إِبْرَاهِيمُ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عن سَعْدٍ قَالَ: "لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ"، وَالأَحَاديثُ الأُخَرُ عن النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهَا: "لِذِي مِرَّةٍ قَوِيًّ" وَبَعْضُهَا: "لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِنَّهُ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِقَوِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ.
===
إبراهيم) أي كما رواه إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم (ورواه شعبة (١) عن سعد) أي ابن إبراهيم (قال) شعبة في روايته: (لذي مرة قوي) بدل: سوي.
(والأحاديث الآخر عن النبي ﷺ ) (٢) في (بعضها: لذي مرة قوي، و) في (بعضها: لذي مرة سوي، وقال عطاء بن زهير) لم أقف على ترجمته فيما عندي من الكتب (٣): (إنه لقي عبد الله بن عمرو فقال: إن الصدقة لا تحل لقوي، ولا لذي مرة سوي) (٤) وفي هذا تكرار لأن معنى الجملة الثانية هو مفاد الجملة الأولى.
стр. 3817
(٢٤) بَابُ مَنْ يَجُوزُ لهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَهُوَ غَنِيٌّ
١٦٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ،
===
(٢٤) (بابُ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَهُوَ غَنِىٌّ)
١٦٣٥ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) مرسلًا (أن رسول الله ﷺ قال: لا تحل الصدقة لغني إلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله) وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهو عبارة عن جميع القرب، ويدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا.
وقال أبو يوسف: المراد منه فقراء الغزاة؛ لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع يراد به ذلك، وقال محمد: المراد منه الحاج المنقطع لما روي: أنَّ رجلًا جعل بعيرًا له في سبيل الله، فأمره النبي ﷺ أن يحمل عليه الحاج.
وقال الشافعي: يجوز دفع الزكاة إلى الغازي وإن كان غنيًا، وأما عندنا فلا يجوز إلَّا عند اعتبار حدوث الحاجة.
واحتج بما روي عن أبي سعيد عن النبي ﷺ -أنه قال: "لا تحل الصدقة لغنيّ إلَّا في سبيل الله" الحديث.
وعن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحل الصدقة إلَّا لخمس، الحديث"، نفى حل الصدقة للأغنياء، واستثنى الغازيَ منهم، والاسثناء من النفي إثبات، فيقتضي حل الصدقة للغازي الغني.
ولنا قوله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني"، وقولُه ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها في فقرائكم"، جعل الناس قسمين: قسم يؤخذ منهم، وقسم يُصرَف إليهم، فلو جاز صرف الصدقة إلى الغني لبطلت القسمة، وهذا لا يجوز.
стр. 3818
أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا،
===
وأما استثناء المغازي فمحمول على حال حدوث الحاجة، وسماه غنيًا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة، وهو أن يكون غنيًا، ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار يسكنها، ومتاع يمتهنه، وثياب يلبسها، وله مع ذلك فضل مأتي درهم حتى لا تحل له الصدقة، ثم يعزم على الخروج في سفر غزو، فيحتاج إلى آلاتِ سفره، وسلاحِ يستعمله في غزوه، ومركب يغزو عليه، وخادم يستعين بخدمته على ما لم يكن محتاجًا إليه في حال إقامته، فيجوز أن يُعطَى من الصدقات ما يستعين به في حاجته التي تحدث له في سفره، وهو في مقامه غني بما يملكه لأنه غير محتاج في حال إقامته، فيحتاج في حال سفره، فيحمل قوله: "لا تحل الصدقة لغني إلَّا لغاز في سبيل الله"، على من كان غنيًا في حال مقامه، فيُعطَى بعض ما يحتاج إليه لسفره لما أحدث السفر له من الحاجة إلَّا أنه يُعطَى حين يُعطَى وهو غني.
وكذا تسمية الغارم غنيًا في الحديث على اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به، وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم، وهذا لأن الغني اسم لمن يستغني عما يملكه، وإنما كان كذلك قبل حدوث الحاجة، وأما بعده فلا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهو الغريب المنقطع عن ماله وإن كان غنيًا في وطنه, لأنّه فقير في الحال، وقد رُوِينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل" الحديث، قاله في"البدائع" (١).
(أو لعامل عليها) وهم الذين نصبهم الإِمام لجباية الصدقات، واختلف فيما يعطون، قال أصحابنا: يعطيهم الإِمام كفايتهم منها، وقال الشافعي: يعطيهم الثمن.
وجه قوله أن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف الثمانية، منهم العاملون، فكان لهم منها الثمن.
стр. 3819
أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ
===
ولنا أن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق الزكاة بدليل أنه يُعطَى وإن كان غنيًا بالإجماع (١)، ولو كان ذلك صدقة لما حلت للغني، وبدليل أنه لو حمل زكاته بنفسه إلى الإِمام لا يستحق العامل منها شيئًا، ولهذا قال أصحابنا: إن حق العامل فيما في يده من الصدقات، حتى لو هلك ما في يده سقط حقه، كنفقة المضارب إنما تكون في مال المضاربة، حتى لو هلك مال المضاربة سقطت نفقته كذا هذا، دل على أنه يستحق بعمله لكن على سبيل الكفاية له ولأعوانه لا على سبيل الأجرة لأن الأجرة مجهولة.
أما عندنا فظاهر, لأن قدر الكفاية له ولأعوانه غير معلوم، وكذا عنده؛ لأن قدر ما يجتمع من الصدقات بجبايته مجهول، فكان ثمنه مجهولًا لا محالة، وجهالة أحد البدلين يمنع جواز الإجارة، فجهالة البدلين جميعًا أولى، فدل أن الاستحقاق ليس على سبيل الأجرة بل على سبيل الكفاية له ولأعوانه لاشتغاله بالعمل لأصحاب المواشي، فكانت كفايته في مالهم.
وأما قوله: إن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف المذكورين؛ فممنوع أنه قسم، بل بَيَّن فيها مواضع الصدقات ومصارفها.
(أو لغارم) قيل: الغارم الذي عليه الدين أكثر من المال الذي في يده، أو مثلُه، أو أقلُّ منه، لكن ما وراءه ليس بنصاب، وقيل: الغارم من تحمل حمالة، وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين، فيُعطَى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير المعصية، وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين فتنة.
(أو لرجل) غني (اشتراها) أي الزكاة من الفقير (بماله، أو لرجل) غني (كان له جار مسكين فتُصُدِّقَ) بصيغة المجهول
стр. 3820
عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ". [ق ٧/ ١٥، ك ١/ ٤٠٨]
١٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمَعْنَاهُ. [جه ١٨٤١، حم ٣/ ٥٦، خزيمة ٢٣٧٤، ق ٧/ ١٥، ك ١/ ٤٠٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن زيدٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عن زيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الثَّبْتُ عن النَّبِيِّ ﷺ .
===
(على المسكين فأهداها) أي الزكاة (المسكينُ للغني) كما وقع في قصة بريرة فيما تُصُدِّقَ عليها، فقال رسول الله ﷺ : "هو عليها صدقة، ولنا هدية".
١٦٣٦ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ بمعناه) أي بمعنى حديث مالك، عن زيد بن أسلم.
(قال أبو داود: رواه ابن عيينة) (١) سفيان (عن زيد) بن أسلم (كما قال مالك، ورواه الثوري (٢) عن زيد) بن أسلم (قال: حدثني المثبت عن النبي ﷺ )، وحكى القاري (٣) عن أبي داود هذا الكلام، فقال: حدثني الليث، وهو تصحيف، وغرض المصنف بهذا الكلام أن هذا الحديث رواه مالك، وسفيان بن عيينة، والثوري عن زيد بن أسلم، واتفق مالك وابن عيينة على تسميته عطاءَ بنَ يسارٍ، وأما الثوري فلم يسم عطاء، بل قال: حدثني الثبت أي الثقة، فخالفهم.
стр. 3821
١٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِىُّ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ الْبَارِقِىِّ, عَنْ عَطِيَّةَ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إلَّا فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ، أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِى لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ». [حم ٣/ ٣١، خزيمة ٢٣٦٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ فِرَاسٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عن عَطِيَّةَ (١)، مِثْلَهُ.
===
١٦٣٧ - (حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا الفريابي) محمد بن إسماعيل بن عياش، (نا سفيان) الثوري، (عن عمران البارقي) أخرج له أبو داود هذا الحديث الواحد، (عن عطية، عن أبي سعيد) الخدري، (قال: قال رسول الله ﷺ : لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل) (٢).
قال البيهقي في "سننه" (٣): حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد أصح طريقًا، وليس فيه ذكر "ابن السبيل"، فإن صح هذا فإنما أراد- والله أعلم- أن ابن السبيل غني في بلده، محتاج في سفره، كذا في "مرقاة الصعود".
(أو جار فقير يُتَصَدَّق عليه فيهدي لك أو يدعوك) أي يضيفك ويطعمك وأنت غني، والحاصل أن الفقير إذا تُصُدِّقَ عليه فيهدي للغني ويملكه، أو يضيف الغني ويطعمه على سبيل الإباحة يحل للغني على الحالين.
(قال أبو داود: رواه فراس وابن أبي ليلى) (٤) محمد (عن عطية مثله)
стр. 3822
(٢٥) بَابٌ: كَمْ يُعْطَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنَ الزَّكَاةِ
١٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، نَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائيُّ، عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، زَعَمَ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ:
===
أثبت أبو داود بهذا التعليق أن عمران البارقي عن عطية ليس بمتفرد بهذا الحديث، بل رواه فراس وابن أبي ليلى أيضًا كما رواه عمران البارقي، فلفظ "ابن السبيل" في هذا الحديث صحيح.
(٢٥) (بَابٌ: كم يُعطَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ (١) مِنَ الزكَاةِ)
١٦٣٨ - (حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، نا أبو نعيم) فضل بن دكين، (حدثني سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير) مصغرًا (ابن يسار) الحارثي الأنصاري، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الحديث.
(زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره:
стр. 3823
"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَاهُ بِمِئَةٍ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ يَعْنِي: دِيَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ". [خ ٦٨٩٨، م ١٦٦٩]
===
أن النبي ﷺ وداه) أي أعطاه في الدية (بمئة من إبل الصدقة يعني: دية الأنصاري الذي قُتِلَ بخيبر)، والذي قتل بخيبر هو عبد الله بن سهل بن زيد بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة الأنصاري الحارثي.
فعلى هذا يشكل ما وقع في هذا الحديث من أن سهل بن أبي حثمة يقول: إن النبي ﷺ وداه بمائة من الصدقة، فإنه وقع في "الصحيح" (١): "أن أخا المقتول عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة جاؤوا إلى رسول الله ﷺ يطلبون ديته، فأعطاهم رسول الله ﷺ الدية".
وكان لسهل بن أبي حثمة عند وفاة رسول الله ﷺ سبع أو ثماني سنين على الراجح، فكيف يمكن أن يُعطَى الدية إلَّا أن يقال: إن معنى قوله: إن النبي ﷺ وداه أي ودى قومه، فإن سهل بن أبي حثمة من قبيلة عبد الله بن سهل المقتول, لأن نسبه هكذا: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة، فيلتقيان على عامر بن عدي، ويمكن أن يجاب عنه أن في الروايات اختلافًا في هذا اللفظ، ففي بعضها: وداهم. وفي بعضها: فوداه، ففي صورة الجمع المرجع القوم، وفي الإفراد المرجع عبد الرحمن بن سهل لأنه شقيقه، ففي هذا الحديث كان مرجع الضمير عبد الرحمن بن سهل لكن لما وقع فيه الاختصار التبس، فالمرجع عبد الرحمن لا سهل بن أبي حثمة.
ثم قال القسطلاني (٢): وفي رواية يحيى بن سعيد: من عنده، فيحتمل أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: من عنده، من بيت المال المرصد للمصالح، فأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانًا؛ لما في ذلك من قطع المنازعة لإصلاح ذات البين.
стр. 3824
(١)
١٦٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ الْفَزَارِىِّ، عَنْ سَمُرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ, فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ, وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ؛ إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِى أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا». [ت ٦٨١، ن ٢٥٩٩، حم ٥/ ١٠، ١٩، حب ٣٣٨٦، ق ٤/ ١٩٧]
١٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عن هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ،
===
قال أبو العباس القرطبي: ورواية من قال: من عنده، أصح من رواية من قال: من إبل الصدقة، وقد قيل: إنها غلط، والأولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن، فيحتمل أنه ﷺ تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، انتهى.
١٦٣٩ - (حدثنا حفص بن عمر النَمَري) بفتحتين، منسوب إلى نمر بن عثمان، (نا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، عن سمرة) بن جندب، (عن النبي ﷺ قال: المسائل) جمع مسألة، أي الأسئلة (كدوح) وخدوش وجروح (يكدح) أي يخدش (بها الرجل وجهه) يوم القيامة فهي كناية عن الذلة والهوان (فمن شاء أبقى) الكدوح (على وجهه) بالسؤال، (ومن شاء ترك) بترك السؤال (إلَّا أن يسأل الرجل ذا سلطان) أي ذا ملك وسلطنة فإنه يجوز، فإن ما في يده من بيت المال، وفيه حقه فيطلب منه حقه (أو في أمر لا يجد منه بُدًّا) كالفقراء والمساكين، أو من تحمل حمالة ومن غرم بمال، فإنهم يجوز لهم السؤال.
١٦٤٠ - (حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب) بكسر الراء والتحتانية مهموز، التميمي ثم الأسيدي، أبو بكر أو أبو الحسن العابد البصري، قال أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان:
стр. 3825
حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ العَدَوِيُّ، عن قَبِيْصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَاليِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا قَبِيْصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ (١) ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَهَا،
===
ثقة، وقال ابن عيينة: كان عنده أربعة أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا، قال أبو محمد بن حزم: العمار وهارون وعلي بنو رئاب، كان هارون من أهل السنَّة، والعمار من أئمة الخوارج، وعلي من أئمة الروافض، وكانوا معتادين كلهم.
(حدثني كنانة بن نعيم العدوي)، أبو بكر البصري، قال ابن سعد: كان معروفًا ثقة إن شاء الله، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له مسلم والنسائي حديثين، وروى أبو داود أحدَهما في "من تحل له المسألة"، وآخر في قصة جليبيب.
(عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلْت حمالة) قال في "القاموس": وكسحابة: الدية يحملها قوم عن قوم، كالحِمال، وقال في "المجمع" (٢): بالفتح: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، كأن تقع حرب بين فريقين، ويسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى، ليصلح ذات البين، والتَّحمل أن يحملها عنهم على نفسه.
(فأتيت النبي ﷺ ، فقال) النبي ﷺ : (أقم) عندنا (يا قبيصة، حتى تأتينا الصدقة) أي أموالها (فنأمُرَ لك بها، ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة) أي السؤال (لا تحل إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجل) أي أحدها: رجل (تحمل حمالة فحلت له المسألة، فسأل) أي يسأل، كما في نسخة (حتى يصيبها) أي المال قدر الحمالة
стр. 3826
ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ"- أَوْ (١): "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْش- أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - ثُمَّ يُمْسِكَ، وَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسأَلَةِ يَا قَبِيْصَة: سُحْتٌ،
===
(ثم يمسك) عن السؤال؛ لأن السؤال حل له لأجل الحمالة، فلما أصابها ارتفعت الإباحة، فيجب أن يكفَّ عنها.
(و) ثانيها: (رجل أصابته) أي مالَه (جائحة) أي آفة كالغرق، والحرق، وفساد الزرع (فاجتاحت) أي استأصلت الآفة (مالَه)، فصار فقيرًا (فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قِوامًا) بكسر القاف، ما يقوم به حاجته الضرورية (من عيش أو) شك من الراوي (سدادًا) بالكسر ما يسد به خلله (من عيش).
(و) ثالثها: (رجل أصابته فاقة) أي كان غنيًا ثم افتقر، فأصابته فاقة ولم يُعْرَف حاله (حتى يقول ثلاثة (٢) من ذوي الحِجى) بكسر الحاء، وفتح الجيم، بعدها ألف مقصورة، قال في "القاموس": حجى كإلى: العقل والفطنة والمقدار، انتهى. (من) ذوي (قومه: قد أصابت فلانًا الفاقة، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قوامًا من عيش- أو سِدادًا من عيش-، ثم يمسك).
قال السيد جمال الدين: أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا، وقال الجمهور: يُقْبَل من عدلين، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عرف له مال، فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال.
(ما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت) بضمتين، وبسكون الثاني، وهو الأكثر، هو الحرام الذي لا يحل كسبه،
стр. 3827
يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا". [م ١٠٤٤، ن ٢٥٧٩، دي ١٦٧٨، حم ٣/ ٤٧٧]
١٦٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عن الأَخْضَرِ بْنِ عَجْلَانَ، عن أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِىِّ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيِّ ﷺ يسْأَلُهُ، فَقَالَ: "أَمَا في بَيْتِكَ شَيءٌ؟ "، قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا"
===
لأنه يسحت البركة أي يذهبها (يأكلها) أي ما حصل له بالمسألة (صاحبها) أي المسألة (سحتًا) نصب على التمييز، أو بدل من ضمير يأكلها، قال ابن الملك: وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة.
١٦٤١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان) الشيباني، البصري، قال ابن معين: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال مرة: يكتب حديثه، وقال النسائي: ثقة، قلت: قال الأزدي: ضعيف لا يصح، يعني: حديثه، وفي "العلل الكبير" للترمذي: أن البخاري قال: أخضر ثقة. وذكره ابن حبان وابن شاهين في "الثقات"، (عن أبي بكر الحنفي) الكبير، اسمه عبد الله بن عبد الله، قال في "تهذيب التهذيب": تقدم، وما وجدناه في الأسماء (١).
(عن أنس بن مالك: أن رجلًا من الأنصار) لم أقف على تسميته (أتى النبي ﷺ يسأله، فقال: أما) الهمزة للاستفهام، و"ما" نافية (في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس) وهو كساء يلي ظهر البعير تحت القتب (نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب) أي قدح من خشب (نشرب فيه من الماء، قال) النبي ﷺ : (ائتني بهما) أي بالحلس والقعب.
стр. 3828
قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدهِ وَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ " قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بدِرْهَم، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آَخُذُهمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا، فَأتِنِي بِهِ" (١)، فَأَتَاهُ بِهِ (٢) فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَبعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"؛ فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيبيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،
===
(قال) أنس: (فأتاه) أي الرجلُ رسولَ الله ﷺ (بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل) من الحاضرين: (أنا آخُذُهما بدرهم)، (قال) رسول الله ﷺ : (من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثًا) قال هذا اللفظ مرتين أو ثلاثًا، (قال رجل) آخر: (أنا آخذهما بدرهمين فأعطى) رسول الله ﷺ (هما) أي الحلس والقعب (إياه) أي الرجل، (وأخذ الدرهمين) منه، (فأعطاهما) أي الدرهمين (الأنصاريَّ، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُومًا) قال في "المجمع" (٣): قيل: هو بالتشديد والتخفيف قدوم النجار، وقال في "القاموس": والقَدُوم آلة للنجر، مُؤَنَّثةٌ، جمعه قَدَائِمَ وقُدُم (فأتني به) وفي نسخة: بها.
(فأتاه به، فشد فيه) أي أدخل (رسول الله ﷺ عودًا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتَطِبْ، وبعْ، ولا أَرَيَنَّك خمسة عشر يومًا) أي اشتغل بالاحتطاب وبيعِها، ولا تشتغل بغيرها إلَّا ما لا بد منه، (فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء) أي بعد خمسة عشر يومًا (وقد أصاب عشرة دراهم،
стр. 3829
فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً في وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ". [ت ١٣١٨، ن ٤٥٢١، جه ٢١٩٨، حم ٣/ ١٠٠]
(٢٦) بَابُ كَرَاهِيةِ الْمَسْألَةِ
١٦٤٢ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ, حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ -, عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ, عَنْ أَبِى مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِىِّ, حَدَّثَنِى الْحَبِيبُ الأَمِينُ - أَمَّا هُوَ إِلَىَّ فَحَبِيبٌ, وَأَمَّا هُوَ عِنْدِى فَأَمِينٌ - عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ:
===
فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ : هذا) أي الاحتطاب (خير لك من أن تجيء المسألةُ نكتة) أي تغير لون (في وجهك يوم القيامة، (ن المسألة لا تصلح) أي لا تحل (إلَّا لثلائة: لذي فقرٍ مُدْقِع) بدال وعين مهملتين بينهما قاف، أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء، وهو التراب، (أو لذي غُرْمٍ مُفْظِع) بفاء وظاء معجمة وعين مهملة أي شديد شنيع (أو لذي دم مُوْجِع) وهو أن يتحمل الدية فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول، فإن لم يؤدها قتل المتحمل عنه فيوجعه قتله.
(٢٦) (بَابُ كَرَاهِيَةِ المَسألةِ)، أي: السؤال
١٦٤٢ - (حدثنا هشام بن عمار، نا الوليد) بن مسلم، (نا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة -يعني ابن يزيد-، عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، (عن أبي مسلم الخولاني) عبد الله بن ثوب، (حدثني الحبيبُ الأمينُ - أما هو إليَّ فحبيب، وأما هو عندي فأمين-) أي صادق بين (عوفُ بنُ مالكٍ) عطف بيان، أو بدل من الحبيب الأمين، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو (قال:
стр. 3830
"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً, فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ » وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ, قُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ! حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا, وبَسَطْنَا (١) أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ (٢). فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلي ما نُبَايِعُكَ؟ قَالَ (٣): «أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ, وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا» , وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً قَالَ: «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». قَالَ: فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ, فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ". [م ١٠٤٣، ن ٤٦٠، جه ٥٨٦٧]
===
كنا عند رسول الله ﷺ سبعة) أي سبعة رجال، (أو ثمانية، أو تسعة، فقال) رسول الله ﷺ : (ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ وكنا حديث عهد) أي قريب الزمان (ببيعة، قلنا: قد بايعناك) ولعلهم ظنوا أن رسول الله ﷺ نسي بيعتهم (حتى قالها ثلاثًا) فعلموا أنه لم يَنْسَ، بل غرضه البيعة مرة ثانية.
(وبسطنا أيدينا فبايَعْنا) أي رسولَ الله ﷺ ، فضمير المتكلم فاعل الفعل، وضمير المفعول مقدر أي: بايعناه، ويحتمل أن يكون ضمير المتكلم مفعوله، وضمير الفاعل مضمر يعود إلى رسول الله ﷺ ، أي بايع رسول الله ﷺ إيانا، أي أردنا بيعته، أو أراد بيعتنا.
(فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك) قبل (فعلى ما نبايعك؟ (٤) قال: أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وتصلوا الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا) للأمير، (وأسرَّ) رسول الله ﷺ (كلمة خفيةً قال) أي رسول الله ﷺ : (ولا تسألوا الناس شيئًا، قال) عوف بن مالك: (فلقد كان بعضُ أولئك النفر يسقط سوطُهُ) من يده وهو راكب (فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه) أي يناول
стр. 3831
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ هِشَامٍ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا سَعِيدٌ.
١٦٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ, عَنْ ثَوْبَانَ - قَالَ: وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا, فأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ » , فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا, فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا. [حم ٥/ ٢٧٥]
(٢٧) بَابٌ: في الاسْتِعْفَافِ
١٦٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ،
===
الرجلُ الراكبَ السوطَ، أو يناول الرجلُ السوطَ الراكبَ، بل ينزل عن المركب، فيأخذ، ثم يركب، وهذا من شدة احتياطهم.
(قال أبو داود: حديث هشام) بن عمار هذا (لم يروه إلَّا سعيد)، تفرد به سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة، ثم روى عن سعيد جماعة.
١٦٤٣ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ثوبان، قال) أبو العالية: (وكان ثوبان مولى رسول الله ﷺ ) وقد أخرج الإِمام أحمد (١) هذا الحديث من طريق محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن عاصم قال: قلت لأبي العالية: ما ثوبان؟ قال: مولى رسول الله ﷺ (قال) ثوبان: (قال رسول الله ﷺ : من تكفل) أي ضمن (لي أن لا يسأل الناس شيئًا فأتكفل) أي أضمن (له بالجنة، فقال ثوبان: أنا) أي أضمن أن لا أسأل الناس، (فكان) ثوبان (لا يسأل أحدًا شيئًا).
(٢٧) (بَابٌ: في الاسْتِعْفَافِ) عن السؤال والحرام
١٦٤٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب،
стр. 3832
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: "أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ, ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ (١) , حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ, وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ, وَمَا أُعْطِى أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». [خ ١٤٦٩، م ١٠٥٣، ت ٢٠٢٤، ن ٢٥٨٨، حم ٣/ ٩٣، ق ٤/ ١٩٥]
===
عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري: أن ناسًا من الأنصار) لم أقف على تسميتهم (سألوا رسول الله ﷺ ) من المال، (فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نَفَدَ) أي فني (ما عنده) من الأموال (قال) رسول الله ﷺ : (ما) موصولة (يكون عندي من خير فلن أَدَّخِرَه) أي أحبسه وأكفَّه (عنكم، ومن يستعفِفْ) أي ومن يطلب من نفسه العفةَ عن السؤال، أو يطلب العفة من الله تعالى (يُعِفَّه الله) من الإعفاف، أي يجعله عفيفًا بإعطاء العفة، وهي الحفظ عن المناهي، يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال يسهل عليه القناعة.
(ومن يَسْتَغن) أي يظهر الغنا بالاستغناء عن أموال الناس (يُغْنِهِ الله) أي يجعله غنيًا بالقلب، كما في الحديث: "ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس" (٢) (ومن يتصبَّرْ) على المكاره والبلايا، أو عن السؤال، أو عن الاستشراف إلى ما في أيدي الناس (يُصَبّرْه الله) أي يرزقه الصبر، ويسهل عليه.
(وما أعطي أحد من عطاء أوسع من الصبر) وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (٣).
فإن قيل: يعارضه ما وقع في الحديث: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا
стр. 3833
١٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ. (ح): وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ, حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهَذَا حَدِيثُهُ, عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ, عَنْ سَيَّارٍ أَبِى حَمْزَةَ, عَنْ طَارِقٍ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ, لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ, وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ, أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى: إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ,
===
وهو يقول: اللهُمَّ إني أسألك الصبر، فقال: "سألت الله البلاء فاسأله العافية" (١)، وهذا يدل على أن سؤال الصبر غير مرضي. فالجواب عنه أن الصبر المحمود ما يكون بعد البلاء، وأما قبله فغير محمود.
١٦٤٥ - (حدثنا مسدد، نا عبد الله بن داود، ح: ونا عبد الملك بن حبيب أبو مروان) المصيصي، البزار، قال في "التقريب": مقبول، (نا ابن المبارك) عبد الله (وهذا حديثه) أي ابن المبارك، (عن بشير) مكبرًا (ابن سلمان) الكندي، أبو إسماعيل الكوفي، قال أحمد، وابن معين، والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان شيخًا قليلَ الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن سيار أبي حمزة) الكوفي، مقبول، من الخامسة، ووقع في الإسناد: سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة.
(عن طارق) بن شهاب، (عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : من أصابته فاقة) أي حاجة شديدة وفقر وضيق المعيشة (فأنزلها بالناس) أي عرضها عليهم بطريق الشكاية، وطلب إزالة الفاقة منهم، ولم ينزلها بالله (لم تُسَدَّ فاقتُه) أي لم تقض حاجته، ولم تزل فاقته، بل كلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها، (ومن أنزلها باللهِ) بأن اعتمد في إزالتها على مولاه (أوشك الله) أي أسرع وعجل (له بالغنى) بكسر الغين والقصر. قال في "القاموس": الغنى: كإلى، ضد الفقر، وإذا فتح مُدَّ.
(إما بموت عاجل) (٢) قيل: بموت قريب له غني فيرثه، ويحتمل أن يكون
стр. 3834
أَوْ غِنًى عَاجِلٍ". [ت ٢٣٢٦، حم ١/ ٤٠٧، ك ١/ ٤٠٨]
١٦٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِىٍّ, عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِىِّ, أَنَّ الْفِرَاسِىَّ,
===
معنى قوله: بأن يموت عاجلًا، فيستغني عن المال (أو غنى عاجل) هكذا في النسخ الموجودة بالعين في الموضعين، وفي نسخة "المشكاة" (١): "بموت عاجل، أو غنى آجل"، في الأول بالعين، وفي الثاني بالهمزة، قال القاري في شرح قوله: غنى عاجل: قال الطيبي: هو هكذا، أي: بالعين في أكثر نسخ "المصابيح"، و"جامع الأصول"، وفي "سنن أبي داود"، و"الترمذي": "أو غنى آجل" بهمزة ممدودة، وهو أصح دراية لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، انتهى، وفيه بحث، تأمل.
١٦٤٦ - (حدثنا قيبة بن سعيد، نا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي) بفتح الميم، وسكون المعجمة، بعدها معجمة مكسورة، وياء النسب، المدلجي، أبو معاوية المصري، روى عن ابن الفراسي، عن أبيه في "ماء البحر"، وفي "سؤال الصالحين"، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن ابن الفراسي)، عن النبي ﷺ ، وقيل: عن أبيه، عن النبي ﷺ ، لا يعرف اسمه.
(إن الفراسي) (٣)، قال في "أسد الغابة" (٤) في ترجمة الفراسي: من بني فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر، ثم أخرج هذا الحديث
стр. 3835
قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"لَا، وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا لَا بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ". [ن ٢٥٨٧، حم ٤/ ٣٣٤]
١٦٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا لَيْثٌ، عن بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عن ابْنِ السَّاعِدِيِّ
===
بسنده، وذكر في "الإصابة" (١) في ترجمة فراس بغير ياء النسبة: قال: له صحبة، قاله البخاري، ثم قال: هكذا رأيته في نسخة قديمة من "تاريخ البخاري" في حرف الفاء، وكذا ذكره ابن السكن أن البخاري سماه فراسًا، قال: وقال غيره: الفراس (٢) من بني فراس بن مالك بن كنانة، ولا يوقف على اسمه، وذكره البغوي وابن حبان بلفظ النسب، كما هو المشهور، لكن صنيعه يقتضي أنه اسم بلفظ النسب، والمعروف أنه نسبه، وأن اسمه لا يعرف، والمعروف في الحديث ابن الفراسي (٣) عن أبيه، وقيل: عن ابن الفراسي فقط، وهو مرسل، انتهى.
(قال لرسول الله ﷺ : أسأل يا رسول الله ﷺ ؟ ) بتقدير همزة الاستفهام أي أأسأل الناس (فقال النبي ﷺ : لا) لأن السؤال ذلٌّ، (وإن كنت سائلًا لا بد فسل الصالحين) وهذا باعتبار الأولوية، فإن الصلحاء إذا سُئِلوا لا ينظرونك بنظر الاحتقار، ولأن الصالح لا يعطي إلَّا من الحلال، ولا يكون إلَّا كريمًا ورحيمًا، ولا يهتك العرض، ولأنه يدعو لك فيستجاب.
١٦٤٧ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر) بضم الموحدة والسين المهملة (ابن سعيد، عن ابن الساعدي) قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٤): عبد الله بن السعدي، واسمه عمرو، وقيل: قدامة، وقيل: عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود العامري، أبو محمد، ويقال له السعدي؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد، وقال فيه
стр. 3836
قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ للَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ". [خ ٧١٦٣، م ١٠٤٥، ن ٢٦٠٤، حم ١/ ٥٢]
===
بعضهم: ابن الساعدي (١)، وسكن عبد الله الأردن، روى عن النبي ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب حديثَ العمالة.
(قال: استعملني) أي جعلني عاملًا (عمر على الصدقة) أي على أخذِها وجمعِها وجبايتها، (فلما فرغت منها) أي من أخذِها وجمعها، (وأديتها إليه) أي إلى عمر (أمر لي بعمالة) بضم العين، وفي "القاموس": مثلثة، أجرة العمل (فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، قال) أي عمر: (خذ ما أُعْطِيْتَ) بصيغة المجهول (فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعمَّلني) بتشديد الميم أي أعطاني أجرة العمل، (فقلت مثلَ قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : إذا أُعطيتَ) بصيغة المجهول (شيئًا من غير أن تسأله فكل وتصدق) أي اصنع ما شئت فيها من الأكل والتصدق، أو كُلْ إن كنت فقيرًا، وتصدق إن كنت غنيًا.
قال القاري (٢): فيه جواز أخذ العوض عن بيت المال على (٣) العمل العام، وإن كان فرضًا كالقضاء والحسبة والتدريس، بل يجب على الإِمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم في مال بيت المال، وظاهر هذا الحديث وغيره وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب أو الإباحة.
стр. 3837
١٦٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ, وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا وَالْمَسْأَلَةَ -: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى, وَالْيَدُ الْعُلْيَا: الْمُنْفِقَةُ, وَالسُّفْلَى: السَّائِلَةُ». [خ ١٤٢٩، م ١٠٣٣، ن ٢٥٣٣، حم ٢/ ٦٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ، عن نَافِع في هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ (١): الْيَدُ الْعُلْيَا: الْمتَعَفِّفَةُ
===
١٦٤٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال، وهو) الواو للحال (على المنبر، وهو) الواو للحال (يذكر الصدقة والتعففَ منها والمسألة) (٢).
قال الحافظ في "الفتح" (٣): كذا للبخاري بالواو قَبْلَ المسألةِ، وفي رواية مسلم عن قتيبة عن مالك: "والتعفف عن المسألة"، ولأبي داود: "والتعفف منها" أي من أخذ الصدقة، والمعنى أنه كان يحض الغنيَّ على الصدقة، والفقيرَ على التعفف عن المسألة، أو يحضه على التعفف ويذم المسألة (اليد العليا (٤) خير من اليد السفلى) مقولة لقال (واليد العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة).
(قال أبو داود: اختلف على أيوب عن نافع في هكذا الحديث، قال عبد الوارث) عن أيوب، كما في نسخة (اليد العليا المتعففة،
стр. 3838
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عن حَمَّادِ بْنِ زيدٍ عَنْ أيُّوبَ: الْيَدُ الْعُلْيَا: الْمُنْفِقَةُ. وَقَالَ وَاحِدٌ عن حَمَّادٍ: الْمُتَعَفِّفَةُ.
١٦٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ التَّيْمِىُّ, حَدَّثَنِى أَبُو الزَّعْرَاءِ, عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ, عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ
===
وقال أكثرهم (١) عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد العليا المنفقة، وقال واحد عن حماد: المتعففة) اتفقت روايةُ عبد الوارث عن أيوب، وروايةُ واحد عن حماد بن زيد عن أيوب على أنها: المتعففة، والمراد بالواحد عن حماد هو مسدد.
قال الحافظ (٢): ورواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرج أبو نعيم في "المستخرج" من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ: "واليد العليا يد المعطي"، وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ: المتعفف، فقد صحَّف، قال ابن عبد البر: ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة عنه: المنفقة، كما قال مالك، قلت: وكذلك قال فضيل بن سليمان عنه، قال ابن عبد البر: رواية مالك أولى وأشبه بالأصول، ويؤيده حديث طارق المحاربي عند النسائي، وفيه: "يد المعطي العليا"، ثم ذكر فيها أحاديث، ثم قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور، ومحصل ما في الآثار أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة لغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة، والله أعلم، ملخص من "الفتح".
١٦٤٩ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبيدة بن حميد التيمي، حدثني أبو الزعراء، عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضلة) بنون ومعجمة ساكنة،
стр. 3839
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى؛ فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلَا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ". [حم ٣/ ٤٧٣، خزيمة ٢٤٤٠]
(٢٨) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ
١٦٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ، عن ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عن أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
===
ويقال مالك بن عوف بن نضلة بن خديج الجشمي، روى عنه ابنه أبو الأحوص عوف بن مالك (قال: قال رسول الله ﷺ : الأيدي ثلاثة: فيدُ الله العليا) لأنه المعطي الحقيقي، (ويد المعطي التي تليها) أي تتصل بها، (ويد السائل السفلى، فَأَعْطِ الفضلَ) أي ما فضل عن حاجتك، (ولا تَعْجِز عن نفسك) أي عن رد نفسك إذا منعتك عن الإعطاء.
(٢٨) (بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشمٍ) (١) هل تجوز لهم أم لا؟
١٦٥٠ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن الحكم) بن عتيبة، ابن أبي رافع) عبيد الله كاتب علي، (عن أبي رافع: أن النبي ﷺ
стр. 3840
بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فأَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ،
===
بعث رجلًا) هو أرقم بن أبي الأرقم الزهري، صرح بذلك صاحب "البدائع" (١) (على الصدقة) أي على جباية الزكاة (من بني مخزوم).
واختُلِفَ في أن الأرقم بن أبي الأرقم هذا هل هو: زهري أو مخزومي؟ قال الحافظ في "الإصابة" (٢): روى الطبراني من طريق الثوري (٣)، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: استعمل النبي ﷺ الأرقم بن أبي الأرقم الزهري على السعاية، فاستتبع أبا رافع مولى النبي ﷺ ، أتى (٤) النبي ﷺ ، فقال: يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد، انتهى.
فهذا يدل على أن للأرقم الزهري أيضًا صحبة، لكن رواه شعبة، عن الحكم، عن مقسم فقال: استعمل رجلًا من بني مخزوم، كذلك أخرجه أبو داود وغيره، وإسناده أصح.
(فقال) الأرقم (لأبي رافع: اصحبني) في السفر لتعينني على جباية الصدقة (فإنك تصيب منها) أي تُعْطَى من الصدقة (قال: ) لا أصحبك (حتى آتي النبي ﷺ ، فأسألَه) فإن أذن لي فأصحبك وإلا فلا، (فأتاه) أي أتى أبو رافع رسولَ الله مجديد (فسأله، فقال) رسول الله ﷺ : (مولى القوم من أنفسهم (٥))
стр. 3841
وإنَّا لَا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقَةُ". [ت ٦٥٧، ن ٢٦١٢، حم ٦/ ٨ - ١٠، خزيمة ٢٣٤٤، ك ١/ ٤٠٤، ق ٧/ ٣٢]
===
أي في حرمة الصدقة (وإنا) أي بني هاشم (لا تحل لنا الصدقة) (١).
قال الشوكاني (٢): واعلم أن ظاهر قوله: "لا تحل (٣) لنا الصدقة" عدمُ حل صدقة الفرض والتطوع، وقد نقل جماعة - منهم الخطابي- الإجماعَ على تحريمها عليه ﷺ ، وتُعُقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد.
وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. وأما آل النبي ﷺ فقال أكثر الحنفية، وهو المصحَّح عن الشافعية، والحنابلة، وكثيرٍ من الزيدية: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع.
وقال في "البحر": إنه خصَّص صدقةَ التطوع القياسُ على الهبة والهدية والوقف، وقال أبو يوسف وأبو العباس: إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض؛ لأن الدليل لم يفصل.
стр. 3842
١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ الْعَائِرَةِ, فَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهَا إلَّا مَخَافَةُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً". [حم ٣/ ١٨٤، ٢٥٨]
١٦٥٢ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ, أَخْبَرَنَا أَبِى, عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّى أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا». [خ ٢٤٣١، م ١٠٧١، حم ٣/ ٢٩١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هِشَامٌ، عن قتادَةَ هَكَذَا.
===
وقال في "الدر المختار" (١): وجازت التطوعات من الصدقات وغلة الأوقاف لهم أي لبني هاشم، سواء سماهم الواقف أو لا، على ما هو الحق كما حققه في "الفتح" (٢).
١٦٥١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: نا حماد، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يمر بالتمرة العائرة)، أي الساقطة لا يُعْرَفُ مالِكُها (فما يمنعه) أي رسول الله ﷺ (من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة)، فهذا من باب الورع، وهذا الحديث يدل على أن الشيء اليسير الساقط الذي لا يطلبه صاحبه إذا التقطه أحد يجوز له أكلُه.
١٦٥٢ - (حدثنا نصر بن علي، أنا أبي) علي بن نصر، (عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ وجد تمرة، فقال: لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها، قال أبو داود: رواه هشام عن قنادة هكذا) أي كما رواه خالد عن قتادة، وحاصله أن هذا الحديث رواه عن قتادة ثلاثة: حماد، وخالد،
стр. 3843
١٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ, عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بَعَثَنِى أَبِى إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فِى إِبِلٍ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ". [ن ١٣٤٠]
١٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا:
===
وهشام؛ فأما حماد فروى فيه عدمَ أخذه التمرةَ الساقطةَ، وذكر من رأيه أن هذا كان لخشية الصدقة، وأما خالد بن قيس وهشام فرفعاه إلى النبي ﷺ ، ورويا قولَه، وحديث هشام أخرجه مسلم في "صحيحه" (١)، ويؤيده ما رواه مسلم في "صحيحه" عن سفيان، وزائدة عن منصور، عن طلحة بن مصرف عن أنس من قوله ﷺ : "لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها".
١٦٥٣ - (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، نا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبي ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة) قال الخطابي: هذا لا أدري وجهه، فلا شك أن الصدقة محرمة على العباس، ويشبه- إن ثبت- أن يكون أعطاه قضاء عن سلف كان استسلفه منه لأهل الصدقة؛ لأنه روي أنه تسلَّف منه صدقة عامين، فكأنه ردها وردَّ صدقة (٢).
وقال البيهقي (٣): هذا الحديث لا يحتمل إلَّا معنيين، أحدهما: أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، وصار منسوخًا، والآخر: أن يكون استسلف من العباس للمساكين إبلًا، ثم رَدَّها عليه، كذا في "الدرجات".
١٦٥٤ - (حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة قالا:
стр. 3844
نَا مُحَمَّدٌ- هُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدةَ، عن أَبِيهِ، عن الأَعْمَشِ، عن سَالِمٍ، عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. زَادَ أَبِي يُبْدِلهَا (١) ". [انظر سابقه]
(٢٩) بَابُ الْفَقِيرِ يُهْدِيِ لِلْغَنِيَّ (٢) مِنَ الصَّدَقَةِ
١٦٥٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ, أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِلَحْمٍ قَالَ: «مَا هَذَا؟ » , قَالُوا: شَىْءٌ
===
نا محمد، - هو ابن أبي عبيدة -، عن أبيه، عن الأعمش، عن سالم) بن أبي الجعد، (عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس نحوه، زاد) (٣) أي أبو عبيدة في حديثه على حديث محمد بن فضيل لفظ: (أبي يبدلها) في آخر الحديث أي يبدل الإبل، وحكى صاحب "العون" (٤) عن "غاية المقصود" في معنى هذا الكلام: زاد أي أبو عبيدة، عن الأعمش في روايته هذه الجملةَ "أبي" بالباء الموحدة بين الألف والياء التحتانية، أي: عباس بن عبد المطلب "يبدلها" بصيغة المضارع، والضمير المنصوب يرجع إلى الإبل، انتهى. وهذا يدل على أن الإبل التي أعطاه رسول الله ﷺ لم تكن بطريق الصدقة لأنه لو كان بطريق الصدقة لا يستحق إبدالها.
(٢٩) (بَابُ الفَقِيرِ يُهْدِي لِلْغَنِيِّ مِنَ الصَّدَقَةِ) فتكون في حق الغني هدية
١٦٥٥ - (حدثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ أتي بلحم) ولعله أتته عائشة به (قال) رسول الله ﷺ : (ما هذا) من أين جاء، ومن أي وجه جاء؟ (قالوا) أي أهله ﷺ : (شيء) أي لحم قليل
стр. 3845
تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ". [خ ١٤٩٥، م ١٠٧٤، ن ٣٧٦٠، حم ٣/ ١٣٠]
(٣٠) بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا
١٦٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نَا زُهَيْرٌ،
===
(تُصُدِّقَ به على بريرة) (١) وأنت لا تأكل الصدقة، (فقال) رسول الله ﷺ : (هو) أي اللحم الذي تُصُدِّق على بريرة (لها) أي لبريرة (صدقة، ولنا) منها (هدية).
والحاصل: أن الصدقة إذا دخلت في ملك الفقير، وبلغت محلها، انتهت كونها صدقة، فلما أعطاها الفقير للغني والهاشمي لا يكون في حقه صدقة، بل تكون هدية، والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة ما يكون فيها وجه الله فقط، والهدية ما يكون فيه وجه المهدي له، وهذا الحديث مختصر، والطويل حديث عائشة ﵂ عند البخاري (٢) ومسلم: "دخل رسول الله ﷺ والبرمة تفور بلحم، فقرب إليه خبز (٣) وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر برمة فيها لحم، قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: هو عليها صدقة، ولنا هدية".
(٣٠) (بابُ مَن تَصَدَّق بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا)
١٦٥٦ - (حدثنا أحمد (٤) بن عبد الله بن يونس، نا زهير،
стр. 3846
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّى بِوَلِيدَةٍ, وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ قَالَ: «قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ, وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِى الْمِيرَاثِ». [م ١١٤٩، جه ١٧٥٩، حم ٥/ ٣٥٩]
(٣١) بَابٌ: في حُقُوقِ الْمَالِ
١٦٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن عَاصِمِ بْنِ
===
نا عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة: أن امرأة) لم أقف على تسميتها (أتت رسول الله ﷺ فقالت: كنت تصدقتُ على أمي بوليدة) أي جارية حديثة السنن (وإنها) أي أمي (ماتت ونركت تلكَ الوليدةَ، قال) رسول الله ﷺ : (قد وجب) أي ثبت (أجرُكِ) في التصدق، (ورجعت) الوليدة (إليكِ في الميراث) فأنت تملكينها، ويجوز لكِ استخدامها.
وقد رواها الإِمام أحمد في "مسنده" (١) مطولًا من حديث إسحاق بن يوسف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني تصدقت على أمي بجارية، فإنها ماتت ورجعت إلى بالميراث، قال: "قد آجركِ الله، وردَّ عليكِ في الميراث"، قالت: فإن أمي ماتت ولم تَحُجَّ، فيجزئها أن أَحُجَّ عنها؟ قال: "نعم"، قالت: فإن أمي كان عليها صوم شهر فيجزئها، قال: "نعم"، انتهى.
(٣١) (بابٌ: في حُقُوقِ المْال)
من الزكاة المفروضة وغيرِها من التطوعات
١٦٥٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن عاصم بن
стр. 3847
أَبِي النَّجُودِ، عن شَقَيقٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ" [السنن الكبرى للنسائي ١١٧٠١]
١٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّى حَقَّهُ إلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ, فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ, وَجَنْبُهُ, وَظَهْرُهُ,
===
أبي النجود، عن شقيق، عن عبد الله قال: كنا نعد الماعون) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١)(٢) (على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر) وغيرهما من أشباه ذلك، وقال علي ﵁: هي الزكاة، وهو قول ابن عمر وقتادة والحسن والضحاك، وقال عكرمة: أعلاها الزكاة، وأدناها عارية المتاع، وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار.
١٦٥٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه) أبي صالح، (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ما من صاحب كنز) أي ذهب وفضة (لا يودي) منها (حقه) أي زكاته (إلَّا جعله الله يوم القيامة يحيى عليها) بصيغة المجهول، وتأنيثُ الضمير لكون الكنز عبارةً عن الدراهم والدنانير، أو بتأويل الأموال (في نار جهنم، فَتُكوى بها جبهتُه وجنبُه وظهره) قيل: لأنه ازْوَزَّ عن الفقير، وأعرض عنه، وعبس له وجهه وبشره، وولاه عند الإلحاح ظهره، فتكوى بماله أعضاؤه التي آذى الفقير بها، وقيل: لأنها أشرف
стр. 3848
حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ, ثُمَّ يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ.
وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى حَقَّهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ, فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ, فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا, لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ, وَلَا جَلْحَاءُ,
===
الأعضاءِ الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ والقلب والكبد، وقيل: المراد الجهات الأربع التي هي من مقاديم البدن ومؤخره وجنباه.
(حتى يقضي الله بين عباده في يوم) وهو يوم القيامة (كان مقداره خمسين ألف سنة) أي على الكافرين، ويطول على بقية العاصين بقدر ذنوبهم، وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم كركعتي الفجر، وأشار إليه بقوله : ﴿يوم عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (١) حتى يقضي أي يحكم بين العباد، وفيه إشارة إلى أنه في العذاب، وبقية الخلق في الحساب (مما تعدون، ثم يرى سبيله) وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ، مقهور لا يقدر أن يروح إلى النار فضلًا عن الجنة حتى يعين له أحد السبيلين (إما إلى الجنة) إن لم يكن له ذنب، وكان العذاب تكفيرًا له (وإما إلى النار) إن كان على خلاف ذلك.
(وما من صاحب غنم لا يؤدي حقَّها إلَّا جاءت يوم القيامة أوفر) أي أكثر عددًا، وأعظم سمنًا، وأقوى قوة ليكون أثقلَ لوطئها (ما كانت، فيُبطَح) أي يُلقى على وجهه (لها) أي لتلك الغنم (بقاعٍ) أي في أرض واسعة مستوية (قَرْقَرٍ) أي أملس، وقيل: مستوٍ فيكون تأكيدًا (فتنطحه) بفتح الطاء وتكسر، في "القاموس": نطحه كمنعه وضربه: أصابه بقرنه (بقرونها) تأكيد أو تجريد، (وتطؤه) أي صاحبَ الغنم (بأظلافها) جمع ظلف، وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس (ليس فيها عقصاءُ) ملتوية القرن، (ولا جَلْحاءُ) التي لا قرن لها،
стр. 3849
كُلَّمَا مضَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ.
وَمَا مِن صَاحِبِ إبلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كانتْ، فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا،
===
(كلما مضت أُخْراها رُدَّتْ عليه أُولاها) فيكون مرورُها عليه بطريق الدائرة، وفي رواية لمسلم (١) عن زيد بن أسلم عن أبي صالح: "كلما مرَّ عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها".
قال النووي (٢): هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع، قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف، وصوابه ما جاء بعده في الحديث الآخر من رواية سهيل عن أبيه، وما جاء في حديث المعرور بن سويد، عن أبي ذر: "كلما مر عليه أخراها ردَّ عليه أولاها"، انتهى.
وقال القاري (٣): وتوجيه ما في الكتاب أنه مرت الأولى على التتابع، فإذا انتهى إلى الأخرى إلى الغاية ردت من هذه الغاية، وتبعها ما كان يليها فما يليها إلى أولها، فيحصل الغرض من الاستمرار والتتابع على طريق الطرد والعكس، فهو أولى من العكس.
(حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب إبلٍ لا يؤدي حقَّها إلَّا جاءت يوم القيامة أوفر) أي: أعظم وأسمن (ما كانت) أي الحالة التي كانت في الدنيا، (فيُبطَح لها بقاعٍ قَرْقَرٍ فتطؤه بأخفافها)
стр. 3850
كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه بَيْنَ عِبَادِهِ، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ". [م ٩٨٧، حم ٢/ ٣٨٣، ق ٤/ ٨١]
١٦٥٩ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ نَحْوَهُ, قَالَ فِى قِصَّةِ الإِبِلِ بَعْدَ قَوْلِهِ: «لَا يُؤَدِّى حَقَّهَا» قَالَ: «وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا». [انظر سابقه]
===
أي بأرجلها، (كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها)، والمراد به التتابع واستمرار العذاب (حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
١٦٥٩ - (حدثنا جعفر بن مسافر، نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو حديث سهيل، (قال) أي زيد بن أسلم (في قصة الإبل بعد قوله: "لا يؤدي حقها" قال) تأكيد لقال المتقدم، أو يقال: قال زيد بسنده: قال رسول الله ﷺ : (ومن حقها) أي الإبل، والمراد الحق المندوب إليه (حلَبُها) قال النووي (١): بفتح اللام هي اللغة المشهورة (٢)، وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس (يومَ وِرْدَها) قيل: الورد الإتيان إلى الماء، أو نوبَة الإتيان إلى الماء، قال: الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية.
قال الطيبي (٣): ومعنى حلبها يوم وردها: أن يسقي ألبانَها المارَّةَ.
стр. 3851
١٦٦٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِى عُمَرَ الْغُدَانِىِّ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ, فَقَالَ لَهُ - يَعْنِى لأَبِى هُرَيْرَةَ -: فَمَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ: "تُعْطِى الْكَرِيمَةَ, وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ, وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ,
===
وقال ابن الملك (١): وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالبًا على المياه، وهذا على سبيل الاستحباب.
واعلم أن ذكره وقع استطرادًا وبيانًا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة، لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضًا، لما هو مقرر أن العذاب لا يكون إلَّا على ترك واجب أو فعل محرم، اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط، أو حالة الاضطرار، أو على زمان وجوب ضيافة المال، وقيل: يحتمل أن التعذيب عليهما معًا تغليظ.
١٦٦٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر)، هكذا في النسخ، وفي "التهذيب" في ترجمة أبي عمر: أبو عمر الغداني، وقيل أبو عمرو، حديثه في المصريين، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: روى حديثَه الحاكم في "المستدرك"، وقال: إن اسمه يحيى بن عبيد البهراني، وقال في "التقريب": ووهم من قال: اسمه يحيى بن عبيد (الغداني) بضم المعجمة، وتخفيف الدال: نسبة إلى غدانة بن اليربوع، (عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ نحوَ هذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم.
(فقال) أي العباس كما هو مصرح في "المستدرك" (٢) و"تلخيصه" (له - يعني لأبي هريرة -: فما حق الإبل؟ قال: تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرةَ) بتقديم المعجمة على المهملة أي الكثيرة اللبن، (وتفقر الظهر) من الإفقار أي بعيره للركوب، مأخوذ من فقار الظهر، وهي خرازته، والواحد فقارة
стр. 3852
وَتُطَرِّقُ الْفَحْلَ، وَتَسْقِي اللَّبَنَ". [ن ٢٤٤٢، حم ٢/ ٣٨٣، خزيمة ٢٣٢٢]
١٦٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ, حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ (١): قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ: «وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا». [م ٩٨٨، دي ١٦١٨]
===
(وتُطَرِّق الفحل) أي تعيره للضراب، ولا تأخذ عليها أجرًا (وتسقي اللبن) أي ذا الحاجة، وحديث أبي عمر الغداني هذا أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢) وقال: وأبو عمر الغداني يقال: إنه يحيى بن عبيد البهراني.
١٦٦١ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد، (عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير قال: قال رجل: يا رسول الله! ما حق الإبل؟ فذكر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (زاد) في هذا الحديث: (وإعارةُ دلوِها) يحتمل أن يكون المراد بالدلو دلوها الذي يسقى بها الماء، فيعير ذلك الدلو ليسقي به الماء إبله، وقيل: المراد بالدلو الضرعُ، فحينئذ المراد إعارتها لِيَسقي لبنها. والحديث مرسل.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث في "صحيحه" (٣) من طريق عبد الرزاق، أنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقَّها إلَّا جاءت". الحديث، ثم قال في آخره: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القولَ، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثلَ قولِ عبيدِ بنِ عميرٍ، وقال أبو الزبير: سمعت عبيدًا يقول: قال رجل: يا رسول الله! ما حق الإبل؟ قال: "حَلَبُها على الماء، وإعارةُ فحلِها، وَمَنِيْحَتُها، وحملٌ عليها في سبيل الله"، انتهى، وليس فيما روى مسلم عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير لفظ: إعارة دلوها.
стр. 3853
١٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادٍّ (١) عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ, بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِى الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ". [حم ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠، خزيمة ٢٤٦٩]
١٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ, عَنْ أَبِى نَضْرَةَ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ, فَجَعَلَ يَصْرِّفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا,
===
١٦٦٢ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحَرَّاني، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ أمر (٢) من كل جادٍّ) بالدال المهملة في النسخ الموجودة، والجد: القطع، والمعنى أمر من كل مجدود (عشرةِ أوسقٍ من التمر بقنو) أي بعذق (يعلَّق في المسجد للمساكين) أي ليأكل منه مساكين الصحابة الذين كانوا يسكنون صفة المسجد، وقال في "الدرجات": بجيم، فألف، فشد ذاله، قال إبراهيم الحربي: أي قدرًا من نخل يجذ منه عشرة أوسق فجاذ مجذوذ فاعل مفعول.
١٦٦٣ - (حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبو الأشهب) جعفر بن حيان، (عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ جاء رجل على ناقة له) أي للرجل، (فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا)، قال في "فتح الودود": الأقرب أن
стр. 3854
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ, وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» , حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِى الْفَضْلِ". [م ١٧٢٨، حم ٣/ ٣٤]
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، نَا أَبِي، نَا غَيْلَانُ، عن جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (١) قَالَ:
===
الناقة أعجزها السير فأراد أن يري النبي ﷺ ذلك فيعطيه غيرها، وكتب في النسخة المكتوبة لمولانا الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري تحت قوله: "فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا"، أي فخرًا، ونسبه لمولانا، والمراد به حضرة الشيخ مولانا محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي، نَوَّر الله مرقده، ثم نقل هذا القول في النسخ المطبوعة المنقولة عنها.
(فقال رسول الله ﷺ : من كان عنده فضل ظهر) أي مركوب فاضل عن الحاجة (فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد) أي زاد فاضل عن الحاجة (فليعد به) من العود أي فليقبل به وليُحْسِن على من لا زاد له (على من لا زاد له، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل).
١٦٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن يعلى المحاربي)، هو يحيى بن يعلي بن الحارث بن الحرب بن جرير بن عبد الحارث المحاربي، أبو زكريا الكوفي، قال أبو حاتم: ثقة، (نا أبي) يعلي بن الحارث، (نا غيلان) بن جامع بن أشعث المحاربي، أبو عبد الله الكوفي، قاضيها، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، (عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى آخر الآيتين (قال) ابن عباس:
стр. 3855
كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فَانْطَلَقُوا (١) فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذ الآيَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَ الله لَمْ يَفْرِضِ (٢) الزَّكَاةَ إلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وإنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ"،
===
(كبر) أي شقَّ (ذلك) أي نزولُ الآية (على المسلمين)؛ لأنها تشتمل على الوعيد الشديد على الكنز، ولا يخلو رجل عنه، بل لا بد لكل واحد أن يكنز شيئًا منها.
(فقال عمر: أنا أفرج عنكم) أي أزيل هذه الشدة عنكم، (فانطلقوا، فقالوا) وفي نسخة: "فانطلق، فقال" على الانفراد (يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآيةُ، فقال رسول الله ﷺ : إن الله لم يفرض الزكاة إلَّا ليطيب) من التفعيل أي ليطهِّر (ما بقي) بعد أداء الزكاة (من أموالكم)، ولعل في الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) إشارة إليه بأن المراد بالاتفاق إعطاء الزكاة لا إنفاق المال كله.
(وإنما فرض المواريثَ لتكون) أي الأموال بالميراث (لمن بعدكم) هكذا في النسخ التي بأيدينا من نسخ أبي داود، ونقل في "مشكاة المصابيح" (٤) هذه الرواية عن أبي داود، ولفظه: "وإنما فرض المواريث- وذكر كلمة- لتكون لمن بعدكم".
قال القاري (٥): قوله: "وذكر كلمة" من كلام الراوي، يعني: ابنَ عباس، أي وذكر ﷺ كلمة أخرى في هذا المقام لا أضبطها، والجملة معترضة بين الفعل وعلته، انتهى.
وأخرجها السيوطي في "الدر المنثور" (٦) وعزاه إلى "مسند ابن أبي شيبة"،