي ﷺ لاعتماده على صدق المروي عنه؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وكذلك عبد الله بن مغفل.
стр. 411
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ وَحَبِيبُ بْنُ الشَهِيدِ: عن مُحَمَّدٍ.
===
قلت: قوله: "وسياق مسلم ظاهر ... إلخ"، ليس فيه لهم دليل، بل هو حجة لنا، كما هو ظاهر.
ثم قال الحافظ: ومنها إلزام الشافعية بإيجاب ثمان غسلات [عملًا] بظاهر حديث عبد الله بن مغفل، وأجيب بأنه لا يلزم من كون الشافعية لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفل أن يتركوا العمل بالحديث أصلاً ورأسًا, لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان متجهًا فذاك، وإلَّا فكل من الفريقين ملوم في ترك العمل به.
وأجاب عنه العيني بأن زيادة الثقة مقبولة، ولا سيما من صحابي فقيه، وتركها لا وجه له، فالحديثان في نفس الأمر كالواحد، والعمل ببعض وترك بعضه لا يجوز، واعتذارهم غير متجه لذلك المعنى، ولا يلام الحنفية في ذلك؛ لأنهم عملوا بالحديث الناسخ وتركوا العمل بالمنسوخ.
ثم قال الحافظ: وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بإجماع على خلافه، وفيه نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري.
(قال أبو داود (١): وكذلك) أي مثل رواية هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (قال أيوب) كما يجيء في الرواية الآتية (وحبيب بن الشهيد) هو حبيب بن الشهيد الأزدي، أبو محمد، ويقال: أبو شهيد البصري مولى قريبة، ثقة ثبت، أدرك أبا الطفيل، وأرسل عن الزبير بن العوام وأنس وغيرهما، مات سنة ١٤٥ هـ (عن محمد) فرواية أيوب أخرجها المصنف بعد هذه موقوفة مع زيادة قوله: "وإذا ولغ الهر
стр. 412
٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ جَمِيعًا, عَنْ أَيُّوبَ,
===
غسل مرة"، ولكن أخرج رواية أيوب الطحاوي وهي مرفوعة وليس فيها زيادة قوله: "وإذا ولغ الهر ... إلخ"، وكذلك أخرج رواية أيوب موقوفة من غير زيادة قوله: "إذا ولغ"، الحديث، وأخرج الدارقطني برواية حماد بن زيد عن أيوب موقوفًا، وليس فيها "أولاهن بالتراب"، وأما رواية حبيب بن الشهيد عن محمد، فلم أجدها في كتب تتبعتها.
٧٢ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان بفتح طاء مهملة، وقيل: بكسرها، وبخاء معجمة وبراء وبنون، التيمي (١)، أبو محمد البصري، قيل: إنه كان يلقب بالطفيل، ثقة، وقال ابن خراش: صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة، وعن يحيى بن سعيد القطان قال: إذا حدثكم المعتمر بشيء فأعرضوه، فإنه سيِّئ الحفظ، مات سنة ١٨٧ هـ.
(ح: وحدثنا محمد بن عبيد) بن الحساب بكسر الحاء وتخفيف السين المهملتين، الغبري بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، البصري، ثقة، مات سنة ٢٣٨ هـ (قال: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم (جميعًا)، أي: المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد كلاهما اجتمعا في الرواية عن أيوب.
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة، ثم تحتانية، وبعد الألف نون، أبو بكر البصري،
стр. 413
عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ, وَلَمْ يَرْفَعَاهُ, زَادَ: «وَإِذَا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً». [ت ٩١، حم ٢/ ٢٦٥، ٤٢٧، خزيمة ٩٥ - ٩٦، قط ١/ ٦٤، ك ١/ ١٦١، ق ١/ ٢٤٠]
٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا أَبَانُ العطار قال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ
===
مولى عنزة، ويقال: مولى جهينة، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، رأى أنس بن مالك، مات سنة ١٣١ هـ.
(عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة بمعناه) أي بمعنى حديث هشام (ولم يرفعاه) أي لم يرفع المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد (وزاد) (١) أي أيوب: (وإذا ولغ الهر غُسل) الإناء الذي ولغ فيه (مرة).
قلت: وقد ذكرنا قبل أن الطحاوي أخرج رواية أيوب برواية المعتمر بن سليمان مرفوعة، وليس فيها زيادة قوله: "وإذا ولغ الهر غسل مرة"، وكذلك أخرج الدارقطني (٢) رواية أيوب برواية حماد بن زيد موقوفة على أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: "يهراق ويغسل سبع مرات". ولم يذكر فيها "أولاهن بالتراب"، وكذلك ليس فيها زيادة قوله: "وإذا ولغ الهر غسل مرة"، سيجيء تحقيق حكم ما ولغ فيه الهر في بابه.
٧٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبان) بن يزيد (العطار قال: حدثنا قتادة، أن محمد بن سيرين حدَّثه، عن أبي هريرة أن نبي الله ﷺ قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات،
стр. 414
السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ» (١). [ق ١/ ٢٤١، قط ١/ ٦٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأمَّا أَبُو صَالِحٍ، وَأَبُو رَزِينٍ،
===
السابعة بالتراب)، فروى هشام بن حسان وأيوب السختياني وقتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة حديث ولوغ الكلب، واتفقوا على الغسل سبع مرات، ولكن اختلفوا في التراب (٢)، فقال هشام بن حسان: "أولاهن بالتراب"، واختلف على أيوب فيما رووا عنه.
روى الدارقطني من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: "يهراق ويغسل سبع مرات"، ولم يذكر "أولاهن بالتراب"، وأخرج الطحاوي من طريق معتمر بن سليمان عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل حديث أبي صالح، وزاد: "أولاهن بالتراب".
وكذلك أخرج المصنف أبو داود هذا الحديث من طريق معتمر بن سليمان وحماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة بمعنى حديث هشام، وكان في حديث هشام "أولاهن بالتراب"، فيفهم منه أن في حديث أيوب هذه الجملة موجودة من طريق معتمر، وكذلك من طريق حماد بن زيد، وقال قتادة: "السابعة بالتراب".
(قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين)، هو مسعود بن مالك
стр. 415
وَالأَعْرَجُ, وَثَابِتٌ الأَحْنَفُ, وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ, وَأَبُو السُّدِّىِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رَوَوْهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ.
===
الأسدي الكوفي، أسد خزيمة، مولى أبي وائل الأسدي، ثقة فاضل، مات سنة ٨٥ هـ، وهو غير أبي رزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة، ووهم من خلطهما (١) (والأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (وثابت) بن عياض، بكسر مهملة وخفة تحتية وضاد معجمة، (الأحنف) بمهملة ونون، الأعرج، العدوي مولاهم، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقة (وهمام بن منبه، وأبو السدي) (٢) أي والد السدي وهو إسماعيل بن (عبد الرحمن) بن أبي كريمة، مولى قيس بن مخرمة، روى عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل السدي، قال: الحافظ في "التقريب": مجهول الحال، من الثالثة، وقال في "تهذيب التهذيب": قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات" (رووه) أي رووا هذا الحديث (عن أبي هريرة، ولم يذكروا التراب).
فأما رواية أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة ففيها: "فليرقه (٣) وليغسله سبع مرار"، أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه، وأما رواية الأعرج عن أبي هريرة فأخرجها البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأما رواية ثابت الأحنف فأخرجها النسائي مثل رواية الأعرج، وأما رواية همام بن منبه فأخرجها مسلم ولفظها: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات"، وأما رواية أبي السدي عن أبي هريرة فلم أجدها في كتب تتبعتها, ولعلهم لم يخرِّجوا روايته لجهالته إلَّا ما ذكره الحافظ في "فتح الباري" ولفظه: وفي رواية السدي عند البزار "إحداهن"،
стр. 416
٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ شُعْبَةَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: «مَا لَهُمْ وَلَهَا؟ » ,
===
وهذا مخالف لقول أبي داود: ولم يذكروا التراب، فإن فيها ذكر التراب، نعم أخرج الإِمام أحمد في "مسنده" (١) حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر التراب (٢).
٧٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا يحيى بن سعيد) القطان، (عن شعبة قال: حدثنا أبو التيَّاح، عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ثم راء، الحرشي، بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة، العامري، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، ولد في حياة النبي ﷺ ، وكان من عباد أهل البصرة وزهادهم، مات سنة ٩٥ هـ.
(عن) عبد الله (٣) (بن مغفل) يقول: (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب) (٤)، ولعل الأمر بالقتل لنجاستها ولمنعها من دخول الملائكة في البيت (ثم قال: ما لهم) أي للناس (ولها؟ ) أي للكلاب، لمَ يتعرضون لقتلها؟ فأفاد النهي عن القتل، وأما الإذن في الاقتناء فلا، فلذلك قال:
стр. 417
فَرَخَّصَ في كَلْب الصَّيْدِ وفِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسَلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ وَالثامِنَةَ عَفِّرُوهُ بِالتُرابِ". [م ٢٨، ن ٦٧، جه ٣٦٥، حم ٤/ ٨٦، دي ٧٣٧]
===
(فرخَّص) لهم، يعني بعد النهي عن القتل (في كلب الصيد، وفي كلب الغنم، وقال) رسول الله ﷺ : (إذا ولغ (١) الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفِّروه بالتراب).
وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثمان مرار، ويخالف مذهب الشافعية وغيرهم الذين أوجبوا الغسل من ولوغ الكلب سبع مرات، فأجابوا عنه كما قال النووي: أما رواية "وعفروه الثامنة بالتراب"، فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعًا، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكان التراب قائمًا مقام غسلة، فسمِّيت ثامنة.
ولهذا قال الحافظ (٢): وتعقبه ابن دقيق العيد (٣)، بأن قوله: "وعفِّروه الثامنة بالتراب"، ظاهر في كونها غسلة مستقلة.
قلت: وأنت ترى أن هذا التأويل ضعيف غير مرضي، ويرده ظاهر قوله ﷺ : "والثامنة"، أي وفي الغسلة الثامنة عفروه بالتراب، والغسلة لا تكون إلَّا بالماء، فيجب أن تكون غسلة ثامنة بالماء، ويكون معه التعفير بالتراب.
стр. 418
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ مُغَفَّلٍ.
===
وكذلك يرد ما قاله ابن دقيق العيد: لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازًا، انتهى، فإن لفظ الحديث يوجب أن يكون التتريب مع الغسلة الثامنة، فهذه التأويلات تخالفه صريحًا.
واعلم أن حديث ابن مغفل هذا يومئ إلى أن ما أمر ﷺ من غسل ما ولغ فيه الكلب ثمانيًا كان حين شدد في أمر الكلاب، حتى أمر بقتلها؛ لأنه جمع بينهما، وقد مرَّ أنه لو سُلِّمَ أن الأمر بقتل الكلاب من رسول الله ﷺ كان في ابتداء الإِسلام، وابن مغفَّل أسلم سنة سبع، فالظاهر أن يكون كما لم يسمع الأمر بقتل الكلاب من رسول الله ﷺ , لأنها واقعة ابتداء الإِسلام، بل رواه من بعض الصحابة مرسلًا، كذلك حكم ولوغ الكلب لم يسمعه منه ﷺ ، بل سمعه من بعض الصحابة، ورواه مرسلًا، وكيفما روى الصحابي يحتج به ويقبل, لأنهم كلهم عدول.
(قال أبو داود: وهكذا قال ابن مغفَّل) (١)، هذه العبارة لا توجد في النسخة المكتوبة الأحمدية ولا المطبوعة المصرية، وتوجد في النسخ المطبوعة الهندية، والظاهر أن هذه العبارة ليس لها فائدة يعتَدُّ بها، ويمكن أن يكون مراده بأن قول ابن مغفل في هذه المسألة موافق لما رواه من حديث رسول الله ﷺ الذي يدل وجوب ثماني غسلات من ولوغ الكلب (٢).
стр. 419
(٣٨) بَابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ
٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عن كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ -:
===
(٣٨) (بابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) (١)
أي ما حكمها في الطهارة والنجاسة؟
وا لهرة: السنَّور
٧٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري النجاري، أبو يحيى المدني، ثقة حجة، مات سنة ١٣٢ هـ، (عن حميدة (٢) بنت عبيد بن رفاعة) الأنصارية الزرقية، أُم يحيى المدنية، وهي والدة ولده يحيى بن إسحاق، مقبولة، (عن كبشة (٣) بنت كعب بن مالك) الأنصارية، زوج عبد الله بن أبي قتادة، وهي خالة حميدة بنت عبيد المذكورة، قال ابن حبان: لها صحبة (وكانت تحت ابن أبي قتادة) أي في نكاحه، وهو عبد الله بن أبي قتادة.
стр. 420
أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بِنْتَ (١) أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ،
===
(أن أبا قتادة دخل) عليها، كما في رواية, وهي زوج ابنه عبد الله بن أبي قتادة (فسكبت) (٢) أي كبشة، يعني صبَّت، وقال الأبهري: بضم التاء على المتكلم، ويجوز السكون على التأنيث، انتهى، لكن أكثر النسخ الحاضرة المصححة بالتأنيث (له) أي لأبي قتادة (وَضوءًا) بفتح الواو أي ماء الوضوء في إناء، (فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى (٣) لها الإناء) أي أماله إليها (حتى شربت) أي سهلًا.
(قالت كبشة: فرآني (٤) أي أبو قتادة (أنظر إليه) أي إلى فعله متعجبة (فقال: أتعجبين) من إصغائي الإناء لها وشربها من وضوئي (يا بنت أخي؟ ) هذا على عادة العرب أن بعضهم يقول لبعض: يا ابن أخي وإن كانا ابني عمَّين، ويا أخا فلان وإن لم يكن أخًا له في الحقيقة، ويجوز في تعارف الشرع لأن المؤمنين إخوة.
(فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ يقال: إنها) أي الهرة أو سؤرها (ليست بنجس) مصدر، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولو قيل
стр. 421
إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ". [ن ٦٨، ت ٩٢، جه ٣٦٧، حم ٥/ ٢٩٦، طـ ١/ ٢٣]
===
بكسر الجيم لقيل: بنجسة, لأنها صفة الهرة، كذا قاله بعض الشراح، وذكر الكاذروني أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم، والنجس النجاسة، فالتقدير: أنها ليست بذات نجس ... إلخ، وفيما سمعنا وقرأنا على مشايخنا هو بكسر الجيم وهو القياس، أي ليست بنجسة، ولم يلحق التاء نظرًا إلى أنها في معنى السؤر، وأكثر النسخ المصححة على الأول، فعليه المعوَّل؛ لأن النجس بالفتح في اصطلاح الفقهاء عين النجاسة، وبالكسر المتنجس.
(إنها) استئناف في معنى التعليل، أي لأنها (من الطوافين عليكم) (١) الطائف الذي يخدمك برفق، شبَّهها بالمماليك وخدم البيت الذين يطوفون بالخدمة، قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وألحقها بهم؛ لأنها خادمة أيضًا حيث تقتل المؤذيات، أو لأن الأجر في مواساتها كما في مواساتهم (والطوَّافات)، وفي رواية (٢) بلفظة "أو"، قال ابن حجر: وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث.
قلت: اختلفت الروايات الواردة في سؤر الهرة، فهذه الروايات التي
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أخرجها أبو داود وغيره تدل على أن سؤرها طاهر، واختلف المحدثون في رواية أبي قتادة، فصححها البخاري والدارقطني وغيرهما، وأعلَّها ابن منده بأن حميدة الراوية لها عن كبشة مجهولة، وكذلك كبشة، قال: ولم يعرف لهما غير هذا الحديث، وقد قال صاحب "الجوهر النقي" (١): وحديث أبي قتادة إسناده مضطرب اضطرابًا كثيرًا، قد بَيَّنَ البيهقي بعضه، وفيه امرأتان مجهولتان، وقد تقدم أن ابن منده قال: لا يثبت بوجه من الوجوه، وكذلك الحديث الثاني فيه أم داود بن صالح مجهولة، ولم أو تصريحًا من أحد المحدثين أنه حكم بصحتها، بل قال صاحب "الجوهر النقي": وحديث عائشة فيه مجهولة عند أهل العلم، وهي أم داود بن صالح، ولهذا قال البزار: لا يثبت من جهة النقل.
وأما الروايات التي تدل على نجاستها أو كراهتها، فمنها ما أخرجه الترمذي (٢) في "باب ما جاء في سؤر الكلب"، حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، نا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يغسل الإناء إذا وَلَغَ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا , ولم يذكر فيه: "وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة"، فهذه الجملة الأخيرة التي في سؤر الهرة رويت مرفوعة، زيادة ثقة، فتقبل، وقد حكم عليه الترمذي - رحمه الله تعالى - بكونه حسنًا صحيحًا، ولعله لم يلتفت للوقف مع رواية الرفع.
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد أخرج الدارقطني (١) من طريق هشام عن محمد موقوفًا على أبي هريرة، في سؤر الهر يهراق ويغسل الإناء مرة أو مرتين، كذلك أخرج رواية معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفة، قال في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة وأهرقه.
ومنها: ما أخرج الدارقطني برواية أبي عاصم قال: حدثنا قرة بن خالد، ثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب، والهر مرة أو مرتين"، قرة يشك، قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعًا، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعًا، وولوغ الهر موقوفًا، ثم أخرج الرواية الموقوفة برواية مسلم بن إبراهيم عن قرة موقوفة على أبي هريرة، في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة أو مرتين، ووافقهما في الرفع عبد الوارث عن أيوب، وكذلك ابن عون عن محمد بن سيرين في الرفع، وهؤلاء أيضًا جماعة وقد زادوا الرفع، وزيادة الثقة مقبولة على ما عرف، ولا نسلم أن ذلك مدرج، فإن الراوي تارة ينشط فيرفع الحديث، وتارة يفتي به فيقفه، وهذا أولى من تخطئة الرافعين.
وقد أسند الطحاوي (٢) عن ابن سيرين أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة فقيل له: عن النبي ﷺ ؟ قال: كل حديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فظهر بهذا أن المرفوع أثبت وأولى من الموقوف، والموقوف له حكم المرفوع.
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم ساق الدارقطني الرواية التي تدل على أن الإناء يغسل من الهر كما يغسل من الكلب، منها ما أخرجه من رواية يحيى بن أيوب بسنده عن أبي هريرة موقوفًا، ثم قال: هذا موقوف، ولا يثبت عن أبي هريرة، ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب.
ثم أخرج برواية روح بن الفرج عن سعيد بن عفير قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب"، ثم قال الدارقطني: لا يثبت هذا مرفوعًا، والمحفوظ من قول أبي هريرة، واختلف عنه.
ثم أخرج برواية ليث بن سليم (١) عن عطاء عن أبي هريرة قال: إذا ولغ السنور في الإناء غسل سبع مرات، ثم قال: موقوف لا يثبت، وليث سيئ الحفظ.
ثم أخرج بسنده عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب، يغسل سبعًا، قال: وحدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: الهر؟ قال: هي بمنزلة الكلب، أو شر منه.
ثم أخرج بسنده عن مجاهد أنه قال في الإناء تلغ فيه السنور قال: اغسله سبع مرات.
فهذه الروايات الموقوفة وإن كان تكلم فيها الدارقطني، ولكن أنت تعلم أن يحيى بن أيوب الغافقي ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الترمذي عن البخاري: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقة حافظًا،
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال إبراهيم الحربي: ثقة، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، فقول الدارقطني: في بعض أحاديثه اضطراب، لا يقدح فيه، وروح عن سعيد بن عفير الذي يروي عنه مرفوعًا فقال فيه صاحب "الجوهر النقي" (١): قلت: روح هذا روى عنه جماعة من الأئمة، كالمحاملي، والحاكم في "المستدرك"، والطبراني، والأصم، وغيرهم، ووَثَّقه أبو بكر الخطيب، فوجب قبول زيادته، كيف وقد تابعه على ذلك غيره، فأخرج الطحاوي هذا الحديث عن ربيع الجيزي، عن سعيد بن عفير بسنده، والجيزي وثقه أيضًا الخطيب، وروى له أبو داود والنسائي، كذا ذكر صاحب "الإِمام" عن الطحاوي، انتهى.
فهذه الروايات لو سُلم ضعفُها بانفرادها، فمجموعها يتقوَّى بعضُها ببعض، تدل على نجاسة سؤر الهرة، وتأيدت بآثار الفقهاء من التابعين طاوس وعطاء ومجاهد، ولولا مخالفة الأحاديث التي تدل على طهارة سؤرها نصًّا وهي أقوى منها، ومخالفة الإجماع الذي في زمان أتباع التابعين من الأئمة لكان القول بنجاسة سؤر الهرة أولى، ولكن لما خالفتها الروايات القوية، ودلت على طهارتها نصًا، ولم يوجد قول أحد من الأئمة بعد طاوس وعطاء ومجاهد بنجاستها، فكأنه انعقد الإجماع على طهارتها، فتركت هذه الروايات، وبقي الاختلاف على وجود الكراهة وعدمها مع بقاء الاتفاق على طهارتها، فهذا حاصل الاختلاف في هذه المسألة.
وأما المذاهب، فاختلفوا على أقاويل، فقال بعضهم: سؤر الهر طاهر، وإليه ذهب الشافعي (٢) وأبو يوسف، وعند