١٦٦٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِى عُمَرَ الْغُدَانِىِّ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ, فَقَالَ لَهُ - يَعْنِى لأَبِى هُرَيْرَةَ -: فَمَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ: "تُعْطِى الْكَرِيمَةَ, وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ, وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ,
===
وقال ابن الملك (١): وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالبًا على المياه، وهذا على سبيل الاستحباب.
واعلم أن ذكره وقع استطرادًا وبيانًا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة، لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضًا، لما هو مقرر أن العذاب لا يكون إلَّا على ترك واجب أو فعل محرم، اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط، أو حالة الاضطرار، أو على زمان وجوب ضيافة المال، وقيل: يحتمل أن التعذيب عليهما معًا تغليظ.
١٦٦٠ - (حدثنا الحسن بن علي، نا يزيد بن هارون، أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر)، هكذا في النسخ، وفي "التهذيب" في ترجمة أبي عمر: أبو عمر الغداني، وقيل أبو عمرو، حديثه في المصريين، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: روى حديثَه الحاكم في "المستدرك"، وقال: إن اسمه يحيى بن عبيد البهراني، وقال في "التقريب": ووهم من قال: اسمه يحيى بن عبيد (الغداني) بضم المعجمة، وتخفيف الدال: نسبة إلى غدانة بن اليربوع، (عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ نحوَ هذه القصة) المذكورة في الحديث المتقدم.
(فقال) أي العباس كما هو مصرح في "المستدرك" (٢) و"تلخيصه" (له - يعني لأبي هريرة -: فما حق الإبل؟ قال: تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرةَ) بتقديم المعجمة على المهملة أي الكثيرة اللبن، (وتفقر الظهر) من الإفقار أي بعيره للركوب، مأخوذ من فقار الظهر، وهي خرازته، والواحد فقارة
стр. 3852
وَتُطَرِّقُ الْفَحْلَ، وَتَسْقِي اللَّبَنَ". [ن ٢٤٤٢، حم ٢/ ٣٨٣، خزيمة ٢٣٢٢]
١٦٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ, حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ (١): قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ: «وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا». [م ٩٨٨، دي ١٦١٨]
===
(وتُطَرِّق الفحل) أي تعيره للضراب، ولا تأخذ عليها أجرًا (وتسقي اللبن) أي ذا الحاجة، وحديث أبي عمر الغداني هذا أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢) وقال: وأبو عمر الغداني يقال: إنه يحيى بن عبيد البهراني.
١٦٦١ - (حدثنا يحيى بن خلف، نا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد، (عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير قال: قال رجل: يا رسول الله! ما حق الإبل؟ فذكر نحوه) أي نحو الحديث المتقدم (زاد) في هذا الحديث: (وإعارةُ دلوِها) يحتمل أن يكون المراد بالدلو دلوها الذي يسقى بها الماء، فيعير ذلك الدلو ليسقي به الماء إبله، وقيل: المراد بالدلو الضرعُ، فحينئذ المراد إعارتها لِيَسقي لبنها. والحديث مرسل.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث في "صحيحه" (٣) من طريق عبد الرزاق، أنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقَّها إلَّا جاءت". الحديث، ثم قال في آخره: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القولَ، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثلَ قولِ عبيدِ بنِ عميرٍ، وقال أبو الزبير: سمعت عبيدًا يقول: قال رجل: يا رسول الله! ما حق الإبل؟ قال: "حَلَبُها على الماء، وإعارةُ فحلِها، وَمَنِيْحَتُها، وحملٌ عليها في سبيل الله"، انتهى، وليس فيما روى مسلم عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير لفظ: إعارة دلوها.
стр. 3853
١٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِىُّ, حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادٍّ (١) عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ, بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِى الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ". [حم ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠، خزيمة ٢٤٦٩]
١٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِىُّ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ, عَنْ أَبِى نَضْرَةَ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ, فَجَعَلَ يَصْرِّفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا,
===
١٦٦٢ - (حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحَرَّاني، حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ أمر (٢) من كل جادٍّ) بالدال المهملة في النسخ الموجودة، والجد: القطع، والمعنى أمر من كل مجدود (عشرةِ أوسقٍ من التمر بقنو) أي بعذق (يعلَّق في المسجد للمساكين) أي ليأكل منه مساكين الصحابة الذين كانوا يسكنون صفة المسجد، وقال في "الدرجات": بجيم، فألف، فشد ذاله، قال إبراهيم الحربي: أي قدرًا من نخل يجذ منه عشرة أوسق فجاذ مجذوذ فاعل مفعول.
١٦٦٣ - (حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا: نا أبو الأشهب) جعفر بن حيان، (عن أبي نضرة) منذر بن مالك، (عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ جاء رجل على ناقة له) أي للرجل، (فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا)، قال في "فتح الودود": الأقرب أن
стр. 3854
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ, وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» , حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِى الْفَضْلِ". [م ١٧٢٨، حم ٣/ ٣٤]
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، نَا أَبِي، نَا غَيْلَانُ، عن جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (١) قَالَ:
===
الناقة أعجزها السير فأراد أن يري النبي ﷺ ذلك فيعطيه غيرها، وكتب في النسخة المكتوبة لمولانا الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري تحت قوله: "فجعل يصرفها يمينًا وشمالًا"، أي فخرًا، ونسبه لمولانا، والمراد به حضرة الشيخ مولانا محمد إسحاق الدهلوي، ثم المهاجر المكي، نَوَّر الله مرقده، ثم نقل هذا القول في النسخ المطبوعة المنقولة عنها.
(فقال رسول الله ﷺ : من كان عنده فضل ظهر) أي مركوب فاضل عن الحاجة (فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد) أي زاد فاضل عن الحاجة (فليعد به) من العود أي فليقبل به وليُحْسِن على من لا زاد له (على من لا زاد له، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل).
١٦٦٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن يعلى المحاربي)، هو يحيى بن يعلي بن الحارث بن الحرب بن جرير بن عبد الحارث المحاربي، أبو زكريا الكوفي، قال أبو حاتم: ثقة، (نا أبي) يعلي بن الحارث، (نا غيلان) بن جامع بن أشعث المحاربي، أبو عبد الله الكوفي، قاضيها، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، (عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إلى آخر الآيتين (قال) ابن عباس:
стр. 3855
كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فَانْطَلَقُوا (١) فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذ الآيَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَ الله لَمْ يَفْرِضِ (٢) الزَّكَاةَ إلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وإنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ"،
===
(كبر) أي شقَّ (ذلك) أي نزولُ الآية (على المسلمين)؛ لأنها تشتمل على الوعيد الشديد على الكنز، ولا يخلو رجل عنه، بل لا بد لكل واحد أن يكنز شيئًا منها.
(فقال عمر: أنا أفرج عنكم) أي أزيل هذه الشدة عنكم، (فانطلقوا، فقالوا) وفي نسخة: "فانطلق، فقال" على الانفراد (يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآيةُ، فقال رسول الله ﷺ : إن الله لم يفرض الزكاة إلَّا ليطيب) من التفعيل أي ليطهِّر (ما بقي) بعد أداء الزكاة (من أموالكم)، ولعل في الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) إشارة إليه بأن المراد بالاتفاق إعطاء الزكاة لا إنفاق المال كله.
(وإنما فرض المواريثَ لتكون) أي الأموال بالميراث (لمن بعدكم) هكذا في النسخ التي بأيدينا من نسخ أبي داود، ونقل في "مشكاة المصابيح" (٤) هذه الرواية عن أبي داود، ولفظه: "وإنما فرض المواريث- وذكر كلمة- لتكون لمن بعدكم".
قال القاري (٥): قوله: "وذكر كلمة" من كلام الراوي، يعني: ابنَ عباس، أي وذكر ﷺ كلمة أخرى في هذا المقام لا أضبطها، والجملة معترضة بين الفعل وعلته، انتهى.
وأخرجها السيوطي في "الدر المنثور" (٦) وعزاه إلى "مسند ابن أبي شيبة"،
стр. 3856
قَالَ: فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ (١): "أَلَا أُخْبِرُكَ (٢) بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ". [ك ٤/ ٤٠٨، ٤٠٩، ق ٤/ ٨٣]
===
وأبي داود، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم (٣)، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس ولفظه: قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر ﵁: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر ﵁ واتبعه ثوبان ﵁، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا نبي الله! إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: "إن الله لم يفرض الزكاة إلَّا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم"، فكبر عمر ﵁، الحديث.
وإنما ذكر ﷺ المواريث بعد الزكاة ليكون أدل على أن جمع الأموال وكنزها ليس بممنوع شرعًا؛ لأنه لو كان ممنوعًا لما شرع الميراث؛ لأن الميراث لا يجري إلا في الأموال المخزونة الباقية.
(قال: فكبر عمر) فرحًا على كشف المعضلة (ثم قال) رسول الله ﷺ (له) أي لعمر: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ ) أي الرجل، أي بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته (المرأةُ الصالحة) أي الجميلة ظاهرًا وباطنًا، قال الطيبي (٤): المرأة مبتدأ، والجملة الشرطية خبره، ويجوز أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف، والجملة الشرطية بيان (إذا نظر) أي الرجل (إليها) أي المرأة الصالحة (سرته) أي جعلته مسرورًا بجمال صورتِها وحسنِ سيرتِها وحصولِ حفظِ الدين بها، (وإذا أمرها) بأمر شرعي أو عرفي (أطاعته) وخدمته، (وإذا غاب عنها حفظته) أي حقوقَه في نفسِها ومالِه.
стр. 3857
(٣٢) بَابُ حَقِّ السَّائِلِ
١٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ, حَدَّثَنِى يَعْلَى بْنُ أَبِى يَحْيَى, عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ, عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ». [حم ١/ ٢٠١، ق ٧/ ٢٣]
===
(٣٢) (بابُ حَقِّ السَّائِلِ)
١٦٦٥ - (حدثنا محمد بن كثير، نا سفيان، نا مصعب بن محمد بن شرحبيل، حدثني يعلي بن أبي يحيى) حجازي، روى عن فاطمة بنت حسين، وعنه مصعب بن محمد بن شرحبيل، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن فاطمة بنت حسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، قال ابن سعد: أمها أم إسحاق بنت طلحة، تزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي، ثم تزوجها بعده عبد الله بن عمرو بن عثمان، ذكرها ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال: ماتت وقد قاربت التسعين، ووقع ذكرها في "صحيح البخاري" في الجنائز، قال: لما مات الحسن بن الحسن ضربتْ امرأتهُ القبةَ (١).
(عن حسين بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، استُشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة (قال: قال رسول الله ﷺ : للسائل حق وإن جاء على فرس) يعني إذا سأل سائل أحدًا ينبغي له أن يحسن الظن به وإن جاء على فرس، فإنه يمكن أن يحتاج إلى ركوب الفرس، ومع ذلك تلجئه الحاجة إلى السؤال، ويكون له عائلة، أو يكون تحمل حمالة فلا يسيء الظن به، وهذا لعله باعتبار القرون الأولى، وأما في هذا الزمان فنشاهد كثيرًا من
стр. 3858
١٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا يَحْيَى بْنُ آدمَ، نَا زُهَيْرٌ، عن شَيْخٍ
===
الناس اتخذوا السؤال حرفة لهم، ولهم فضول أموال؛ فحينئذ يحرم لهم السؤال، ويحرم على الناس إعطاؤهم، والله أعلم.
قال في "الدرجات" (١): قد انتقد الحافظ سراج الدين القزويني على "المصابيح" أحاديث، وزعم أنها موضوعة، ورد عليه الحافظ العلائي في كراسة، ثم ابن حجر، منها هذا الحديث، قال العلائي: أما الطريق الأول فإنها حسنة، مصعب وثقه ابن معين وغيره، وقال فيه أبو حاتم: صالح لا يحتج به، وتوثيق الأَوَّلَيْنِ أولى بالاعتماد، ويعلي بن أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، ووثقه ابن حبان، فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله، وقد أثبت أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سماعَ الحسين - رضي الله تعالى عنه -، عن جده ﷺ ، وقال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما: كل رواياته مراسيل، فعلى هذا هو مرسل صحابي، وجمهور العلماء على الاحتجاج بها.
فأما على الرواية الثانية فقد بين فيها أنه سمعه من أبيه علي، عن النبي ﷺ ، وزهير بن معاوية متفق على الاحتجاج به، ولكن شيخه لم يسمِّه، والظاهر أنه يعلي بن أبي يحيى المارِّ، فبالجملة الحديث حسن، ولا يحل نسبته إلى الوضع.
١٦٦٦ - (حدثنا محمد بن رافع، نا يحيى بن آدم، نا زهير) بن معاوية (عن شيخ) قال في "التقريب" في المبهمات: زهير بن معاوية عن شيخ رأى سفيان عنده، هو مصعب بن محمد بن شرحبيل، وقال في "الخلاصة" (٢): زهير بن معاوية، عن شيخ لعله مصعب بن محمد، وقال الحافظ في "تهذيب
стр. 3859
- قَالَ: رَأَيْتُ سُفْيَانَ عِنْدَهُ- عن فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عن أَبِيهَا، عن عَلِيٍّ (١)، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. [ق ٧/ ٢٣]
١٦٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ, عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ - وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ:
===
التهذيب": زهير بن معاوية ثنا شيخ رأيت سفيان عنده، عن فاطمة بنت الحسن (٢)، رواه سفيان، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة، قلت: وقد تقدم عن "درجات مرقاة الصعود" أن السيوطي حمله على أنه يعلي بن أبي يحيى.
(قال) زهير: (رأيت سفيان عنده) وفي هذا الكلام إشارة إلى توثيق هذا الشيخ، فإنه لما رأى سفيانَ عنده، وسفيان مع علو قدره لا يأخذ إلَّا عن ثقة، فيستدل بهذا على أنه ثقة، (عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها، عن علي، عن النبي ﷺ مثله).
١٦٦٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بجيد) بموحدة وجيم، مصغرًا، ابن وهب الأنصاري، الحارثي، المدني، له رؤية، وذكره بعضهم في الصحابة، وله حديث مرسل (٣)، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: يقال: إن له صحبة، (عن جدته أم بجيد) بجيم مصغرًا، الأنصارية، يقال: اسمها حواء، صحابية، وكانت من المبايعات، لها حديث (وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ أنها) أي أم بجيد (قالت له) أي لرسول الله ﷺ :
стр. 3860
يَا رَسُولَ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ, إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِى فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ لَمْ تَجِدِى لَهُ شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِى يَدِهِ». [ت ٦٦٥، ن ٢٥٧٤، حم ٦/ ٣٨٢، خزيمة ٢٤٧٣، ك ١/ ٤١٧، ق ٤/ ١٧٧]
(٣٣) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ
١٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ, حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى
===
(يا رسول الله، صلَّى الله عليك، إن المسكين ليقوم على بابي) سائلًا (فما أجد له شيئًا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله ﷺ : إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إياه إلَّا ظلفًا) قال في "القاموس": الظلف بالكسر للبقرة والشاة والظبي وشبهها بمنزلة القدم لنا، جمعه: ظُلوف وأظلاف، (محرقًا فادفعيه إليه في يده) أي يد المسكين، والمقصود مبالغة في غاية ما يُعطى من القلة، ولم يرد صدور هذا الفعل من المسؤول عنه، فإن الظلف المحرق غير منتفع به إلا إذا كان الوقت زمن القحط.
(٣٣) (بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ)
هل يجوز أو لا؟ والمراد من الصدقة صدقة النفل
١٦٦٨ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، أنا عيسى بن يونس، نا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق، وكانت زوجة الزبير (قالت: قدمت عليَّ أمي) حكى الحافظ في "الفتح" (١) في رواية أخرجها ابن سعد، والطيالسي، والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال: "قدمت قتيلة- بالقاف والمثناة مصغرة-
стр. 3861
رَاغِبَةً فِى عَهْدِ قُرَيْشٍ, وَهِىَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ أُمِّى قَدِمَتْ عَلَىَّ,
===
بنت عبد العزى بن سعد على ابنتها أسماءَ بنتِ أبي بكر في الهدنة، الحديث". قال الحافظ: عرف منه تسمية أم أسماء، وأنها أمها حقيقة، وأن من قال: إنها أمها من الرضاعة؛ فقد وهم، قال: ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قيلة، ورأيته في نسخة مجردة منه بسكون التحتانية، وضبطه ابن ماكولا بسكون المثناة، فعلى هذا من قال: قتيلة، صغرها، قال الزبير: أم أسماء وعبد الله ابن (١) أبي بكر قيلة بنت عبد العزى، وأما قول الداودي: إن اسمها أم بكر، فقد قال ابن التين: لعله كنيتها.
قال الحافظ (٢): زادَ الليث عن هشام كما سيأتي في "الأدب" "مع ابنها"، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مدرك بن عبد عمرو بن مخزوم، ولم أر له ذكرًا في الصحابة فكأنه مات مشركًا، وذكر بعض شيوخنا أنه وقع في بعض النسخ "مع أبيها" بموحدة ثم تحتانية وهو تصحيف. (راغبة) أي في صلتي أو راغبة عن الإِسلام، قال الحافظ: ونقل المستغفري أن بعضهم أوَّله، فقال: وهي راغبة في الإِسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، ورده أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها (٣).
(في عهد قريش) إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، والمراد به زمان الهدنة والصلح ما بين الحديبية والفتح (وهي راغمة) أي كارهة للإسلام (مشركة) على دين آبائها، وحكى الحافظ (٤) في رواية: أنها قدمت بهدايا زبيب وسمن وقرظ. فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسول الله ﷺ ، فقال: لتدخلها (فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي،
стр. 3862
وَهِىَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ, أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ, فَصِلِى أُمَّكِ». [خ ٢٦٢٠، م ١٠٠٣، حم ٦/ ٣٥٥]
(٣٤) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ
١٦٦٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, نا أبي, حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ,
===
وهي راغمة مشركة أَفَأَصِلُها) (١) أي: أعطيها صلة للرحم.
(قال) رسول الله ﷺ : (نعم، فصِلي أمكِ) وإن كانت مشركة كارهة للإسلام، فلما أباح رسول الله ﷺ صلة المشركة من أهل الحرب في زمان الهدنة والصلح، استدل بذلك على جواز الصدقة على الكفار من أهل الذمة من صدقات التطوع، قال الحافظ: قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢)، وقيل: نسخ هذه الآية الأمر بقتل المشمركين حيث وجدوا، والله أعلم.
(٣٤) (بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ)
مناسبة الترجمة بكتاب الزكاة أن ما ذكر في الحديث من الماء والملح هو من الأشياء التي تصدق الله به على عباده، فجعلهم شركاء فيه، فلا يحل منع أحد عنه لأحد
١٦٦٩ - (حدثنا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا كهمس،
стр. 3863
عَنْ سَيَّارِ بْنِ مَنْظُورٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ -, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا بُهَيْسَةُ, عَنْ أَبِيهَا قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ أَبِى النَّبِىَّ ﷺ ,
===
عن سيار بن منظور) بن سيار الفزاري البصري، روى عن أبيه، وعنه كهمس بن الحسن فيما قاله معاذ بن معاذ، والنضر بن شميل وغيره، وقال وكيع: عن كهمس عن منظور بن سيار عن أبيه، وهو وهم فيما قاله البخاري وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: فقال: يروي عن أبيه المقاطيع، وقال عبد الحق الأشبيلي: مجهول (رجل من بني فزارة، عن أبيه) منظور بن سيار الفزاري البصري، روى حديثه كهمس بن الحسن عن سيار بن منظور عن أبيه عن امرأة يقال لها: بهيسة عن أبيها أنه سأل النبي ﷺ : ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ !
قال أبو حاتم: منظور بن سيار، ويقال: سيار بن منظور بن ريان، كوفي، روى عن عمر، وعنه الربيع بن عميلة، وقال ابن حبان في "الثقات": منظور بن سيار بن منظور عن أبيه عن عبد الله بن سلام، روى عنه أهل المدينة، قلت: قال ابن القطان: عن بهيسة مجهولان.
(عن امرأة يقال لها: بهيسة) قال في "تهذيب التهذيب": بهيسة بالمهملة مصغرًا الفزارية عن أبيها عن النبي ﷺ روى سيار بن منظور، عن أبيها عنها. قلت: قال ابن حبان: لها صحبة، وقال ابن القطان: قال عبد الحق: مجهولة وهي كذلك.
(عن أبيها) قال الحافظ في "الإصابة" في ترجمة عمير الفزاري: والد بهيسة بموحدة ومهملة مصغرة، ذكره أبو عمر، فسماه عميرًا، ولم أره لغيره، ويأتي في "الكنى" ثم رأيت في الكنى فذكر: أبو بهيسة بالتصغير، الفزاري، ذكره أبو بشر الدولابي في "الكنى"، وأورد له من طريق كهمس عن سيار بن منظور هذا الحديث ثم قال: وذكر ابن عبد البر أن والد بهيسة عمير.
(قالت: استأذن أبي النبي ﷺ ) في تقبيل جسمه الأطهرَ والتزامه
стр. 3864
فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ». قَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ, مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمِلْحُ»
===
(فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبِّل ويلتزم) لكمال المحبة والشوق، (ثم قال) أي أبو بهيسة: (يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال) رسول الله ﷺ : (الماء، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال) رسول الله ﷺ : (الملح) وهما من الأمور التي يشترك الناس فيها لحديث أخرجه الطبراني بلفظ "المسلمون شركاء في ثلاث" (١)، وكذا أخرجه ابن ماجه، وفي آخره: "وثمنه حرام"، وأخرجه أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن عدي.
قال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات، ومعنى الشركة في النار: الاصطلاءُ بها، وتجفيف الثياب، لا أخذ الجمر إلا بإذن صاحبه، وفي الماء: الشرب وسقي الدواب والاستقاء من الآبار والحياض والأنهار المملوكة، وفي الكلام: الاحتشاش ولو في أرض مملوكة غير أن لصاحب الأرض المنع من دخوله، ولغيره أن يقول: إن لي في الأرض حقًا، فإما أن توصلني إليه أو تحشه أو تستقي وتدفعه لي.
وصار كثوب رجل وقع في دار رجل، إما أن يأذن للمالك في دخوله ليأخذه، وإما أن يخرجه إليه، نقله الشامي (٢) ملخصًا عن "فتح القدير"، ثم قال: قال الرملي: إن صاحب البئر لا يملك الماء وهذا ما دام في البئر، أما إذا أخرجه منها بالاحتيال- كما في السواني- فلا شك في ملكه له لحيازته له في الكيزان، ثم صبه في البرك بعد حيازته، تأمل.
ثم حرر الفرق بين ما في البئر وما في الجباب والصهاريج الموضوعة في
стр. 3865
قَالَ: يَا نبيَّ اللَّهِ, مَا الشَّىْءُ الَّذِى لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ». [حم ٣/ ٤٨٠، ق ٦/ ١٥٠، دي ٢٦١٣]
(٣٥) بابُ الْمَسْأَلَةِ فِى الْمَسَاجِدِ
١٦٧٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدم، نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، نَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عن ثَابتٍ الْبُنَانِيِّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄
===
البيوت لجمع ماء الشتاء؛ لأنها أعدت لإحراز الماء، فيملك ما فيها، فلو آجر الدار لا يجوز للمستأجر ماؤها إلَّا بإذن المؤجر، انتهى.
(قال) أبو بهيسة: (يا نبي الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير خير لك) وهذا جواب على أسلوب الحكيم، ولعل الغرض منه قطعُ سلسلة السؤال وسدُّ بابه، أو يقال: إن الجواب مطابق للسؤال على وجه الكلية والجامعية بأن لا يبقى بعد الجواب حاجة إلى السؤال.
وحاصله: أن جميع الخير من المعروف الذي لا يحل منعه، فإذا فعلت ذلك يكون خيرًا لك، والمراد بالملح ما يكون في معدنه غير مملوك لأحد، فهو مشترك بين المسلمين لا يحل منعه لأحد، وأما إذا كان مملوكًا بالحيازة فللمالك حق المنع.
(٣٥) (بَابُ الْمَسْألَةِ) أي: السؤال (في الْمَسَاجِدِ) هل يجوز أم لا؟
١٦٧٠ - (حدثنا بسر بن آدم، نا عبد الله بن بكر) بن حبيب (السهمي) البابلي، أبو وهب البصري، سكن بغداد، وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، وابن سعد، والدارقطني، وابن قانع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، (نا مبارك بن فضالة، عن ثابت) بن أسلم (البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ أبو محمد،
стр. 3866
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ فِيكُمْ (١) أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ, فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ, فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ. [ك ١/ ٤١٢، ق ٤/ ١٩٩]
===
وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عثمان، وهو شقيق عائشة، أسلم قبل الفتح، وقيل: إنه كان أسنَّ ولدِ أبي بكر، وشهد مع خاله اليمامةَ، فقتل سبعة من أكابرهم، ويقال: إنه كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد العزى فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، وكانت فيه دعابة، توفي بحبشيّ- بضم الحاء وسكون الموحدة بعده معجمة وياء مشددة- جبل على اثني عشر ميلًا من مكة، سنة ثلاث وخمسين، فحمل إلى مكة ودفن بها.
(قال: قال (٢) رسول الله ﷺ : هل فيكم أحد أطعم اليوم مسكينًا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها منه فدفعتها) أي الكسرة (إليه) أي السائل، قال في "الدرجات" (٣): به ندب الصدقة على من دخل المسجد، ذكره النووي في "شرح المهذب"، وغلط من أفتى بخلافه، وقال السيوطي: ورددت على فتواه في مؤلف، وقال في "الدر المختار": ويحرم فيه السؤال، ويكره الإعطاء مطلقًا، وقيل: إن تخطى، قال الشامي (٤): قوله: "وقيل: إن تخطى" وهو الذي اقتصر عليه الشارح في الحظر حيث قال: فرع: يكره إعطاء سائل المسجد إلَّا إذا (٥) لم يتخطَّ رقابَ الناس في المختار.
стр. 3867
(٣٦) بابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهِ اللَّهِ
١٦٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقِلَّوْرِيُّ،
===
وأما الجواب عن الحديث فليس فيه تصريح بأن السائل كان يسأل في المسجد، بل يحتمل أن يكون خارج المسجد، والدليل على الكراهة حديث كراهة إنشاد الضالة في المسجد، وقوله ﷺ فيه: "فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا"، وهذا الحديث مختصر، قال السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (١): وحديث عبد الرحمن أخرجه البزار ولفظه: صلَّى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: "من أصبح منكم اليوم صائمًا" الحديث وقد ذكره مطولًا (٢).
(٣٦) (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ) أي: السؤال (بِوَجْهِ اللهِ
١٦٧١ - (حدثنا أبو العباس القِلَّوري) قال في "التقريب": بكسر القاف، وتشديد اللام المفتوحة، وسكون الواو، بعدها راء، العصفري البصري جارُ علي بن المديني، اسمه محمد بن عمرو بن العباس، وقيل: أحمد بن عمرو بن عبيدة، وقيل: عمرو بن العباس، وسماه أكثرهم أحمد بن عمرو بن عبيدة، قال في "التقريب": اسمه أحمد، وقيل: محمد بن عمرو بن عباس بن عبيدة، وقيل: عبيد، ثقة، من الحادية عشر.
قال في "الخلاصة" (٣): أبو العباس القلَّوزي بكسر القاف، وفتح اللام المشددة، وزاي بعد الواو، ثم ياء، وقال في حاشيتها: كذا ضبطه في "التقريب"، وتبعه الخزرجي. وضبطه هنا بالزاي، وفي "التقريب" بالراء، وكلا الضبطين خلاف ما في كتاب ابن الملقن والسمعاني؛ فإنهما ضبطاه بفتح القاف، واللام المفتوحة المشددة والواو، وآخره راء، ثم ياء النسبة.
стр. 3868
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِىُّ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِىِّ (١) , حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ».
===
(نا يعقوب بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق (الحضرمي) مولاهم، أبو محمد، المقرئ، النحوي، البصري، قال أحمد وأبو حاتم: صدوق، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: ليس هو عندهم بذاك الثبت، يذكرون أنه حدث عن رجال لقيهم وهو صغير.
(عن سليمان) بن قرم بفتح القاف وسكون الراء المهملة (ابن معاذ التميمي) هكذا في جميع النسخ إلَّا المصرية ففيها وكذا في "التهذيب": التيمي، الضبي، أبو داود النحوي، ومنهم من ينسبه إلى جده، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي يَتَتَبَّعُ حديث قطبة بن عبد العزيز، وسليمان بن قرم، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه، وقال: هؤلاء قوم ثقات، وهم أتم حديثًا من سفيان وشعبة، وهم أصحاب كتب، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا لكن كان يفرط في التشيع، وقال ابن معين والنسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال ابن حبان: كان رافضيًا غاليًا في الرفض، ويقلب الأخبار مع ذلك، وفرق ابن عدي بينه وبين سليمان بن معاذ الضبي، وقد قال غير واحد: إن سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، منهم أبو حاتم.
قلت: وممن فرق بينهما ابن حبان تبعًا للبخاري، ثم ابن القطان، وذكر عبد الغني بن سعيد في "إيضاح الإشكال": أن من فرق بينهما فقد أخطأ، وكذا قال الدارقطني، وأبو القاسم الطبراني.
(نا) محمد (بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : لا يسأل) بصيغة المجهول (بوجه الله) أي بتوسله (إلَّا الجنة) نقل في حاشية المكتوبة
стр. 3869
(٣٧) بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ, وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ, وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ, وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا به (٢) , فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». [ن ٢٥٦٧، حم ٢/ ٦٨، ق ٤/ ١٩٩، ك ١/ ٤١٢]
===
عن "فتح الودود": قوله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"؛ إذ كل شيء حقير دون عظمته تعالى، والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له، نعم الجنة أعظم مطلب للإنسان، فصار التوسل به تعالى فيها مناسبًا.
(٣٧) (بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ) بإضافة المصدر إلى المفعول أي إعطاء الرجل المالَ من سأل (بِاللهِ أي بتوسله تعالى
١٦٧٢ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من استعاذ بالله) أي بتوسله من عقوبتكم وإيذائكم في غير الحدود (فأعيذوه، ومن سأل) وفي رواية النسائي (٣): "من سألكم" (بالله فأعطوه) وزاد النسائي: "من استجار باللهِ فأجيروه"، (ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا) أي أحسن إليكم (فكافئوه) من المكافأة، وهو المجازاة، أي: فجازوه وأحسِنوا إليه كما أحسن إليكم (فإن لم تجدوا ما تكافئوا به) بالمال وغيره (فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه).
стр. 3870
(٣٨) بَابُ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ, عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ (١) رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ, فَخُذْهَا, فَهِىَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا, فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ,
===
وقد أخرج في "الحصين" عن الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن عمر: "وإذا صنع إليه معروفًا، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء"، أي بالغ في ثناء صانع المعروف، وخرج عن عهدة شكره حيث أظهر عجزه، وأحاله على ربه.
(٣٨) (بَابُ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ) بتصدق المال كله، هل يجوز ذلك أم لا؟ (٢)
١٦٧٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل) لم أقف على تسميته (بمثل) أي بقدر (بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله! أصبت هذه) أي البيضة من الذهب (من معدن فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من قِبَلِ ركنه) أي جانبه (الأيمن، فقال) الرجل (مثل ذلك) أي مثل ما قال في المرة الأولى.
стр. 3871
فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ (١) , ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ, فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَذَفَهُ (٢) بِهَا, فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ, أَوْ لَعَقَرَتْهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِى أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ, ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ (٣) النَّاسَ, خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى». [دي ١٦٥٩، خزيمة ٢٤٤١، ك ١/ ٤١٣، ق ٤/ ١٥٤]
===
(فأعرض) رسول الله ﷺ (عنه، ثم أتاه من قبل ركنه) أي جانبه (الأيسر، فأعرض) أي رسول الله ﷺ (عنه)، ولعله لم يتكلم في هذه المرة (ثم أتاه من خلفه) ولعله ظن أني خالفت الأدبَ في الإهداء في العرضات الثلاثة، فلذلك ذهب خلفه، والتمس القبول، قاله مولانا محمد يحيى المرحوم في "التقرير".
(فأخذها رسول الله ﷺ ) أي مغضبًا (فحذفه) بالحاء المهملة والذال المعجمة أي رماه (بها) أي بالبيضة (فلو أصابته لأوْجَعَتْه أو) للشك من الراوي (لعقَرَتْه) أي جرحته.
(فقال رسول الله ﷺ : يأتي أحدكم بما يملك) أي بكل ما يملك من المال (فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستَكِفُّ الناس) أي يمد الكف للسؤال إليهم. (خير الصدقة ما كان) وفي نسخة: "كانت" (عن ظهر غنى).
قال في "المجمع" (٤): أي ما كان عفوًا قد فضل عن غنى، وقيل: ما فضل عن العيال، والظهر قد يزاد في مثل هذا تمكينًا وإشباعًا للكلام، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال. ثم قال: أي خيرها ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وإلا يندم غالبًا.
стр. 3872
١٦٧٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. زَادَ: «خُذْ عَنَّا مَالَكَ؛ لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ». [خزيمة ٢٤٤١]
١٦٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ, سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ, فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ النَّاسَ أَنْ يَطْرَحُوا ثِيَابًا, فَطَرَحُوا, فَأَمَرَ لَهُ مِنْهَا بِثَوْبَيْنِ,
===
قال القاري (١): وحاصله ما ذكروه أن تصدق الفقير الغني القلب ولو كان قليلًا أفضل من تصدق الغني بكثرة المال ولو كان كثيرًا، فهو من أدلة أفضلية الفقير الصابر على الغني الشاكر، وأن عبادة الأول مع قلتها أفضل من الثاني مع كثرتها فكيف بتساويهما؟ !
١٦٧٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا ابن إدريس) عبد الله، (عن ابن إسحاق بإسناده ومعناه) أي بإسناد الحديث المتقدم ومعناه (زاد) عبد الله بن إدريس على رواية حماد: (خذ عنا مالك؛ لا حاجة لنا به) وفي الحديث دلالة على أن الرجل إذا تصدق بماله كله إلى الإِمام، فله أن لا يقبله ويرده عليه إذا علم من حاله أنه لا ينبغي له التصدق، ولا يصبر على شدائد الفقر والجوع.
١٦٧٥ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد، سمع أبا سعيد الخدري يقول: دخل رجل المسجد) وهو سليك بن عمرو، أو ابن هدبة الغطفاني (فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابًا) على وجه التصدق، (فطرحوا، فأمر) رسول الله ﷺ (له) أي لسليك (منها) أي من الثياب (بثوبين) لعلهما الإزار والرداء.
стр. 3873
ثُمَّ حَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ, فَجَاءَ فَطَرَحَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ, فَصَاحَ بِهِ وَقَالَ: «خُذْ ثَوْبَكَ» ". [ق ٤/ ١٨١، ك ١/ ٢٨٥]
١٦٧٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى, أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [خ ١٤٢٦، ٥٣٥٥، ن ٢٥٤٤]
===
(ثم حثَّ على الصدقة) مرة أخرى (فجاء) ذاك الرجل (فطرح أحد الثوبين) اللذين أعطاهما النبي ﷺ من ثياب الصدقة، (فصاح) أي رسول الله ﷺ (به) أي بالرجل زجرًا وتنبيهًا (وقال: خذ ثوبك) ومنعه من تصدقه، وقد أخرج النسائي (١) هذا الحديث برواية محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بإسناده مطولًا.
١٦٧٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن خير الصدقة ما ترك غِنًى) في المتصدق ببقاء المال عنده ما يكفيه وعياله، أو بالنفس بقوة القلب، (أو) للشك من الراوي (تصدق به) إما بصيغه المجهول، أو بصيغة المعلوم (عن ظهر غنى (٢)، وابدأ بمن تعول).
قال الحافظ (٣): أي بمن يجب عليك نفقته، يقال: عال الرجل أهله إذا مانهم، أي قام بما يحتاجون إليه من قوت أو كسوة، وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب.
стр. 3874
(٣٩) بَابٌ في الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ
١٦٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَهْدُ الْمُقِلِّ, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [حم ٢/ ٣٥٨، خزيمة ٢٤٤٤، ك ١/ ٤١٤]
===
وقال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا أو بالغين، إناثًا وذكرانًا، إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب، وألحق الشافعي ولد الولد وإن سفل بالولد في ذلك، انتهى.
(٣٩) (بَابٌ في الرُّخْصَةِ في ذلِكَ) أي: في التصدق بجميع المال
١٦٧٧ - (حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب الرملي قالا: نا الليث، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة) بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي هريرة أنه) أي أبا هريرة (قال: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال) رسول الله ﷺ : (جهد المقل) (١)، وقد تقدم شرحه قبيل "باب الحث على قيام الليل"، (وابدأ بمن تعول) تقدم شرحه قريبًا.
стр. 3875
١٦٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, وَهَذَا حَدِيثُهُ قَال (١): حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ, حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ, فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِى, فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ, إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا, فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِى, فَقَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ » قُلْتُ: مِثْلَهُ. قال:
===
١٦٧٨ - (حدثنا أحمد بن صالح وعثمان بن أبي شيبة، وهذا حديثه) أي حديث عثمان (قال: نا الفضل بن دكين، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب، أبو خالد، ويقال: أبو زيد، قيل: إنه حبشي، وقيل: من سبي عين التمر، قال ابن إسحاق: بعث أبو بكر عمر سنة ١١ هـ، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه، وقال العجلي: مدني، ثقة، من كبار التابعين، وقال أبو زرعة: ثقة، وكذا وثقه يعقوب بن شيبة.
(قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله ﷺ يومًا (٣) أن نتصدق فوافق ذلك)، أي أمرُه ﷺ إيانا بالتصدق (مالًا عندي، فقلت) في نفسي: (اليوم أسبق أبا بكر) لأني ذو مال (إن سبقته يومًا) من الأيام، قال القاري (٤): وإن شرطية دل على جوابها ما قبلها، أو التقدير: إن سبقته يومًا فهذا يومه، وقيل: إن نافية، أي ما سبقته يومًا قبل ذلك.
(فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله) أي أبقيت لهم مثله يعني نصف مالي (قال) أي عمر ﵁:
стр. 3876
وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ » قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَىْءٍ أَبَدًا". [ت ٣٦٧٥، ق ٤/ ١٨٠ - ١٨١، ك ١/ ٤١٤، دي ١٦٦٠]
(٤٠) بَابٌ: في فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ
١٦٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدٍ,
===
(وأتى أبو بكر بكل ما عنده) وهو أبلغ من "كل مالِه" بكسر اللام (فقال له) أي لأبي بكر (رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله) أي رضاهما، يعني لم أترك لهم شيئًا من المال، ولكن أبقيت لهم ما يرضى به الله ورسوله، قال القاري (١): روي أنه ﷺ قال لهما (٢): "ما بينكما كما بين كلمتيكما".
(قلت) أي في باطني، واعتقدت: (لا أسابقك إلى شيء) من الفضائل (أبدًا) لأنه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة ماله وقلة مال أبي بكر، ففي غير هذا الحال أولى أن لا يسبقه، ففي هذا الحديث تصريح بأن رسول الله ﷺ قَبِلَ من أبي بكر التصدق بجميع ماله، ولم ينكر عليه لعلمه بقوة صبره على المشاق وتوكلِه على الله تعالى (٣).
(٤٠) (بَابٌ: في فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)
وهذا يشمل من كان عنده ماء فيسقيه غيره، أو يحفر البئر، أو يجري النهر فينتفع الناس به.
١٦٧٩ - (حدثنا محمد بن كثير، نا همام، عن قتادة، عن سعيد)
стр. 3877
أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «الْمَاءُ». [ن ٣٦٦٦، جه ٣٦٨٤، خزيمة ٢٤٩٧]
١٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ نَحْوَهُ.
١٦٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ, عَنْ رَجُلٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ
===
أي ابن المسيب: (أن سعدًا) أي ابن عبادة (أتى النبي ﷺ فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ ) أي: أحب (قال: الماء) وإنما صدقة الماء أفضل لأنه أكثر احتياجًا إليه عادة، ولقلته في المدينة وجميع الحجاز مع الحر الشديد.
١٦٨٠ - (حدثنا محمد بن عبد الرحيم) البزاز، (نا محمد بن عرعرة) بمهملات، ابن البرند بكسر الموحدة والراء وسكون النون، السامي بالمهملة، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو البصري، الناجي، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه الحاكم وابن قانع، وقال النسائي: ليس به بأس، روى عنه البخاري عشرين حديثًا.
(عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن) البصري، (عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو الحديث المتقدمِ.
١٦٨١ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل) قال في "التقريب": أبو إسحاق الهمداني عن رجل، عن سعد بن عبادة، لعله: سعيد بن المسيب.
(عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله! إن أم سعد) (١) أي أمي
стр. 3878
مَاتَتْ, فَأَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ» , قَالَ: فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ". [ن ٣٦٦٦، حم ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥]
١٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ, حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ, حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - الَّذِى كَانَ يَنْزِلُ فِى بَنِى دَالَانَ -, عَنْ نُبَيْحٍ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْىٍ, كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ, وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا
===
(ماتت، فأي الصدقة أفضل) أي لها بإيصال ثوابها إليها؟ (قال: الماء، قال) الراوي: (فحفر) سعد (بئرًا، وقال) أي سعد: (هذه) أي ثواب هذه البئر (لأم سعد)، وهذ الحديث (١) يدل على أن ثواب العبادات المالية يصل إلى الموتى بإجماع أهل السنَّة. وأما البدنية ففيه خلاف، فعند الحنفية يصل ثوابها أيضًا إلى الأموات، والشافعية ينكرونها.
وفي ظاهر سند الحديث الانقطاع؛ لأن سعد بن عبادة توفي في الشام في سنة ١١ هـ إلى سنة ١٦ هـ، وولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر، فلا يمكن الرواية عنه، وأما الحسن البصري، قال ابن سعد: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": روى عن أبي بن كعب، وسعد بن عبادة، وعمر بن الخطاب، ولم يُدْرِكهم.
١٦٨٢ - (حدثنا علي بن حسين، نا أبو بدر، نا أبو خالد- الذي كان ينزل في بني دالان-، عن نبيح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عُرْي) أي حال كون المسلم عاريًا (كساه الله من خُضْرِ الجنة) أي من ثيابها الخضر، وهي أنفس ثيابها وأعلاها، (وأيما مسلم أطعم مسلمًا
стр. 3879
عَلَى جُوعٍ, أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ, وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا (١) عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ». [ت ٢٤٤٩، حم ٣/ ١٣]
(٤١) بابٌ: فِى الْمَنِيحَةِ (٢)
١٦٨٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عِيسَى - وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ - عَنِ الأَوْزَاعِىِّ,
===
على جوع) أي حال كونه جائعًا (أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإٍ) أي حال كونه ظمآن، (سقاه الله من الرحيق) قال في "المجمع" (٣): هو من أسماء الخمر، يريد خمر الجنة (المختوم) أي المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه.
(٤١) (بَابٌ: في الْمَنِيحَةِ)
فمنحة الورق: القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها أو بوبرها وصوفها زمانًا، ثم يردها، ومنه حديث "المنحة مردودة"، وهو: ما يمنح الرجل من دابة لشرب لبنها، أو شجرة لأكل ثمرتها، أو أرض لزرعها. فأعلم ﷺ أنه تمليك منفعة، لا رقبة، فيجب رده، "مجمع" (٤).
١٦٨٣ - (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل. ح: وحدثنا مسدد، نا عيسى، وهذا) أي المذكور (حديث مسدد، وهو أتم) من حديث إبراهيم بن موسى، (عن الأوزاعي) أي إسرائيل وعيسى كلاهما عن الأوزاعي،
стр. 3880
عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ, عَنْ أَبِى كَبْشَةَ السَّلُولِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ, مَا يَعْمَلُ رَجُلٌ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا, وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا, إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ». [خ ٢٦٣١، حم ٢/ ١٦٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فِى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ: قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ, وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ, وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ, فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَة (١) عَشْرَةَ خَصْلَةً.
===
(عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : أربعون خصلةً أعلاهُنَّ منيحةُ العَنْزِ) بفتح عين وبسكون نونٍ، الأنثى من المعز، وهي عطية شاة ينتفع بلبنها ثم يعيدها.
(ما يعمل رجل بخصلة منها) أي من الأربعين (رجاءَ ثوابها) مفعول له ليعمل، قال العيني (٢): قوله: رجاء، نصب على التعليل، وكذلك قوله: تصديقَ موعودها (وتصديق موعودها) أي تصديق ما وعد الله ورسوله عليها (إلَّا أدخله الله بها) أي بسبب الخصلة (الجنةَ) وسببية الخصلة لدخول الجنة رحمة منه وتفضل؛ فإنه لا يجب عليه شيء.
(قال أبو داود: في حديث مسدد) زيادة في آخره على حديث إبراهيم بن موسى، وهي: (قال حسان: فَعَدَدْنا ما دون) أي ما هي أدنى، أو ما سوى (منيحةِ العنز مِنْ: رَدِّ السلام، وتشميتِ العاطس، وإماطةِ الأذى) أي ما يؤذي الناس (عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمسة عشر خصلةً) هكذا في جميع النسخ، والصواب: خمس عشرة.
стр. 3881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث أخرجه البخاري في "الصحيح" (١) من حديث مسدد بسنده، وفيه هذه الزيادة.
قال العيني (٢): فإن قلت: من المعلوم قطعًا أنه ﷺ كان عالمًا بها أجمعَ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فلم لم يذكرها؟ قلت: لمعنى، وهو أنفع لنا من ذكرها، وذلك - والله أعلم - خشيةَ أن يكون التعيين لها زهدًا عن غيرها من أبواب البر.
ثم قال: قال ابن بطال: وليس قول حسان مانعًا من أن يستطيعها غيره، قال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها فوجد ما يبلغ أزيد من أربعين خصلة.
فمنها: أن رجلًا سأل رسولَ الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم عن عمل يُدخِل الجنة، فذكر له أشياء، ثم قال: والمنيحة والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق فأَطْعِمِ الجائع واسق الظمآن، هذه ثلاث خصال، أعلاهن المنيحة، وليس الفيء منها لأنه أفضل من المنيحة والسلام.
وفي الحديث: من قال: السلام عليك كُتِبَ له عشرُ حسنات، ومن زاد: ورحمة الله كتب له عشرون، ومن زاد: وبركاته كتب له ثلاثون، وتشميت العاطس ... الحديث، وهو ثلاث تُثبِتُ لكَ الودَّ في صدر أخيك، إحداها: تشميتُ العاطس، وإماطةُ الأذى عن الطريق، وإعانةُ الصانع، والصنعة للأخرق، وإعطاء صلة الحبل، وإعطاء شسع النعل، وأن يؤنس الوحشان - أي تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل، أو يبلغ من أرض الفلاة إلى مكان الأنس-، وكشف الكربة، قال ﷺ : "من كشف كربة عن أخيه كشف الله عنه كربه يوم القيامة"، وكون المرء في حاجة أخيه، وستر المسلم للحديث:
стр. 3882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة"، والتفسح في المجالس، وإدخال السرور على المسلم، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، والدلالة على الخير، قال: "الدال على الخير كفاعله"، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس، والقول الطيب يردّ به المسكين، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (١).
وفي الحديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة"، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وغرس المسلم وزرعه، قال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلَّا كان له صدقة"، والهدية إلى الجار، قال ﷺ : "لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو فرسن شاة"، والشفاعة للمسلم، ورحمة عزيز ذلَّ، وغني افتقر، وعالم بين جهال، "ارحموا ثلاثة: غني قوم افتقر، وعزيز قوم ذلَّ، وعالم يلعب به الجهال"، وعيادة المريض للحديث: "عائد المريض على مخارق (٢) الجنة"، والرد على من يغتاب، قال: "من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكًا يوم القيامة يحمي لحمه من النار"، ومصافحة المسلم، قال: "لا يصافح مسلم مسلمًا فتزول يده عن يده حتى يغفر لهما"، والتحابُّ في الله، والتجالس إلى الله، والتزاور في الله، والتباذل في الله، قال الله تعالى: "وجبت محبتي لأصحاب هذه الأعمال الصالحة"، وعون الرجل في دابته يحمل عليها متاعه صدقة، روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، انتهى.
وقال الكرماني: أقول: هذا الكلام رجم بالغيب لاحتمال أن يكون المراد غير المذكورات من سائر أعمال الخير، ثم إنه من أين علم أن هذه أدنى من المنيحة لجواز أن يكون مثلها أو أعلى منها؟ ثم فيه تحكم حيث جعل:
стр. 3883
(٤٢) بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ
١٦٨٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ, عن أبي بردة, عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْخَازِنَ الأَمِينَ الَّذِى يُعْطِى مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا, مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ, حَتَّى يَدْفَعَهُ إِلَى الَّذِى أُمِرَ لَهُ بِهِ: أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ». [خ ١٤٣٨، م ١٠٢٣]
===
السلامَ منه، ولم يجعل: ردّ السلام منه، مع أنه صرح في هذا الحديث الذي نحن فيه به، وكذا جعلوا الأمر بالمعروف منه، بخلاف النهي عن المنكر، وفيه أيضًا تكرار لدخول الأخير وهو الأربعون تحت بعض ما تقدم فتأمل.
(٤٢) (بَابٌ أَجْرِ الْخَازِن)
وهو الذي يكون بيده حفظ الطعام وغيره من الأموال من خادم وقهرمان وغير ذلك، أي: ثوابه
١٦٨٤ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا) أي عثمان ومحمد بن العلاء: (نا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : إن الخازن الأمين الذي يعطي ما أُمِرَ به) أي يعطي الفقير ما أمره به المولى (كاملًا موفَّرًا) أي: وافرًا تامًّا (طيبةً به نفسُه) أي يؤديه بطيب نفسه (حتى يدفعه) أي المال الذي أُمِرَ بدفعه (إلى الذي أمر له به) أي إلى الفقير الذي أمر ذلك الخازن له، أي للفقير به أي بالمال الذي أمر به (أحد المتصدقين) بصيغة التثنية، وهما المالك والخازن الأمين الذي يدفع بطيب نفسه.
قال الحافظ (١): ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية، ويجوز الكسر على الجمع، أي هو متصدق من المتصدقين.
стр. 3884
(٤٣) بَابُ الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوجِهَا
١٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىّ (١) ﷺ «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ, كَانَ لَهَا أَجْرُ مَا أَنْفَقَتْ, وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا اكْتَسَبَ, وَلِخَازِنِهِ مِثْلُ ذَلِكَ, لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ». [خ ١٤٣٧، م ١٠٢٤]
===
(٤٣) (بَابُ الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ) أصله تتصدق فحذفت إحدى التائين (مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا)، أي: هل يجوز ذلك لها؟
١٦٨٥ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها) أي بعد إذنه صراحة أو دلالة (غير مفسدة) أي أنفقت من غير نية الفساد (كان لها أجر ما أنفقت) أي أجر الإنفاق، (ولزوجها أجر ما اكتسب) أي أجر كسب المال الذي أنفقتْ، فيتساويان في الأجر، (ولخارنه مثل ذلك) أي مثل أجر الإنفاق والكسب، (لا ينقص بعضهم أجرَ بعض).
قال الحافظ في "الفتح" (٢): قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذا قيد الترجمة بالأمر به (٣)، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة.
وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة
стр. 3885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والعبد والخازن النفقةُ على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها. فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترك (١) الإذن فيه، وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به، وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت، انتهى.
وقال (٢) في موضع آخر: ثم أورد حديث أبي هريرة في ذلك بلفظ: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره"، والأولى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون أذِنَ لها بطريق الإجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل، ولا بد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلَّا فحيث كان من ماله بغير إذنه لا إجمالًا ولا تفصيلًا، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة (٣).
وأما قوله في حديث أبي هريرة: فلها نصف أجره، فهو محمول على ما إذا لم يكن هناك من يعينها على تنفيذ الصدقة بخلاف حديث عائشة، ففيه أن الخادم (٤) مثل ذلك، أو المعنى بالنصف في حديث أبي هريرة: أن أجره
стр. 3886
١٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ (١) الْمِصْرِيُّ،
===
وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فللكل منها أجر كامل، وهما اثنان، فكأنهما نصفان، ملخص مما قاله الحافظ.
قال العيني (٢): فإن قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة، فمنها: ما يدل على منع المرأة عن أن تنفق من بيت زوجها إلَّا بإذنه، وهو حديث أبي أمامة، رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ومنها: ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك، وهو حديث عائشة المذكور. ومنها: ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه، وبكونها غيرَ مفسدة، وهو حديث عائشة أيضًا. ومنها: ما هو مقيد بكونها غير مفسدة وإن كان من غير أمره، وهو حديث أبي هريرة، رواه مسلم من حديث همام بن منبه، وفيه وعد نصف الأجر. ومنها: ما قيد الحكم فيه بكونه رطبًا، وهو حديث سعد بن أبي وقاص، رواه أبو داود من رواية زياد بن جبير عن سعد.
قلت: كيفية الجمع بينها أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك، وباختلاف الحال في الشيء المنفَق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا يخشى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد، انتهى ملخصًا.
١٦٨٦ - (حدثنا محمد بن سَوَّار المصري) بفتح الواو المشددة، آخره راء، هكذا بالراء في جميع النسخ المطبوعة الهندية والمصرية، وكذا في "التقريب"، و"الخلاصة"، و"تهذيب التهذيب"، وفي النسخة القديمة: سواد بالدال الغير المنقوطة، ابن راشد الأزدي، أبو جعفر الكوفي، نزيل مصر، قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وسئل عنه فقال: صدوق، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يغرب.
стр. 3887
حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ, عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ, عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ, إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا! - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأُرَى فِيهِ: وَأَزْوَاجِنَا - فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ». [ق ٤/ ١٩٣، ك ٤/ ١٣٤]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الرَّطْبُ: الْخُبْزُ وَالْبَقْلُ وَالرُّطَبُ.
===
(نا عبد السلام بن حرب، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير) بن حية بتحتانية، ابن مسعود بن معتب الثقفي البصري، ثقة، وكان يرسل، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قال أبو زرعة، وأبو حاتم، وابنه: عن سعد بن أبي وقاص مرسلة، (عن سعد) بن أبي وقاص (١).
(قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء قامت امرأة جليلة) أي كبيرة القدر عظيمة (كأنها من نساء مضر)، وهو أبو قبيله، ابن نزار (فقالت: يا نبي الله! إنا كَلٌّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، أي ثقل وعيال (على آبائنا وأبنائنا) بأنا لا نكسب ونعتمد على أكسابهم.
(قال أبو داود: وأُرى) أي أظن (فيه) أي في الحديث: (وأزواجِنا) أي بعد قوله: وأبنائنا، (فما يحل لنا من أموالهم؟ قال) أي رسول الله ﷺ : (الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء المهملة، (تأكُلْنَه وتُهْدِيْنَه) وهذا على حسب العادة، فإن الطعام الرطب يخشى عليه الفساد فلا يدخر، فلهذا أباح الأكل والإهداء فيه.
(قال أبو داود: الرطب) يعني تفسير الرطب: (الخبز والبقل)، قال في "القاموس": البقل ما نبت في بَزْرِه لا في أرومة ثابتة، انتهى. والمراد هنا ما يؤكل من الخضراوات، (والرطب) بضم الراء وفتح الطاء المهملة: ما يقابل التمر، يقال له بالفارسية: "خُرْمَاءِ تر".
стр. 3888
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عن يُونُسَ.
١٦٨٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ, فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ». [خ ٥٣٦٠، م ١٠٢٦]
١٦٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ (١) الْمِصْرِيُّ، نَا عَبْدَةُ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ،
===
(قال أبو داود: وكذا) أي كما رواه عبد السلام بن حرب عن يونس، كذا (رواه الثوري (٢) عن يونس).
١٦٨٧ - (حدثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره) وقد تقدم قريبًا ما يتعلق بهذا الحديث عن الحافظ.
وقال النووي (٣): معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقًا إما بالصريح، وإما بالعرف، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة، وفي رواية أبي داود: "فلها نصف أجره"، ومعلوم أنها إذا أنففت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، فتعين تعليله (٤).
١٦٨٨ - (حدثنا محمد بن سوار المصري، نا عبدة، عن عبد الملك،
стр. 3889
عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: "فِى الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا؟ قَالَ: لَا, إلَّا مِنْ قُوتِهَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا, وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ". [قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذا يُضْعِفُ حَدِيثُ همام].
(٤٤) بَابٌ: في صِلَةِ الرَّحِمِ
===
عن عطاء، عن أبي هريرة: في المرأة تصدق) بحذف إحدى التائَين أي تتصدق (من بيت زوجها؟ قال) أي أبو هريرة: (لا) أي لا يحل لها التصدق (إلَّا من قوتها) أي ما أعطاها الزوج من قوت نفسها، (والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها) أي غير قوتها (إلَّا بإذنه) سواء كان صراحة أو دلالة تفصيلًا أو إجمالًا.
(قال أبو داود: هذا) أي حديث أبي هريرة الموقوف عليه (يضعف حديث همام) بن منبه عن أبي هريرة المتقدم، ووجهه أن أبا هريرة ﵁ أفتى من نفسه بخلاف ما عنده من رسول الله ﷺ من الحديث المرفوع، فهذا يدل على أن الحديث المرفوع عنده معلول، وقد تقدم مثله في "باب السدل في الصلاة".
قلت: دعوى المخالفة بين فتوى أبي هريرة والحديث المرفوع له غير مسلم؛ فإنه يمكن أن يحمل قوله في الحديث المرفوع: "من غير أمره" أي من غير أمره الصريح، وبإذنه دلالة وعرفًا، ومعنى قوله في فتواه: "إلَّا بإذنه" أي: سواء كان إذنه صراحة أو دلالة فحينئذ لا اختلاف بينهما، والله تعالى أعلم.
(٤٤) (بَابٌ: في صِلَةِ الرَّحِمِ) (١)
أصله: وصلة، فحذفت الواو، كما قالوا: زنة من وزن، وصلة الرحم الإحسان إلى ذوي القرابات على حسب حال الواصل والموصول إليه،
стр. 3890
١٦٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) , قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا؛ فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِى بِأَرِيحَاءَ لَهُ,
===
فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك، فالرحم القرابة.
١٦٨٩ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) أي لن تبلغوا حقيقة البر ولن تكونوا أبرارًا حتى تنفقوا أي حتى تكون نفقتكم في مرضاة الله تعالى من أموالكم التي تحبونها.
(قال أبو طلحة) اسمه زيد بن سهل بن الاْسود بن حرام بن عمرو، كما سيذكره المصنف، الأنصاري النجاري، زوج أم أنس بن مالك، شهد بدرًا وما بعدها، قال أبو زرعة: عاش بعد النبي ﷺ أربعين سنة. (يا رسول الله! أرى رَبَّنا يسألنا من أموالنا) أن يصرف في سبل الخير (فإني أُشهِدُك أني قد جعلت أرضي بارِيحاء له) أي لربنا تعالى شأنه.
قال العيني (٢): قوله: بَيْرحا: أشهر الوجوه (٣) فيه فتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء وبفتح الحاء مقصورًا، وهو بستان في المدينة فيه ماء.
قال الحافظ (٤): قوله فيه "بير حاء" بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمد، وجاء في ضبطه أوجه كثيرة جمعها ابن الأثير في