قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ: لَوْ مَنَعُونِي (١) عَنَاقًا
===
وروى ابن السرح وسليمان بن داود - شيخا المصنف - عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وقال: عقالًا، لكن يشكل على هذا قولُ المصنف: ورواه ابن وهب، عن يونس قال: عناقًا، بأن المصنف خالف ذلك القول، فأخرج رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري وقال: عقالًا، فإن كان هذا من غير رواية ابن السرح وسليمان بن داود فكان اللازم أن يصرح به، ولم أجد رواية ابن وهب فيما عندي من الكتب.
(قال أبو داود: قال شعيب بن أبي حمزة ومعمر والزبيدي، عن الزهري في هذا الحديث: لو منعوني عناقًا) أما رواية شعيب بن أبي حمزة فأخرجها النسائي في "مجتباه" (٢) في موضعين: أولهما في "الجهاد"، قال فيه: عناقًا، وفي نسخة: عقالًا، وثانيهما في "استتابة المرتدين"، وقال فيه: عناقًا، وأخرج حديثه البخاري (٣) أيضًا في "الزكاة"، فقال: عناقًا.
أما معمر فروى عنه عمران القطان أبو العوام عند النسائي (٤)، والحاكم، من حديث أنس، قال فيه: عناقًا، ثم قال بعد تمام الحديث: قال أبو عبد الرحمن: عمران القطان ليس بالقوي في الحديث، وهذا الحديث خطأ، والذي قبله هو الصواب، حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة.
стр. 3642
وَرَوَى (١) عَنْبَسَةُ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: عَنَاقًا.
١٥٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى يُونُسُ, عَنِ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "إِنَّ حَقَّهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ, وَقَالَ: عِقَالًا". [انظر سابقه]
===
وخطَّأه الترمذي (٢) أيضًا. وصححه الحاكم، والذهبي في تلخيصه، فقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، غير أن الشيخين لم يخرجا عن عمران القطان، وليس لهما حجة في تركه؛ فإنه مستقيم الحديث، وكذا قاله الذهبي.
وأما رواية رباح بن زيد، عن معمر عن الزهري، فقد تقدمت عن "مسند أحمد"، وفيها: عناقًا، وأما حديث الزبيدي، عن الزهري، فأخرجه النسائي في الجهاد وقال فيه: عناقًا (٣).
(وروى عنبسة) بن خالد بن يزيد الأيلي، (عن يونس، عن الزهري، في هذا الحديث (٤)، قال: عناقًا)، وعنبسة تكلم فيه بعضهم، كما تقدم.
١٥٥٧ - (حدثنا ابن السرح، وسليمان بن داود قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري، قال: قال أبو بكر: إن حقه) أي الإِسلام، أو الله تعالى (أداءُ الزكاة) أي زاد هذا اللفظ (وقال: عقالًا) بدل: عناقًا.
قلت: قد روي كلا اللفظين، أي: عناقًا، أو عقالًا بطريق صحيح كما عرفته، ولكن رجَّح البخاري رواية: عناقًا، وقال في صحيحه (٥): قال لي
стр. 3643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابن بكير وعبد الله عن الليث، عن عقيل: عناقًا، وهو أصح، ذكر هذا القدرَ الحافظُ في "الفتح" (١)، والعيني، والقسطلاني، وكذا في النسختين القديمتين المصحَّحَتين، وكذا في النسخة المطبوعة بمصر، وكذا في نسخة "تيسير الباري" المطبوعة بلا هور.
وأما النسخة المطبوعة الهندية الأحمدية، فزاد فيه بعد قوله: "وهو أصح": رواه الناس عناقًا، وعقالًا ها هنا لا يجوز، وعقالًا في حديث الشعبي مرسل، وكذا قال قتيبة: عقالًا، فهذه العبارة الزائدة لم أرها في غير هذه النسخة من نسخ البخاري وشروحه.
وسبب ترجيحهم روايةَ لفظ "عناقًا" قولُهم بوجوب الزكاة في الصغار التي لا يكون معها كبار، فلعلهم ظنوا أن لفظ العناق يُثبِتُ المدعى، وأنى لهم هذا؟ ! أما أولًا: فلأن أبا بكر الصديق ﵁ تكلم بلفظ الشرط، وما يكون بلفظ الشرط لا يلزم تحققه بل يجوز أن يكون ممتنعًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢)، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (٣).
وثانيًا: فإن هذا يحتمل المبالغة في التقليل، قال القاري (٤): قال النووي: في رواية: عقالًا، وذكروا فيه وجوهًا، أصحها وأقواها قول صاحب "التحرير": إنه ورد مبالغة، لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد، فيقتضي قلة وحقارة، فاندفع ما قال ابن حجر من قوله: ودليل وجوبها في الصغار قول أبي بكر ﵁: "والله لو منعوني عناقًا" ووافقه عليه الصحابة، وكان إجماعًا.
стр. 3644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال ابن الهمام: يدل على نفيه ما في أبي داود، والنسائي عن سويد بن غفلة، قال: أتاني مصدِّقُ رسولِ الله ﷺ ، فأتيته، فجلست إليه فسمعته يقول: في - يعني- كتابي "أن لا آخذ راضع لبن"، الحديث. قال: وحديث أبي بكر لا يعارضه؛ لأن أخذ العناق لا يستلزم الأخذ من الصغار، لأن ظاهر ما قدمناه في حديث في صدقة الغنم أن العناق يقال على الجذعة والثنية مجازًا، فيجوز حمله عليه دفعًا للتعارض، ولو سُلِّم جاز أخذُها بطريق القيمة، لا أنها هي نفس الواجب، ونحن نقول به، أو هو على طريق المبالغة لا التحقيق، يدل عليه أن في الرواية الأخرى: عقالًا، مكان عناقًا، انتهى.
قال في "البدائع" (١)، ما ملخصه: أما صفة نصاب السائمة فله صفات، منها: السنُّ، وهو أن تكون كلها مسان أو بعضها، فإن كان كلها صغارًا فصلانًا، أو حملانًا، أو عجاجيل، فلا زكاة فيها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وكان أبو حنيفة يقول أولاً: يجب فيها ما يجب في الكبار، وبه أخذ زفر ومالك، ثم رجع وقال: يجب فيها واحد منها، وبه أخذ أبو يوسف والشافعي، ثم رجع، وقال: لا يجب فيها شيء، واستقر عليه، وبه أخذ محمد.
واختلفت الروايات عن أبي يوسف في زكاة الفصلان، في رواية: لا زكاة فيها حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا تجب فيها واحدة منها، وهو خمسة وعشرون، وفي رواية قال: في الخمس خمس فصيل، وفي العشر خُمْسا فصيل، وفي خمسة عشر (٢) ثلاثة أخماس فصيل، وفي عشرين أربعة أخماس فصيل، وفي خمس وعشرين واحدة منها.
وفي رواية قال: في الخمس يُنْظَرُ إلى قيمة شاةٍ وسطٍ، وإلى قيمة خمس فصيل، فيجب أقلُّهما، وهكذا في العشر، وفي خمسة عشر، وفي العشرين.
стр. 3645
(١) بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ (١)
١٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ أبِيهِ (٢)
===
ولأبي حنيفة ومحمد: أن تنصيب النصب (٣) بالرأي ممتنع، وإنما يُعْرَفُ بالنص، والنص ورد باسم الإبل، والبقر، والغنم، وهذه الأسامي لا تتناول الحملان، والفصلان، والعجاجيل، فلم يثبت كونها نصابًا، وعن أبي بن كعب أنه قال: وكان مصدق رسول الله ﷺ في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئًا، وأما قول الصديق: "لو منعوني عناقًا"، فقد روي عنه أنه قال: لو منعوني عقالًا؛ وهو صدقة عام، أو الحبل الذي يُعْقَلُ به الصدقة، فتعارضت الرواية فيه، فلم يكن حجة، ولئن ثبت فهو كلام تمثيل لا تحقيق، أي لو وجبت هذه ومنعوها لقاتلتهم، انتهى.
(١) (بَابُ مَا تَجبُ فِيهِ الزكَاةُ) (٤)
أي: قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة
١٥٥٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه)، وفي رواية البخاري (٥): عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، قال الحافظ (٦): كذا رواه مالك، وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن أبي أسامة، عن الوليد بن
стр. 3646
قَالَ: سمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الَّله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ،
===
كثير، عن محمد هذا، عن عمرو بن يحيى وعباد بن تميم كلاهما عن أبي سعيد.
(قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمس ذود صدقة).
قال الحافظ (١): الذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، قال الزين ابن المنير: أضاف خمس إلى ذود، وهو مذكر؛ لأنه يقع على المذكر، والمؤنث، وأضافه إلى الجمع؛ لأنه يقع على المفرد والجمع، والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة، وأنه لا واحد له من لفظه، وقال أبو عبيد: من الثنتين إلى العشرة، قال: وهو يختص بالإناث، وقال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث.
(وليس فيما دون خمس أواق (٢) صدقة) قال الحافظ (٣): أواق بالتنوين، جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى اللحياني (٤) "وقية" بحذف الألف وفتح الواو، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالصُ من الفضة، سواء كان مضروبًا أو غير مضروب.
قال عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلومَ القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماءَ فجعلوا كلَّ عشرة دراهم سبعةَ مثاقيل، وهو مشكل، والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإِسلام، وكانت مختلفة (٥) في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرةٌ مثلًا وزن
стр. 3647
وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". [خ ١٤٠٥، م ٩٧٩، ت ٦٢٦، ن ٢٤٤٥، دي ١٦٣٣، حم ٣/ ٦]
===
عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية، ويصير وزنها وزنًا واحدًا، وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام.
وأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة إلَّا ابن حبيب الأندلسي، فإنه انفرد بقوله: إن كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم.
وانفرد السرخسي من الشافعية بحكاية وجه في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضُمَّ إليه قيمةُ الغش من نحاس مثلًا لَبَلَغَ نصابًا؛ فإن الزكاة تجب فيه كما نُقِلَ عن أبي حنيفة، واستدل بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبة واحدة، خلافًا لمن سامح بنقص يسير، كما نُقِلَ عن بعض المالكية.
قال القاري (١): قال ابن حجر: والمثقال اثنان وسبعون حبة من حب الشعير المعتدل وخمسا حبة. والدرهم خمسون حبة وخمسا حبة، فالتفاوت بينه وبين المثقال ثلاثة أعشار المثقال، انتهى. والذي ذكره علماؤنا أن عشرة دراهم زنة سبعة مثاقيل، والمثقال عشرون قيراطًا، والقيراط خمس شعيرات متوسطات، انتهى.
(وليس فيما دون (٢) خمسة أوسق صدقة)، قال القاري (٣): جمع وسق، بفتح الواو وسكون السين، وهي ستون صاعًا، وكل صاع أربعة أمداد، وكل مُدٍّ
стр. 3648
١٥٥٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ الأَوْدِىُّ,
===
رطل وثُلُثُ رطلٍ عند الحجازيين، وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وعند أبي حنيفة كل مد رطلان، والرطل مائة وثلاثون درهمًا.
قال ابن الهمام: وقال بعض أئمتنا: خمسة أوسق قدر ثمان مائة مَنٍّ، وكل مَنٍّ مائتا درهم وستون درهمًا. قال المظهر: هذا دليل لمذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة يجب في القليل والكثير من الحبوب والتمر والزبيب وغيرها من النبات، وقال ابن الملك: فيه حجة لأبي يوسف ومحمد في عدم الوجوب حتى تبلغ خمسةُ أوسقٍ، وأَوَّلَه أبو حنيفة ﵁ بأن المرادَ منه زكاةُ التجارة؛ لأن الناس كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهمًا (١)، انتهى.
قلت: واستدل على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض قليلها وكثيرها بإطلاق قوله ﷺ : "فيما سقته السماءُ العشرُ"، وسيأتي بحثُه في زكاة الزروع والثمار.
١٥٥٩ - (حدثنا أيوب بن محمد الرقي، نا محمد بن عبيد) بن أبي أمية، واسمه عبد الرحمن، ويقال: إسماعيل الطنافسي، أبو عبد الله الكوفي، الأحدب مولى إياد، ثقة، قال الدوري: سمعت محمد بن عبيد يقول: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ويقول: اتقوا لا يخدعكم هؤلاء الكوفيون. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان محمد يظهر السنَّة وكان يخطئ، ولا يرجع عن خطئه.
(نا إدريس بن يزيد) بن عبد الرحمن (الأودي) الزعافري، أخو داود،
стр. 3649
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ، عن أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ (١) - يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْساقٍ (٢) زَكَاةٌ"، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ مَخْتُومًا. [ن ٢٤٨٦، جه ١٨٣٢، خزيمة ٢٣١٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ.
١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ، نَا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا مَخْتُومًا بِالْحَجَّاجِيِّ".
===
أبو عبد الله، وثقه ابن معين والنسائي وأبو داود، (عن عمرو بن مُرَّة الجملي، عن أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة، سعيد بن فيروز بن أبي عمران (الطائي) مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال.
(عن أبي سعيد - يرفعه إلى النبي ﷺ قال) أي رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمس أوساق زكاة، والوسق: ستون مختومًا) والمختوم الصاع: لأنه خُتِمَ عليه، وأعلم بخاتم الحكومة لئلا يُجترأ بالجعل والتلبيس.
(قال أبو داود: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد).
١٥٦٠ - (حدثنا محمد بن قدامة بن أعين، نا جرير) بن عبد الحميد، (عن مغيرة) بن مقسم، (عن إبراهيم) النخعي (قال) إبراهيم: (الوسق ستون صاعًا مختومًا بالحجَّاجي) أي معلَمًا بعلامة حجاج بن يوسف الثقفي أمير الكوفة حين كان واليًا على الكوفة، وكان أخرج الصاع، ويباهي به.
والاختلاف في تقديره مشهور، فعند أهل الحجاز كل صاع أربعة أمداد، وكل مُدٍّ رطل وثُلُثُ رطل، وعند أهل العراق كل صاع أربعة أمداد، وكل مد رطلان.
стр. 3650
١٥٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ, حَدَّثَنَا صُرَدُ بْنُ أَبِى الْمَنَازِلِ, سَمِعْتُ حَبِيبًا الْمَالِكِىَّ (١) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلًا فِى الْقُرْآنِ! فَغَضِبَ عِمْرَانُ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَوَجَدْتُمْ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ, وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا شَاةً
===
١٥٦١ - (حدثنا محمد بن بشار، حدثني محمد بن عبد الله) بن المثنى (الأنصاري، نا صُرَد) بضمِّ أوله وفتح ثانيه (ابن أبي المنازل) بالزاي واللام، بصري، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، (سمعت حبيبًا المالكي) هو حبيب بن أبي فضلان، ويقال: ابن أبي فضالة، ويقال: ابن فضالة، المالكي البصري، عن ابن معين: مشهور، روى له أبو داود حديثًا واحدًا. قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حبيب بن أبي فضالة. وكذا ذكره البخاري (٣)، عن خليفة، عن الأنصاري، عن صرد، عن حبيب، عن عمران، فأشار إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود، وهو طرف من حديث طويل، أخرجه البيهقي في "البعث" من حديث أبي الأزهر عن الأنصاري، ولكن وقع في روايته: "شبيب" بدل: "حبيب" كأنه تصحيف.
(قال) حبيب: (قال رجل) لم أقف على تسميته (لعمران بن حصين: يا أبا نجيد! ) كنية عمران (إنكم لتحدثونا بأحاديث (٤) ما نجد لها أصلًا في القرآن) والأحاديث التي لم يكن لها أصل في القرآن كيف يكون معتَمَدًا عليها ومعمولًا بها؟ ! (فغضب عمران، وقال للرجل: أوجدتم) في القرآن حكم الزكاة مفصَّلًا بأنه (في كل أربعين درهمًا درهم) أي واحد، (ومن كل كذا وكذا شاة)
стр. 3651
شَاةٌ, وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا بَعِيرًا كَذَا وَكَذَا. أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِى الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَمَّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا, وَأَخَذْنَاهُ عَنْ نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ , وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا.
(٢) بَابُ العُرُوضِ إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ (١)
===
أي من كل أربعين شاة (شاة، ومن كذا وكذا بعيرًا) أي من كل خمسة وعشرين بعيرًا (كذا وكذا) أي بعير بعير.
(أوجدتم هذا) أي تفاصيل المسائل (في القرآن؟ قال) الرجل: (لا، قال) عمران بن حصين: (فعمن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله ﷺ ) وهو رسول الله يوحى إليه، ما ينطق عن الهوى، وقوله تفصيل لِمَا أُجْمِلَ في القرآن كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢)، نزل في القرآن مثلًا الصلاةُ والزكاةُ. وأما تفاصيل فروعاتهما فلم يُعْرَفْ إلَّا ببيان رسول الله ﷺ ، فأصول جميع المسائل ذُكِرَتْ في القرآن، وأما تفاريعها فببيان رسول الله ﷺ ، (وذكر) عمران بن حصين (أشياء) أي المسائل (نحو هذا) أي مثل ما ذكر من مسائل الزكاة.
(٢) (بَابُ الْعُرُوضِ)
العروض: جمع عرض، وهو المتاع وكل شيء سوى النقدين، كذا في "القاموس" (٣)، وقال في "المصباح المنير": قالوا: والدراهم والدنانير عين، وما سواهما عرض، والجمع: عروض، مثل فلس وفلوس، وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا
(إِذَا كانَتْ لِلتِّجَارَةِ) أي: ما حكمها في وجوب الزكاة فيها؟ (٤)
стр. 3652
١٥٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ, حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ, حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ, فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِى نُعِدُّ (١) لِلْبَيْعِ". [قط ٢/ ١٢٨]
===
١٥٦٢ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان، نا يحيى بن حسان، نا سليمان بن موسى أبو داود، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب) بالمعجمة والمضمومة مصغرًا (ابن سليمان، عن أبيه سليمان) بن سمرة، (عن سمرة بن جندب قال) سمرة: (أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة) أي الزكاة الواجبة (٢) (من الذي) أي المال الذي (نعد) أي نُهَيّؤه اللبيع) فَيُقَوَّمُ المالُ فيؤَدَّى من كل مئتي درهم خمسةُ دراهم.
قال الشوكاني (٣): زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ولم يخالف فيها إلا الظاهرية (٤) فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق، لا للتجارة ولا لغيرها، انتهى.
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٥): والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال عبد الحق في "أحكامه": خبيب هذا ليس بمشهور، ولا نعلم روى عنه إلَّا جعفر بن سعد، وليس جعفر ممن يُعْتَمَدُ عليه.
قال ابن القطان في "كتابه" متعقِّبًا على عبد الحق، فذكر في كتاب الجهاد: حديث "من كتم غالاًّ فهو مثله"، وسكت عنه، من رواية جعفر بن سعد
стр. 3653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذا، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه، فهو منه تصحيح، وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر هذا الحديث: رواه أبو داود، وغيره بإسناد حسن، انتهى.
ورواه الدارقطني في "سننه"، والطبراني في "معجمه" به عن سمرة بن جندب، قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من سمرة بن جندب إلى بنيه، سلام عليكم، أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة، الذين هم تلاد له، وهم عملة لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئًا. وكان يأمرنا أن نخرج من الرقيق الذي يُعَدُّ للبيع، انتهى كلام الزيلعي ملخصًا.
قلت: ولفظ الحديث للدارقطني (١)، وسكت عنه، ولم يتكلم في أحد من رجال السند، وقد أخرج الزيلعي (٢) في هذا الباب أحاديث موقوفة.
فمنها: ما راه مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد عن زريق بن حبان فذكر: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه، الحديث.
والحديث الآخر عند أحمد في "مسنده"، وعبد الرزاق في "مصنفه"، والدارقطني في "سننه"، من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه قال: كنت أبيع الأَدَمَ، والجعابَ، فمرَّ بي عمر بن الخطاب، الحديث، ورواه الشافعي عن سفيان فذكره.
والحديث الآخر رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن عمر: أنه كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو دواب أوبَزٍّ للتجارة تُدارُ الزكاةُ فيه كل عام، وأخرج عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم قالوا: في العروض تدار الزكاةُ كل عام، لا يؤخذ منها الزكاة حتى يأتي ذلك الشهر من عامٍ قابلٍ.
стр. 3654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحديث الآخر رواه البيهقي من طريق أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلَّا ما كان للتجارة، انتهى.
قلت: وأنت تعلم أن هذه الأحاديث الموقوفة لا دخل للقياس فيها، فهي حينئذ في حكم المرفوعة، والله تعالى أعلم.
وقال في "البدائع" (١): وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم، فلا شيء فيها ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم أو عشرين مثقالًا من ذهب، فتجب فيها الزكاة، وهذا قول عامة العلماء، وقال أصحاب الظواهر: لا زكاة فيها أصلًا، وقال مالك: إذا نضت زكاها لحول واحد.
وجه قول أصحاب الظواهر: أن وجوب الزكاة إنما عُرِفَ بالنص، والنص ورد بوجوبها في الدراهم والدنانير والسوائم، فلو وجبت في غيرها لوجبت بالقياس عليها، والقياس ليس بحجة خصوصًا في باب المقادير.
ولنا ما رُوِيَ عن سمرة بن جندب أنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعده للبيع، ورُوِيَ عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "في البر صدقة"، وقال ﷺ : "هاتوا ربعَ عُشْرِ أموالكم".
فإن قيل: الحديث ورد في نصاب الدراهم لأنه ورد في آخره "من كل أربعين درهمًا درهم"؛ فالجواب أن أول الحديث عام، وخصوص آخره يوجب سلب عموم أوله، أو نحمل قوله: "من كل أربعين درهم" على القيمة، أي من كل أربعين درهمًا من قيمتها درهم، وقال ﷺ : "وأدوا زكاة أموالكم" من غير فصل بين مال ومال، انتهى.
وقال الزرقاني في "شرح الموطأ" (٢): قال مالك: الأمر عندنا فيما يدار
стр. 3655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من العروض للتجارات أن الرجل إذا صدَّق مالَه أي دفع صدقته، ثم اشترى به عرضًا بزًّا أو رقيقًا أو ما أشبه ذلك، ثم باعه قبل أن يحول عليه الحول فإنه لا يؤدي من ذلك المال زكاة حتى يحول عليه الحول من يوم صدقه، وأنه إن لم يبع ذلك العرضَ سنين لم يجب (١) فيه شيء من ذلك العرض زكاة وإن طال زمانه، فإذا باعه فليس فيه إلَّا زكاة واحدة.
وحاصله أن إدارة التجارة ضربان، أحدها التقلبُ فيها وارتصاد الأسواق بالعروض، فلا زكاة وإن أقام أعوامًا حتى يبيع فيزكي لعام واحد، والثاني البيع في كل وقت بلا انتظار سوق، كفعل أرباب الحوانيت، فيزكي كل عام بشروط أشار إليها الباجي.
وذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن التاجر يُقَوِّم كل عام ويزكي مديرًا كان أو محتكرًا، وقال داود: لا زكاة في العرض بوجه كان لتجارة أو غيرها لخبر: "ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة"، ولم يقل إلَّا أن ينوي بهما التجارة.
وَتُعُقِّبَ بأن هذا نقض لأصله في الاحتجاج بالظاهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) فعلى أصلهم يؤخذُ من كل مال إلَّا ما خُصَّ بِسُنَّة أو إجماع، فيؤخذ من كل [مال] ما عدا الرقيق والخيل؛ لأنه لا يقيس عليهما ما في معناهما من العروض، وقد أجمع الجمهور على زكاة عروض التجارة وإن اختلفوا في الإدارة والاحتكار.
والحجة لهم ما تقدم من عمل العمرين، وما نقله مالك من عمل المدينة وخبرُ أبي داود: "كان يأمرنا أن نُخرج الزكاةَ مما نعده للبيع"، قال الطحاوي: ثبت عن عمر ﵁ وابنه زكاةُ عروضِ التجارة ولا مخالِفَ
стр. 3656
(٣) بَابُ الْكَنْزِ مَا هُوَ؟ وَزَكَاةُ الْحَلْي
١٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ - الْمَعْنَى - أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ: "أَنَّ امْرَأَةً
===
لهما من الصحابة، وهذا يشهد أن قول ابن عباس وعائشة: "لا زكاة في العروض"، إنما هو في عروض القنية، انتهى.
(٣) (بَابُ الكَنْزِ مَا هُوَ؟ ) (١)
الكنز في اللغة: الادخار، والمراد ها هنا هو المال الذي يجب فيه الزكاة ولا يؤدى زكاته، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٢) الآية. (وزكاة الحَلْيِ) بالفتح، أي ما حكمها هل تجب أم لا؟
والحَلْيُ بالفتح: ما يُزَيَّنُ به من مَصُوْغِ المَعْدَنِيَّات أو الحجارة، جمعه حُلِيٌّ كَدُلِي، أو هو جمع، والواحد حَلْيَة كَظَبْيَة، والحلية بالكسر الحَلْيُ، جمعه حِلًى، كذا في "القاموس" (٣).
١٥٦٣ - (حدثنا أبو كامل وحميد بن مسعدة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (أن خالد بن الحارث حدثهم) أي: أبا كامل، وحميدًا، وغيرهم (نا حسين) بن ذكوان المعلم، صرح به الزيلعي (٤)، وأيضًا ذكره صاحب "الجوهر النقي".
(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة) قال السيد الأمير
стр. 3657
أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ (١) لَهَا, وَفِى يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ, فَقَالَ: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ » , قَالَتْ: لَا. قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ » , قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ , وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ". [ت ٦٣٧، ن ٢٤٧٩، حم ٢/ ١٧٨، ق ٤/ ١٤٠]
===
اليماني في "سبل السلام" (٢): هي أسماء بنت يزيد بن السكن. (أتت رسول الله ﷺ ، ومعها ابنة لها) لم أقِفْ على تسميتها (وفي يد ابنتها مسكتان) بحركة سين، أسورة من ذبل، وهي قرون الأوعال، وقيل: جلود دابة بحرية، أو عاج، وإن كان من غير ذلك أضيفت إليه، فيقال من ذهب أو فضة.
(غليظتان من ذهب، فقال) رسول الله ﷺ لها: (أتعطين زكاة هذا؟ ) ظاهر السياق يدلس على أنه ﷺ خاطب الابنة بهذا الكلام (قالت: لا، قال) رسول الله ﷺ : (أيسرّكِ أن يسَوِّرَكِ الله بهما) الباء للسببية، أي بسبب عدم زكاتهما، أو العروض (يوم القيامة سوارين من نار؟ قال) عبد الله بن عمرو: (فخعلتهما) أي الابنة (فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله).
قال الزيلعي (٣): قال ابن القطان في كتابه: إسناده صحيح، وقال المنذري في "مختصره": إسناده لا مقال فيه، فإن أبا داود رواه عن أبي كامل الجحدري، وحميد بن مسعدة، وهما من الثقات، احتج بهما مسلم. وخالد بن الحارث إمام فقيه، احتج به البخاري ومسلم، وكذلك حسين بن ذكوان المعلم احتجَّا به في "الصحيح". ووثقه ابن المديني، وابن معين، وأبو حاتم، وعمرو بن شعيب، فهو من قد عُلِمَ، وهذا إسناد تقوم به الحجة إن شاء الله تعالى، انتهى.
стр. 3658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأخرجه النسائي (١) أيضًا عن المعتمر بن سليمان عن حسين المعلم عن عمرو قال: جاءت امرأة، فذكره مرسلًا، قال النسائي: وخالد أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب، انتهى.
وقال السيد الأمير اليماني في "سبل السلام شرح بلوغ المرام" (٢): رواه الثلاثة، وإسناده قوي، ورواه أبو داود من حديث حسين المعلم، وهو ثقة، فقول (٣) الترمذي: إنه لا يُعْرَفُ إلَّا من طريق ابن لهيعة غير صحيح، انتهى.
قلت: وأما مسألة الزكاة في الحلي، فقال العيني في "شرح البخاري" (٤): أما مسألة الحلي ففيها خلاف بين العلماء، فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: تجب فيها الزكاة. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهري، وطاووس، وميمون بن مهران، والضحاك، وعلقمة، والأسود، وعمر بن عبد العزيز، وذر الهمداني، والأوزاعي، وابن شبرمة، والحسن بن حي، وقال ابن المنذر وابن حزم: والزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنَّة.
وقال مالك وأحمد وإسحاق والشافعي في أظهر قوليه: لا تجب الزكاة فيها، وروي ذلك عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والقاسم بن محمد، والشعبي، وقال (٥) الشافعي بهذا في العراق، وتوقف بمصر، وقال: هذا مما أستخير الله فيه.
стр. 3659
١٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا عَتَّابٌ - يَعْنِى ابْنَ بَشِيرٍ -, عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَكَنْزٌ هُوَ؟
===
وقال الليث: ما كان من حلي يُلْبَسُ ويُعَارُ، فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة ففيها الزكاة، وقال أنس: يزكى عامًا واحدًا لا غير، انتهى.
وقال الأمير اليماني (١): في المسألة أربعة أقوال: الأول: وجوبُ الزكاة، وهو مذهب الهادوية وجماعة من السلف وأحدُ أقوال الشافعي عملًا بهذه الأحاديث. والثاني: لا تجب الزكاة في "الحلية" وهو مذهب مالك، وأحمد والشافعي في أحد أقواله؛ لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها في "الحلية" ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار. والثالث: أن زكاة الحلية عاريتها كما روى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر. والرابع: أنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة، رواه البيهقي عن أنس، وأظهر الأقوال دليلاً وجوبُها لصحة الحديث وقوته، انتهى.
١٥٦٤ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا عتاب، يعني ابن بَشير) بفتح أوله، الجزري أبو الحسن، ويقال: أبو سهل الحراني مولى بني أمية، قال في "التقريب": صدوق، وقال في "تهذيب التهذيب": عن أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، روى بآخره أحاديث منكرة، وما أرى أنها إلا من قبل خصيف، وعن ابن معين: ثقة، وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة، وقال النسائي وابن سعد: ليس بذاك، وقال النسائي في "كتاب الجرح والتعديل": ليس بالقوي.
(عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا) جمع وضح بفتحتين، وهي نوع من الحلي من الفضة، سميت بها لبياضها، ثم اسْتُعْمِلَتْ في غير الفضة (من ذهب، فقلت: يا رسول الله! اكنز هو؟ )
стр. 3660
فَقَالَ: "مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ". [ق/ ١٤٠، قط ٢/ ١٠٥]
١٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِىُّ, حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ, أَنَّ (١) مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَخْبَرَهُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّهُ
===
أي هل داخل في وعيد الكنز المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٢) الآية.
(فقال) رسول الله ﷺ : (ما) أي الذي (بلغ أن) أي قدر أن (تُؤَدَّى زكاتُه) أي نصابًا تجب فيه الزكاة (فزكي) أي أدي زكاته (فليس بكنز).
قال البيهقي في "السنن" (٣): هذا ينفرد به ثابت بن عجلان.
وقال الزيلعي في "نصب الراية" (٤): وأخرجه الحاكم في "المستدرك" عن محمد بن مهاجر، عن ثابت به. وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، قال البيهقي: تفرد به ثابت بن عجلان. قال في "تنقيح التحقيق": وهذا لا يضر؛ فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين.
١٥٦٥ - (حدثنا محمد بن إدريس) بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، أبو حاتم (الرازي) الحافظ الكبير أحد الأئمة، (نا عمرو بن الربيع بن طارق، نا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد (٥) بن عمرو بن عطاء أخبره) أي عبيدَ الله، (عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه
стр. 3661
قَالَ: "دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَرَأَى فِى يَدِى فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ, فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ » فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (١) , قَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ » قُلْتُ: لَا, أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ, قَالَ: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ». [قط ٢/ ١٠٥، ك ١/ ٣٨٩]
===
قال: دخلنا على عائشةَ زوجِ النبي ﷺ ، فقالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فرأَى في يدي فتخات) جمع فتخة، وهي خواتيم كبار تُلْبَسُ في الأيدي، وربما وُضِعَتْ في أصابع الأرجل، وقيل: هي خواتيم لا فصوص لها، ويُجْمَعُ أيضًا على فتاخ (من ورق) أي فضة.
(فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن) أي لبستهن، أو أمرت بصنعتهن (أَتَزَيَّنُ لَكَ يا رسول الله! قال: أتودين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله) أي أجابت بلفظ "لا" أو بغيره بما شاء الله (قال) رسول الله ﷺ : (هو حسبك من النار) أي يكفي هذا لعذاب النار.
قال الزيلعي (٢): أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن محمد بن عمرو بن عطاء به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني في "سننه" عن محمد بن عطاء به، فنسبه إلى جده دون أبيه، ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول، انتهى.
قال البيهقي في "المعرفة": وهو محمد بن عمرو بن عطاء لكنه لما نسب إلى جده ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك، وتبع الدارقطنيَّ في تجهيل محمد بن عطاء عبدُ الحق في "أحكامه"، وتعقبه ابن القطان، فقال: إنه لما نُسِبَ في سند الدارقطني إلى جده، خفي على الدارقطني أمرُه فجعله مجهولًا، وتبعه عبدُ الحق في ذلك، وإنما هو محمد بن عمرو بن عطاء أحد
стр. 3662
١٥٦٦ - حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى,
===
الثقات، وقد جاء مبيَّنًا عند أبي داود، وبيَّنه شيخُه محمدُ بنُ إدريس الرازي، وهو أبو حاتم الرازي، إمامُ الجرح والتعديل, ورواه أبو نشيط محمد بن هارون عن عمرو بن الربيع كما هو عند الدارقطني، فقال فيه: محمد بن عطاء، نسبه إلى جده فلا أدري أذلك منه أم من عمرو بن الربيع، انتهى كلامه.
قال الشيخ في "الإِمام": ويحيى بن أيوب أخرج له مسلم، وعبيد الله ابن أبي جعفر من رجال الصحيحين، وكذلك عبد الله بن شداد، والحديث على شرط مسلم، انتهى.
١٥٦٦ - (حدثنا صفوان بن صالح) بن صفوان الثقفي مولاهم، أبو عبد الملك الدمشقي، مؤذن الجامع، ثقة، وكان يدلِّس تدليسَ التسوية، قاله أبو زرعة الدمشقي. قال الآجري عن أبي داود: حجة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان منتحل مذهب أهل الرأي.
(أنا الوليد بن مسلم، نا سفيان) الثوري، (عن عمرو بن يعلى) هكذا بالواو في هذه النسخة، وفي النسخة المكتوبة المصحَّحة، والنسخة القادرية، وكذا بالواو في حديث أحمد في "مسنده"، وكذا في نسخة "المنتقى" لابن جارود، على ما نقله صاحب "العون" (١)، وفي نسخة "العون": "عمر" بدون الواو، وهو الصواب، وهو عمر بن عبد الله بن يعلي بن مُرَّة الثقفيُّ، قال في "تهذيب التهذيب": روى عن أبيه وأنس بن مالك، وغيرهم، وعنه الثوري وغيره، قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم أيضًا: متروك الحديث، وقال ابن معين أيضًا: ليس بشيء.
وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال
стр. 3663
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ الخَاتَمِ. "قِيلَ لِسُفْيَانَ: كَيْفَ تُزَكِّيهِ؟ قَالَ: تَضُمُّهُ إِلَى غَيْرِهِ" (١). [أخرجه الْبيهقي مرفوعًا ٤/ ١٤٥]
===
الدارقطني: متروك، وذكره العقيلي في "الضعفاء" (٢)، وقد ذكر ترجمة عمر بن عبد الله بن يعلى في "الميزان" (٣)، وقال: ولعمر عن أبيه عن جده "أتيت نبي الله ﷺ وفي يدي خاتم من ذهب، فقال: أتؤدي زكاته؟ فقلت: وهل فيه زكاة؟ فقال: جمرة عظيمة".
(فذكر الحديث نحو حديث الخاتم) أي نحو الحديث الذي تقدم عن عائشة في وجوب الزكاة في الخاتم والوعيد عليه بقوله: "حسبك من النار".
(قيل لسفيان: كيف تزكيه) والخاتم الواحد لا يبلغ نصاب الزكاة؟ (قال) سفيان الثوري: (تضمه) (٤) أي تجمعه (إلي غيره) أي غير الخاتم من الحلي وغيره من الذهب والفضة.
وقد أخرج هذا الحديثَ الإمامُ أحمدُ في "مسنده" (٥): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن يعلي بن مرة الثقفي، عن أبيه، عن جده، قال: "أتى النبيَّ ﷺ رجل عليه خاتم من الذهب عظيم، فقاله له النبي ﷺ : أتزكي هذا؟ فقال: يا رسول الله! فما زكاة هذا؟ قال رسول الله ﷺ : جمرة عظيمة عليه".
وقد أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٦) بطريقين: أخبرنا أبو الحسن
стр. 3664
(٤) بَابٌ: في زَكَاةِ السَّائِمَةِ
١٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ
===
علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبيد بن شريك، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا سفيان الثوري، عن عمر بن يعلى الطائفي الثقفي، عن أبيه، عن جده، قال: أتيت رسول الله ﷺ وفي إصبعي خاتم من ذهب، فقال: "تؤدي زكاة هذا؟ "، قلت: يا رسول الله! وهل في ذا زكاة؟ قال: ["نعم جمرة عظيمة"، قال الوليد: فقلت لسفيان: كيف تؤدي زكاة خاتم وإنما قدره مثقال أو نحوه؟ قال: ] تضيفه فيما (١) تملك فيما يجب وزنه الزكاة ثم تزكيه، وكذا رواه جماعة عن الوليد بن مسلم (٢).
ثم أخرج بالطريق الثاني فقال: ورواه أيضًا الأشجعي عن الثوري، كما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني علي بن محمد بن سختويه (٣)، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا الأشجعي، ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن يعلي بن مرة الثقفي، عن أبيه، عن جده، قال: أتى النبي ﷺ رجل عليه خاتم من ذهب عظيم، فقال النبي ﷺ : " أتزكي هذا؟ " فقال: يا رسول الله! وما زكاة هذا؟ قال: فلما أدبر الرجل قال رسول الله ﷺ : "جمرة عظيمة"، ففي السند الأول كتب "عمر" بغير الواو، وفي الثاني "عمرو" بالواو.
(٤) (بَابٌ: في زَكَاةِ السَّائِمَةِ) (٤)
السائمة من الماشية المرسلة الراعية في مرعاها
١٥٦٧ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة (قال: أخذت من
стр. 3665
ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لأنَسٍ، وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حينَ بَعَثَهُ مُصَدّقًا،
===
ثمامة بن عبد الله بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال العجلي: تابعي، ثقة، وذكره ابن عدي في "الكامل" (١)، وروى عن أبي يعلى أن ابن معين أشار إلى تضعيفه.
(كتابًا) وأخرج البخاري هذا الحديث في "صحيحه" (٢) عن عبد الله بن المثنى [عن ثمامة] بن عبد الله بن أنس بن مالك، قال الحافظ (٣): وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقًا، فذكر الحديث، هكذا أخرج أبو داود عن أبي سلمة عنه.
ورواه أحمد في "مسنده" قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أن أبا بكر، فذكره.
وقال إسحاق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا النضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يحدثه عن أنس عن النبي ﷺ ، فذكره، فوضح أن حمادًا سمعه من ثمامة وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعله بكونه مكاتبة، وانتفى تعليل من أعله يكون عبد الله بن المثنى لم يتابع عليه.
(زعم) أي ثمامة (أن أبا بكر) الصديق ﵁ كتبه) (٤) أي الكتاب لما استخلف (لأنس) لما وجهه إلى البحرين، (وعليه) أي على كتاب (خاتم رسول الله ﷺ ) أي نقش خاتمه (حين بعثه) أي أنسًا (مصدقًا)
стр. 3666
وَكَتَبَهُ لَهُ فَإِذَا فِيهِ: "هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
===
أي آخذًا صدقاتهم وعاملًا عليها (وكتبه) أي أبو بكر الكتاب (له) أي لأنس.
(فإذا فيه) أي في الكتاب: (هذه) أي المعاني الذهنية الدالة عليها النقوش اللفظية الآتية (فريضة الصدقة) أي نسخة فريضة، فحذف المضاف للعلم به (التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين) وهذا ظاهر في رفع الخبر إلى النبي ﷺ ، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر ﵁، وقد صرح برفعه في رواية إسحاق المتقدمة ذكرُها.
ومعنى "فرض" ها هنا: أوجب، أو شرع يعني بأمر الله تعالى، وقيل: معناه: قدَّر؛ لأن إيجابها ثابت في الكتاب، ففرض النبي ﷺ لها بيان للمجمل من الكتاب بتقدير الأنواع والأجناس، ويرد بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)، وبمعنى الحل كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٣) وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير.
قال الراغب (٤): كل شيء ورد في القرآن "فرض على فلان" فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء ورد "فرض له" فهو بمعنى لم يحرمه عليه، وذكر أن معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي أوجب عليك العمل به.
وهذا يؤيد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يُحْمَلُ على الاصطلاح الحادث.
стр. 3667
الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ ﵇، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلَيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ:
فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ:
===
(التي) صفة ثانية للصدقة (أمر الله بها) أي بالصدقة (نبيه ﵇، فمن سُئِلَها) أي من سأله المصدقُ الصدقة (من المسلمين) بيان لمن (على وجهها) أي على هذه الكيفية المبينة في هذا الكتاب من الكتاب (فليعطها) أي ليُوءَدِّ الصدقة إلى المصدق، (ومن سئل فوقها) أي زائدًا على ذلك في سِنٍّ أو عدد (فلا يعطه) أي فله المنع، أي لا يعط شيئًا من الزيادة، أو لا يعط شيئًا إلى الساعي، بل إلى الفقراء بنفسه؛ لأنه بذلك يصير خائنًا فتسقط طاعته.
وهذا يدل على أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكي فله أن يأباه ولا يتحرى رضاه، ودل حديث جرير وهو قوله: "أرضوا مصدقيكم وإن ظُلِمْتُم" (١) على خلاف ذلك، وأجاب الطيبي: بأن أولئك المصدقين من الصحابة وهم لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة الظلم إليهم على زعم المزكي، أو جريان على سبيل المبالغة، وهذا عام فلا منافاة بينهما، انتهى.
وقد يجاب (٢) بأن الأول محمول على الاستحباب، وهذا محمول على الرخصة والجواز، أو الأول إذا [كان] يخشى التهمة والفتنة وهذا عند عدمهما (٣).
(فيما دون خمس وعشرين من الإبل) أي في عشرين، وخمس عشرة،
стр. 3668
الْغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ (١)
===
وعشرة، وخمس، تجب (الغنم) بدأ بها؛ لأنها كانت جُلّ أموالهم وأنفَسَها (في كل خمس ذود) والذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: هو خاص بالإناث، والحديث عام فيجب الزكاة في خمس من الإبل ذكورًا أو إناثًا، وخمس ذود بالإضافة، وقيل: بالبدل فَيُنَوَّنُ (شاة) (٢)، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه.
(فإذا بلغت) الإبل (خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض) قال الحافظ (٣): فيه أن في هذا القدر بنت مخاض، وهو قول الجمهور إلَّا ما جاء عن علي: أن في خمس وعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستًا وعشرين كان فيها بنت مخاض، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفًا ومرفوعًا، وإسناد المرفوع ضعيف، والمخاض بفتح الميم، والمعجمة الخفيفة، آخره معجمة، هي التي أتى عليها حول، ودخلت في الثاني وحملت أمها، والمخاض حامل، أي دخل وقت حملها وإن لم تحمل، قاله الحافظ.
وقال القاري (٤): قيل: هي التي تمت لها سنة، سميت بذلك لأن أمها تكون حاملًا، والمخاض الحوامل من النوق، ولا واحد لها من لفظها، بل واحدتها خلفة، وإنما أضيفت إلى المخاض والواحدة لا تكون بنت نوق؛ لأن أمها تكون في نوق حوامل تجاورهن وتضع حملها معهن، وزاد في رواية البخاري "أنثى" توكيدًا، كما قال تعالى: "نفخة واحدة"، ولئلا يتوهم
стр. 3669
إِلَى أَنْ ثَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذكَرٌ،
===
أن البنت ها هنا والابن في ابن لبون كالبنت والابن في بنت طبق وابن آوى يشترك فيهما الذكر والأنثى، كذا ذكره الطيبي" (١).
(إلى أن تبلغ) أي الإبل (خمسًا وثلاثين، فإن لم يكن فيها) أي في الإبل (بنت مخاض فابن لبون (٢) ذكر) وصفها بالذكورة وإن كان قد علم من قبل؛ زيادةً للتوكيد، وهو: ما تم عليه حولان، ودخل في الثالث، وعلم من هذا أن ابن لبون ذكرًا كانت تساوي قيمة بنت مخاض، فإذا أدى المصدق ابن لبون في المحل الذي تجب فيه بنت مخاض يقبل منه ذلك، إذا لم يكن عند رب المال بنت مخاض، إذا ساوى قيمته (٣) قيمتها.
قال الإِمام السرخسي ﵀ في "المبسوط" (٤): إذا وجب عليه في إبله بنت مخاص [فلم توجد] ووجد ابن اللبون فعندنا لا يتعين أخذ ابن اللبون، وعند الشافعي ﵀ يتعين، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ في "الأمالي"، واستدلا في ذلك بهذا القول.
ولكنا نقول: إنما اعتبر رسول الله ﷺ بهذا المعادلةَ في المالية معنى؛ فإن الإناث من الإبل أفضل قيمة من المذكور، والمسنَّة أفضل قيمة من غير المسنَّة، فأقام رسول الله ﷺ زيادة السن في المنقول إليه مقام زيادة الأنوثة في المنقول عنه، ونقصان المذكورة في المنقول إليه مقام نقصان السن في المنقول عنه، ولكن هذا يختلف باختلاف الأوقات والأمكنة، فلو عينا أخذ ابن اللبون من غير اعتبار القيمة أدي إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال.
стр. 3670
فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ،
===
(فإذا بلغت) الإبل (ستًّا وثلاثين ففيها بنت لبون) وهي التي تم عليها سنتان، وطعنت في الثالثة (إلى خمس وأربعين) إلى للغاية، وهو يقتضي أن ما قبل الغاية يشتمل عليه الحكم المقصود بيانه، بخلاف ما بعدها فلا يدخل إلَّا بدليل، وقد دخلت ها هنا بدليل قوله بعد ذلك: "فإذا بلغت ستًّا وأربعين"، فعلم أن حكمها حكم ما قبلها.
(فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حقة) بكسر المهملة، وتشديد القاف، والجمع حقاق بالكسر والتخفيف، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة (طروقة الفحل) بفتح أوله، أي: مطروقة، وهي فعولة بمعنى مفعولة كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل (إلى ستين، فإذا بلغت) الإبل (إحدى وستين ففيها جذعه) بفتح الجيم والمعجمة، وهي التي أتت عليها أربع، ودخلت في الخامسة (إلي خمس وسبعين، فإذا بلغت) الإبل (ستًّا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومئة).
قال الإِمام السرخسي في "المبسوط" (١): وعلى هذا اتفقت الآثار وأجمع العلماء - رحمهم الله تعالى-، إلَّا، ما روي شاذًّا عن علي ﵁ كما تقدم- أنه قال: "في خمس وعشرين خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض"، قال الثوري ﵀: وهذا غلط وقع من رجال علي ﵁، وأما علي ﵁ فإنه كان أفقه من أن يقول هكذا؛ لأن في
стр. 3671
فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ،
===
هذا موالاة بين الواجبين بلا وقص بينهما، وهو خلاف أصول الزكاة؛ فإن مبنى الزكاة على أن الوقص يتلو الواجب، وعلى أن الواجب يتلو الوقص.
(فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) قال السرخسي (١): ثم الاختلاف بينهم بعد ذلك، فالمذهب عندنا استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين، فإذا بلغت الزيادة خمسًا ففيها حقتان وشاة إلى مائة وثلاثين، ففيها حقتان وشاتان، وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه، وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، إلى مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق.
ثم تستأنف الفريضة فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وفي مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان، وفي مائة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه، وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض، وفي مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق، إلى مائتين، فإن شاء أدى عنها أربع حقاق عن كل خمسين حقة، وإن شاء خمس بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون، ثم تستأنف كما بينا.
وقال مالك: بعد مائة وعشرين يجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، والأوقاص تسع تسع، فلا يجب في الزيادة شيء حتى تكون مائة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا (٢) لبون؛ لأنها مرة خمسون، ومرتين أربعون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة
стр. 3672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مئة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مئتين، فإن شاء أدى أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون.
وقال الشافعي ﵁ مثل قول مالك ﵁ إلَّا في حرف واحد، وهو: أن عند الشافعي (١) إذا زادت الإبل على مئة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى مئة وثلاثين، ثم مذهبه كمذهب مالك ﵁.
وحجتهما في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ﵄: "أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة، وقرنه بقراب سيفه، ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فعمل به أبو بكر وعمر ﵄ حتى قبضا"، وكان فيه: "إذا زادت الإبل على مئة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". إلَّا أن مالكًا ﵀ حمله على الزيادة التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها، وذلك لا يكون فيما دون العشرة، والشافعي ﵀ يقول: إن رسول الله ﷺ قد علَّق هذا الحكم بنفس الزيادة، وذلك بزيادة الواحدة، فعندها يوجب في كل أربعين بنت لبون، وهذه الواحدة لتعيين الواجب بها فلا يكون لها حظ من الواجب.
واستدل عليه بالحديث الذي ذكره أبو داود وابن المبارك - رحمهما الله تعالى- بالإسناد: أن النبي ﷺ قال: "إذا زادت الإبل على مئة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون". وهذا نص في الباب، والمعنى فيه: أن الواجب في كل مال من جنسه، فإن الواجب جزء من المال إلَّا أن الشرع عند قلة الإبل أوجب من خلاف الجنس نظرًا للجانبين؛ فإن خمسًا من الإبل مال عظيم، ففي إخلائه عن الواجب إضرار بالفقراء، وفي إيجاب الواحدة إجحاف بأرباب
стр. 3673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأموال، وكذلك في إيجاب الشقص؛ فإن الشركة عيب، فأوجب من خلاف الجنس دفعًا للضرر، وقد ارتفعت هذه الضرورة عند كثرة الإبل فلا معنى لإيجاب خلاف الجنس.
ومبنى الزكاة على أن عند كثرة العدد وكثرة المال يستقر النصاب والوقص، والواجب على شيء معلوم كما في زكاة الغنم عند كثرة العدد يجب في كل مائة شاة، ثم أعدل الأسنان بنت اللبون والحقاق، فإن أدناها بنت المخاض وأعلاها الجذعة، والأعدل هو الأوسط، وكذلك أعدل الأوقاص هو العَشَرُ فإن الأوقاص في الابتداء خمس، وفي الانتهاء خمسة عشر فالمتوسط هو العشر، وهو الأعدل فلهذا أوجبنا في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
ولنا حديث (١) قيس بن سعد ﵁ قال: قلت لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ﵁: أَخْرِجْ لي كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، فأخرج كتابًا في ورقة، وفيه: "إذا زادت الإبل على مئة وعشرين استؤنفت الفريضة، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة"؛ وروي بطريق شاذ: "إذا زادت الإبل على مائة وعشرين فليس في الزيادة حتى تكون خمسًا، فإذا كانت مئة وخمسًا وعشرين ففيها حقتان وشاة"، وهذا نص، ولكنه شاذ، والقول باستقبال الفريضة بعد مائة وعشرين مشهور عن علي وابن مسعود ﵄.
ثم نقول: وجوب الحقتين في مئة وعشرين ثابت باتفاق الآثار وإجماع الأمة، فلا يجوز إسقاطه إلَّا بمثله، وبعد مئة وعشرين اختلفت الآثار فلا يجوز إسقاط ذلك الواجب عند اختلاف الآثار، بل يؤخذ بحديث عمرو بن حزم
стр. 3674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵁، ويُحمَلُ حديثُ ابن عمر ﵁ على الزيادة الكبيرة حتى يبلغ مئتين، وبه نقول: إن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وحديثُ ابن المبارك محمول على ما إذا كانت مائة وعشرين من الإبل بين ثلاثة نفر، لأحدهم خمس وثلاثون، وللآخر أربعون، وللآخر خمس وأربعون، فإذا زادت لصاحب الخمس وثلاثين واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون.
وهذا التأويل وإن كان فيه بعض بُعْد فالقول به أولى مما ذهب إليه الشافعي ﵀، فإنه أوجب ثلاث بنات لبون وهو مخالف للآثار المشهورة، وإن كان لم يجعل لهذه الواحدة حظًّا من الواجب كما هو مذهبه، فهو مخالف لأصول الزكاة؛ فإن ما لاحظ له من الواجب لا يتغير به الواجب كما في الحمولة والعلوفة.
وحقيقة الكلام في المسألة وهو: أن بالإجماع يدار الحكم على الخمسينات والأربعينات، ولكن اختلفنا في أنَ أي الإدارتين أولى؟ ! ففي حديث عمرو بن حزم ﵁ أدار على الخمسينات، وفيها الحقة، ولكن بشرط عود ما دونها، وفي حديث ابن عمر ﵁ على الأربعينات والخمسينات، فنقول: الأخذ بما كان في حديث عمرو بن حزم ﵁ أولى؛ فإن مبنى أصول الزكاة على أن عند كثرة المال يستقر النصاب على شيء واحد معلوم، كما في نصاب البقر فإنه يستقر على شيء واحد، وهو المسنة في الأربعين، ولكن بشرط عود ما دونها، وهو التبع: فكذلك زكاة الإبل، ولهذا لم تعد الجذعة؛ لأن الإدارة على الخمسينات، ولا يوجد فيها نصاب الجذعة، فأما ما دون الجذعة فيوجد نصابها في الخمسينات فتعود لهذا.
ولسنا نسلم احتمال الزيادة الواجب من الجنس؛ فإن حكم الزيادة كالمقطوع عن مئة وعشرين لإيفاء الحقتين فيها كما ثبت باتفاق الآثار، فلم يكن
стр. 3675
فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ في فَرَائِض الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَهٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا،
===
محتملًا للإيجاب من جنسه، فلهذا صرنا إلى إيجاب الغنم فيها، كما في الابتداء حتى إنه لما أمكن البناء مع إبقاء الحقتين بعد مائة وخمس وأربعين بنينًا فنقلنا من بنت المخاض إلى الحقة إذا بلغت مئة وخمسين؛ فإنها ثلاث مرات خمسون، فيؤخذ من كل خمسين حقة، انتهى كلام السرخسي.
(فإذا تباين) أي اختلف (أسنان الإبل في فرائض الصدقات) أي فيما فرض على أرباب الأموال من الصدقات، (فمن بلغت عنده صدقة الجذعة) أي بلغت الإبل عنده نصابًا يجب فيها الجذعة للزكاة (وليست عنده جذعة (١)، وعنده حقة فإنها) أي الحقة (تُقْبَلُ منه) أي يقبلها المصدق (وأن يجعل) رب المال (معها) أي الحقة (شاتين إن استيسرتا) أي الشاتان (له) أي لرب المال، (أو عشرين درهمًا) جبرًا لنقصان الحقة بالنسبة إلى الجذعة.
قال الإِمام السرخسي في "المبسوط" (٢): والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصول: أحدها أن جبران ما بين السنين غير مقدر عندنا، ولكنه بحسب الغلاء والرخص، وعند الشافعي ﵀ يتقدر بشاتين أو بعشرين درهمًا، واستدل بالحديث المعروف.
وإنما (٣) نقول: إنما قال النبي ﷺ ذلك لأن تفاوت ما بين السنين في
стр. 3676
وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وُيعْطيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ (١) عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ (٢) لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ هَهنَا لَمْ أَضْبِطْهُ عَنْ مُوسَى كَمَا أُحِبُّ
===
زمانه كان ذلك (٣) القدَر، لا أنه تقدير شرعي بدليل ما روي عن علي بن أبي طالب: أنه قدَّر الجبران (٤) ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله ﷺ فما كان يخفى عليه هذا النص، ولا يظن به مخالفة رسول الله ﷺ ، وإنما يُحْمَل على أن تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر.
ولأنا لو قدرنا تفاوت ما بين السنين بشيء أدى إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال؛ فإنه إذا أخذ الحقة عن الجذعة وردَّ شاتين، فربما تكون قيمتهما قيمة الحقة فيصير تاركًا للزكاة عليه معنى، وإذا أخذ بنت مخاض وأخذ الشاتين فقد تكون قيمتهما مثل قيمة بنت اللبون، فيكون آخذًا بالزكاة بأخذهما، وبنت المخاض تكون زيادة، وفيه إجحاف بأرباب الأموال.
(ومن بلغت عنده صدقة الحقة) أي وجبت الحقة عليه زكاة في إبله (وليست عنده حقة، وعنده جذعة فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق) بما زاد في أخذ الجذعة مكان الحقة (عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده حقة، وعنده ابنة لبون؛ فإنها تقبل منه).
(قال أبو داود: من ههنا لم أضبطه) أي الحديث (عن موسى) بن إسماعيل شيخي (كما أحب).
стр. 3677
- وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ (١) عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِلَى هَهُنَا لَمْ أُتْقِنْهُ ثُمَّ أَتْقَنْتُهُ - "وُيعْطِيهِ الْمُصَدِّقَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ (٢) لَبُونٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَئءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.
===
(ويجعل) رب المال (معها) أي مع ابنة لبون (شاتين) جبرًا لنقصان ابنة لبون عن الحقة (إن استيسرتا له) أي تيسرتا له بأن تكونا عنده أو تحصلا له بالقيمة (أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلَّا حقة (٤)؛ فإنها تقبل منه، قال أبو داود: إلى ها هنا لم أتقنه، ثم أتقنته).
(ويعطيه) رب المال (المصدق عشرين درهمًا أو شاتين) عوضًا لما أخذ من الزيادة، (ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليس عنده إلَّا ابنة مخاض، فإنها تقبل منه وشاتين) أي مع الشاتين، (أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلَّا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء؛ ) لأنه انجبر فضل الأنوثة بزيادة السنن.
(ومن لم يكن عنده إلَّا أربع) من الإبل، (فليس فيها شيء) من الزكاة؛ لأن هذا العدد ناقص عن النصاب، (إلَّا أن يشاء ربها) فيتبرع بها.
стр. 3678
وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَم إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِئَتَينِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِئَتَيْنِ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثَ مِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ،
===
(وفي سائمة الغنم) أي الغنم السائمة (إذا كانت) الغنم (أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومئة، فإذا زادت) الغنم ولو واحدة (على عشرين ومئة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين، فإذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاةٍ شاة).
قال الشوكاني (١): مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى تُوَفَّى أربع مئة شاة، وهو مذهب (٢) الجمهور، وعن بعض الكوفيين، والحسن بن صالح، [ورواية عن أحمد]: إذا زادت على الثلاث مئة واحدة وجبت الأربع.
وقال في "البدائع" (٣): وقال الحسن بن حي: إذا زادت على ثلاث مئة واحدة ففيها أربع شياه، وفي أربع مئة خمس شياه، والصحيح قول العامة؛ لما روي في حديث أنس: "أن أبا بكر الصديق كتب له كتاب الصدقات الذي كتبه له رسول الله ﷺ وفيه: وفي أربعين من الغنم شاة، وفي مئة وواحدة وعشرين شاتان، وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه، إلى أربع مئة، ففيها أربع شياه"، وطريق معرفة النصب التوقيف دون الرأي والاجتهاد، انتهى.
قلت: والذي وجدته في كتب رسول ﷺ ، ففيها مثل ما في رواية أبي داود: "فإذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاة شاة"، ولم أجد في الروايات هذا
стр. 3679
وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عُوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّق،
===
اللفظ "وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربع مئة شاة"، لكن هذا الذي في "البدائع" حاصل معنى الرواية, والله تعالى أعلم.
(ولا يوخذ في الصدقة هرمة) (١) بفتح الهاء، وكسر الراء، وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها، (ولا ذات عوار (٢) من الغنم) العوار بفتح العين المهملة، وضمها، وقيل: بالفتح فقط أي معيبة، وقيل: بالفتح العيب، وبالضم العور. واختلف في مقدار ذلك، فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية، قاله الشوكاني (٣)(٤).
(ولا تيس الغنم) بتاء فوقية مفتوحة، وياء تحتية ساكنة، ثم سين مهملة، وهو فحل الغنم (إلَّا أن يشاء المصدق) قال الحافظ (٥): اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ ذات عيب ولا هرمة أصلًا، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم إلَّا برضاء المالك؛ لكونه يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، والله أعلم.
وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد، وهو: الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل، انتهى.
стр. 3680
وَلَا يُجْمَعُ (١) بَيْنَ مُفْتَرِقٍ (٢)، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ،
===
وقال في "لسان العرب" (٣): رواه أبو عبيد بفتح الدال (٤) والتشديد، يريد صاحبَ الماشية الذي أُخِذَتْ صدقةُ ماله، وخالفه عامة الرواة فقالوا: بكسر الدال، وهو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها، صدَّقهم يصدِّقهم فهو مصدِّق، وقال أبو موسى: الرواية بتشديد الصاد والدالِ معًا وكسرِ الدال، وهو صاحب المال، وأصله المتصدِّق، فأُدْغِمَتِ التاء في الصاد، والاستثناء من التَّيْسِ خاصة.
(ولا يجمع (٥). بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشيةَ الصدقة)، قال في "البدائع" (٦): أما إذا كانت السوائم مشتركة بين اثنين فقد اختلف فيه،