إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ". [ن ٦٨، ت ٩٢، جه ٣٦٧، حم ٥/ ٢٩٦، طـ ١/ ٢٣]
===
بكسر الجيم لقيل: بنجسة, لأنها صفة الهرة، كذا قاله بعض الشراح، وذكر الكاذروني أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم، والنجس النجاسة، فالتقدير: أنها ليست بذات نجس ... إلخ، وفيما سمعنا وقرأنا على مشايخنا هو بكسر الجيم وهو القياس، أي ليست بنجسة، ولم يلحق التاء نظرًا إلى أنها في معنى السؤر، وأكثر النسخ المصححة على الأول، فعليه المعوَّل؛ لأن النجس بالفتح في اصطلاح الفقهاء عين النجاسة، وبالكسر المتنجس.
(إنها) استئناف في معنى التعليل، أي لأنها (من الطوافين عليكم) (١) الطائف الذي يخدمك برفق، شبَّهها بالمماليك وخدم البيت الذين يطوفون بالخدمة، قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وألحقها بهم؛ لأنها خادمة أيضًا حيث تقتل المؤذيات، أو لأن الأجر في مواساتها كما في مواساتهم (والطوَّافات)، وفي رواية (٢) بلفظة "أو"، قال ابن حجر: وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث.
قلت: اختلفت الروايات الواردة في سؤر الهرة، فهذه الروايات التي
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أخرجها أبو داود وغيره تدل على أن سؤرها طاهر، واختلف المحدثون في رواية أبي قتادة، فصححها البخاري والدارقطني وغيرهما، وأعلَّها ابن منده بأن حميدة الراوية لها عن كبشة مجهولة، وكذلك كبشة، قال: ولم يعرف لهما غير هذا الحديث، وقد قال صاحب "الجوهر النقي" (١): وحديث أبي قتادة إسناده مضطرب اضطرابًا كثيرًا، قد بَيَّنَ البيهقي بعضه، وفيه امرأتان مجهولتان، وقد تقدم أن ابن منده قال: لا يثبت بوجه من الوجوه، وكذلك الحديث الثاني فيه أم داود بن صالح مجهولة، ولم أو تصريحًا من أحد المحدثين أنه حكم بصحتها، بل قال صاحب "الجوهر النقي": وحديث عائشة فيه مجهولة عند أهل العلم، وهي أم داود بن صالح، ولهذا قال البزار: لا يثبت من جهة النقل.
وأما الروايات التي تدل على نجاستها أو كراهتها، فمنها ما أخرجه الترمذي (٢) في "باب ما جاء في سؤر الكلب"، حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، نا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يغسل الإناء إذا وَلَغَ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا , ولم يذكر فيه: "وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة"، فهذه الجملة الأخيرة التي في سؤر الهرة رويت مرفوعة، زيادة ثقة، فتقبل، وقد حكم عليه الترمذي - رحمه الله تعالى - بكونه حسنًا صحيحًا، ولعله لم يلتفت للوقف مع رواية الرفع.
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد أخرج الدارقطني (١) من طريق هشام عن محمد موقوفًا على أبي هريرة، في سؤر الهر يهراق ويغسل الإناء مرة أو مرتين، كذلك أخرج رواية معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفة، قال في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة وأهرقه.
ومنها: ما أخرج الدارقطني برواية أبي عاصم قال: حدثنا قرة بن خالد، ثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب، والهر مرة أو مرتين"، قرة يشك، قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعًا، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعًا، وولوغ الهر موقوفًا، ثم أخرج الرواية الموقوفة برواية مسلم بن إبراهيم عن قرة موقوفة على أبي هريرة، في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة أو مرتين، ووافقهما في الرفع عبد الوارث عن أيوب، وكذلك ابن عون عن محمد بن سيرين في الرفع، وهؤلاء أيضًا جماعة وقد زادوا الرفع، وزيادة الثقة مقبولة على ما عرف، ولا نسلم أن ذلك مدرج، فإن الراوي تارة ينشط فيرفع الحديث، وتارة يفتي به فيقفه، وهذا أولى من تخطئة الرافعين.
وقد أسند الطحاوي (٢) عن ابن سيرين أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة فقيل له: عن النبي ﷺ ؟ قال: كل حديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فظهر بهذا أن المرفوع أثبت وأولى من الموقوف، والموقوف له حكم المرفوع.
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم ساق الدارقطني الرواية التي تدل على أن الإناء يغسل من الهر كما يغسل من الكلب، منها ما أخرجه من رواية يحيى بن أيوب بسنده عن أبي هريرة موقوفًا، ثم قال: هذا موقوف، ولا يثبت عن أبي هريرة، ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب.
ثم أخرج برواية روح بن الفرج عن سعيد بن عفير قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب"، ثم قال الدارقطني: لا يثبت هذا مرفوعًا، والمحفوظ من قول أبي هريرة، واختلف عنه.
ثم أخرج برواية ليث بن سليم (١) عن عطاء عن أبي هريرة قال: إذا ولغ السنور في الإناء غسل سبع مرات، ثم قال: موقوف لا يثبت، وليث سيئ الحفظ.
ثم أخرج بسنده عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب، يغسل سبعًا، قال: وحدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: الهر؟ قال: هي بمنزلة الكلب، أو شر منه.
ثم أخرج بسنده عن مجاهد أنه قال في الإناء تلغ فيه السنور قال: اغسله سبع مرات.
فهذه الروايات الموقوفة وإن كان تكلم فيها الدارقطني، ولكن أنت تعلم أن يحيى بن أيوب الغافقي ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الترمذي عن البخاري: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقة حافظًا،
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال إبراهيم الحربي: ثقة، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، فقول الدارقطني: في بعض أحاديثه اضطراب، لا يقدح فيه، وروح عن سعيد بن عفير الذي يروي عنه مرفوعًا فقال فيه صاحب "الجوهر النقي" (١): قلت: روح هذا روى عنه جماعة من الأئمة، كالمحاملي، والحاكم في "المستدرك"، والطبراني، والأصم، وغيرهم، ووَثَّقه أبو بكر الخطيب، فوجب قبول زيادته، كيف وقد تابعه على ذلك غيره، فأخرج الطحاوي هذا الحديث عن ربيع الجيزي، عن سعيد بن عفير بسنده، والجيزي وثقه أيضًا الخطيب، وروى له أبو داود والنسائي، كذا ذكر صاحب "الإِمام" عن الطحاوي، انتهى.
فهذه الروايات لو سُلم ضعفُها بانفرادها، فمجموعها يتقوَّى بعضُها ببعض، تدل على نجاسة سؤر الهرة، وتأيدت بآثار الفقهاء من التابعين طاوس وعطاء ومجاهد، ولولا مخالفة الأحاديث التي تدل على طهارة سؤرها نصًّا وهي أقوى منها، ومخالفة الإجماع الذي في زمان أتباع التابعين من الأئمة لكان القول بنجاسة سؤر الهرة أولى، ولكن لما خالفتها الروايات القوية، ودلت على طهارتها نصًا، ولم يوجد قول أحد من الأئمة بعد طاوس وعطاء ومجاهد بنجاستها، فكأنه انعقد الإجماع على طهارتها، فتركت هذه الروايات، وبقي الاختلاف على وجود الكراهة وعدمها مع بقاء الاتفاق على طهارتها، فهذا حاصل الاختلاف في هذه المسألة.
وأما المذاهب، فاختلفوا على أقاويل، فقال بعضهم: سؤر الهر طاهر، وإليه ذهب الشافعي (٢) وأبو يوسف، وعند
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبي حنيفة (١) طاهر مكروه، والكراهة فيه كراهة تحريمية أو تنزيهية قولان.
قال في "الهداية": وسؤر الهرة طاهر مكروه، ثم قيل: كراهته لحرمة اللحم، وقيل: لعدم تحاميها النجاسة، وهذا يشير إلى التنزه، والأول إلى القرب من التحريم.
وفي "الدر المختار" (٢): طاهر للضرورة، مكروه تنزيهًا في الأصح إن وجد غيره، وإلَّا لم يكره أصلًا كأكله لفقير، فالقول بطهارة سؤرها مع كراهة التنزيه أعدل الأقوال وأوفق الروايات؛ لأن النزاع ليس في النجاسة للاتفاق على سقوطها بعلة الطواف المنصوصة في قوله ﷺ : "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، يعني: أنها تدخل المضايق، ولازمه شدة المخالطة بحيث يتعذر معه صون الأواني منها بل النفس، والضرورة اللازمة من ذلك أسقطت النجاسة كما أنه أوجب الاستئذان وأسقطه عن المملوكين ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ (٣) أي عن أهلهم في تمكينهم من الدخول في غير الأوقات الثلاثة بغير إذن، لأجل الطواف المفاد بقوله تعالى عقيبه: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٤).
فهذا الحديث المذكور وإن دل على طهارة سؤرها للضرورة، لكنه لا ينفي الكراهة، وقد ثبتت الكراهة بالأحاديث التي ذكرناها بدلالتها على
стр. 427
٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عن دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ الْتَّمَّارِ,
===
الغسل، وأيضًا يمكن أن يوجه بأنه ﷺ نهى المستيقظ عن إدخال اليد في الماء قبل غسلها لتوهم النجاسة، فكره غمسها في الماء، فكذلك لو حكم بكراهية الماء الذي ولغت فيه الهرة لتوهم نجاسة فمها لكان أولى؛ لأن توهم النجاسة في الهرة أقوى من توهم النجاسة في يد المستيقظ.
فالحديث الذي استدل به الحنفية على كراهة سؤرها من قوله ﷺ : "الهر سبُع" (١)، لا حاجة إليه، وأما ما قاله الشوكاني (٢): وقال أبو حنيفة: بل نجس كالسبع (٣) لكن خفف فيه، فكره سؤره، ليس معناه أنه نجس مع الكراهة، بل معناه أنه كان في الأصل نجسًا كما هو حكم سؤر الكلب وسائر السباع، إلَّا أنه خفف فيه لعلة الطواف، فارتفعت النجاسة وبقيت الكراهة، والله أعلم.
٧٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدثنا عبد العزيز) بن محمد الدراوردي (عن داود بن صالح بن دينار التمار) مولى الأنصار، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف والقاسم وسالم وأبي سلمة وأبيه صالح وغيرهم، وعنه هشام بن عروة وابن جريج والدراوردي وغيرهم، قال حرب عن أحمد: لا أعلم به بأسًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، كذا قال الحافظ في "تهذيب التهذيب"، وقال في "الإكمال": داود بن صالح هو داود بن صالح بن دينار التمار، مولى الأنصار، المدني، روى عن سالم بن عبد الله، وعن أبيه، وأمه.
стр. 428
عن أُمّهِ: أَن مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجاءَتْ هِزَةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ ,
===
(عن أمه) (١) أي والدة داود بن صالح، لم يذكرها أحد في الكتب التي تتبعتها إلَّا الذهبي في "الميزان" (٢) فقال في آخر كتابه، في من لم تسم من النساء: والدة داود بن صالح التمار عن عائشة وعنها ابنها , ولم يزد على ذلك، فالظاهر أنها مجهولة.
(أن مولاتها) (٣) أي مولاة أمه أي معتقتها بصيغة المعلوم، ولم تسم أيضًا (أرسلتها) أي أم داود (بهريسة) في "لسان العرب": الهرس: الدق، ومنه الهريسة، وقيل: الهريس الحب المهروس قبل أن يطبخ، فإذا طبخ فهو الهريسة، وسمِّيت الهريسة (٤) هريسة, لأن البر الذي هي منه يُدَقُّ ثم يُطبخ، ويسمى صانعها هرَّاسًا (إلى عائشة) قالت أم داود: (فوجدتها) أي عائشة (تصلي فأشارت) أي عائشة (إليَّ أن ضعيها) "أن" مفسرة أو مصدرية أي بوضعها، قال الطيبي: "أن" مفسرة لمعنى القول في الإشارة، وفيه دليل على أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة، انتهى، لأنها ليست بعمل كثير (فجاءت هرة، فأكلت منها، فلما انصرفت) عائشة من صلاتها (أكلت من حيث أكلت الهرة) أي من محل أكلها، انتهى،
стр. 429
فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَوَّافِينَ عَلَيْكُم"، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يتَوَضَّأ بِفَضْلِهَا. [ق ١/ ٢٤٦، ٢٤٧، قط ١/ ٦٦]
===
"علي القاري"، وإنما فعلت ذلك ولم تنزه عنها تعليمًا للمسألة، ولو تنزهت لظنت حرمتها ونجاستها.
(فقالت) هو إما جواب عن سؤال مقدر إن لم تسأل عنها، أو عن محقق إن سئلت: (إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس) بفتح الجيم، وقيل بالكسر (إنما هي من الطوافين عليكم)، فلعلة الطواف وعدم إمكان الاحتراز عنها ارتفع حكم النجاسة؛ لأن الله تعالى يريد بكم اليسر (وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها) (١) عملاً بالرخصة (٢) وبيان الجواز، قال ابن حجر: وسنده حسن، وفيه نظر, لأنه قال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز بن محمد، عن داود بن صالح، عن أمه، عن عائشة بهذا اللفظ. كذا نقله السيد عن التخريج، قاله القاري (٣).
قلت: وكيف يكون سنده حسنًا، وفيه أم داود بن صالح مجهولة لا يدرى حالها، والحديث يدل على أن سؤر الهرة طاهر لعلة الطواف، ولا يدل على نفي الكراهة أصلاً، وقد مر البحث فيما تقدم.
стр. 430
(٣٩) بَابُ الْوُضُوءِ بفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ
٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عن سُفْيَانَ قَالَ: حدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن الأَسْوَدِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ
===
(٣٩) (بَابُ الْوُضُوءِ بِفَضلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) (١)
غرض المصنف بعقد هذا الباب بيان جواز الوضوء، بما بقي من تطهير المرأة واستعمالها، فإذا أدخلت المرأة المحدثة يدها في الإناء، فالماء الذي أدخلت فيه اليد هو فضل طهورها، فيصدق كون الماء فضل طهورها على ما إذا توضأ أحد معها أو بعدها.
٧٧ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى) القطان، (عن سفيان) إما ابن عيينة أو الثوري، ولم يتعين (٢)، ولا يضر إبهامهما، فإنهما ثقتان إمامان، (قال: حدثني منصور) بن المعتمر، (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي، (عن الأسود) بن يزيد، (عن عائشة) ﵂ (قالت: كنت أغتسل (٣) أنا ورسول الله ﷺ ) عطف (٤) على الضمير المتصل فأكد بالمنفصل
стр. 431
مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ". [خ ٢٩٩، م ٣١٩، ن ٢٣٥، حم ٦/ ١٨٩]
===
(من إناء واحد، ونحن جُنبان) (١)، قال في "مجمع البحار" (٢): هو لفظ يستوي فيه الواحد وغيره والمؤنث، وقد يجمع على أجناب وجنبين، وهي في الأصل البعد، والجنب يبعد عن مواضع الصلاة.
وقال في "لسان العرب" (٣): قال الأزهري: إنما قيل له جُنُبٌ, لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، فتجنبها وأجنب عنها، أي تَنَحَّى عنها، وقيل: لمجانبته الناس ما لم يغتسل. والرجل جُنُبٌ من الجنابة، وكذلك الاثنان والجميع والمؤنث، كما يقال: رجل رضي وقوم رضى، وإنما هو على تأويل ذوي جُنُبٍ، فالمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه، ومن العرب (٤) من يُثَني ويجمع ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل، انتهى.
وقد أخرج مسلم وغيره من أصحاب الصحاح الأحاديث التي تدل على أن عائشة ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد من الجنابة، وكذلك عن ميمونة ﵂ أخرج مسلم بسنده إلى ابن عباس أنه أخبر أبا الشعثاء: أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة، كذلك روي عن أم سلمة ﵂، فهذه الروايات تدل على أنه يجوز تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد، سواء كان في وقت واحد أو متعاقبًا.
стр. 432
٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عن أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ,
===
قال النووي (١): أما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد، فهو جائز بإجماع المسلمين (٢) لهذه الأحاديث التي في الباب، وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فهو جائز بالإجماع أيضًا، وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء، سواء خلت به أو لم تخل، وذهب أحمد بن حنبل (٣) وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها، وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو.
فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحدها: أنه ضعيف. ضعفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره، والثاني: أن المراد النهي عن فضل أعضائها، وهو المتساقط منها، وذلك مستعمل، الثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل (٤)، انتهى، والله أعلم.
٧٨ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا وكيع) بن الجراح، (عن أسامة بن زيد) الليثي، بمفتوحة وسكون تحتية وبمثلثة، مولاهم، أبو زيد المدني، قال أحمد: تركه القطان بأَخرَة، وقال الأثرم
стр. 433
عن ابْنِ خَرَّبُوذَ، عن أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ
===
عن أحمد: ليس بشيء، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: روى عن نافع أحاديث مناكير فقلت له: أراه حسن الحديث، فقال: إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة، قال الدارقطني: تركه البخاري، وقال ابن معين في رواية أبي بكر بن أبي خيثمة: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو يعلى عن يحيى بن سعيد: ثقة، وقال عبد الرحمن الدارمي عنه: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة، مات سنة ١٥٣ هـ.
(عن ابن خربوذ) هو سالم بن سرج، بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم، أبو النعمان المدني، يقال له: ابن خربوذ، بفتح المعجمة (١)، ثم راء ثقيلة مفتوحة، ثم موحدة مضمومة، آخرها ذال معجمة، وهو الإكاف، قال أبو أحمد الحاكم: من قال: ابن سرج فقد عرَّبه، ومن قال: ابن خربوذ أراد به الإكاف (٢) بالفارسية، ويقال: سالم بن النعمان، مولى أم صبية، روى عن مولاته ولها صحبة، له عندهم حديث واحد عن أم صبية، قالت: اختلفت يدي، الحديث، قلت: وقال البخاري (٣): وقال بعضهم: ابن النعمان، ولم يصح، وخالفه أبو زرعة فرجح رواية من قال: عن سالم بن النعمان، قال ابن معين: ثقة شيخ مشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أم صبية) بصاد مهملة ثم موحدة مصغرة مع التثقيل (الجهنية) لها صحبة، يقال: اسمها خولة بنت قيس، وهي جدة خارجة بن الحارث بن
стр. 434
قَالَتْ: "اختَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ". [جه ٣٨٢، ق ١/ ١٩٠، حم ٦/ ٣٦٦]
===
رافع بن بكير، روى حديثها مولاها أبو النعمان سالم بن سرج، وهو ابن خربوذ، وأخوه نافع عنها. (قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد) أي نتناوب أخذ الماء، فآخذ الماء منه مرة، ويأخذه ﷺ مرة، فإن قلت: كيف يجوز ذلك؟ فإن أم صبية لم يثبت لها علاقة المحرمية به ﷺ .
قلت: أجاب عنه بعضهم بأنه لعله كان قبل الحجاب، ويشكل هذا الجواب بأنه لو سُلِّم أن هذه واقعة تقدمت نزول الحجاب، فقبل الحجاب كان كشف الوجه جائزًا لا كشف البدن الذي هو عورة مثل الساعدين والرأس، فالأولى أن يقال: إن هذه واقعة حدثت بعد الحجاب، وكان بينهما حجاب يأخذان الماء من إناء واحد، أو يقال: ظاهر لفظ الحديث وإن كان يدل على أنهما كانا تختلف أيديهما في حالة واحدة، ولكن يمكن أن يقال: إن هذا التوضؤ محمول على حالتين بأن أم صبية تختلف يدها للوضوء في حالة على حدة، وتختلف يد رسول الله ﷺ في الوضوء من ذلك الإناء في حالة أخرى على حدة، ووحدة الإناء لا تقتضي أن يكون أخذ الماء في حالة واحدة.
وقد قال ابن التين حاكيًا عن سحنون في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا، أخرجه البخاري: إن معناه كان الرجال يتوضؤون، ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضئن، قال الحافظ في "الفتح" بعد هذا: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم.
стр. 435
٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عن نَافِعٍ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوب، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ في زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ مُسَدَّدٌ: مِنَ الإِنَاءِ الْوَاحِدِ - جَمِيعًا". [خ ١٩٣، ن ٧١، جه ٣٨١، حم ٢/ ٤، خزيمة ١/ ١٠٢]
٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عن عُبَيْدِ اللَّهِ
===
قلت: أما الجواب الأول فقد عرفت ما فيه، وأما الثاني فلا يتمشَّى في حديث أم صبية، فإنها لم تكن زوجة ولا محرمة له ﷺ .
٧٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس الإِمام، (عن نافع) الفقيه، مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١١٧ هـ أو بعدها، (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا حماد) بن زيد، (عن أيوب) السختياني، (عن نافع، عن) عبد الله (بن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضوون في زمان (١) رسول الله ﷺ )، وهذا السياق اتفق عليه كلا شيخيه عبد الله بن مسلمة ومسدد، (- قال مسدد: من الإناء الواحد - جميعًا) (٢)، وهذه زيادة من مسدد، لم يَشْرَكْ فيها عبد الله بن مسلمة.
٨٠ - (حدثنا مسدد قال: ثنا يحيى) القطان، (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني،
стр. 436
قَالَ: حدَّثَنِي نَافِعٌ، عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: "كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا". [حم ٢/ ١٠٣، خزيمة ١/ ٦٣]
===
أبو عثمان، أحد الفقهاء السبعة، ثقة، ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن عروة عنها، مات بعد سنة ١٤٠ هـ.
(قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، ندلي فيه أيدينا) أي نلقي وندخل، قال في "مرقاة الصعود": قيل: يحمل على التعاقب، أي يتوضأون فيذهبون، فيجئن فيتوضئن بعدهم، فرد بأن قوله: "جميعًا" يمنعه، إذ معناه الاجتماع في الفعل، وقال بعضهم: لعله كان قبل نزول الحجاب، والرافعي أراد كل رجل مع زوجته، وإنهما يأخذان من إناء واحد , قال جط: ما شرحه أحد بأحسن ولا أصوب مما للرافعي.
قلت: وفي نسخة: "كنا نتوضأ نحن والنساء ونغتسل من إناء واحد على عهد"، الحديث، فذكر الاغتسال يؤيد الجواب الذي أجاب به الرافعي، فإنه يستحيل أن يكون اغتسال الرجال والنساء الأجانب معًا قبل الحجاب وبعده، فهذا الاغتسال محمول على الزوجين قطعًا، وأما الوضوء فيمكن أن يتوضأ مع زوجته ومحارمه، ويمكن أن يحمل على التعاقب في الغسل في الأجانب، ولا يمنعه قوله: "ندلي فيه أيدينا", لأنه لا يستلزم أن يكون إدلاء الأيدي في وقت واحد، وأما قوله في حديث مسدد: "جميعًا"، فيمكن أن يحمل على أن الجمعية فيه اجتماع في الفعل لا في الوقت، كما يقال: الواو للجمع.
стр. 437
(٤٠) بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ
٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: ثنَا زُهَيْرٌ، عن دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عن دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عن حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيّ قَالَ: "لَقِيتُ رَجُلًا
===
(٤٠) (بَابُ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ)
أي عن التوضؤ بفضل طهور المرأة
لما ذكر المصنف - رحمه الله تعالى- جواز التوضؤ بفضل طهور المرأة وساق أحاديثها، عقَّبه بما يدل على النهي عنه، فعقد باب النهي، ثم ساق الأحاديث التي تدل على النهي عن التطهر بفضل طهور المرأة (١).
٨١ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال: ثنا زهير) بن معاوية بن حُدَيج، بضم مهملة وفتح دال مهملة وبجيم، ابن الرجيل، بجيم مصغرًا، ابن زهير بن خيثمة الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، سكن الجزيرة، ثقة ثبت، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين؛ لأنه سمع منه بأَخرَة، مات سنة ١٧٢ هـ أو بعدها.
(عن داود (٢) بن عبد الله) الأودي، (ح: وحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله، عن حميد) بن عبد الرحمن (الحميري قال: لقيت رجلًا) قيل: هو الحكم بن عمرو، وقيل: عبد الله بن سرجس،
стр. 438
صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الْرَّجُلُ بَفَضْلِ الْمَرْأَةِ". زَادَ مُسَدَّدٌ: "وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا". [ن ٢٣٨]
===
وقيل: عبد الله بن مغفل، نقله ميرك، "علي القاري" (١).
(صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة).
قال صاحب الجوهر النقي (٢): قال البيهقي: رواته ثقات إلَّا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي لقيه، فهو بمعنى المرسل، إلَّا أنه مرسل جيد لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود بن عبد الله الأودي لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم.
قلت: قد قدمت في "باب تفريق الوضوء" أن مثل هذا ليس بمرسل، بل هو متصل؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وداود بن عبد الله الأودي وثقه ابن معين وابن حنبل والنسائي، كذا ذكره القطان، ووثقه أيضًا البيهقي بقوله: وهذا الحديث رواته ثقات، فلا يضره كون الشيخين لم يحتجا به؛ لأنهما لم يلتزما الإخراج عن كل ثقة، فلا يلزم من كونهما لم يحتجا به أن يكون ضعيفًا، وقد قال البيهقي في "كتاب المدخل": وقد بقيت الأحاديث الصحاح لم يخرجاها , وليس في تركهما إياها دليل على ضعفها، انتهى.
(قال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) أي بماء بقي بعد اغتساله في الإناء (أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) أي بماء بقي بعد اغتسالها في الإناء، (زاد مسدد) على لفظ أحمد بن يونس، فإنه لم يذكره، وهو قوله: (وليغترفا) بسكون اللام وتكسر (جميعًا) ظاهره معًا، ويحتمل المناوبة.
стр. 439
٨٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ - يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ - قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عن عَاصِمٍ ,
===
٨٢ - (حدثنا ابن بشار) هو محمد بن بشار (قال: حدثنا أبو داود يعني الطيالسي) (١) وهو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، فارسي الأصل، مولى لآل الزبير، وأمه فارسية، قال عمرو بن علي الفلاس: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود، سمعته يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر، وقال ابن المديني: ما رأيت أحفظ منه، وقال إبراهيم الجوهري: أخطأ أبو داود في ألف حديث، قال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: أبو داود محدث صدوق كان كثير الخطأ، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربما غلط، وقال جعفر بن محمد الفريابي عن عمرو بن علي: أبو داود ثقة، وسألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: ثقة صدوق، وكذلك وثقه كثير من المحدثين، مات سنة ٢٠٤ هـ.
(قال: حدثنا شعبة، عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، قال علي بن المديني عن القطان: لم يكن بالحافظ، وقال عبد الرحمن بن المبارك: قال ابن علية: كل من اسمه عاصم في حفظه شيء، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء حفظه، وما في سيرته بأس، وثقه علي بن المديني وغيره، وقال سفيان الثوري: أدركت حفاظ الناس أربعة وفي رواية ثلاثة، فَيُثَنِّي به، وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من حفاظ أصحابه، وقال أحمد: شيخ ثقة، وقال أيضًا: من الحفاظ للحديث، ثقة، قال البخاري: مات سنة ١٤٢ هـ أو ١٤٣ هـ.
стр. 440
عن أَبِي حَاجِبٍ، عن الْحَكَم بْنِ عَمْرٍو - هُوَ الأَقْرَعُ -: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ". [ن ٣٤٢، ت ٦٤، جه ٣٧٣، حم ٤/ ٢١٣ - ٥/ ٦٦]
===
(عن أبي حاجب) هو سوادة (١) بن عاصم العنزي بالنون والزاي، البصري، قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي حاجب، فقال: اسمه سوادة، وهو بصري، ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ثقة، وقال: ربما أخطأ.
(عن الحكم بن عمرو) (٢) بن مُجَدَّعٍ، بضم ميم وفتح جيم وشدة قال مهملة وبعين مهملة، الغِفَاري، بمكسورة وخفة فاء، أخو رافع، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحب النبي ﷺ حتى مات، ثم تحوَّل إلى البصرة فنزلها، مات بمرو سنة ٥٠ هـ، وقيل قبلها، (هو الأقرع) الضمير يرجع إلى عمرو والد الحكم يعني (٣) يلقب عمرو بالأقرع (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة).
فأحاديث هذا الباب تدل على عدم جواز التطهر بفضل المرأة، وتطهر المرأة بفضل الرجل، فإما أن يحمل النهي على كراهة التنزيه، أو يقال (٤):
стр. 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إن النهي مختص بالأجانب إذا خيف الفتنة، ولكن ينافيه قوله في رواية مسدد: "وليغترفا جميعاً"، فإنه يدل على أن النهي ورد في تطهير الزوجين، لأن الاغتراف جميعًا لا يمكن أن يتحقق إلَّا في الزوجين.
ويمكن أن يقال في الجواب: إن الذي ورد في رواية مسدد من قوله: "وليغترفا جميعًا"، يحتمل أن يكون مدرجًا من الراوي على ما فهم من النهي عن اغتسال المرأة بفضل الرجل، وعن اغتسال الرجل بفضل المرأة، بأنه لا يتحقق الفضل إلَّا بعد فراغه أو بعد فراغها من الاغتسال، فقال: "وليغترفا جميعًا"، وأما إذا كان هذا اللفظ من قول رسول الله ﷺ ، فحينئذٍ يرد التأويل المذكور.
وأما الحديث الثاني فيحمل على هذا المعنى قطعًا، ولا مانع فيه، فيكون سدًّا لذريعة الفساد، ويتقوى هذا التأويل بأنه أخرجه البيهقي، فقال في آخره (١): ورواه محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي كذا، إلَّا أنه قال: أو قال: بسؤرها، ثم قال: ورواه ابن وهب عن جرير عن شعبة، ثم قال في آخره: وكان لا يدري عاصم فضل وضوئها أو فضل شرابها، وكذلك أخرج الترمذي على الشك.
فلما وقع الشك في النهي عن فضل الوضوء أو فضل السؤر، والنهي عن فضل السؤر يحمل على الأجانب، فلو حمل النهي عن فضل الوضوء أيضًا على الأجانب لكان أقرب وأوفق.
وقال الشوكاني في "النيل" (٢): وقد جمع بين الأحاديث
стр. 442
(٤١) بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ
٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٍ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الأَزْرَقِ
===
بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، وأحسن ما جمع به الحافظ في "الفتح" من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز.
(٤١) (بابُ الْوُضُوءِ (١) بِمَاءِ الْبَحْرِ) (٢)
غرض المصنف بعقد هذا الباب أن الماء لما كان يتنجس بوقوع النجاسة فيه، والبحر تُلقى فيه النجاسات الكثيرة خصوصًا على السواحل، فيتوهم أنه لعله يكون أيضًا نجسًا، فعقد الباب لبيان طهورية مائه، وأنه لا يتنجس بوقوع النجاسات لكثرته وعدم تغيره بوقوع النجاسات.
٨٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام، المدني، أبو عبد الله القرشي الزهري مولاهم، الفقيه، وثقه الكثيرون، ورمي بالقدر، مات سنة ١٣٢ هـ، (عن سعيد بن سلمة) المخزومي (من آل ابن الأزرق) بمفتوحة وسكون زاي فراء فقاف، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، لكن قال
стр. 443
قَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ
===
الحافظ في ترجمة سعيد بن سلمة: روى عنه صفوان بن سليم والجُلاح أبو كثير، وهو حديث في إسناده اختلاف، ثم قال: قلت: وصحح البخاري فيما حكى عنه الترمذي في "العلل المفرد" حديثه، وكذا صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد.
وذكر البيهقي الاختلاف في "سننه الكبير" (١)، فقال: وقد تابع يحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن محمد القرشي سعيدًا على روايته، إلَّا أنه اختلف فيه على يحيى بن سعيد، فروى عنه عن المغيرة بن أبي بردة عن رجل من بني مدلج [عن النبي ﷺ وروى عنه عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلًا من بني مدلج]، وروى عنه عبد الله بن المغيرة الكندي عن رجل من بني مدلج وعنه عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه، وقيل غير هذا، واختلفوا أيضًا في اسم سعيد، فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد، وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه، أو المغيرة أو هما، إلَّا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك بن أنس "الموطأ" (٢)، انتهى.
(قال) أي سعيد: (إن المغيرة (٣) بن أبي بردة) الكناني، ويقال:
ابن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حبان: من أدخل بينه وبين أبي هريرة أباه فقد وهم، صحَّح حديثه عن أبي هريرة
стр. 444
وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأنَا بهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟
===
في البحر ابنُ خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق، وآخرون.
(وهو من بني عبد الدار) (١) أي المغيرة، وهو قبيلة من قريش، منسوب إلى عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، والنسبة عبدري.
(أخبره) أي أخبر المغيرة سعيدًا (أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل (٢) رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب (٣) البحر) أي مراكبه من السفن (ونحمل معنا القليل من الماء) أي الماء الحلو، (فإن توضأنا به عطشنا)؛ لأنه ينفد باستعماله في الوضوء، (أفنتوضأ بماء البحر؟ ) أي المالح، فإن الغالب في إطلاق البحر هو المالح.
стр. 445
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". [ت ٦٩ , ن ٥٩، ٣٣١، جه ٣٨٦، طـ ١/ ٢٢، دي ٧٢٩، حم ٢/ ٢٣٧، خزيمة ١١١]
===
(فقال رسول الله ﷺ : هو) أي البحر (الطهور) (١) أي المطهر (ماؤه) لأنهم سألوه عن طهورية مائه لا عن طهارته، (الحِل ميتته) (٢)، فالميت من السمك حلال بالاتفاق، وفي ما عداه خلاف، ولما سئل النبي ﷺ عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه قاس عليه جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ....... ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فزاد في الجواب إرشادًا وهدايةً قوله: "الحل ميتته"، "علي القاري" (٣).
وقال صاحب "مرقاة الصعود" (٤): قال الطب (٥): سئل عن ماء البحر فقط، فأجابهم عن مائه وطعامه، لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر، كما يعوزهم ماء بئر، فلما جمعتهما الحاجة منهم انتظم جوابه لهم، وأيضًا فإن علم طهارة الماء مستفيض عند خاصة وعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالاً مشكل أصالة، فلما رأى السائلَ جاهلاً بأظهر الأمرين لا يستبين حكمه علم أنَّ أخفاهما أولى ببيانه.
قال: وإنما ارتابوا في ماء البحر, لأنهم لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم، وكان من المعقول عندهم في الطهور أنه الماء المفطور
стр. 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على خلقته السليم في نفسه الخلي من الأعراض المؤثرة فيه قال: ... ، وأيضًا لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه، والميتة نجسة، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة خلاف غيره، كيلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها به، انتهى.
وهذا الحديث يدل على أن البحر ماؤه طاهر مطهر، وهذه المسألة إجماعية (١) أجمعت الأمة على ذلك، وأيضًا يدل على أن ميتة البحر حلال، وهذه المسألة اختلفت الأئمة فيها، فعند الإِمام الشافعي يحل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه وهو المصحح عند الشافعية.
وقال النووي (٢): وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال أصحابنا: ويحرم الضفدع للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه، أصحها يحل جميعه، والثاني لا يحل، والثالث يحل ما له نظير مأكول في البر دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه، دون كلبه وخنزيره وحماره، انتهى.
قال في "البدائع" (٣): أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلَّا السمك خاصة، فإنه يحل أكله إلَّا ما طفا منه، وهذا قول أصحابنا ﵃، وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى ﵏: إنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك، لكن بالذكاة هو قول ليث بن سعد، إلَّا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل.
стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الشافعي ﵀: يحل جميع ذلك من غير ذكاة، وأخذه ذكاته، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: (﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالًا، وبقول النبي ﷺ حين سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" (١)، وصف ميتة البحر من غير فصل بين السمك وغيره.
ولنا: قوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ من غير فصل بين البري والبحري، وقوله عزَ شأنه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث.
وروي عن رسول الله ﷺ : "سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء، فنهى ﵊ عن قتل الضفادع" (٢)، وذلك نهي عن أكله، وروي أنه لما سئل عنه فقال ﵊: "خبيثة من الخبائث" (٣)، ولا حجة لهم في الآية, لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد، وهو الاصطياد, لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد, لأنه مفعول فعل الصيد، وإطلاق اسم الفعل عليه يكون مجازاً، ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم. والمراد من قول النبي ﵊: "الحل ميتته"، السمك خاصةً، بدليل
стр. 448
(٤٢) بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ
٨٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ أَبِى فَزَارَةَ,
===
قوله ﷺ : "أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: السمك والجراد، والدَّمان: الكبد والطحال" (١)، فسر النبي ﷺ بالسمك والجراد، فدلَّ على أن المراد منها السمك، ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من الآية وروينا من الخبر، انتهى.
(٤٢) (بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ)
النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير
وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا , فصرف من مفعول إلى فعيل، وسواء كان مسكرًا أو غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتَصَر من العنب نبيذ، "نهاية" (٢) و"لسان العرب".
٨٤ - (حدثنا هناد) (٣) بن السري (وسليمان بن داود العتكي قالا: ثنا شريك) بن عبد الله، (عن أبي فزارة) (٤) بفتح فاء وزاي خفيفة فألف فراء، راشد بن كيسان بفتح كاف، العبسي، بموحدة، الكوفي، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطني: ثقة كيس، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكرًا بسوء.
стр. 449
عن أَبِي زَيْدٍ،
===
قلت: وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا، وفي "علل الخلال": قال أحمد: أبو فزارة في حديث عبد الله مجهول، وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة (١)، انتهى "تهذيب التهذيب".
(عن أبي زيد) مولى عمرو بن حريث لا يعرف، عن ابن مسعود، وعنه أبو فزارة لا يصح حديثه، ذكره البخاري في "الضعفاء"، وقال أبو أحمد الحاكم: رجل مجهول، انتهى "ميزان" (٢)، وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): أبوزيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زايد أو أبو زيد بالشك، روى عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ليلة الجن، وعنه أبو فزارة راشد بن كيسان، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راو غير أبي فزارة، ولم يرو هذا الحديث من وجه ثابت، وأبو زيد مجهول، قال أبو داود: كان أبو زيد نبَّاذًا بالكوفة، وقال الترمذي: مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث.
قلت: قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أبو زيد مجهول لا يعرف، لا أعرف كنيته ولا أعرف اسمه، وقال أبو حاتم: لم يلق أبو زيد عبد الله، وقال ابن المديني: أخاف أن لا يكون أبو زيد سمعه من عبد الله، وقال
стр. 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
البخاري: أبو زيد مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن حبان: لا يدرى من هو؟ وقال أبو إسحاق الحربي: مجهول، وقال ابن المنذر: هذا الحديث ليس بثابت، وقال الكرابيسي: لا يثبت في هذا الباب شيء، وقال ابن عدي: لا يصح، وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر.
قال العلامة العيني (١): وقال بعضهم - أي الحافظ ابن حجر -: وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.
قلت: إنَّما ضعَفوه لأن في رواته أبا زيد، وهو رجل مجهول، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي، وقال ابن العربي في "شرح الترمذي" (٢): أبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان، وأبو روق، وهذا يخرجه عن حد الجهالة.
على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلًا عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد، الأول: أبو رافع عند الطحاوي والحاكم، الثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في "الأوسط"، الثالث: عبد الله بن عمر، ٤ - عمرو البِكالي، ٥ - أبو عبيدة بن عبد الله، ٦ - أبو الأحوص، ٧ - عبد الله بن مسلمة، ٨ - قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه، ٩ - عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ١٠ - عبد الله بن عباس، ١١ - أبو وائل شقيق بن سلمة، ١٢ - ابن عبد الله، ١٣ - أبو عثمان بن سنه، ١٤ - أبو عثمان النهدي هذا ملتقط، والتفصيل في شرحه على البخاري، فمن شاء فليرجع إليه.
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحاصل أن الطعن في هذا الحديث بوجوه: الأول: جهالة أبي زيد، الثاني: التردد في أبي فزارة، هل هو راشد بن كيسان أو غيره؟ الثالث: أن أبا فزارة هذا كان نبَّاذًا بالكوفة، الرابع: أن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - لما سئل هل كنت مع النبي ﷺ ؟ فقال: ليتني كنت، وكذلك سئل تلميذه علقمة هل كان صاحبكم مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: وددنا أنه كان، الخامس: أنه من أخبار الآحاد ورد على مخالفة الكتاب، ومن شرط ثبوت خبر الواحد أن لا يخالف الكتاب، فإذا خالف لم يثبت، أو ثبت لكنه نسخ به, لأن ليلة الجن كانت بمكة.
أما الجواب عن جهالة أبي زيد، فمرَّ الجواب عنه بأنه روى عنه أبو فزارة وأبو روق فارتفعت الجهالة، وقال في "البدائع" (١): فقد قال صاعد - وهو من زهاد التابعين -: وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث، فكان معروفًا في نفسه وبمولاه، فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته على أنه قد روي هذا الحديث من طرق أُخر غير هذا الطريق لا يتطرق إليها طعن.
وعن الثاني بأن الحافظ وغيره من المحققين صرحوا بأن أبا فزارة هذا الذي يروي عن أبي زيد عن ابن مسعود هو راشد بن كيسان؛ فارتفع التردد منه.
وعن الثالث بأن أبا فزارة كونه نبَّاذاً بالكوفة لم يثبت، بل الذي كان نباذًا بالكوفة هو شيخه أبو زيد كما نقل الحافظ عن أبي داود، ولو سلم فلا يقدح فيه, لأنه يمكن أن يصنع النبيذ ما لم يبلغ حد الإسكار، ولا مطعن فيه.
وعن الرابع بما سيأتي في شرح الحديث الآتي.
стр. 452
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الجِنِّ: "مَا في إِداوَتك؟ "
===
وعن الخامس بأنه لما قال به جماعة من كبراء الصحابة، منهم علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃، فتبين أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حيث عمل به الصحابة، وتلقوه بالقبول، ومثله بما ينسخ به الكتاب، ثم إنه لما ثبت من فتاوى نجباء الصحابة ﵃ جواز التوضؤ بنبيذ التمر في زمان انسَدَّ فيه باب الوحي، مع أنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ والمنسوخ بطلت دعوى النسخ، وما ذكروا من الطعن في الراوي في سند حديث واحد.
قلت: عمل بعض الصحابة بذلك لا يدل على عدم النسخ، بل محمول على أنه لم يبلغهم النسخ.
(عن عبد الله بن مسعود) (١) بن غافل، بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف، ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، وأمه أم عبد، من السابقين الأولين، من كبار العلماء من الصحابة، أسلم بمكة قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان صاحب نعل رسول الله ﷺ ، آخى النبي ﵊ بينه وبين سعد بن معاذ، وأمّره عمر على الكوفة، قال البخاري: مات بالمدينة قبل عثمان، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، مات سنة ٣٢ هـ أو سنة ٣٣ هـ.
(أن النبي ﷺ قال له) أي لعبد الله بن مسعود (ليلة الجن) أي ليلة ذهب الجن بالنبي (٢) ﷺ إلى قومهم ليتعلموا منه الدين، وكان معه عبد الله بن مسعود، وفي رواية: "زيد بن ثابت" (ما في إداوتك؟ ) (٣)، أي: أيُّ شيء
стр. 453
قَالَ: نَبِيذٌ. قَالَ: "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ". [ت ٨٨، جه ٣٨٤، حم ١/ ٤٠٢]
===
في مِطهرتك؟ في"النهاية": الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد (قال) أي ابن مسعود: (نبيذ) أي في إداوتي نبيذ (قال: تمرة طيبة وماء طهور) (١) زاد في "المصابيح": وتوضأ منه، وزاد أحمد والترمذي: فتوضأ منه، قال ابن الهمام: ورواه ابن أبي شيبة مطولا، وفيه: "هل معك من وَضوء؟ "، قلت: لا، قال: "فما في إداوتك؟ "، قلت: نبيذ (٢) تمر، قال: "تمرة حلوة وماء طيب"، ثم توضأ وأقام الصلاة. "علي القاري" (٣).
قلت: اختلف العلماء في جواز التوضؤ بالنبيذ وعدم جوازه، فعند أبي حنيفة يتوضأ به (٤)، ولا يتيمم بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منها صار حرامًا لا يجوز التوضؤ به لحديث عبد الله بن مسعود، فترك القياس بالنص، وعند أبي يوسف يتيمم ولا يتوضأ به، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى واختاره الطحاوي، وهو المذهب المصحح المختار عندنا, لأن الحديث وإن صح لكن آية التيمم ناسخة له إذ هي مدنية، وعند محمد يجمع بينهما، لما ذكرنا أن ليلة الجن كانت بالمدينة أيضًا؛ لأن صاحب"آكام المرجان" ذكر أن ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن كانت ست مرات، وذكر منها مرة في بقيع الغرقد قد حضرها ابن مسعود فلا يقطع بالنسخ.
стр. 454
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: عن أَبِي زيدٍ أَوْ زيدٍ، كَذَا قَالَ شَرِيكٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ.
٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عن دَاوُد ,
===
(قال أبو داود: قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد، كذا قال شريك) غرض أبي داود بهذا الكلام أن أبا داود روى هذا الحديث عن شيخيه هناد وسليمان بن داود عن شريك، فأما هناد فلم يشك فيه عن شريك، فقال: عن أبي زيد، وأما سليمان فقال: عن أبي زيد أو زيد، روى عن شريك على الشك، وهكذا عن أبي زيد أو زيد في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا من المكتوبة والمطبوعة المصرية والهندية بالتكني في الأولى والعَلَمية في الثانية، ولكن قال الحافظ في"تهذيب التهذيب" كما قدمنا: وقيل: أبو زايد أو أبو زيد بالشك، وبالكنية في الموضعين، ولكن بزيادة الألف بعد الزاي وكذا في "التقريب"، ولم أر أحدًا تعرض لهذا الاختلاف، ولفظ "التقريب": أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زايد.
(ولم يذكر هناد ليلة الجن)، أي لم يذكر هناد لفظ "ليلة الجن"، وذكره سليمان بن داود.
٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب) بن خالد، (عن داود) بن أبي هند، واسمه دينار بن عُذافِر، بضم مهملة وخفة ذال معجمة وكسر فاء، ويقال: طهمان، القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، البصري، قال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة:
стр. 455
عن عَامِرٍ، عن عَلْقَمَةَ قَالَ: "قُلْتُ لِعَبْدِ الله بْنِ مَسعودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُم مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ". [م ٤٥٠، ت ٣٢٥٨]
===
ثقة ثبت، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلَّا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه، وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف، مات سنة ١٤٠ هـ، وقيل قبلها.
(عن عامر) بن شراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشعبي، بفتح المعجمة، الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان، ثقة مشهور فقيه فاضل، يقول: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال ابن معين وأبو زرعة وغير واحد: الشعبي ثقة، قال البخاري: مات سنة ١٠٤ هـ.
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، وروى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم -، وقال أبو المثنى رياح: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله أشبه الناس به سمتًا وهديًا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة، وهو ثقة ثبت فقيه عابد، قلت: وكان الأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد بن قيس ولدا أخي علقمة أسن منه، مات بالكوفة سنة ٦٢ هـ.
(قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد) (١)، أورد المصنف ذلك الحديث ههنا ليشير إلى أن هذا الحديث المقدم الذي يدل على أن ابن مسعود كان مع
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النبي ﷺ ليلة الجن معارَض بهذا الحديث الصحيح مع كونه ضعيفًا باعتبار السند، فلا يحتج به.
قال النووي (١): هذا صريح في إبطال الحديث المروي في "سنن أبي داود" وغيره، المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه ﷺ ليلة الجن، فإن هذا الحديث صحيح، وحديث النبيذ ضعيف، قلت: قد مرَّ الجواب عن ضعف الحديث.
وأما الجواب عن معارضة هذا الحديث بذاك أن ذهاب رسول الله ﷺ إلى الجن وقع ست مرات، فيمكن أن يكون ابن مسعود معه في بعضها، ولم يكن معه في بعضها، كيف وقد ذكر الترمذي كونه معه وصححه، فقد أخرج الترمذي (٢) بسنده عن ابن مسعود قال: صلَّى النبي ﷺ العشاء ثم انصرف، فأخذ بيد ابن مسعود، حتى خرج به إلى بطحاء مكة فأجلسه، الحديث، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأيضًا يمكن (٣) أن يجاب عنه أن رسول الله ﷺ ترك ابن مسعود، وذهب بنفسه الشريفة في محل آخر، فلم يكن ابن مسعود معه ﷺ في ذاك المحل، أي موضع تعليمه للجن، فلا معارضة في الحديثين، ألا ترى إلى ما أخرج الترمذي بسنده عن ابن عباس، قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، وقد ثبت أنه ﷺ قرأ عليهم وبلَّغهم وعلَّمهم، فكما هذه المعارضة مدفوعة بالتأويل، فكذلك هذا باختلاف الزمان والمكان، وأوَّلَ
стр. 457
٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ،
===
بعضهم أن المراد بقوله: "ما كان معه منَّا أحد"، أي ما شهدها منَّا أحد غيري، نفيًا لمشاركته وإبانةً لاختصاصه بذلك، ذكره ابن الهمام (١) عن الإِمام أبي محمد البطليوسي، فعلى هذا لا معارضة فيهما , ولو سُلِّمَ فالمثبت يقدم على النافي.
٨٦ - (حدثنا محمد بن بشار) بندار (قال: ثنا عبد الرحمن) بن مهدي (قال: ثنا بشر بن منصور) السَّليمي، بفتح المهملة وبعد اللام تحتانية، أبو محمد البصري الأزدي، صدوق عابد زاهد، قال أبو زرعة: ثقة مأمون، وقال نصر بن علي الجهضمي: ثبت في الحديث، مات سنة ١٨٠ هـ.
(عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن عطاء) بن أبي رباح، سيد التابعين علمًا وعملًا وإتقانًا في زمانه بمكة، وكان حجة إمامًا كبير الشأن، أخذ عنه أبو حنيفة، وقال: ما رأيت مثله، قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلينا من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ من كل ضرب، وقال أحمد: ليس في المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كل أحد، وروى محمد بن عبد الرحيم عن علي بن المديني قال: كان عطاء بأخَرَة قد تركه ابن جريج وقيس بن سعد.
قلت: لم يعن الترك الاصطلاحي بل عني أنهما أبطلا الكتابة، وإلَّا فعطاء ثبت، قال خالد بن أبي نوف عن عطاء: أدركت مائتين من الصحابة، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سليمان بن حرب يذكر عن بعض مشيخته،
стр. 458
أَنَّهُ كَرِهَ الْوضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ وَقَالَ: "إِنَّ التَيّمُّمَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ". [ق ١/ ٩]
٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ قَالَ: حَدَّثنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ
===
قال: رأيت قيس بن سعد قد ترك مجالسة عطاء، قال: فسألته عن ذلك فقال: إنه نسي أو تغير، فكدت أن أفسد سماعي منه، مات سنة ١١٥ هـ أو ١١٤ هـ.
قال: (أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب (١) إلى منه)، غرض المصنف بإيراد هذا الأثر تقوية عدم جواز (٢) الوضوء بالنبيذ.
٨٧ - (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (قال: حدثنا أبو خلدة) بفتح المعجمة وسكون اللام، المشهور بكنيته، هو خالد بن دينار التميمي السعدي البصري الخياط، قال عثمان بن سعيد عن يحيى: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث، وفي "تاريخ البخاري" (٣): قال ابن مهدي: كان خيارًا مسلمًا صدوقًا، مات سنة ١٥٢ هـ.
(قال: سألت أبا العالية) رفيع، براء وفاء وعين مهملة مصغرًا،
стр. 459
عن رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ وَعِنْدَهُ نَبِيذٌ أَيَغتَسِلُ بِهِ؟ قَالَ: لَا". [ق ١/ ٩]
===
ابن مهران الرياحي، بكسر الراء والتحتانية، مولاهم، البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر، وروى عن علي وابن مسعود وأبي موسى وأبي أيوب وغيرهم من الصحابة، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال اللالكائي: مجمع على ثقته، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نقم عليه حديث الضحك في الصلاة، وكل من رواه غيره فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يعرف، ومن أجله تكلموا فيه، وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة. وقال الشافعي: حديث الرياحي رياح، يعني في القهقهة، مات سنة ٩٠ هـ، وقيل بعدها.
(عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماء، وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا)، أورد المصنف هذا الأثر أيضًا ليقوي ما ثبت عنده من عدم جواز الوضوء بالنبيذ, لأن حكم الغسل والوضوء واحد، فلما لم يجوّز أبو العالية الاغتسال ثبت أنه لا يجوز عنده الوضوء (١) بالنبيذ.
قلت: مسألة الاغتسال اختلف المشايخ فيها، قال في "البدائع" (٢): واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: لا يجوز, لأن الجواز عُرِف بالنص، وأنه ورد في الوضوء
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دون الاغتسال، فيقتصر على مورد النص، وقال بعضهم: يجوز لاستوائهم في المعنى، انتهى، وهذا على القول المرجوع عنه، وأما على القول المرجوع إليه، فكما لا يجوز التوضؤ بالنبيذ، كذلك لا يجوز الاغتسال بالأَولى.
واعلم أنه أخرج صاحب "البدائع" (١) رواية أبي العالية فقال: وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال: كنت في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ في سفينة في البحر، فحضرت الصلاة، ففني ماؤهم، ومعهم نبيذ التمر، فتوضأ بعضهم بنبيذ التمر، وكره التوضؤ بماء البحر، وتوضأ بعضهم بماء البحر وكره التوضؤ بنبيذ التمر.
وقد أخرج الدارقطني (٢) بسنده إلى أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء، وعنده نبيذ، أيغتسل به في جنابة؟ قال: لا، فذكرت له ليلة الجن؟ فقال: أَنْبِذَتكُم هذه الخبيثة، إنما كان ذلك زبيبًا وماءً، ففي هذا زيادة تركها أبو داود تدل على خلاف ما استدل عليه أبو داود.
وكذلك البيهقي (٣) أخرج مثله بسنده إلى أبي خلدة عن أبي العالية قال: يرى نبيذكم هذا الخبيث، إنما كان ماء يلقى فيه تمرات فيصير حلوًا، وهذا الأثر يدل على أن أبا العالية يجوز التوضؤ والاغتسال عنده بالنبيذ ما دام حلوًا رقيقًا، فإذا اشتد وخبث يحكم عليه بعدم الجواز.