وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وُيعْطيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ (١) عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ (٢) لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مِنْ هَهنَا لَمْ أَضْبِطْهُ عَنْ مُوسَى كَمَا أُحِبُّ
===
زمانه كان ذلك (٣) القدَر، لا أنه تقدير شرعي بدليل ما روي عن علي بن أبي طالب: أنه قدَّر الجبران (٤) ما بين السنين بشاة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله ﷺ فما كان يخفى عليه هذا النص، ولا يظن به مخالفة رسول الله ﷺ ، وإنما يُحْمَل على أن تفاوت ما بين السنين في زمانه كان ذلك القدر.
ولأنا لو قدرنا تفاوت ما بين السنين بشيء أدى إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال؛ فإنه إذا أخذ الحقة عن الجذعة وردَّ شاتين، فربما تكون قيمتهما قيمة الحقة فيصير تاركًا للزكاة عليه معنى، وإذا أخذ بنت مخاض وأخذ الشاتين فقد تكون قيمتهما مثل قيمة بنت اللبون، فيكون آخذًا بالزكاة بأخذهما، وبنت المخاض تكون زيادة، وفيه إجحاف بأرباب الأموال.
(ومن بلغت عنده صدقة الحقة) أي وجبت الحقة عليه زكاة في إبله (وليست عنده حقة، وعنده جذعة فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق) بما زاد في أخذ الجذعة مكان الحقة (عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده حقة، وعنده ابنة لبون؛ فإنها تقبل منه).
(قال أبو داود: من ههنا لم أضبطه) أي الحديث (عن موسى) بن إسماعيل شيخي (كما أحب).
стр. 3677
- وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ (١) عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ- قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِلَى هَهُنَا لَمْ أُتْقِنْهُ ثُمَّ أَتْقَنْتُهُ - "وُيعْطِيهِ الْمُصَدِّقَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ (٢) لَبُونٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَئءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.
===
(ويجعل) رب المال (معها) أي مع ابنة لبون (شاتين) جبرًا لنقصان ابنة لبون عن الحقة (إن استيسرتا له) أي تيسرتا له بأن تكونا عنده أو تحصلا له بالقيمة (أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلَّا حقة (٤)؛ فإنها تقبل منه، قال أبو داود: إلى ها هنا لم أتقنه، ثم أتقنته).
(ويعطيه) رب المال (المصدق عشرين درهمًا أو شاتين) عوضًا لما أخذ من الزيادة، (ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليس عنده إلَّا ابنة مخاض، فإنها تقبل منه وشاتين) أي مع الشاتين، (أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلَّا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء؛ ) لأنه انجبر فضل الأنوثة بزيادة السنن.
(ومن لم يكن عنده إلَّا أربع) من الإبل، (فليس فيها شيء) من الزكاة؛ لأن هذا العدد ناقص عن النصاب، (إلَّا أن يشاء ربها) فيتبرع بها.
стр. 3678
وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَم إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مِئَتَينِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِئَتَيْنِ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثَ مِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ،
===
(وفي سائمة الغنم) أي الغنم السائمة (إذا كانت) الغنم (أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومئة، فإذا زادت) الغنم ولو واحدة (على عشرين ومئة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مئتين، فإذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاةٍ شاة).
قال الشوكاني (١): مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى تُوَفَّى أربع مئة شاة، وهو مذهب (٢) الجمهور، وعن بعض الكوفيين، والحسن بن صالح، [ورواية عن أحمد]: إذا زادت على الثلاث مئة واحدة وجبت الأربع.
وقال في "البدائع" (٣): وقال الحسن بن حي: إذا زادت على ثلاث مئة واحدة ففيها أربع شياه، وفي أربع مئة خمس شياه، والصحيح قول العامة؛ لما روي في حديث أنس: "أن أبا بكر الصديق كتب له كتاب الصدقات الذي كتبه له رسول الله ﷺ وفيه: وفي أربعين من الغنم شاة، وفي مئة وواحدة وعشرين شاتان، وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه، إلى أربع مئة، ففيها أربع شياه"، وطريق معرفة النصب التوقيف دون الرأي والاجتهاد، انتهى.
قلت: والذي وجدته في كتب رسول ﷺ ، ففيها مثل ما في رواية أبي داود: "فإذا زادت على مئتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة ففي كل مئة شاة شاة"، ولم أجد في الروايات هذا
стр. 3679
وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عُوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّق،
===
اللفظ "وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربع مئة شاة"، لكن هذا الذي في "البدائع" حاصل معنى الرواية, والله تعالى أعلم.
(ولا يوخذ في الصدقة هرمة) (١) بفتح الهاء، وكسر الراء، وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها، (ولا ذات عوار (٢) من الغنم) العوار بفتح العين المهملة، وضمها، وقيل: بالفتح فقط أي معيبة، وقيل: بالفتح العيب، وبالضم العور. واختلف في مقدار ذلك، فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية، قاله الشوكاني (٣)(٤).
(ولا تيس الغنم) بتاء فوقية مفتوحة، وياء تحتية ساكنة، ثم سين مهملة، وهو فحل الغنم (إلَّا أن يشاء المصدق) قال الحافظ (٥): اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ ذات عيب ولا هرمة أصلًا، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم إلَّا برضاء المالك؛ لكونه يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، والله أعلم.
وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد، وهو: الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل، انتهى.
стр. 3680
وَلَا يُجْمَعُ (١) بَيْنَ مُفْتَرِقٍ (٢)، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ،
===
وقال في "لسان العرب" (٣): رواه أبو عبيد بفتح الدال (٤) والتشديد، يريد صاحبَ الماشية الذي أُخِذَتْ صدقةُ ماله، وخالفه عامة الرواة فقالوا: بكسر الدال، وهو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها، صدَّقهم يصدِّقهم فهو مصدِّق، وقال أبو موسى: الرواية بتشديد الصاد والدالِ معًا وكسرِ الدال، وهو صاحب المال، وأصله المتصدِّق، فأُدْغِمَتِ التاء في الصاد، والاستثناء من التَّيْسِ خاصة.
(ولا يجمع (٥). بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشيةَ الصدقة)، قال في "البدائع" (٦): أما إذا كانت السوائم مشتركة بين اثنين فقد اختلف فيه،
стр. 3681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال أصحابنا: إنه يُعتبر في حال الشركة ما يُعتبر في حال الانفراد، وهو كمال النصاب في حق كل واحد منهما، فإن كان نصيب كل واحد منهما يبلغ نصابًا تجب الزكاة وإلَاّ فلا.
وقال الشافعي: إذا كانت أسباب الإسامة (١) متحدة، وهو: أن يكون الراعي والمرعى والماء والمراح والكلب واحدًا، والشريكان من أهل وجوب الزكاة عليهما يُجْعَلُ مالُهما كمال واحد وتجب عليهما الزكاة، وإن كان كل واحد منهما لو انفرد لا تجب عليه، واحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان بين خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية".
فقد اعتبر النبي ﷺ الجمعَ والتفريق؛ حيث نهى عن جمع المتفرق وتفريقِ المجتمع، وفي اعتبار حال الجمع بحال الانفراد في اشتراط النصاب في حق كل واحد من الشريكين إبطال معنى الجمع وتفريق المجتمع.
ولنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في سائمة المرءِ المسلم إذا كانت أقلَّ من أربعين صدقة"، نفى وجوب الزكاة في أقل من أربعين مطلقًا عن حال الشركة والانفراد، فدل أن كمال النصاب في حق كل واحد منهما شرط الوجوب.
وأما الحديث فقوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق".
ودليلنا أن المراد منه التفرق في الملك لا في المكان، لإجماعنا على أن النصاب الواحد إذا كان في مكانين تجب الزكاة فيه، فكان المراد منه التفرق في الملك، ومعناه: إذا كان الملك متفرقًا لا يجمع فيجعل كأنه لواحد لأجل الصدقة، كخمس من الإبل بين اثنين، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين
стр. 3682
وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ،
===
من الغنم حال عليهما الحول، وأراد المصدق أن يأخذ منها الصدقة، ويجمع بين الملكين، ويجعلهما كملك واحد؛ ليس له ذلك، وكثمانين من الغنم بين اثنين حال عليهما الحول أنه يجب فيها شاتان على كل واحد منهما شاة، ولو أراد أن يجمعا بين الملكين فيجعلاهما ملكًا واحدًا خشية الصدقة فيعطي (١) المصدِّق شاة واحدة ليس لهما ذلك لتفرق ملكيهما، فلا يملكان الجمع لأجل الزكاة.
وقوله: "لا يفرق بين مجتمع" أي في الملك، كرجل له ثمانون من الغنم في مرعيين مختلفين، إنه يجب عليه شاة واحدة، ولو أراد المصدق أن يفرق المجتمع، فيجعلها كأنها لرجلين، فيأخذ منها شاتين ليس له ذلك؛ لأن الملك مجتمع فلا يملك تفريقه، وكذا لو كان له أربعون من الغنم في مرعيين مختلفين تجب عليه الزكاة؛ لأن الملك مجتمع فلا يجعل كالمتفرقين في الملك خشية الصدقة.
(وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (٢) قال في "البدائع" (٣): ثم إذا حضر المصدق بعد تمام الحول على المال المشترك بينهما فإنه يأخذ الصدقة منه، إذا وجد فيه واجبًا، ولا ينتظر القسمة لأن اشتراكهما على علمهما يوجب الزكاة في المال المشترك، وأن المصدق لا يتميز له المال
стр. 3683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيكون إِذْنٌ من كل واحد منهما بأخذ الزكاة من ماله دلالة، ثم إذا أخذ ينظر، إن كان المأخوذ حصة كل واحد منهما لا غير بأن كان المال بينهما على السوية فلا تراجع بينهما؛ لأن ذلك القدر كان واجبًا على كل واحد منهما بالسوية، وإن كانت الشركة بينهما على التفاوت، فأخذ من أحدهما زيادة لأجل صاحبه فإنه يرجع على صاحبه بذلك القدر.
وبيان ذلك: إذا كان ثمانون من الغنم بين رجلين فأخذ المصدق منهما شاتين فلا تراجع ههنا لأن الواجب على كل واحد منهما بالسوية وهو شاة، فلم يأخذ من كل واحد منهما إلا قدر الواجب عليه، فليس له أن يرجع.
ولو كانت الثمانون بينهما أثلاثًا يجب فيها شاة واحدة على صاحب الثلثين لكمال نصابه وزيادة، ولا شيء على صاحب الثلث لنقصان نصابه، فإذا حضر المصدق وأخذ من عرضها شاة واحدة يرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بثُلُث قيمة الشاة لأن كل شاة بينهما أثلاثًا فكانت الشاة المأخوذة بينهما أثلاثًا، فقد أخذ المصدق من نصيب صاحب الثلث ثلث شاة لأجل صاحب الثلثين فكان له أن يرجع بقيمة الثلث.
وكذلك إذا كان مئة وعشرون من الغنم بين رجلين، لأحدهما ثُلُثاها، وللآخر ثُلُثها، ووجب على كل واحد منهما شاة، فجاء المصدق وأخذ من عرضها شاتين كان لصاحب الثلثين أن يرجع على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة؛ لأن كل شاة بينهما أثلاثًا، ثلثاها لصاحب الثمانين، والثلث لصاحب الأربعين، فكانت الشاتان المأخوذتان بينهما أثلاثًا لصاحب الثلثين شاة وثلث شاة، ولصاحب الثلث ثلثا شاة، والواجب عليه شاة كاملة، فأخذ المصدق من نصيب صاحب الثلثين شاة وثلث شاة، ومن نصيب صاحب الثلث ثلثي شاة، فقد صار آخذًا من نصيب صاحب الثلثين ثلث شاة لأجل زكاة صاحب الثلث، فيرجع صاحب الثلثين على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة، وهذا- والله أعلم- معنى قوله ﷺ : "وما كان بين الخليطين فإنهما يتراجعان بالسوية"، انتهى.
стр. 3684
فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ أَرْبَعِينَ، فَلَيْسَ فِيهَا شَئٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِئَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَئٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا". [خ ١٤٤٨، ن ٢٤٤٧، جه ١٨٠٠، حم ١/ ١٢]
===
(فإن لم تبلغ سائمة الرجل) من الغنم (أربعين فليس فيها شيء) واجب من الزكاة (إلَّا أن يشاء ربها) أي مالكها، فيتبرع متطوعًا.
(وفي الرقة) من الورق، قال في "لسان العرب" (١): والوَرِقُ والوِرْق، والوَرْق والرقَة: الدراهم مثل كَبِدٍ وكِبْد وكَبْد؛ لأن فيهم من ينقل كسرة الراء إلى الواو بعد التخفيف، ومنهم من يتركها على حالها.
وفي "الصحاح": الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عوض من الواو، وفي الحديث في الزكاة: "في الرقة ربع العشر"، وفي حديث آخر: "فهاتوا صدقة الرقة" يريد الفضة والدراهم المضروبة منهما، وحُكِيَ في جمع الرقة: رقاق.
(ربع العشر) أي جزء واحد من أربعين جزءًا (فإن لم يكن المال) أي الدراهم (إلَّا تسعين ومئة فليس فيها شيء) من الواجب إجماعًا (إلَّا أن يشاء ربها).
قال القاري: قال في "شرح السنَّة" (٢): هذا يوهم أنها إذا زادت على ذلك شيئًا قبل أن تتم مئتين كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك، وإنما ذكر تسعين؛ لأنه آخر فصل من فصول المئة، والحساب إذا جاوز المئة، كانت تركيبه بالفصول، والعشرات، والمئات، والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المئتين، بدليل قوله ﵊: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
стр. 3685
١٥٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا عَبَّادُ بْن الْعَوَّامِ، عن سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ،
===
١٥٦٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا عباد بن العوام) بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن مصعب بن جندل الكلابي مولاهم، أبو سهل الواسطي، قال ابن معين، والعجلي، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وابن سعد، والبزار: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحسن بن عرفة: سألني وكيع عنه أتحدث عنه؟ فقلت: نعم، فقال: ليس عندكم أحد يشبهه. وعن أحمد: كان يشبه أصحاب الحديث، وقال الأثرم عن أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن خراش: صدوق.
(عن سفيان (١) بن حسين) بن الحسن، أبو محمد، ويقال: أبو الحسن الواسطي، مولى عبد الله بن خازم الواسطي، قال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة في غير الزهري، لا يُدفَع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم، وعن ابن معين نحوًا منه، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وفي حديثه ضعف، وقال النسائي: ليس به بأس إلَّا في الزهري، وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، إلَّا أنه كان مضطربًا في الحديث قليلًا، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح، وفي الزهري يروي أشياء خالف الناس.
وقال ابن خراش: كان مؤدبًا ثقة، وقال في موضع آخر: لين الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أما روايته عن الزهري؛ فإن فيها تخاليط يجب أن يُجانَبَ، وهو ثقة في غير الزهري، وقال في "الضعفاء": يروي عن الزهري المقلوبات، وذلك أن صحيفة الزهري اختلطت عليه، وقال البزار: واسطي، ثقة، وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بالحافظ.
стр. 3686
عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: "كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَىً عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: "في خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ابْنَةُ (١) مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا (٢) زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا جَذَعَةٌ (٣) إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا ابْنَتَا (٤) لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ
===
(عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قُبِضَ، فقرنه بسيفه، فعمل به) أي بالكتاب (٥) (أبو بكر حتى قُبِضَ، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه) أي في الكتاب:
(في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه. وفي خمس وعشرين ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة) أي على خمس وثلاثين (ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين. فإذا زادت) أي على خمس وأربعين (واحدة، ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت) على ستين (واحدة، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت) على خمس وسبعين (واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت) على
стр. 3687
وَاحِدَةً، فَفِيهَا حِقَّتَان إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ (١) لَبُونٍ، وَفِي الْغَنَم في كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَشَاتَاَنِ إِلَى مئَتَيْنِ (٢) فَإِذَا زَادَتْ (٣) عَلَى الْمِئَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا شَئٌ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِئَةَ،
===
تسعين (واحدة، ففيها حقتان إلى عشرين ومئة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك) أي عشرين ومئة (ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون).
(وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومئة، فإن زادت) على عشرين ومئة (واحدة (٤) فشاتان إلى مئتين، فإذا زادت على المئتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مئة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك) أي في ثلاث مئة (ففي كل مئة شاة شاة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المئة).
وههنا مسألة خلافية بين فقهاء الحنفية (٥)، وهي أن المال إذا اجتمع فيه النصاب والعفو ثم هلك البعض، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-: يصرف الهلاك إلى العفو أولاً؛ كأنه لم يكن في ملكه إلَّا النصاب. وعند محمد وزفر: يصرف الهلاك إلى الكل شائعًا، حتى إذا كان له تسعة من الإبل. فحال عليها الحول ثم هلك منها أربعة، فعليه في الباقي شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر عليه في الباقي خمسة أتساع شاة.
стр. 3688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-: أن الوجوب يتعلق بالنصاب دون العفو، وعند محمد وزفر - رحمهما الله - يتعلق بهما جميعًا، واحتجا بقول النبي ﷺ : "في خمسٍ من الإبل شاةٌ إلى تسعٍ" أخبر أن الوجوب يتعلق بالكل، ولأن سبب الوجوب هو المال النامي، والعفو مال نام، ومع هذا لا تجب بسببه زيادة على أن الوجوب في الكل، نظيره إذا قضى القاضي بحق بشهادة ثلاثة نفر كان قضاؤه بشهادة الكل وإن كان لا حاجة إلى القضاء إلى الثالث، وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته، وما بقي يبقى بزكاته كالمال المشترك.
واحتج أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله- بقول النبي ﷺ في حديث عمرو بن حزم: "في خمس من الإبل السائمة شاة، وليس في الزيادة شيء حتى تكون عشرًا"، وقال في حديثه أيضًا: "في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وليس في الزيادة شيء إلى خمس وثلاثين"، وهذا نص على أن الواجب في النصاب دون الوقص، ولأن الوقص والعفو تبع للنصاب [لأن النصاب] باسمه وحكمه يستغني عن الوقص، والوقص باسمه وحكمه لا يستغني عن النصاب.
والمال إذا اشتمل على أصل وتبع، فإذا هلك منه شيء يصرف الهلاك إلى التبع دون الأصل، كمال المضاربة إذا كان فيه ربح فهلك شيء منه يصرف الهلاك إلى الربح كذا هذا.
وعلى هذا، إذا حال الحول على ثمانين شاة، ثم هلك أربعون منها، وبقي أربعون، فعليه في الأربعين الباقية شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله-؛ لأن الهلاك يصرف إلى العفو أولًا عندهما، فجعل كأن الغنم أربعون من الابتداء، وفي قول محمد وزفر: عليه في الباقي نصف شاة، لأن الواجب في الكل عندهما، وقد هلك النصف فيسقط الواجب بقدره، ولو هلك منها عشرون، وبقي ستون، فعليه في الباقي شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
стр. 3689
وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ (١) بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ". قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قُسِمَتِ الشَّاءُ
===
وعند محمد وزفر ثلاثة أرباع شاة لما قلنا، وعلى هذا مسائل في "الجامع"، انتهى ما قاله في "البدائع".
ورجح ابن الهمام قول محمد وزفر، وقال (٢): لا يخفى أن هذا الحديث -أي الذي استدل به أبو حنيفة وأبو يوسف وفيه: "ليس في الزيادة شيء حتى يبلغ عشرًا" - لا يقوى قوة حديثيهما في الثبوت إن ثبت، والله أعلم، وإنما نسبه ابن الجوزي في "التحقيق" إلى رواية أبي يعلى القاضي وأبي إسحاق الشيرازي في كتابيهما، فقول محمد أظهر من جهة الدليل، انتهى.
قلت: فمدار الحنفية في الاستدلال في استئناف الصدقة أيضًا على حديث محمد بن عمرو بن حزم، فلو كان الحديث عندهم ضعيفًا لا يصح الاستدلال به على الاستئناف، ومع هذا فقد ورد في هذا الحديث حديث أبي داود: "وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة"، فثبت بطريقين أن الأوقاص يجب فيها الزكاة، والله أعلم.
(ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان) المال (من خليطين فإنهما يتراجعان) أي كل واحد منهما إذا أخذ من حقه لصاحبه (بالسوية، ولا يوخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عيب) أي كما أن الساعي ممنوع عن أخذ خيار المال ممنوع عن أخذ رذالته أيضًا، بل يأخذ الوسط.
(قال) سفيان بن حسين: (وقال الزهري: إذا جاء المصدق قُسِّمَتِ الشاءُ
стр. 3690
أَثْلَاثًا (١): ثُلُثًا شِرَارًا، وَثُلُثًا خِيَارًا، وَثُلُثًا وَسَطًا، فَأَخَذَ (٢) الْمُصَدِّقُ مِنَ الْوَسَطِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الزُّهْرِيُّ الْبَقَرَ". [ت ٦٢١، حم ٢/ ١٤، جه ١٧٩٨، دي ١٦٢٠]
١٥٦٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِىُّ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ» , وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ الزُّهْرِىِّ. [انظر سابقه]
===
أثلاثًا: ثُلُثًا شِرارًا، وثُلُثًا خيارًا، وثُلُثًا وسطًا، فأخذ المصدق من الوسط، ولم يذكر الزهري البقرَ) أي في كتاب الصدقة.
١٥٦٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن يزيد الواسطي، أنا سفيان بن حسين بإسناده) أي بإسناد الحديث المتقدم لسفيان (ومعناه، قال) أي زاد محمد بن يزيد في الحديث: (فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون, ولم يذكر كلام الزهري) أي ونقص محمد بن يزيد بأنه لم يذكر كلام الزهري الذي في آخر الحديث، وهو قوله: قال الزهري: إذا جاء المصدق.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤): قال المنذري: وسفيان بن حسين أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلَّا أن حديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابع سفيانَ بنَ حسين على رفعه سليمانُ بنُ كثير، وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال الترمذي في "كتاب العلل": سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق، انتهى.
стр. 3691
١٥٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: "هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِى كَتَبَهُ فِى الصَّدَقَةِ, وَهِىَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا, وَهِىَ الَّتِى انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَو, فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: «فَإِذَا (١) كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً, فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ, حَتَّى تَبْلُغَ
===
ورواه أحمد في "مسنده" (٢)، والحاكم في "مستدركه" (٣)، وقال: سفيان بن حسين وثقه يحيى بن معين، وهو أحد أئمة الحديث، إلَّا أن الشيخين لم يخرجا له، وله شاهد صحيح وإن كان فيه إرسال، انتهى ما قاله الزيلعي.
١٥٧٠ - (حدثنا محمد بن العلاء، أنا ابن المبارك) (٤) عبد الله، (عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب) الزهري (قال) أي ابن شهاب: (هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه) أي أمر بكتابته (في الصدقة) أي في تفصيل مسائلها (وهي) أي النسخة كانت (عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها) أي النسخة (على وجهها، وهي التي انتسخ) أي أمر بالانتساخ عنها (عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله ابن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر، فذكر) الزهري (الحديث، قال) الزهري بعد ما ذكر من ابتداء النصاب إلى عشرين ومائة.
(فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ) الإبل
стр. 3692
تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كانَتْ ثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ سِتِّينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ ثَمَانِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِئَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمِئَةً، فَإِذَا كَانَتْ مِئَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيُّ السِّنَّينِ وُجِدَتْ أُخِذَتْ".
===
(تسعًا وعشرين ومئة، فإذا كانت ثلاثين ومئة ففيها بنتا لبون وحقة) لأنها تشتمل على أربعينتين وخمسينة، (حتى تبلغ تسعًا وثلاثين ومئة، فإذا كانت أربعين ومئة ففيها حقتان وبنت لبون) لأنها تشتمل على خمسينتين وأربعينة (حتى تبلغ تسعًا وأربعين ومئة، فإذا كانت خمسين ومئة ففيها ثلاث حقاق) لأنها تشتمل على ثلاث خمسينات، وهذا متفق عليه، (حتى تبلغ تسعًا وخمسين ومئة، فإذا كانت ستين ومئة ففيها أربع بنات لبون) لأنها أربع أربعينات (حتى تبلغ تسعًا وستين ومئة، فإذا كانت سبعين ومئة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة)؛ لأنها ثلاث أربعينات وخمسينة.
(حتى تبلغ تسعًا وسبعين ومئة، فإذا كانت ثمانين ومئة ففيها حقتان وابنتا لبون)؛ لأنها تشتمل على خمسينتين وأربعينتين (حتى تبلغ تسعًا وثمانين ومئة، فإذا كانت تسعين ومئة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون) لأنها تشتمل على ثلاث خمسينات وأربعينة، (حتى تبلغ تسعًا وتسعين ومئة، فإذا كانت مئتين ففيها أربع حقاق) لأنها تشتمل على أربع خمسينات (أو خمس بنات لبون) لأنها تشتمل على خمس أربعينات أيضًا (أي السنين) من الحقاق وبنات اللبون (وجدت) في الذود (أخذت).
стр. 3693
وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، وَفِيهِ: "وَلَا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ". [قط ٢/ ١١٦، ك ١/ ٣٩٣]
===
قال السرخسي في "مبسوطه" (١): إن ظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أن الخيار في هذه الأشياء إلى المصدق يعين أيها شاء، وليس كذلك بل الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدى القيمة وإن شاء أدى سنًّا دون الواجب وفضلَ القيمة، وإن شاء أدى سنًّا فوق الواجب واسترد فضلَ القيمة، حتى إذا عين شيئًا فليس للساعي أن يأبى ذلك؛ لأن صاحب الشرع اعتبر التيسير على أرباب الأموال، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الخيار لصاحب المال، انتهى.
(وفي سائمة الغنم، فذكر) يونس بن يزيد (نحو حديث سفيان بن حسين، وفيه) أي في هذا الحديث: (ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار من الغنم، ولا تيس الغنم إلَّا أن يشاء المصدق)، وقد تقدم ما يتعلق بشرح هذا الكلام.
قال الترمذي (٢) بعد تخريج هذا الحديث: قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين.
قال الزيلعي (٣): قال ابن عدي: وقد وافق سفيانَ بنَ حسينٍ على رفعه سليمانُ بنُ كثيرٍ أخو محمد بن كثير: حدثناه ابن صاعد، عن يعقوب الدورقي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن كثير بذلك، وقد رواه جماعة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فوقفوه، وسفيان بن حسين وسليمان بن كثير رفعاه، انتهى.
стр. 3694
١٥٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ (١) وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً, فَإِذَا أَظَلَّهُمُ الْمُصَدِّقُ جَمَعُوهَا, لِئَلَاّ يَكُونَ فِيهَا إِلَّا شَاةٌ, وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ: أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ, فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ, فَإِذَا أَظَلَّهُمَا الْمُصَدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا, فَلَمْ يَكُنْ
===
١٥٧١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: قال مالك: وقول عمر بن الخطاب ﵁)، قال الزرقاني (٢): في كتابه المتقدم، ومَرَّ أنه مرفوع إلى النبي ﷺ (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع) قال في "الموطأ" (٣): "خشية الصدقة، أنه إنما يعني بذلك أصحاب المواشي"، قال الزرفاني: لأنه مقتضى قوله: "خشية الصدقة"، قال مالك: وتفسيره (هو أن يكون) النفر الثلاثة (لكل رجل أربعون شاة) قد وجبت على كل واحد منهم في غنمهم الصدقة (فإذا أظلَّهم) أي أشرف عليهم (المصدق) بتخفيف الصاد وكسر الدال، آخذ الصدقة، وهو الساعي (جمعوها لئلَّا يكون) عليهم (فيها إلَّا شاة) واحدة؛ لأنها واجب مائة وعشرين.
وتفسير قوله: (ولا يفرق بين مجتمع أن الخليطين إذا كان لكل واحد منهما مئة شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه)؛ لأن مجموع ما للخليطين مئتا شاة وشاتين، وباتحاد المرعى وغيرها كأنها لرجل واحد فوجب عليه ثلاث شياه، وهذا عنده. وأما عندنا فليس فيها إلَّا شاتان على كل واحد منهما شاة واحدة، سواء كانت مجتمعة أو متفرقة.
(فإذا أظلَّهما المصدق فرقا غنمهما، فلم يكن
стр. 3695
عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ في ذَلِكَ.
١٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عن عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ وَعَن الْحَارِثِ الأَعْوَرِ، عن عَلِيٍّ ﵁، قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "هَاتُوا رُبُعَ الْعُشُورِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ (١)، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا كَانَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ
===
على كل واحد منهما إلَّا شاة) واحدة، قال مالك: (فهذا الذي سمعت) في تفسير (ذلك).
قال الزرقاني (٢): وإليه ذهب سفيان الثوري، وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لِتَقِلَّ، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فلما احتمل الأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر فحمل عليهما معًا، قال الحافظ: لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، انتهى.
١٥٧٢ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور، عن علي ﵁، قال زهير: أحسبه) أي: أظن أبا إسحاق قال في حديثه بعد قوله: "عن علي ﵁": (عن النبي ﷺ أنه) أي النبي ﷺ (قال: هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهمًا (٣) درهم، وليس) يجب (عليكم شيء) من الزكاة (حتى تتم مئتي درهم، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد) على مئتي
стр. 3696
فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ. وَفِي الْغَنَمِ في كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَئءٌ". وَسَاقَ صَدَقَةَ الْغَنَمِ مِثْلَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ: "وَفِي الْبَقَرِ في كُلِّ ثَلَاثينَ تَبِيعٌ، وَفِي الأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ،
===
درهم فيجب فيه (فعلى حساب ذلك) قل أو كثر، حتَّى إذا كانت الزيادة في درهمًا ففيها جزء من أربعين جزءًا من درهم، وهو قول أبي يوسف (١)، ومحمد، والشافعي، وهو قول علي، وابن عمر، وإبراهيم النخعي.
وقال أبو حنيفة ﵀: وما زاد على المئتين فليس فيه شيء حتى يبلغ أربعين ففيها درهم مع الخمسة، وهكذا في كل أربعين درهمًا في درهم، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ واحتجوا بهذا الحديث.
واحتج أبو حنيفة بحديث عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ قال: "وفي كل مئتي درهم خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهمًا درهم"، ولم يرد به في الابتداء فعلم أن المراد به بعد المئتين. وبحديث معاذ ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "لا تأخذ من الكسور شيئًا، وفي مئتي درهم خمسة دراهم، وما زاد على ذلك ففي كل أربعين درهمًا درهم". كذا في "المبسوط" (٢)(٣).
(وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة، فإن لم يكن إلَّا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء، وساق) أبو إسحاق (صدقة الغنم مثل الزهري، وقال) أبو إسحاق: (وفي البقر في كل ثلاثين تبيع)، والتبيع ما تم عليه الحول، وطعن في الثانية، سمي به لأنه يتبع الأم، (وفي الأربعين مسنة) وهي التي طعنت في الثالثة، سميت بذلك لأنها طلعت سنها.
стр. 3697
وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيءٌ. وَفِي الإِبِلِ"، فَذَكَرَ صَدَقَتَهَا كَمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ. قَالَ: "وَفِي خَمْسٍ (١) وَعِشْرِينَ خَمْسَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ (٢) مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ (٣) مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ إِلَى سِتِّينَ".
ثُمَّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: "فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً - يَعْنِي وَاحِدَةً وتسْعِينَ- فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ،
===
(وليس على العوامل) أي التي تعمل في السقي والحرث وغيرها، (شيء، وفي الإبل، فذكر) أبو إسحاق (صدقتها كما ذكر الزهري. قال: وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض) وقد تقدم ما فيه من "مبسوط" السرخسي، والحافظ ابن حجر.
(فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الجمل إلى ستين).
(ثم ساق) أبو إسحاق (مثل حديث الزهري) كما تقدم في حديث سفيان بن حسين عن الزهري بعد قوله: ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين.
(قال) أبو إسحاق في حديثه: (فإذا زادت واحدة) أي على تسعين (يعني) صارت (واحدة وتسعين، ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى عشرين ومئة،
стр. 3698
فَإِنْ كَانَتِ الإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَلَا يُؤْخَذ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تيسٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ.
وَفِي النَّباتِ: مَا سَقَتْهُ الأَنْهَارُ أَوْ سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
وَفِي حَدِيثِ عَاصِم وَالْحَارِثِ: "الصَّدَقَةُ في كُلِّ عَامٍ". قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ (١) قَالَ: "مَرَّةَ" [خزيمة ٢٢٦٢]
وَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ: "إِذَا لَمْ يَكُنْ في الإِبِلِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَلَا ابْنُ لَبُونٍ، فَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَانِ".
===
فإن كانت الإبل كثر من ذلك، ففي كل خمسين حقة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلَّا أن يشاء المصدق).
(وفي النبات) أي ما تنبته الأرض: (ما سقته الأنهار) مثل دجلة والفرات (أو سقت السماء) أي المطر (العشر) أي يجب فيه عشر ما ينبت، (وما سقي بالغرب) أي بالدلو الكبير (ففيه نصف العشر)، وسيجيء بيانُ اختلاف المذاهب فيه والبحثُ فيما سيأتي من "باب صدقة الزرع".
(وفي حديث عاصم) بن ضمرة (والحارث) الأعور: (الصدقة في كل عام، قال زهير: أحسبه) أي أبا إسحاق (قال: مرة) أي لفظ مرة، يعني: كل عام مرة، (وفي حديث عاصم: إذا لم يكن في الإبل ابنة مخاض، ولا ابن لبون) وقد وجب ذلك (فعشرة دراهم أو شاتان) (٢).
قال الزيلعي (٣) بعد ذكر هذا الحديث عن أبي داود: ورواه الدارقطني في
стр. 3699
١٥٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ - وَسَمَّى آخَرَ -, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ, وَالْحَارِثِ الأَعْوَرِ, عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه -, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِبَعْضِ أَوَّلِ (١) الْحَدِيثِ؛
===
"سننه" مجزومًا به، ليس فيه: قال زهير: وأحسبه عن النبي ﷺ ، وقال ابن القطان في "كتابه": إسناده صحيح وكلهم ثقات، ولا أعني رواية الحارث، إنما رواية عاصم، انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق به مرفوعًا، ولم يشك فيه، وفيه من الغريب قوله: وفي خمس وعشرين خمسة من الغنم، وكذا قوله: إذا لم يكن في الإبل بنت مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان.
قال في "الإِمام": وقد جاء في خمس وعشرين خمسة من الغنم في حديث أخرجه الدارقطني (٢) عن سليمان بن الأرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: وجدنا في كتاب عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في صدقة الإبل: "في خمس من الإبل سائمة شاة"، إلى أن قال: "وفي خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض"، الحديث. قال الدارقطني: وسليمان بن أرقم ضعيف.
١٥٧٣ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، أنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمى آخر)، وهذا قول سليمان أي: قال ابن وهب: أخبرني جرير بن حازم وسمى ابن وهب راويًا آخر مع جرير، ولم أحفظه.
(عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ببعض أول الحديث)، ثم ذكر بعض أول
стр. 3700
قَالَ: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ, فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ, وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَىْءٌ - يَعْنِى فِى الذَّهَبِ - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا, فَإِذَا كَانَتْ (١) عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ, فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ, فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» - قَالَ: فَلَا أَدْرِى أَعَلِىٌّ يَقُولُ: "فَبِحِسَابِ (٢) ذَلِكَ" أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ؟ «وَلَيْسَ فِى مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».
إلَّا أَنَّ جَرِيرًا - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: - يَزِيدُ فِى الْحَدِيثِ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : «لَيْسَ فِى مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ». [حم ١/ ١٤٨، ق ٤/ ٩٣ - ٩٤]
===
الحديث، يقول جرير: (قال) أبو إسحاق: (فإذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس) يجب (عليك شيء، يعني في الذهب) أي لم يقل أبو إسحاق لفظ "في الذهب" لكن مراده ذلك، (حتى يكون لك عشرون (٣) دينارًا، فإذا كانت لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، قال) أبو إسحاق: (فلا أدري أعلي يقول: "فبحساب ذلك" أو رفعه إلى النبي ﷺ ؟ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، إلَّا أن جريرًا - قال ابن وهب: - يزيد في الحديث: عن النبي ﷺ : ليس (٤) في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) لفظ "جريرًا" اسم أن، و"يزيد
стр. 3701
١٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ, عَنْ عَلِىٍّ قال: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ,
===
في الحديث" خبره ولفظ: "قال ابن وهب" جملة معترضة بين اسم "أنَّ" وخبرها.
حاصله: أن سليمان بن داود يقول: قال شيخي ابنُ وهب: إن شيخه جريرًا يزيد في الحديث: عن النبي ﷺ ، أي يرفعه إلى النبي ﷺ ، يريد قوله: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، مرفوع إلى النبي ﷺ .
١٥٧٤ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا أبو عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : قد عفوت عن الخيل والرقيق).
قال في "البدائع" (١): وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو سائمة، فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب أو للحمل أو للجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة، ومال الزكاة هو الفاضل عن الحاجة، وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع؛ لكونها مالًا ناميًا فاضلًا عن الحاجة؛ لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة.
وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والحمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بينا، وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف، وإن كانت تسام للدرِّ والنسل فإن كانت مختلطة [ذكورًا وإناثًا] فقد قال أبو حنيفة: تجب الزكاة فيها قولًا واحدًا، وصاحبها بالخيار إن شاء أدى من كل فرس دينارًا، وإن شاء قوَّمها، وأدى من كل مئتي درهم خمسة دراهم، وإن كانت إناثًا
стр. 3702
فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ (١)، وَلَيْسَ في تِسْعِينَ
===
منفردة أو ذكورًا منفردة ففيهما روايتان عنه، ذكرهما الطحاوي في "الآثار".
وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة فيها كيفما كانت، وبه أخذ الشافعي، واحتجوا بهذا الحديث، وبقوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة"، وكل ذلك نص في الباب.
ولأن زكاة السائمة لا بد لها من نصاب مقدر كالإبل والبقر والغنم، والشرع لم يرد بتقدير النصاب في السائمة منها فلا يجب فيها زكاة السائمة كالحمير.
ولأبي حنيفة ما روي عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "في كل فرسٍ سائمةٍ دينار، وليس في الرابطة شيء".
وروي أن عمر (٢) بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁ في صدقة الخيل: أن خَيِّرْ أربابَها، فإن شاؤوا أدوا من كل فرس دينارًا، وإلا قَوِّمْها وخُذْ من كل مائتي درهم خمسة دراهم. وروي عن السائب بن يزيد ﵁: أن عمر ﵁ لما بعث العلاء [بن] الحضرمي إلى البحرين أمره: أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة دراهم.
وأما قول النبي ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق"، فالمراد منه الخيار للركوب والغزو، لا للإسامة، بدليل أنه فرق بين الخيل والرقيق، والمراد منها عبيد الخدمة، ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر، وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة، أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه عملًا بالدليلين بقدر الإمكان، انتهى ملخصًا.
(فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهمًا درهم، وليس) يجب (في تسعين
стр. 3703
وَمِائَةٍ شَىْءٌ, فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ, فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ». [ت ٦٢٠، ن ٢٤٧٧، جه ١٧٩٠، دي ١٦٢٩، حم ١/ ٩٢، ق ٤/ ١١٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ, وَرَوَاهُ شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ, وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنِ الْحَارِثِ, عَنْ عَلِىٍّ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَهُ (١).
وَرَوَى حَدِيثَ النُّفَيْلِىِّ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَغَيْرُهُمَا, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِىٍّ لَمْ يَرْفَعُوهُ أَوْقَفُوهُ عَلَى عَلِىٍّ.
===
ومئة شيء) من الزكاة، (فإذا بلغت) الدراهم (مئتين ففيها خمسة دراهم).
(قال أبو داود: روى هذا الحديث الأعمشُ (٢) عن أبي إسحاق كما قال أبو عوانة) أي عن عاصم بن ضمرة، ولم يذكر الحارث الأعور، (ورواه شيبان أبو معاوية) (٣) النحوي، (وإبراهيم بن طهمان (٤)، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ مثله)، فذكرا: عن الحارث عن علي، ولم يذكرا عاصمًا، (وروى حديث النفيلي) المتقدم (شعبةُ (٥)، وسفيان (٦)، وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي لم يرفعوه)، بل (أوقفوه على علي) حاصله: أنه وقع الاختلاف في رفعه ووقفه، فرفعه زهير وجرير بن حازم
стр. 3704
١٥٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِى كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: فِى أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ, وَلَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا, مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا» - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: «مُؤْتَجِرًا بِهَا - فَلَهُ أَجْرُهَا, وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ
===
وغيرهما عن أبي إسحاق، وأوقفه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق.
١٥٧٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بهز بن حكيم، ح: وحدثنا محمد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم بن معاوية، (عن جده) معاوية بن حَيدة بفتح المهملتين، بينهما تحتانية ساكنة، ابن معاوية بن قشير بن كعب القشيري، نزل البصرة، قال ابن سعد: وفد على النبي ﷺ وَصَحِبَه، وقال ابن الكلبي: أخبرني أبي: أنه أدركه بخراسان، ومات بها.
(أن رسول الله ﷺ قال: في كل سائمة إبل: في أربعين بنت لبون) هذا محمول عند الشوافع وغيرهم على ما بعد مائة وعشرين؛ فإن مائة وعشرين تجب فيها حقتان، وليس فيها ابنة لبون مع أنه ثلاث أربعينات، وعندنا محمول على ما بعد مائة وخمسين، (لا يفرق إبل عن حسابها) أي لا يفرق المجتمع منها، فيتغير زكاة الإبل عن حسابها.
(من أعطاها) أي الزكاة (مؤتجرًا) من الأجر، أي طالبًا للأجر، (قال ابن العلاء) الشيخ الثاني للمصنف: (مؤتجرًا بها) فزاد ابن العلاء لفظ "بها" (فله) أي من يعطيها مؤتجرًا (أجرها) من الله تعالى (ومن منعها) أي لم يعطها (فإنا آخذوها) أي الزكاةَ (وشطرَ) أي نصف (ماله).
قال في "النهاية" (١): قال الحربي: غلط الراوي في لفظ الرواية, وإنما هو "وَشُطِّرَ مالُهُ"، أي يُجعل مالُه شطرين، ويتخير عليه المصدِّقُ فياْخذ الصدقة من خير النصفين عقوبةً لمنعه، فأما ما لا تلزمه فلا.
стр. 3705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الخطابي في قول الحربي: لا أعرف هذا الوجه، وقيل: معناه إن الحق مستوفى منه غير متروك عليه، وإن تَلِفَ شطرُ ماله كرجل كان له ألف شاة مثلًا، فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون، فيؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي، وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه قال: إنَّا آخذوها وشطر ماله، ولم يقل: إنَّا آخِذُوا شطر ماله.
وقيل: إنه كان في صدر الإِسلام يقع بعض العقوبات في الأموال، ثم نُسِخَ كقوله في الثمر المعلَّق: "من خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبةُ"، وكقوله في ضالَّة الإبلِ المكتومة: "غرامتُها ومثلُها معها"، وكان عمر يحكم به فَغَرَّم حاطبًا ضِعْفَ ثمنِ ناقة المزني لَمَّا سرقها رقيقه، ونحروها، وله في الحديث نظائر.
وقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا، وعمل به، وقال الشافعي في القديم: من منع زكاةَ ماله أُخِذَتْ منه، وأُخذ شطرُ ماله عقوبةً على منعه، واستدل بهذا الحديث، وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلَّا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديثَ منسوخًا، وقال: كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال، ثم نُسِخَتْ، ومذهب عامة الفقهاء: أن لا واجب على مُتْلِفِ الشيء أكثر من مثله أو قيمته، انتهى.
وقال الحافظ في "التلخيص" (١): رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم والبيهقي من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقد قال يحيى بن معين: إسناد صحيح إذا كان [من] دون بهز ثقة. وقال أبو حاتم: هو شيخ يُكتَب حديثُه ولا يُحتج به. وقال الشافعي: ليس بحجة، وهذا الحديث لا يُثبته أهلُ العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم، وسئل عنه أحمد فقال: ما أدري ما وجهه، فسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد،
стр. 3706
عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ، لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ". [ن ٢٤٤٤، دي ١٦٧٧، ق ٤/ ١١٦، ك ١/ ٣٩٨، حم ٥/ ٢]
١٥٧٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِى وَائِلٍ, عَنْ مُعَاذٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً,
===
يخطئ كثيرًا، ولولا هذا الحديث لأدخلته في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه، قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا. وقال ابن الطلاع في أوائل "الأحكام": بهز مجهول، وقال ابن حزم: غير مشهور بالعدالة، وهو خطأ منهما، فقد وثقه خلق من الأئمة، وقد استوفيت ذلك في "تلخيص التهذيب".
وقال البيهقي وغيره: حديث بهز هذا منسوخ، وتعقبه النووي بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإِسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ, والجواب عن ذلك ما أجاب به إبراهيم الحربي، ونقله ابن الجوزي في "جامع المسانيد" عن الحربي، انتهى.
(عزمة من عزمات ربنا قال في "الدرجات": بزاي، أي: حق من حقوقه، وواجب من واجباته (ليس لآل محمد منها شيء)؛ لأنه لا يحل له الصدقة ولا لآله.
١٥٧٦ - (حدثنا النفيلي، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن معاذ) بن جبل (١): (أن النبي ﷺ لما وَجَّهه) أي معاذًا ((إلي اليمن) عاملًا عليه ومصدقًا (أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا) (٢) أي ذَكَرًا (أو تبيعة) أي أنثى، قاله الإِمام السرخسي في "المبسوط" (٣). قال: وذكورها وإناثها في
стр. 3707
وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً, وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِى مُحْتَلِمًا - دِينَارًا, أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ - ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ -. [ت ٦٢٣، ن ٢٤٥٠، جه ١٨٠٣، دي ١٦٢٣، حم ٥/ ٢٣٣]
===
الصدقة سواء، وكذلك في الأخذ، لا فرق بين الذكور والإناث في زكاة البقر بخلاف زكاة الإبل؛ فإنه لا يؤخذ فيها إلَّا الإناث، وهذا التقارب ما بين الذكور والإناث في الغنم والبقر، وتباين ما بينهما في الإبل، انتهى.
وقال (١) في زكاة الغنم: ويجوز في زكاة الغنم أخذ الذكور والإناث عندنا، وقال الشافعي ﵀: لا يؤخذ الذكر إلَّا إذا كان النصاب كله ذكورًا؛ لأن منفعة النسل لا تحصل به، ويجوز في زكاة الذكور؛ لأن الواجب جزء من النصاب.
ولنا قوله ﷺ : "في أربعين شاةً شاةٌ"، واسم الشاة يتناول الذكر والأنثى جميعًا بالدليل الموجب فيه، انتهى.
(ومن كل أربعين مسنة (٢)، ومن كل حالم - يعني محتلمًا -) والمراد به الرجل البالغ من أهل الذمة (دينارًا) على الجزية (أو عدله) أي ما يعادل قيمته ويساويه (من المعافر) ثم فسر المعافر بقوله: (ثياب تكون باليمن).
قال في "المجمع" (٣): المعافري هو برود باليمن منسوبة إلى معافر "قبيلة"، وأيضًا قال فيه: ثوب منسوب إلى معافر بفتح ميم موضع باليمن، انتهى. واختلف النسخ، ففي بعضها: المعافر، وفي بعضها: المعافري.
стр. 3708
١٥٧٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالنُّفَيْلِىُّ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ مُعَاذٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَهُ. [انظر سابقه]
١٥٧٨ - حدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، نَا أَبِي، عن سُفْيَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عنِ مَسْرُوقٍ، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَل، قَالَ: "بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ"، فَذكَرَ مِثْلَهُ لَمْ يَذْكُرْ "ثِيَابًا تَكُونُ بِالْيَمَنِ" وَلَا ذَكَرَ: يَعْنِي مُحْتَلِم. [انظر تخريج الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ جَرِيرٌ، وَيَعْلَى، وَمَعْمَرٌ، وَشُعْبَةُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن مَسْرُوقٍ، قَالَ يَعْلَى وَمَعْمَرٌ: عن مُعَاذٍ مِثْلَهُ.
===
١٥٧٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة والنفيلي وابن المثنى قالوا: نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، عن النبي ﷺ مثله).
١٥٧٨ - (حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، نا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال) مسروق، أو معاذ بن جبل، يجعل نفسه غائبًا: (بعثه (١) النبي ﷺ إلى اليمن، فذكر مثله) أي مثل الحديث المتقدم، وكان الحديث الأول عن أبي وائل عن معاذ، من غير واسطة مسروق بينهما، وذكرها هنا مسروقًا بينهما، فالظاهر أن أبا وائل سمع الحديث منهما جميعًا (لم يذكر) أي سفيان: (ثيابًا تكون باليمن، ولا ذكر: يعني محتلم).
(قال أبو داود: رواه جرير، ويعلى، ومعمر، وشعبة، وأبو عوانة، ويحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، قال يعلى) بن عبيد (ومعمر: عن معاذ مثله).
стр. 3709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حاصل هذا الكلام: أن الذين رووا هذا الحديث عن الأعمش اختلفوا فيها، فروى يعلي بن عبيد عن الأعمش، عن إبراهيم، وعن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق قالا: قال معاذ، أخرجه البيهقي (١) والنسائي في "المجتبى"، وروى معمر والثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، وكذلك روى أبو معاوية (٢) عن الأعمش، عن مسروق، عن معاذ، أخرجه البيهقي في "السنن"، وكذلك ابن إسحاق، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل بن سلمة، عن معاذ بن جبل أخرجه النسائي، وكذلك مفضل بن مهلهل، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن معاذ، أخرجه النسائي.
وأما رواية جرير، وشعبة، وأبي عوانة، ويحيى بن سعيد عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، ولم يذكروا عن معاذ بن جبل، ولم أجد هذه الروايات (٣) فيما عندي من الكتب، وهم رووها مرسلة، ولم يذكروا عن معاذ، وقد أشار إليه الترمذي، فقال (٤): وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ، وهذا أصح.
وقال في "التعليق المغني" (٥): الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة،
стр. 3710
١٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ, عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: سِرْتُ أَوْ قَالَ: أَخْبَرَنِى مَنْ سَارَ مَعَ مُصَدِّقِ النَّبِىِّ ﷺ , فَإِذَا فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
===
قال الترمذي: حديث حسن. وقد رواه بعضهم مرسلًا، لم يذكر فيه معاذًا، وهذا أصح.
وفي "بلوغ المرام" (١) للحافظ، وشرحه للأمير اليماني: رواه الخمسة، واللفظ لأحمد، وحسنه الترمذي، وأشار إلى اختلاف في وصله، لفظ الترمذي بعد إخراجه: وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: "أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ"، قال: وهذا أصح. أي من روايته عن مسروق، عن معاذ، عن النبي ﷺ ، وصححه ابن حبان والحاكم.
وإنما رجَّح الترمذي الرواية المرسلة؛ لأنها (٢) اعترضت رواية الاتصال بأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وأجيب عنه بأن مسروقًا همداني النسب من وادعة يماني الدار. وقد كان في أيام معاذ باليمن، فاللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور، قلت: وكان رأيُ الترمذي رأيَ البخاري أنه لا بد من تحقق اللقاء، انتهى.
١٥٧٩ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن ميسرة أبي صالح) مولى كندة، كوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن سويد بن غفلة قال) سويد: (سرت أو قال) سويد: (أخبرني من سار مع مصدق النبي ﷺ ) لعل الشاكَّ ميسرة أبو صالح بأن سويدًا قال هذا أو ذاك، (فإذا في عهد رسول الله ﷺ ) والمراد بالعهد ههنا الورقة التي كتب فيها الوصية لأحكام الزكاة وغيرها وهو السند.
стр. 3711
«أَنْ لَا تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ, وَلَا تَجْمَعْ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ, وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ» , وَكَانَ إِنَّمَا يَأْتِى الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ: "أَدُّوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِكُمْ". قَالَ: فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ - قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا صَالِحٍ, مَا الْكَوْمَاءُ؟ قَالَ: عَظِيمَةُ السَّنَامِ - قَالَ: فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. قَالَ: إِنِّى أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إِبِلِى. قَالَ: فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا, قَالَ: فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا, فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا
===
(أن لا تأخذ من راضع لبن)، قال في "النهاية" (١): أراد بالراضع ذاتَ الدَّرِّ واللبن، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: ذات راضع، فأما من غير حذف فالراضع: الصغير الذي هو بَعْدُ يَرْضَعُ، ونهيُه عن أخذها لأنها خيار المال، و"من" زائدة، كما تقول: لا تأكل من الحرام، أي لا تأكل الحرام، وقيل: هو [أن] يكون عند الرجل الشاة الواحدة أو اللِّقْحَة قد اتخذها للدرِّ، فلا يؤخذ منها شيء.
(ولا تجمع بين مفترق، ولا تفرق بين مجتمع، وكان) مصدق النبي ﷺ (إنما يأتي المياه حين ترد الغنم) أي المياه للسقي (فيقول) لأرباب الأموال: (أدوا صدقات أموالكم. قال) سويد بن غفلة، أو من سار مع المصدق: (فعمد) أي قصد (رجل منهم) أي من أرباب الأموال (إلي ناقة كوماء. قال) هلال بن خباب: (قلت) أي لميسرة: (يا أبا صالح! ما الكوماء؟ قال: عظيمة السنام) بفتح السين، وهو ما ارتفع من ظهر الإبل.
(قال) سويد أو من سار: (فأبى) المصدق (أن يقبلها، قال) رب المال: (إني أحب أن تأخذ خير إبلي، قال: فأبى أن يقبلها)؛ لأن رسول الله ﷺ منعه أن يأخذ خير المال (قال: فخطم) أي زمَّ؛ فإن الإبل كانت مرسلة من غير خطام ولا زمام، فلما أراد إعطاءها المصدق جعل برة زمامها في أنفها (له) أي للمصدق ناقة (أخرى دونها) أي أدنى من الأولى، (فأبى) المصدق (أن يقبلها) أي الثانية.
стр. 3712
ثُمَّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا, وَقَالَ: إِنِّى آخِذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: "عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ فَتَخَيَّرْتَ عَلَيْهِ إِبِلَهُ". [ن ٢٤٥٧، قط ٢/ ١٠٤ - ١٠٥]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هُشَيْمٌ، عن هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا يُفَرَّقُ.
١٥٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ, حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى زُرْعَةَ, عَنْ أَبِى لَيْلَى الْكِنْدِىِّ,
===
(ثم خطم له أخرى دونها فقبلها، وقال: إني آخذها، وأخاف) الواو للحال أو بمعنى مع (أن يجد) أي يغضب (علي رسولُ الله ﷺ ، يقول: عَمِدْتَ إلى رجل فَتَخَيَّرْتَ عليه إبلَه) أي فأخذت خير إبله.
(قال أبو داود: رواه هشيم، عن هلال بن خباب نحوه) (١) أي نحو حديث أبي عوانة (إلَّا أنه) أي هشيمًا (قال: لا يفرق)، وقد قال أبو عوانة في حديثه: لا تفرق، بصيغة الخطاب.
والفرق بينهما أن على رواية أبي عوانة خاطب المصدق، ونهاه عن التفريق. وعلى رواية هشيم بصيغة الغائب نهى رب المال عن التفريق بين المجتمع.
١٥٨٠ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا شريك) بن عبد الله القاضي، (عن عثمان) بن المغيرة الثقفي مولاهم، أبو المغيرة الكوفي، وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان (بن أبي زرعة) وهو عثمان الثقفي، كوفي ثقة (عن أبي ليلى الكندي) يقال: مولاهم، الكوفي، اسمه سلمة بن معاوية، وقيل: سعيد بن بشير، وقيل: المعلى، قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة مشهور، وفرق الحاكم أبو أحمد بين أبي ليلى الكندي سلمة بن معاوية،
стр. 3713
عن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: "أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأخَذْتُ بِيَدِهِ وَقَرَأْتُ في عَهْدِهِ: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "رَاضِعَ لَبَنٍ". [جه ١٨٠١، وانظر سابقه]
١٥٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّىِّ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى سُفْيَانَ الْجُمَحِىِّ,
===
روى عن سلمان وعنه أبو إسحاق، وبين أبي ليلى الكندي، عن سويد بن غفلة، وقال: إن هذا الثاني لم نقف على اسمه، ثم روى عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: سمعت ابن معين، وسئل عن أبي ليلى الكندي فقال: كان ضعيفًا. وقال العجلي: أبو ليلى الكندي كوفي تابعي ثقة، انتهى.
وقال في "الميزان" (١): أبو ليلى الكندي، عن سويد بن غفلة، ضعفه يحيى بن معين، وقيل: وثقه، وكأنهما اثنان، الثقة عن سلمان وخباب.
(عن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق (٢) النبي ﷺ ) لم أقف على تسميته، (فأخذت بيده) أي صافحته، (وقرأت في عهده) أي في صحيفته التي كتبت له فيها أحكام الصدقات: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولم يذكر) أبو ليلى الكندي عن سويد: (راضع لبن) أي حكمه بأنه لا يأخذه.
١٥٨١ - (حدثنا الحسن بن علي، نا وكيع، عن زكريا بن إسحاق المكي، عن عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية (الجمحي) بمضمومة، وفتح ميم، وإهمال حاء، منسوب إلى جمح بن عمرو، وثقه ابن معين، والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: مستقيم
стр. 3714
عن مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ الْيَشْكُرِيِّ - قَالَ الْحَسَنُ: رَوْحٌ يَقُولُ: مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ-
===
الحديث، (عن مسلم بن ثفنة اليشكري. قال الحسن) بن علي شيخي: (روح) مبتدأ (يقول) خبره: (مسلم بن شعبة) مفعول يقول، والجملة مقولة لقال.
حاصله أن الحسن بن علي روى عن وكيع، فقال في روايته عنه: مسلم بن ثفنة بثاء مثلثة مفتوحة، وفاء مكسورة، وقال في روايته عن روح أنه يقول: سلم بن شعبة بشين معجمة مضمومة، وعين مهملة ساكنة، وباء موحدة مفتوحة.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": مسلم بن ثفنة، ويقال: ابن شعبة البكري، ويقال: حجازي، قال وكيع: ابن ثفنة، وقال روح وغير واحد: عن زكريا، عن عمرو، عن مسلم بن شعبة، قال أحمد بن حنبل: أخطأ فيه وكيع، قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع وكيعًا على قوله: ابن ثفنة، وقال الدارقطني: وهم وكيع، والصواب: مسلم بن شعبة، ذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: بقية كلام أحمد في "مسنده": قال بشر بن السري متعجبًا من قول وكيع: هؤلاء (١) ولده ها هنا يعني بمكة، وقال البخاري: قال وكيع: مسلم بن ثفنة، ولا يصح، وقال الذهبي: لا يعرف، كذا قال، وحكاية أحمد عن بشير (٢) تدل على شهرته، وفي سياق حديثه عند أحمد وغيره أنه كان عريف قومه، ولفضله استعمله ابن علقمة على عرافة قومه ليصدقهم، فبعثني أبي لآتيه بصدقتهم، انتهى.
قلت: وقد أخرج النسائي (٣) حديث روح، وقال فيه: مسلم بن ثفنة، ولعله تصحيف من الكاتب.
стр. 3715
قَالَ: "اسْتَعْمَلَ نَافِعُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَبِى عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ, فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ. قَالَ: فَبَعَثَنِى أَبِى فِى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ, فَأَتَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يُقَالُ لَهُ: سَعْرٌ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِى بَعَثَنِى إِلَيْكَ - يَعْنِى لأُصَدِّقَكَ - قَالَ: ابْنَ أَخِى, وَأَىَّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ؟ قُلْتُ: نَخْتَارُ حَتَّى إِنَّا نَتَبَيَّنُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ. قَالَ: ابْنَ أَخِى, فَإِنِّى أُحَدِّثُكَ أَنِّى كُنْتُ فِى شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ
===
(قال: استعمل نافع بن علقمة) فاعل لاستعمل (أبي) مفعوله (على عرافة) بكسر العين، والعريف هو القيم بأمور القبيلة، والجماعة، يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم، والعرافة عمله، (قومه) أي قوم أبي (فأمره) أي أمر نافع أبي (أن يصدقهم) أي يأخذ الصدقات منهم.
(قال) مسلم: (فبعثني أبي في) أي إلى (طائفة) جماعة (منهم، فأتيت شيخًا كبيرًا يقال له: سعر) (١) وفي نسخة: سعر بن ديسم، سعر بفتح أوله، وسكون ثانيه، وآخره راء مهملة، الدؤلي، قال الدارقطني وابن حبان: له صحبة، وذكره العسكري في المخضرمين، واختلف في اسم أبيه فقيل: سوادة، وقيل: ديسم، ويقال: إنه عامري، ويقال: إنه قدم الشام تاجرًا في الجاهلية، روى عن مصدقين للنبي ﷺ ، وذكره ابن حبان في الصحابة أيضًا.
(فقلت: إن أبي بعثني إليك، يعني لأصدقك) أي لآخذ صدقة مالك (قال) سعر: (ابنَ أخي) أي يا ابنَ أخي، بتقدير حرف النداء (وأيَّ نحو) أي بأي طريق (تأخذون) صدقات الأموال؟ (قلت: نختار) أي نأخذ خير أموالهم (حتى إنا نبين) من التبيين بمعنى: نقدر، أو بمعنى: نتبين، ويحتمل أن يكون من البين أي نميز، وفي نسخة: نشبر، أي: نذرع بالشبر، وفي نسخة: نسبر بالسين المهملة، أي: نختبر (ضروع الغنم، قال) سعر: (ابن أخي) بتقدير النداء (فإني أحدثك أني كنت في شعب من هذه الشعاب) الشعب ما انفرج من بين الجبلين،