١٧٠٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ, زَادَ: «سِقَاؤُهَا, تَرِدُ الْمَاءَ, وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ» ,
===
أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن ضالة الإبل (١)، فقال: "ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ الماءَ، وترعى الشجرَ، دَعْها حتى يلقاها ربُّها"، نهى عن التعرض لها وأمر بترك الأخذ.
ولنا ما رُوِيَ أن رجلًا وجد بعيرًا بالحَرَّة (٢)، فَعَرَّفَه، ثم ذكره لسيدنا عمرَ ﵁، فأمره أن يعرِّفَه، فقال الرجل لسيدنا عمرُ: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمرُ: أَرْسِلْه حيث وجدتَه.
وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال ﵊: "حتى يلقاها ربها"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه.
والدليل عليه أنه لما سأله عن ضالة الغنم قال: "خذها، فإنها لك، أو لأخيك، أو للذئب"، دعاه إلى الأخذ، ونَبَّه على المعنى، وهو خوف الضيعة، وأنه موجود في الإبل، والنص الوارد فيها أولى أن يكون واردًا في الإبل وسائرِ البهائم دلالة، إلَّا أنه ﵊ فصل بينهما في الجواب من حيث الصورة لهجوم الذئب على الغنم إذا لم يلقها ربُّها عادة بعيدًا كان أو قريبًا، ولا كذلك الإبل لأنها تَذُبُّ عن نفسها.
١٧٠٥ - (حدثنا ابن السرح) أحمد بن عمرو، (نا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني مالك بإسناده ومعناه، زاد) أي مالك عن ربيعة على رواية إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة: (سقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر)، فالزيادة هي قوله: "ترد الماء، وتأكل الشجر"، وأما لفظ "سقاؤها" فليس مزيدًا؛ لأنه مذكور
стр. 3922
وَلَمْ يَقُلْ: «خُذْهَا» فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ, وَقَالَ فِى اللُّقَطَةِ: «عَرِّفْهَا سَنَةً, فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» , وَلَمْ يَذْكُر «اسْتَنْفِقْ». [انظر الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلَهُ, لَمْ يَقُولُوا: «خُذْهَا».
===
في الروايتين، (ولم يقل) أي مالك لفظ: (خذها في ضالة الشاء) وذكره إسماعيل بن جعفر في روايته (وقال) أي مالك (في اللقطة: عرِّفْها سنة، فإن جاء صاحبها) فأدها إليه (وإلَّا) أي وإن لم يجئ صاحبها (فشأنك بها).
قال الحافظ (١): قوله: "شأنك بها"، الشأن: الحال، أي: تَصَرَّفْ فيها، وهو بالنصب أي الزم شأنَك بها، ويجوز الرفع بالابتداء، والخبر بها، أي شأنك متعلق بها. (ولم يذكر) مالك لفظ: (اسْتَنْفِقْ) كما ذكره إسماعيل بن جعفر.
(قال أبو داود: رواه الثوري وسليمان بن بلال وحماد بن سلمة عن ربيعة مثلَه) أي مثل ما روى مالك عن ربيعة، (لم يقولوا: خذها) غرض المصنف بهذا الكلام ما وقع في رواية إسماعيل بن جعفر من لفظ "خذها" في ضالة الشاة مخالف لما رواه مالك والثوري وسليمان وحماد عن ربيعة، فهي شاذة إن كان غرضه تأييد رواية مالك، وإلا فإشارة إلى أنها زيادة ثقة، والله أعلم. أما حديث الثوري فأخرجه البخاري في "اللقطة" (٢)، وأما حديث سليمان بن بلال عن ربيعة فأخرجه البخاري في "كتاب العلم" (٣).
وحديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري الذي أخرجه البخاري في "اللقطة" (٤) ففيها: "خذها"، وأما حديث حماد بن سلمة عن ربيعة فسيأتي عند المصنف قريبًا.
стр. 3923
١٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ, عَنِ الضَّحَّاكِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ -, عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ,
===
١٧٠٦ - (حدثنا محمد بن رافع وهارون بن عبد الله، المعنى، قالا: نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (عن الضحاك -يعني ابن عثمان-، عن بسر بن سعيد) هكذا في جميع النسخ لأبي داود التي عندي هن غير ذكر واسطة بين الضحاك بن عثمان وبسر بن سعيد، ولكن أخرج الطحاوي (١) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، وزاد بينهما: أبا النضر، وكذا أخرج مسلم في "صحيحه" (٢) من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، ومن طريق أبي بكر الحنفي قال: حدثنا الضخاك بن عثمان بهذا الإسناد، فذكر مسلم بين الضحاك وبسر بن سعيد واسطة أبي النضر.
وكذا أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" (٣) من طريق ابن أبي فديك وأبي بكر الحنفي، فذكر بينهما أبا النضر، وكذا أخرجه ابن ماجه (٤) بطريق أبي بكر وابن وهب وفيه أيضًا واسطة سالم، وهو أبو النضر (٥)، ثم رأيت "تهذيب التهذيب" للحافظ فلم يذكر في ترجمة ضحاك بن عثمان في شيوخه بسرَ بن سعيد، وذكر في شيوخه أبا النضر سالمًا، وكذا لم يذكر ضحاك بن عثمان في تلامذة بسر بن سعيد في ترجمته، فالظاهر أن في سند أبي داود سقوطًا، والله أعلم.
стр. 3924
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً, فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وإلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا, فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». [م ١٧٢٢، ت ١٣٧٣، جه ٢٥٠٧، حم ٤/ ١١٦]
١٧٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ, حَدَّثَنِى أَبِى, حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ مَوْلَى
===
(عن زيد بن خالد الجهني: أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة؟ فقال: عرَّفها سنة، فإن جاء باغيها) أي طالبها (فَأَدِّها إليه) أي إذا عَرَفَ وكاءَها، ووعاءَها، وعددَها، والأمر فيه ليس للوجوب، قال الحافظ (١): قال أبو حنيفة والشافعي - رحمهما الله-: إن وقع في نفسه صدقُه جاز أن يُدْفَعَ، ولا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا ببينة، وقد أخذ بظاهرها مالك وأحمد.
(وإلَّا) أي وإن لم يجئ باغيها (فَاعْرِفْ عفاصَها، ووكاءَها، ثم كُلْها، فإن جاء باغيها) أي بعد الأكل والتصرف فيها (فأدِّها إليه) إن كانت موجودة وإلا بالبدل، وفي سياق هذا الحديث أصرح دلالة على أن اللقطة وديعة عند الملتقط، إذا تصرف فيها يجب ردها على صاحبها إن كانت قائمة، وإن استهلكت يجب بدلها.
قال الحافظ (٢): وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: "فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصَها ووكاءَها، ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه"، فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور.
١٧٠٧ - (حدثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، عن أبيه يزيدَ مولى
стр. 3925
الْمُنْبَعِثِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ (١) نَحْوَ حَدِيثِ رَبِيعَةَ, قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «تُعَرِّفُهَا حَوْلًا, فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعْتَهَا إِلَيْهِ, وإلَّا عَرَفْتَ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا, ثُمَّ اقْبِضْهَا (٢) فِى مَالِكَ, فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا, فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ». [انظر سابقه]
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بِإِسْنَادِ قُتَيْبَةَ وَمَعْنَاهُ, وَزَادَ (٣) فِيهِ: «فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» وَقَالَ حَمَّادٌ أَيْضًا: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَهُ. [انظر سابقه]
===
المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: سئل رسول الله ﷺ ، فذكر) عبد الله بن يزيد (نحو حديث ربيعة، قال) عبد الله بن يزيد في حديثه عن أبيه يزيد: (وسئل) أي رسول الله ﷺ (عن اللقطة؟ فقال) رسول الله ﷺ : (تُعَرِّفها حولًا، فإن جاء صاحبها دفعتَها إليه) أي إن عرف علاماتها (وإلَّا) أي وإن لم يجئ صاحبها (عرفتَ وكاءَها وعفاصَها، ثم اقبضها في مالك) أي لتحفظها ولا تلتبس بمالك، (فإن جاء صاحبها) بعد معرفة وكائِها وعفاصِها وقبضِها في مالك (فادفعها إليه) وفي الحديث دلالة على أن الملتقط لا يملك اللقطة بل تبقى على ملك صاحبها.
١٧٠٨ - (حدثنا موسى بن اسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد وربيعة بإسناد قتيبةَ ومعناه) وقد تقدم حديث قتيبة قريبًا (وزاد) حماد بن سلمة (فيه: فإن جاء باغيها) أي طالبها (فَعَرَفَ عفاصَها وعددَها فادفعها إليه، وقال حماد أيضًا: عن عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثلَه) أي مثل ما قال حماد عن يحيى بن سعيد وربيعة من زيادة قوله: "فإن جاء باغيها فَعَرَفَ عفاصها وعددَها فادفعها إليه".
стр. 3926
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِى زَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ (١) وَرَبِيعَةَ: «إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا, فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ»؛ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ: «فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» (٢)
===
(قال أبو داود: وهذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمةَ بنِ كهيلٍ ويحيى بن سعيدٍ وعبيدِ الله وربيعة: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها، فادفعها إليه"، ليست بمحفوظة).
قال الحافظ في "الفتح" (٣): في رواية حماد بن سلمة وسفيان الثوري وزيد بن أنيسة عند مسلم، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي من طريق الثوري، وأحمدُ، وأبو داود من طريق حماد كلهم عن سلمة بن كهيل في هذا الحديث: "فإن جاء أحد يخبرك بعددِها ووكائِها ووعائِها فأعطِها إياه"، لفظ مسلم، وأما قول أبي داود: إن هذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة، وهي غير محفوظة، فتمسك بها من حاول تضعيفَها فلم يُصِبْ، بل هي صحيحة، وقد عرفت من وافق حمادًا عليها، وليست شاذة.
وقال في "الجوهر النقي" (٤): قال البيهقي: قال أبو داود: هذه الزيادة التي زادها حماد بن سلمة: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه" ليست محفوظة، قلت: ذكر ابن حزم بأن حمادًا لم ينفرد بزيادة الأمر بالدفع، بل وافقه على ذلك الثوريُّ، فرواه كذلك عن ربيعة، عن يزيد بن خالد، عن سلمة بن كهيل، عن سويد، انتهى.
(فعرف عفاصها ووكاءَها) هذه بيان الزيادة، أي من قوله: "فعرف عفاصها
стр. 3927
وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَيْضًا قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً».
===
ووكاءها"، إلى قوله: "فادفعها إليه"، كأنه يشير إلى أن قوله: "إن جاء صاحبها"، ليس بزائد فالزيادة ليس إلا قوله: "فعرف عفاصها ووكاءها" إلى آخره.
(ورواه هدبة بن خالد أيضًا [من] حديث بسر بن سعيد) أي كما رواه ضحاك بن عثمان [من] حديث بسر بن سعيد، (قال) هدبة (فيه) أي في الحديث: (عرفها سنة) هذه العبارة ما وجدتها إلَّا على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية، ونقل عنها في حاشية النسخة المجتبائية، ولم أجد حديث هدبة في شيء من الكتب التي تتبعتها.
(وحديث عقبة بن سويد، عن أبيه، عن النبي ﷺ أيضًا قال: عرفها سنةً) وقد تقدم (١) في بيان تسمية السائل المجهول أن الحافظ ذكر اسم السائل، وقال: ثم ظفرت بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحميدي، والبغوي، وابن السكن، والباوردي، والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري، عن ربيعة، عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: "عرفها سنة، ثم أوثق وعاءها"، فذكر الحديث، وقد ذكر أبو داود طرفًا منه تعليقًا ولم يَسُقْ لفظَه.
وقد ذكر الحافظ في "الإصابة" (٢) في ترجمة سويد الجهني أو المزني: وأما حديث ربيعة فذكره أبو داود تعليقًا، ووصله الباوردي والطبراني ومطين من طريق محمد بن معن بن نضلة، عن ربيعة، عن عتبة بن سويد، عن أبيه سألت النبي ﷺ عن الشاة.
وذكر الحافظ في "تعجيل المنفعة" (٣) في ترجمة عقبة قال: عقبة، ويقال: عتبة بن سويد الأنصاري، عن أبيه، وعنه الزهري، مجهول، قلت: قد روى
стр. 3928
وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً».
١٧٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ -. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى - يعني ابْن إِسْمَاعِيلَ - حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (١) , - الْمَعْنَى -
===
عنه أيضًا ربيعة الرأي وعبد العزيز، ذكره ابن أبي حاتم بالشك، وليس هو في "المسند" إلَّا عقبة بغير شك، انتهى.
(وحديث عمر بن الخطاب أيضًا عن النبي ﷺ قال: عرفها سنة) هذا التعليق وصله الطحاوي (٢)، وقال: حدثنا فهد (٣) بن سليمان، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير أنه قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله بن ربيعة، أن أباهما سفيان بن عبد الله قد كان وجد عيبة (٤)، فأتى بها عمر بن الخطاب، فقال له: عرفها سنة، فإن عُرِفَتْ فذاك، وإلَّا فهي لك، قال: فعرفها سنة فلم تُعْرَفْ، فأتى بها عمر ﵁ العامَ المقبل أو القابلَ في الموسم، فأخبره بذلك، فقال له عمرُ: هي لك، وقال: إن رسول الله ﷺ كان أمرنا بذلك، فأبى سفيان أن يأخذها، فأخذها منه عمر بن الخطاب فجعلها في بيت مال المسلمين.
وغرض المصنف بهذا الكلام وهو قوله: وحديث عقبة، إلى آخره أن مدة التعريف اختلفت الروايات فيها، ففي بعضها أمر رسول الله ﷺ بتعريفها ثلاث سنين، وفي بعضها سنة واحدة، ولما وقع الشك في ثلاث سنين، وتأيدت روايةُ سنة واحدة بروايات كثيرة، ذكر أبو داود أن رواية تقدير التعريف بسنة أقوى وأكثر، والله تعالى أعلم.
١٧٠٩ - (حدثنا مسدد، نا خالد - يعني الطحان -، ح: وحدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، نا وهيب) يعني ابن خالد (المعنى) أي معنى حديث
стр. 3929
عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ, عَنْ مُطَرِّفٍ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ -, عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً (١) فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَىْ عَدْلٍ, وَلَا يَكْتُمْ, وَلَا يُغَيِّبْ, فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ, وإلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». [جه ٢٥٠٥، حم ٤/ ١٦١]
===
خالد الطحان (٢) ووهيب بن خالد واحد، (عن خالد الحذاء، عن أبي العلاء) يزيد بن عبد الله بن الشخير، (عن مطرف، يعني ابن عبد الله) بن الشخير، (عن عياض) بكسر أوله، وتخفيفِ التحتانية، وآخره معجمة (ابن حمار) بكسر المهملة، وتخفيف الميم، التميمي، المجاشعي، صحابي، سكن البصرة، وعاش إلى حدود الخمسين.
(قال: قال رسول الله ﷺ : من وجد لقطة فليُشْهِدْ ذا عدل أو ذَوَيْ عدل) وأخرج الطحاوي (٣) هذا الحديث فقال: "فليشهد عليها ذَوَي عدلٍ" من غير شك، لكن في "نصب الراية" (٤) بلفظ: "ذا عدل". (ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلَّا فهو مال الله يؤتيه من يشاء).
قال الشوكاني (٥): "قوله: "فَلْيُشْهِد"، ظاهر الأمر يدل على وجوب الإشهاد (٦)، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، وفي كيفية الإشهاد
стр. 3930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قولان: أحدهما: يُشْهِد أنه وجد لقطة، ولا يُعْلِم بالعفاص ولا غيره، لئلا يتوسل بذلك الكاذب إلى أخذها، والثاني: يشهد على صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوارث، وأشار بعض الشافعية إلى التوسط بين الوجهين، فقال: لا يستوعب الصفات، ولكن يذكر بعضها، قال النووي: وهو الأصح.
والثاني من قولي الشافعي: أنه لا يجب الإشهاد، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، قالوا: وإنما يستحب احتياطًا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به في حديث زيد بن خالد، ولو كان واجبًا لَبَيَّنه، انتهى.
قلت: إن الإشهاد عند الحنفية لتعيين جهةِ الأمانة ورفع الضمان فقط، واختلف فيه فعند أبي حنيفة إذا أشهد لا ضمان عليه، وإذا لم يُشْهِدْ وصدقه المالك بأن الملتقط أخذه ليرده على مالكه فتصديقه يرفع الضمان، وأما إذا كذبه وكان الملتقط لم يشهد عليه فعليه الضمان حينئذٍ أيضًا.
وأما عندهما فتحقق الأمانة بوجهين: إما بالتصديق من المالك بأن يصدقه في الأخذ له، أو باليمين.
قال في "البدائع" (١): وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه، لأن المأخوذ لنفسه مغصوب، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في شيء آخر، وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان، إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة، وعندهما بالتصديق أو باليمين، حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا يجب عليه الضمان بالإجماع وإن لم يشهد؛ لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه، وإن كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - أشهد أو لم يشهد، ويكون القول قول الملتقط مع يمينه.
وأما عند أبي حنيفة فإن أشهد فلا ضمان عليه, لأنه بالإشهاد
стр. 3931
١٧١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً
===
ظهر أن الأخذ كان لصاحبه، فظهر أن يده يد أمانة، وإن لم يشهد يجب عليه الضمان، انتهى.
قال الشوكاني (٢): لقوله: "يؤتيه من يشاء" استدل به من قال: إن الملتقط يملك اللقطة بعد أن يعرف بها حولًا، وهو أبو حنيفة، لكن بشرط أن يكون فقيرًا، وبه قالت الهادوية، واستدلوا على اشتراط الفقر بقوله في هذا الحديث: "فهو مال الله" قالوا: وما يضاف إلى الله إنما يمتلكة من يستحق الصدقة.
قلت: لم يقل الحنفية بتملكها بعد التعريف حولًا، بل قالوا: إن اللقطة تبقى على ملك مالكها وإن أكلها الملتقط حال كوفه فقيرًا، فإن الأكل لم يقع على ملكة، بل وقع على ملك مالكه بالإباحة الشرعية، والمباح له لا يكون مالكًا بل يكون آكلًا على ملك المبيح.
١٧١٠ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) أي جد أبيه شعيب (عبد الله بن عمرو بن العاص) عطف بيان، أو بدل عن: جده، أو بالرفع بتقدير الضمير أي هو، (عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلَّق؟ ) أي المُدْلَى من الشجر قبل أن تُقْطَعَ (فقال: من أصاب) من الثمر (بفيه) أي يأكله (من ذي حاجة) بيان لمن، أي فقير أو مضطر، أي من أصاب للحاجة والضرورة الداعية إليه (غيرَ مُتَّخِذٍ) حال من فاعل "أصاب"، أو بالجر على أنه صفة "ذي حاجة" (خُبْنَةً) بضم معجمة وسكون موحدة، قال
стр. 3932
فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ, وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ, فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ, وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ,
===
في "المجمع" (١): الخبنة: مَعْطِفُ الإزار وطَرَفُ الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، أخبن إذا خَبَأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله.
(فلا شيء عليه) من الإثم والضمان، وكان هذا في أول الإِسلام ثم نُسِخَ، أو يقال: إن معنى قوله: "لا شيء عليه" أي من الإثم، وأما الضمان فيجب عليه (ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيْه) أي غرامة قيمة مثليه (والعقوبةُ) بالرفع، أي التعزير، قال ابن الملك (٢): وهذا على سبيل الزجر والوعيد، وإلَّا فالمتلف لا يضمن بأكثر من قيمة مثله، وكان عمر ﵁ يحكم به عملًا بظاهر الحديث، وبه قال أحمد (٣).
وفي "شرح السنة": هذا إيجاب للغرامة والتعزير فيما يخرجه، لأنه ليس من باب الضرورة المرخص فيها، ولأن الملاك لا يتسامحون بذلك بخلاف القدر اليسير الذي يؤكل، ولعل تضعيف الغرامة للمبالغة في الزجر أو لأنه كان كذلك تغليظًا في أوائل الإِسلام ثم نسخ.
(ومن سرق منه) أي من الثمر (شيئًا) أي قدر النصاب (بعد أن يُؤوِيَه) بضم الياء، من آوى يُؤْوِي، والمعنى: يضمه ويجمعه (الجَرِيْنُ) بفتح الجيم وكسر الراء، موضع تجفيف التمر بعد القطع، وهو كالبيدر للحنطة، وهو حرز عادة، فإن الجرين للثمار كالمراح للشياه (فبلغ) أي قيمةُ ذلك الشيء (ثمنَ المِجَن) بكسر الميم وفتح الجيم، أي الترس المسمى بالدرقة، والمراد بثمنه نصاب السرقة؛ لأنه كان يساوي في ذلك الزمان ربع دينار، وقيل: هو عشرة
стр. 3933
فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ (١) , وَذَكَرَ فِى ضَالَّةِ الْغَنَمِ والإِبِلِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ, قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «مَا كَانَ مِنْهَا فِى طَرِيقِ (٢) الْمِيتَاءِ وِ (٣) الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً, فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا (٤) فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ, وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِىَ لَكَ,
===
دراهم، وهو نصاب السرقة عند أبي حنيفة (فعليه القطع) أي قطع اليد حدًّا.
(وذكر) أي عبد الله بن عمرو (في ضالة الغنم والإبل كما ذكر غيره) وهو زيد بن خالد الجهني، (قال) أي عبد الله بن عمرو: (وسئل) أي رسول الله ﷺ (عن اللقطة فقال: ما كان) أي ما وجد (منها في طريق الميتاء) وفي نسخة "المشكاة": "في الطريق الميتاء"، بتعريف الطريق باللام.
قال القاري (٥): كذا وقع في "جامع الأصول"، وقد وقع في نسخ "المصابيح": "في طريق الميتاء"، بالإضافة، والميتاء بكسر الميم وسكون التحتانية ممدودة، أي العامة المسماة بالجادة، قال التوربشتي: الميتاء الطريق العام، ومجتمع الطريق أيضًا ميتاء، والجادة التي تسلكها السابلة، وهو مفعال من الإتيان، أي يأتيه الناس ويسلكه، فالياء في الميتاء أصله همز، أبدل ياءً جوازًا، والهمز فيه أصله ياء أبدل همزًا وجوبًا.
(والقريةِ الجامعةِ) أي لسكانها (فَعَرِّفْها سنة) لأنها لقطة، (فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت) أي طالبها (فهي) أي اللقطة (لك) أي مِلْكٌ لك، أو خاص لك تتصرف فيه، والحاصل أن ما يوجد من اللقطة في العمران والطرق المسلوكة غالبًا يجب تعريفها؛ إذ الغالب أنها ملك مسلم.
стр. 3934
وَمَا كَانَ فِى الْخَرَابِ يَعْنِى فَفِيهَا وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ». [ت ١٢٨٩، جه ٢٥٩٦، ن ٤٩٧٤، ك ٤/ ٣٨١، ق ٨/ ٢٧٨، حم ٢/ ١٨٠]
١٧١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنِ الْوَلِيدِ - يَعْنِى ابْنَ كَثِيرٍ -, حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا: قَالَ فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ: قَالَ: «فَاجْمَعْهَا» ". [انظر سابقه]
===
(وما كان) أي وجد (في الخراب) أي في قرية خربة (يعني) زاد لفظ: يعني؛ لأن الراوي لم يحفظ اللفظ، وفي رواية "المشكاة" عن النسائي: "وما كان في الخراب العاديِّ" أي التي لم يجر عليها عمارة إسلامية، ولم تدخل في ملك مسلم (ففيها وفي الركاز) بكسر الراء أي دفين الجاهلية، كأنه ركز في الأرض (الخمسُ) بضمتين، ويُسْكَنُ الثاني، فأعطي لها حكم الركاز؛ إذ الظاهر أنه لا مالك لها.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: والمراد بالطريق الميتاء والقرية الجامعة حيث يغلب الظن على كونه قد سقط عن أحد، وبالكائن في الخراب حيث يظن أنه كان دفينة ثمة، فبرز بعد بهبوب الرياح وصبوب الأمطار، ولما كان الغالب في كل منهما ما ذكر عبر عنه بهما، وليس المناط إلَّا ما ذكرنا، فلو علم في الطريق الميتاء كونه دفينة كان له حكم الكنز والركاز، ولو علم في الخربة كونه مِنْ سقطِ متاع أحد كان الواجب فيه التعريف، وفي قوله: "وفي الركاز الخمس"، أشار بزيادة لفظ الركاز إلى أن الحكم فيما إذا كان من العاديات ومن المخلوق ثمة دون الموضوع غير متفاوت.
١٧١١ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، عن الوليد - يعني ابن كثير-، حدثني عمرو بن شعيب بإسناده) أي بإسناد عمرو بن شعيب (بهذا) أي الحديث (قال) عبد الله بن عمرو، أو الوليد بن كثير (في ضالة الشَّاء: قال) رسول الله ﷺ : (فَاجْمَعْها)، والغرض بهذا بيان الفرق بين روايةِ ابن عجلان وروايةِ ابن كثير بأن في رواية ابن عجلان لم يذكر حكم ضالة الشاء إلا بقوله: "كما ذكر غيره"، وفي رواية ابن كثير حكمها مذكور بقوله: "فاجمعها" أي فاجمعها للحفظ والرفع إلى المالك.
стр. 3935
١٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهَذَا بِإِسْنَادِهِ؛ وقَالَ فِى ضَالَّةِ الْغَنَمِ: «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ, خُذْهَا قَطُّ». وكَذَا قَالَ فِيهِ أَيُّوبُ وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «فَخُذْهَا». [ن ٢٤٩٤]
١٧١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا. قَالَ فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ:
===
١٧١٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن عبيد الله بن الأخنس) بمفتوحةٍ فساكنةٍ معجمة، وفتحِ نونٍ، النخعي، أبو مالك الكوفي، الخزاز، ويقال: مولى الأزد، قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وعن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا.
(عن عمرو بن شعيب بهذا) الحديث (بإسناده، وقال) عمرو في حديثه (في ضالة الغنم: لك، أو لأخيك، أو للذئب، خذها) أي الشاة (قَطْ) بسكون الطاء، أي فقط، أي ذكرها ولم يذكر غيرها، كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: قوله: "خذها قط" بإسكان الطاء غير مشددة، أي لم يذكر زيادة على هذا، وإنما اكتفى عليه فقط، انتهى.
(وكذا قال فيه أيوب) ولعله السختياني، ولم أجد روايته هذه فيما عندي من الكتب (ويعقوبُ بنُ عطاء) بن أبي رباح المكي، ضعيف، (عن عمرو بن شعيب، عن النبي ﷺ قال: "فخذها") ولم أجد روايته هذه أيضًا.
١٧١٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: وحدثنا ابن العلاء، نا ابن إدريس، عن ابن إسحاق) أي كلاهما حماد وابن إدريس يرويان عن ابن إسحاق، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ بهذا) أي الحديث. (قال) محمد بن إسحاق (في ضالة الشاء:
стр. 3936
"فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأتيهَا بَاغِيهَا". [حم ٢/ ١٨٠]
١٧١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ, حَدَّثَهُ عَنْ رَجُلٍ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ: أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ, فَسَأَلَتْ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «هُوَ رِزْقُ اللَّهِ» , فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَ عَلِىٌّ وَفَاطِمَةُ,
===
"فاجْمَعْها حتى يأتيَها باغيها") أي طالِبُها، فزاد محمد بن إسحاق على رواية ابن كثير، وعبيد الله بن الأخنس، وأيوب، ويعقوب بن عطاء قوله: "حتى يأتيها باغيها".
١٧١٤ - (حدثنا محمد بن العلاء، نا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عبيد الله بن مقسم حدثه) أي حدث عبيدُ الله بنُ مقسم بكيرَ بن الأشج (عن رجل) لم أقف على تسمية هذا المبهم، وقال الشوكاني في "النيل" (١): وفي إسناده رجل مجهول، (عن أبي سعيد: أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا) ملقى في الطريق (فأتى به) (٢) أي بالدينار (فاطمةَ، فسألت) فاطمةُ ﵂ (عنه) أي عن الدينار (رسولَ الله ﷺ ) أي هل يجوز لنا أكله؟ (فقال) رسول الله ﷺ : (هو) أي الدينار (رزق الله) أي رزق من الله لكم، (فأكل منه رسول الله ﷺ وأكل علي وفاطمةُ).
قال في "نصب الراية" (٣): قال المنذري: واستشكل هذا الحديث من جهة
стр. 3937
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتْهُ امْرأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ،
===
أن عليًّا أنفق الدينار قبل تعريفه، قال: وأحاديث التعريف أكثر وأصح إسنادًا، ولعل تأويله أن التعريف ليس له صيغة يعتد بها، فمراجعته لرسول الله ﷺ على ملأ الخلق إعلان به، فهذا يؤيد الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة، انتهى.
قلت: رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١)، وفيه: أنه عرفه ثلاثة أيام، فقال: أخبرنا ابن جريج، عن أبي بكر بن عبد الله، أن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أخبره عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا في السوق، فأتى النبي ﷺ فقال: "عَرِّفْه ثلاثة أيام"، قال: فعرفه ثلاثة أيام، فلم يجد من يَعْرِفُه، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "شأنك به"، قال: فباعه علي فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيرًا، وبثلاثة دراهم تمرًا، وقضى ثلاثة دراهم، وابتاع بدرهم لحمًا، وبدرهم زيتًا، وكان الدينار بأحد عشر درهمًا، فلما كان بعد ذلك جاء صاحبه فعرفه، فقال له علي: قد أمرني رسول الله ﷺ فأكلته، فانطلق صاحب الدينار إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال لعلي: "رُدَّه إليه"، فقال: قد أكلته، فقال النبي ﷺ للرجل: "إذا جاءنا شيء أديناه إليك"، انتهى.
وكذلك رواه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي (٢)، والبزار في "مسانيدهم"، قال البزار: وأبو بكر هذا هو عندي أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، وهو لين الحديث، انتهى.
وذكره عبد الحق في "أحكامه" من جهة عبد الرزاق، ثم قال: أبو بكر بن أبي سبرة متروك الحديث، انتهى.
(فلما كان بعد ذلك) أي بَعدَ أكلِ الدينار (أتته امرأة تَنْشُدُ الدينار)
стр. 3938
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَلِيُّ! أَدِّ الدِّينَارَ". [ق ٦/ ١٩٤]
===
أي تطلب وتتفقد برفع صوتها (فقال النبي ﷺ : يا علي! أَدِّ الدينار).
وهذا الحديث وأمثاله بظاهرها تخالف الحنفية بأن عندهم أن اللقطة يجب التصدق بها إذا كان الملتقط غنيًّا، ولا يجوز صرفها على نفسه، واستشكل بأن ها هنا التقط علي ﵁ الدينار، وأكله، وأكل رسول الله ﷺ معه، فلو كان كما قالت الحنفية لم يَجُزْ لرسول الله ﷺ أن يأكل منها، ولا لعلي ﵁.
واختلفوا في الجواب عن هذا الإشكال، وقد كتبه مفصلًا مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀ فقال: استدل الشافعية بهذه الروايات على أن أكل اللقطة بعد التعريف لا يختص بالفقير، كيف وقد ثبت أن عليًّا وفاطمة أكلا منه وهم بنو هاشم، لا تحل لهم الصدقة بحال، فكذلك الغني يجوز له التناول منه، وأجاب الحنفية عن ذلك بوجوه:
١ - بضعف الروايات، ولا يصح؛ فإن الروايات كلها صحيحة، غاية الأمر أن تكون صحتها للغير إن صح الكلام في أحد من رواتها.
٢ - وبالاضطراب في الروايات؛ فإن السائلة عن المسألة في بعضها هي فاطمة، وفي بعضها سأل علي رسول الله ﷺ عن ذلك، والناشد في بعضها امرأة، وفي بعضها غلام، وإتيانه في بعضها بعد ثلاث، وفي بعضها فبينا هم مكانهم.
ولا يصح هذا الجواب أيضًا؛ فإن مؤدى الكل واحد، أما السؤال عن المسألة فلعل عليًّا ذكر له القصة في أثناء الطريق، ثم ذكرتها فاطمة ولم تعلم بإخبار علي، أو كان سأله أحدهما فنسب إلى الآخر مجازًا، أو ذكرت بعض القصة فاطمة، ثم أتمها علي لكونه أعلم بها منها، وكثيرًا ما يأخذ أحد في الكلام فيقبل السامع على الآخر لما يعلم كونه أعلم بالقصة من المتكلم.
وأما أن المتفقد للدينار رجل أو امرأة فلعلهما أم وابن، أو أخ
стр. 3939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأخت، أو غير هذين، فأتى أحدهما ثم ردفه الآخر، فذكر كل من الرواة أحدًا.
وأما أن إتيان الناشد كان بعد ثلاث أو في مكانهم، فإن الظاهر من قوله: "مكانهم" وإن كان هو المكان بمعنى المجلس، والإضافة تفيد اتحاد المجلس وبقاءه غير متبدل بعد؛ إلا أنه لا يبعد حمله نظرًا إلى معناه اللغوي أنهم كانوا إجتمعوا بعد ثلاث في ذلك المكان المعين، فبينا هم ثمة إذ أتاهم ... إلخ.
وأجاب البعض الآخرون بأن الروأية منكرة؛ لأنها تخالف الروايات الصحيحة الناطقة بوجوب التعريف، وليس في شيء من الروايات، وفيه أن عدم ذكر الراوي التعريفَ لا يستلزم عدم التعريف.
وآخرون أثبتوا الاضطراب بوجه آخر، وهو أن هذه الرواية المفصلة الواردة ها هنا دالة على أن عليًّا أنفقه كما وجد، وقد ذكر في بعضها أنه عرفه ثلاثة أيام. فإحدى الروايتين غير صحيحة بيقين إلى غير ذلك من التطويلات التي هي غير مفيدة بيقين، بل الحق في الجواب- والله أعلم- أن رفع اللقطة قد تكون للحفظ، حتى تكون يدُ اللاقط عليها يد أمانة، ويجب حينئذ تعريفُها بفور ما أخذ, وقد يكون للإنفاق في حاجتها إذا علم من حال المالك رضاه بذلك، والقبض حينئذ قبض ضمان، ولما كان الحسنان فيما علمته من حالهما وكان أبواهما أيضًا كذلك كما تدل عليه العادة، ولم يكن أحد في المدينة بحيث يظن به الضن بعلي ﵁ في مثل ذلك، سيما وقد رفعه لأداء ضمانه بعد ذلك، كان الدينار لا في حكم اللقطة، بل مثله في ذلك مثل صديق له مال عند رجل وهو يعلم من حاله أنه لو أنفق منه في حاجته، لا سيما فاقة الجوع لكان راضيًا، ثم أنفق منه اتكالًا على ذلك الإذن الغير الصريح لم يفعل بذلك بأسًا، كيف وقد قال الله تعالى في كتابه ما رفع الخفاء عن جواز أمثال هذه التصرفات بعد ما علم رضاء المالك حيث قال: ﴿لَيْسَ عَلَى
стр. 3940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ إلى: ﴿ليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١).
وأما أنه كان في حل من أهل المدينة بتصوفه في أموالهم، فقد عرفت حال اليهودي، وهم أخبث أقوام في عداوة أهل بيت الرسالة وسائر المؤمنين، فكيف بغيرهم؟ ! وأما المؤمنون بجملتهم فلا يظن بأحد منهم أنه لا يرضى بأكل فاطمة وأبنيها وأبيها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما أجاب بعضهم من ترك التعريف بأن عليًّا رفعه في السوق بمحضر من الشاهدين، ثم لم يَحْتَجْ إلى تعريف على حدة مع أن هذا الجواب غير مقنع، فإن الاكتفاء بمثل هذا التعريف لا يجوز، وعلى هذا فيمكن جمع هذه الرواية المذكورة هاهنا بما فيه تصريح بتعريف علي إياه ثلاثة أيام بأنه أنفقه أولًا لكونه رفعه على اعتبار الضمان، ثم عرف ثلاثة أيام أن مَنْ سقط منه دينار في يوم كذا فليأتني وأنا زعيمه، ثم إن عليًّا وإن كان رفعه على قصد الإنفاق، لكن اليهودي لما تسامح بقيمة الدقيق بقي الدينار، فتركه عند الجزار على اعتبار أن يكون رهنًا عنده، فيأخذ ديناره حين يعطيه دينه، وهو المراد بقول من قال: قطعه قيراطين، انتهى كلامه.
وقال الشوكاني في "النيل" (٢): وحديث علي ﵁ أخرجه أبو داود عن بلال بن يحيى العبسي عنه: "أنه التقط دينارًا فاشترى به دقيقًا، فعرفه صاحب الدقيق" الحديث ... ، قال المنذري: في سماع بلال بن يحيى عن علي نظر، وقال الحافظ: إسناده حسن، وروإه أيضًا أبو داود عن أبي سعيد الخدري: "أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا فأتى به فاطمةَ فسألت عنه رسولَ الله ﷺ "، الحديث، وفي إسناده رجل مجهول.
وأخرجه أبو داود أيضًا من وجه آخر عن أبي سعيد، وذكره مطولًا، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين، وقال ابن عدي:
стр. 3941
١٧١٥ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِىُّ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ, عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى الْعَبْسِىِّ, عَنْ عَلِىٍّ: "أَنَّهُ الْتَقَطَ دِينَارًا فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا, فَعَرَفَهُ صَاحِبُ الدَّقِيقِ, فَرَدَّ عَلَيْهِ الدِّينَارَ, فَأَخَذَهُ عَلِىٌّ فَقَطَعَ مِنْهُ قِيرَاطَيْنِ
===
لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وروى هذا الحديثَ الشافعي عن الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وزاد: أنه أمره أن يعرفه، ورواه عبد الرزاق من هذا الوجه، وزاد: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام، وفي إسناد هذه الزيادة أبو بكر بن أبي سبرة، وهو ضعيف جدًّا.
وقد أعلَّ البيهقي هذه الروايات لاضطرابها ولمعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف، قال: ويحتمل أن يكون أباح له الأكل قبل التعريف للاضطرار، انتهى.
قلت: وقد أجاب عنه الإِمام السرخسي في "مبسوطه" (١)، فقال: وأما حديث علي ﵁ فقد قيل: ما وجده لم يكن لقطة، وإنما ألقاها مَلَكٌ ليأخذه علي ﵁، فقد كانوا لم يصيبوا طعامًا أيامًا، وعرف رسول الله ﷺ ذلك بطريق الوحي، فلذلك تناولوا منه على أن الصدقة الواجبة كانت لا تحل، وهذا لم يكن من تلك الجملة، فلهذا استجاز علي ﵁ الشراء بها لحالته (٢)، انتهى.
١٧١٥ - (حدثنا الهيثم بن خالد الجهني، نا وكيع، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى العبسي، عن علي: أنه التقط دينارًا، فاشترى به دقيقًا، فعرفه صاحب الدقيق) بأنه ختنُ رسول الله ﷺ وابنُ عمه (فردَّ عليه الدينارَ)، وأتاه الدقيق مجانًا (فأخذه علي فقطع منه) أي من الدينار (قيراطين)
стр. 3942
فَاشْتَرَى بِهِ لَحْمًا". [ق ٦/ ١٩٤]
١٧١٦ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ, حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِىُّ, عَنْ أَبِى حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ يَبْكِيَانِ, فَقَالَ: مَا يُبْكِيهِمَا؟ (١) قَالَتِ: الْجُوعُ,
===
قال في "القاموس": القيراط والقِرّاط بكسرهما، يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربعُ سدسِ دينار، وبالعراق: نصف عُشْرِه. وقال في "المجمع": هو نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وعند أهل الشام جزء من أربعة وعشرين منه، وياؤه بدل من الراء (فاشترى به لحمًا).
١٧١٦ - (حدثنا جعفر بن مسافر التنّيسي، أنا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (نا موسى بن يعقوب الزمعي) هو موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، الأسدي، الزمعي، أبو محمد المدني، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: هو صالح، روى عنه ابن مهدي، وله مشايخ مجهولون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي، ولا برواياته، وقال الأثرم: سألت أحمد عنه فكأنه لم يعجبه، وقال الساجي: اختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: لا يعجبني حديثه، وقال ابن القطان: ثقة.
(عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أخبره) أي أخبر سهل أبا حازم: (إن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة وحسنٌ وحسينٌ يبكيان) والجملة حالية، (فقال: ما يبكيهما؟ قالتْ: الجوعُ) مبتدأ، خبره محذوف، أي: يبكيهما،
стр. 3943
فَخَرَجَ عَلِىٌّ فَوَجَدَ دِينَارًا بِالسُّوقِ, فَجَاءَ إِلَى فَاطِمَةَ وأَخْبَرَهَا (١) , فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِىِّ فَخُذْ دَقِيقًا فَجَاءَ الْيَهُودِىَّ, فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا, فَقَالَ الْيَهُودِىُّ: أَنْتَ خَتَنُ هَذَا الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: فَخُذْ دِينَارَكَ وَلَكَ الدَّقِيقُ, فَخَرَجَ عَلِىٌّ حَتَّى جَاءَ به فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا, فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْجَزَّارِ, فَخُذْ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا, فَذَهَبَ فَرَهَنَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمِ لَحْمٍ (٢) فَجَاءَ بِهِ, فَعَجَنَتْ وَنَصَبَتْ وَخَبَزَتْ وَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا ﷺ , فَجَاءَهُمْ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَذْكُرُ لَكَ, فَإِنْ رَأَيْتَهُ لَنَا حَلَالًا
===
أو خبر محذوف المبتدأ أي: الذي يبكيهما الجوع، (فخرج علي فوجد دينارًا بالسوق) ملقى فالتقطه، (فجاء) به (إلي فاطمة، وأخبرها) بالتقاطه، (فقالت) فاطمة: (اذهب إلى فلان اليهوديِّ) لم أقف على تسميته (فخذ لنا دقيقًا) منه.
(فجاء) علي (اليهوديَّ، فاشترى به) أي بالدينار (دقيقًا، فقال اليهودي: أنت) بتقدير همزة الاستفهام أي: أأنت (ختنُ) أي زوج ابنة (هذا الذي يزعم) أي يقول (إنه رسول الله؟ قال) علي ﵁: (نعم)، أنا ختنه، (قال: فخذ دينارَك ولك الدقيقُ) أي هدية مني، (فخرج علي) من عند اليهودي (حتى جاء به) أي بالدينار، أو بالدقيق، أو بكل واحد منهما (فاطمة فأخبرها) أي بالقصة التي وقعت مع اليهودي، (فقالت: اذهب إلى فلان الجزّارِ، فخذلنا) منه (بدرهم لحمًا، فذهب) علي إلى الجزار (فرهن الدينار بدرهمِ لحم، فجاء) علي (به) أي باللحم، (فعجنت) أي فاطمةُ الدقيقَ، (ونصت) أي القدرَ على النار، (وخبزت، وأرسلت) أي الرسولَ (إلى أبيها ﷺ ) تدعوه، (فجاءهم) أي جاء رسولُ الله ﷺ إياهم.
(فقالت: يا رسول الله! أذكر لك) قصة الدينار، (فإن رأيته لنا حلالًا
стр. 3944
أَكَلْنَاهُ وَأَكَلْتَ مَعَنَا, مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ». فَأَكَلُوا, فَبَيْنَا هُمْ مَكَانَهُمْ إِذَا غُلَامٌ يَنْشُدُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ الدِّينَارَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُعِىَ لَهُ, فَسَأَلَهُ, فَقَالَ: سَقَطَ مِنِّى فِى السُّوقِ, فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا عَلِىُّ! اذْهَبْ إِلَى الْجَزَّارِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ: أَرْسِلْ إِلَىَّ بِالدِّينَارِ, وَدِرْهَمُكَ عَلَىَّ» , فَأَرْسَلَ بِهِ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ". [ق ٦/ ١٩٤]
١٧١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ,
===
أكلناه، وأكلتَ معنا، من شأنه) أي الدينار أو الطعام الموجود (كذا وكذا، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا، فبينا هم مكانهم) أي في مكانهم (إذا غلام ينشد اللهَ والإِسلامَ الدينارَ) أي ينشد الدينار بواسطة اسم الله وبواسطة الإِسلام، (فأمر رسول الله ﷺ ) أحدًا (فدعي) بصيغة المجهول، أي الغلامُ (له) أي لرسول الله ﷺ .
(فسأله) أي سأل رسول الله ﷺ الغلامَ عن الدينار، (فقال) الغلام: (سقط) الدينار (مني في السوق، فقال النبي ﷺ : يا علي! اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقول لك: أرْسِلْ إليَّ بالدينار) الذي رهنه عندك علي في اللحم، (ودرهمك) الذي أخذ به عَلِيٍّ اللحمَ (عَلَيَّ، فَأرْسَلَ) الجزَّارُ (به) أي بالدينار، (فدفعه) أي الدينار (رسولُ الله ﷺ إليه).
قلت: والذي عندي في توجيه الحديث أن يقال: إن هذه القصة وقعت قبل أن ينزل حكم التعريف، وأكل الطعام كان في الاضطرار، والله تعالى أعلم.
١٧١٧ - (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، نا محمد بن شعيب، عن المغيرة بن زياد) البجلي، أبو هشام الموصلي، ويقال: أبو هاشم، قال البخاري: قال وكيع: كان ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب، وعن أحمد: مضطرب الحديث، أحاديثه مناكير، وعن يحيى بن معين:
стр. 3945
عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْعَصَا وَالْحَبْلِ وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ: يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ". [الكامل لابن عدي ٦/ ٣٥٤]
===
ليس به بأس، له حديث واحد منكر، وقال الدوري وابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، وقال العجلي، وابن عمار، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: شيخ، قلت: يُحتَجُّ به؟ قالا: لا، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي، وقال الحاكم أبو عبد الله: المغيرة بن زياد، يقال له: أبو هشام المكفوف، صاحب مناكير، لم يختلفوا في تركه، يقال: إنه حدث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع، قال المزي: في هذا القول نظر؛ فلا أعلم أحدًا قال: إنه متروك، ولعله اشتبه على الحاكم بأصرم بن حوشب، فإنه يكنى أبا هشام أيضًا، وهو من المتروكين.
قلت: قد قال فيه ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، فوجب مجانبةُ ما انفرد به، وتركُ الاحتجاج بما يخالف، ولكن نقل الإجماع على تركه مردود.
(عن أبي الزبير المكي أنه) أي أبا الزبير (حدثه، عن جابر بن عبد الله قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا) بالقصر (والحبل والسوط وأشباهه) أي من الأشياء التافهة ما يُعَدُّ يسيرًا (يلتقطه الرجل ينتفع به) أي الحكم فيها أن ينتفع الملتقط به إذا كان فقيرًا من غير تعريف سنة، أو مطلقًا.
قال السرخسي في "مبسوطه" (١): ثم ما يجده نوعان: أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به، إلَّا أن صاحبه إذا وجده في يده بعد ما جمعه كان له أن يأخذ منه, لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع
стр. 3946
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، عن الْمُغِيرَةِ أَبِي سَلَمَةَ،
===
به للواجد، ولم يكن تمليكًا من غيره، فإن التمليك من المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة، ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه، قال ﷺ : "من وجد عين ماله فهو أحق به".
وأما النوع الثاني فهو ما يعلم أن صاحبه يطلبه، فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرِّفه ليوصله إلى صاحبه، انتهى ملخصًا.
قلت: فالعصا والسوط والحبل إن كان بحيث تدخل في الأشياء التافهة التي لا يطلبها المالك فحكمها أنه لا يجب تعريفها، ويجوز الانتفاع بها للملتقط، وإن كان من النوع الثاني فلا يجوز الانتفاع بها، ويجب تعريفها على حسب قيمتها.
(قال أبو داود: رواه النعمان بن عبد السلام) (١) بن حبيب التيمي، أبو المنذر الأصبهاني، أصله من نيسابور، ثم صار إلى البصرة فتفقه، وكان ممن ينتحل السنة، وينتحل مذهب الثوري في الفقه، وكان أبوه يتبع السلطان، وخلَّف ضيعة فتركها النعمان، ولم يأخذها، له ذكر في اللقطة من "سنن أبي داود"، كان أحد العباد الزهاد الفقهاء، وقال الحاكم في "المستدرك": ثقة مأمون.
(عن المغيرة أبي سلمة) هو المغيرة بن مسلم القَسْمَلِي بقاف وميم مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة، أبو سلمة السرّاج بتشديد الراء، وُلِدَ بمرو، وسكن المدائن، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وعن ابن معين: صالح، وقال الغلابي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). قلت: وقال
стр. 3947
بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ شَبَابَةُ، عن مُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: "كَانُوا"، لَمْ يَذْكُرُوا النَّبِيَّ ﷺ .
١٧١٨ - حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, أَحْسَبُهُ
===
العجلي: ثقة. (بإسناده) أي بإسناد المغيرة عن أبي الزبير المكي.
(ورواه شبابة، عن مغيرة بن مسلم) وهو المغيرة أبو سلمة المتقدم، (عن أبي الزبير، عن جابر، قال) شبابة: (كانوا) أي المشايخ (لم يذكروا النبيَّ ﷺ ) بل يذكرونه موقوفًا على جابر بن عبد الله.
وغرض المصنف بيان الاختلاف في سند هذا الحديث بأن محمد بن شعيب رواه عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، ورواه النعمان بن عبد السلام فخالف محمدَ بنَ شعيب، فروى عن المغيرة أبي سلمة في موضع مغيرة بن زياد، فروى عنه عن أبي الزبير، عن جابر، والظاهر أنه مرفوع أيضًا فوافق محمدَ بنَ شعيب في الرفع، ورواه شبابة عن مغيرة بن مسلم، ووافق النعمانَ بنَ عبد السلام في شيخه، فقال: عن مغيرة بن مسلم وهو المغيرة أبو سلمة، وخالفهما في الرفع وجعله موقوفًا على جابر، وقال: كانوا لم يذكروا النبي ﷺ .
١٧١٨ - (حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عمرو بن مسلم) الجندي بفتح الجيم والنون، اليماني، قال أحمد: ضعيف، وقال مرة: ليس بذاك، وعن ابن معين: لا بأس به، وعنه: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس له حديث منكر جدًّا، وقال الساجي: صدوق يهم، وقال ابن خراش وابن حزم: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عكرمة، أحسبه) أي قال عمرو بن مسلم: أحسب عكرمة قال:
стр. 3948
عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "ضَالَّةُ الإِبِلِ الْمَكْتُومَةُ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا". [ق ٦/ ١٩١، عب ١٠/ ١٢٩]
١٧١٩ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى عَمْرٌو, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِىِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ"
===
(عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ضالة الإبل) أي حكم ضالة الإبل (المكتومةُ) إذا أخذها الملتقط فكتمها ولم يعرِّفها (غرامتُها) أي ضمان قميتها (ومثلُها معها) قد تقدم قَبْلُ أن هذا القول كان على سبيل التغليظ، أو كان في أول الإِسلام ثم نسخ.
١٧١٩ - (حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وأحمد بن صالح قالا: نا ابن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث كما في رواية أحمد (١)، (عن بكير) ابن الأشج، (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة اللخمي، أبو محمد، ويقال: أبو بكر المدني، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، وقال النسائي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبد الرحمن بن عثمان) بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (التيمي) أسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب، ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قتل مع عبد الله بن الزبير بمكة، ودفن بالحزورة، فلما وسع المسجد دخل قبره في المسجد الحرام.
(أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج)، قال الشوكاني (٢): قد استشكل
стр. 3949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تخصيص لقطة الحاج بمثل هذا مع أن التعريف لا بد منه في كل لقطة من غير فرق بين لقطة الحاج وغيره. وأجيب عن هذا الإشكال: بأن المعنى أن لقطة الحاج (١) لا تحل إلا لمن يريد التعريفَ فقط من دون تملكٍ، فأما من أراد أن يعرِّفَها ثم يتملكها فلا، وقد ذهب الجمهور إلى أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة.
قال في "الفتح" (٢): وإنما اختصت بذلك لإمكان إرسالها إلى أربابها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من واردٍ إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها.
قال ابن بطال: وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة (٣) بالمبالغة في التعريف, لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف.
وقال الشوكاني: هذا النهي تأوله الجمهور: بأن المراد منه النهي عن التقاط ذلك للملك، وأما للإنشاد بها فلا بأس، ويدل على ذلك قولُه في الحديث الآخر: "ولا تحل لقطتها إلَّا لمعرِّف"، وفي لفظ آخر: "ولا تحل ساقطتُها إلا لمنشِدٍ"، انتهى.
وقال في "البدائع" (٤): وكل جواب عرفته في لقطة الحل فهو الجواب
стр. 3950
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي في لُقَطَةِ الْحَاجِّ يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا. [م ١٧٢٤، حم ٣/ ٤٩٩]
قَالَ ابْنُ مَوْهِبٍ: عَنْ عَمْرٍو.
١٧٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَبِى حَيَّانَ
===
في لقطة الحرم، يصنع بها ما يصنع بلقطة الحل من التعريف وغيره، وهذا عندنا، وعند الشافعي ﵀: لقطة الحرم تُعَرَّف أبدًا، ولا يجوز الانتفاع بها بحال، واحتج بما روي عن النبي ﵊ أنه قال في صفة مكة: "ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد" أي لمعرِّفٍ، فالمنشد المعرِّف، والناشد الطالب وهو المالك، ومعنى الحديث: أنه لا تحل لقطة الحرم إلَّا للتعريف.
ولنا ما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين لقطة الحل والحرم، ولا حجة له في الحديث؛ لأنا نقول بموجبه أنه لا يحل التقاطها إلا للتعريف، وهذا حال كل لقطة، إلَّا أنه خص ﵊ لقطة الحرم بذلك لما لا يوجَد صاحِبُها عادة، فتبين أن ذا لا يسقط التعريف، انتهى.
(قال أحمد) بن صالح: (قال ابن وهب: يعني في لقطة الحاج يتركها) أي اللقطة لملتقطها (حتى يجدها صاحبها) فزاد أحمد عن ابن وهب هذا القول من قوله: "يتركها" إلى قوله: "صاحبها".
(قال ابن موهب) أي يزيد بن خالد: (عن عمرو)، حاصله أن للمصنف في هذا الحديث شيخين: يزيد بن خالد، وأحمد بن صالح؛ فأحمد بن صالح قال: أخبرني عمرو، وأما يزيد بن خالد فقال: عن عمرو.
١٧٢٥ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، (عن ابن أبي حيان) هكذا في المجتبائية والكانفورية والقادرية ونسخة صاحب "العون" (١). وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية والمصرية واللكهنوية ففيها: عن أبي حيان، وهو الصواب، فإن الحافظ لم يذكر
стр. 3951
التَّيْمِىِّ, عَن الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ,
===
في "تهذيب التهذيب" في شيوخ خالدٍ الطحان الواسطيِّ ابنَ أبي حيان، بل ذكر أبا حيان، وأخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في "مسنده" (١) فقال: ثنا أبو حيان (التيمي)، ولم أجد ابن أبي حيان في "التقريب"، ولا في "تهذيب التهذيب"، فالظاهر أن لفظ "ابن" خطأ في هذه النسخ.
(عن المنذر بن جرير) وفي رواية "مسند أحمد": عن الضحاك بن المنذر، عن المنذر بن جرير، فزاد فيه: الضحاك بن المنذر، والمنذر بن جرير هذا هو منذر بن جرير بن عبد الله البجلي، الكوفي، روى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عمير، وعون بن أبي جحيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحاك بن المنذر، وأبو حيان التيمي على خلاف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢).
(قال: كنت مع جرير بالبوازيج) بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف زاي معجمة، بعدها تحتية، ثم جيم، كذا ضبطه البكري في "معجم البلدان".
ثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، قال: ولا أعلم هذا الاسم ورد إلا في هذا الحديث، وصوابه عندي: "الموازج" بالميم، وهو المحفوظ، قال: والموازج من ديار هذيل، وهي متصلة بنواحي المدينة.
وقال ابن السمعاني: بوازيج بالباء الموحدة، وبعد الألف زاي: بلدة قديمة فوق بغداد، خرج منها جماعة من العلماء قديمًا وحديثًا، وقال المنذري: بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبد الله، وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التي بين تكريت وأربل، كذا قال الشوكاني (٣).
وفي "القاموس": والبوازيج بلدة قرب التكريت فتحها جرير البجلي، منه منصور بن الحسن البجلي ومحمد بن عبد الكريم البوازيجيان. وفي "معجم
стр. 3952
فَجَاءَ الرَّاعِى بِالْبَقَرِ, وَفِيهَا بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مِنْهَا, فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ لَا نَدْرِى لِمَنْ هِىَ, فَقَالَ جَرِيرٌ: أَخْرِجُوهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَأْوِى الضَّالَّةَ إِلَاّ ضَالٌّ». [جه ٢٥٠٣، حم ٤/ ٣٦٠، ق ٦/ ١٩٠]
آخِر كتَاب الزَّكَاةِ
===
البلدان" (١) لياقوت الحموي: البوازيج بعد الزاي ياء ساكنة وجيم: بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصبُّ في دجلة، ويقال لها: بوازيج الملك، لها ذكر في الأخبار والفتوح، وهي الآن من أعمال الموصل، ينسب إليها جماعة من العلماء، وبوازيج الأنبار موضع آخر، قال أحمد بن يحيى بن جابر: فتح عبد الله بوازيج الأنبار، وبها قوم من مواليه إلى الآن.
(فجاء الراعي) أي راعى جرير (بالبقر) أي قطيع البقر، (وفيها بقرة ليست منها) والواو للحال أي ليست من تلك القطيع (فقال له) أي للراعي (جرير: ما هذه؟ ) أي ما لهذه البقرة دخلت في القطيع مع أنها ليست لنا (قال) الراعي: (لَحِقَتْ بالبقر لا ندري لمن هي، فقال جرير: أخرجوها) (٢) أي من قطيع (٣)، (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يأوي الضالةَ) أي لا يضمُّ ولا يجمعها من غير تحريف (إلَّا ضالٌّ) أي عن الهدى، والضالة من الحيوان ما ضل وغاب عن مالكه.
آخِر كتَاب الزَّكَاةِ وفي نسخة على الحاشية: آخر كتاب اللقطة
стр. 3953
تم بحمد الله وتوفيقه المجلد السادس ويليه إن شاء الله المجلد السابع وأوله: "كتاب المناسك"
وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا
стр. 3954
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد
تأليف
الإِمَام الْمُحدِّثِ الْكَبِيرِ الشَّيْخ خَلِيل أَحْمَدَ السَّهَارنفوري
(ولد سنة ١٢٦٩ هـ - وَتُوفِّي سنة ١٣٤٦ هـ)
مَعَ تعليقات
الإِمَامِ الْمُحدِّثِ الشَّيْخ مُحَمَّد زَكَرِيَّا الْكَاندهلَوِي الْمَدَنِي
(توفّي سنة ١٤٠٢ هـ)
اعتني بِهِ وَعلَّق عَلَيْهِ
الْأُسْتَاذ الدكتور تَقِيّ الدّين النَّدْوِي
الْجُزْء السَّابع
طبع هَذَا الْكتاب عَليّ نَفَقَة سمو الشَّيْخ سُلْطَان بن زايد آل نهيان
نَائِب رَئِيس مجْلِس الوزراء لدولة الإمارات الْعَرَبيَّة المتحدة
стр. 3955
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3956
بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٧)
стр. 3957
الطَّبعَة الأولى
مُحقّقَة وَمُنَقّحَة
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق
مَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies
MOZAFFARPUR, AZAMGARH, U.P - INDIA
الْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١
الْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae
стр. 3958
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٥) أَوَّلُ كتَابِ الْمَنَاسِكِ
(١) باب فرض الحجِّ
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٥) (أوَّلُ كِتابِ المناسكِ)
جمع المنسك بفتح السين وكسرها، وقرئ بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (١)، وهو مصدر ميمي من: نسك ينسك: إذا تعبد، ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك، وقال الطيبي (٢): النسك العبادة، االناسك العابد، اختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها، والنسيكة مخصوصة بالذبيحة.
(١) (بابُ فَرْضِ الْحَجِّ) (٣)
اختلفوا في فرضية الحج. قيل: وجب قبل الهجرة، وقيل: بعدها، حتى يحصل أحد عشر قولًا، قال ابن الأثير: كان النبي ﷺ يحج كل سنة قبل
стр. 3959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أن يهاجر. وقال ابن الجوزي: حج حججًا لا يعلم عددها، وأخرج الحاكم بسند صحيح عن الثوري: أنه ﵊ حج قبل أن يهاجر حججًا، وأما ما روى الترمذي عن جابر: "أن النبي ﷺ حج قبل أن يهاجر حجتين". وفي رواية لابن ماجه والحاكم: "ثلاثًا"، فمبني على علمه، ولا ينافي إثبات زيادة غيره، ثم حج رسول الله ﷺ بعد الهجرة سنة عشر، وهي حجة الوداع، وقد حج بالناس سنة ثمان - وهي عام الفتح - عتّاب بن أسيد، وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة.
وقال ابن الهمام: فرضية الحج كانت سنة تسع، أو سنة خمس، أو سنة ست، وتأخيره ﵊ ليس يتحقق فيه تعريض الفوات؛ لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويُعَلِّم الناس مناسكهم تكميلًا للتبليغ، والأظهر أنه ﵇ أخّره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة، وأما تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء، وأما تأخيره عن سنة تسع فلما ذكرنا في رسالة مسماة بـ "التحقيق في موقف الصديق"، هذا ملخص ما في شرح علي القاري (١) مع التقديم والتأخير.
وأصل الحج في اللغة: القصد، قال في "لسان العرب": الحج: القصد، حج إلينا فلان أي قَدِمَ، وحجه يحجه حجًّا: قصده، وحججت فلانًا واعتمدته أي: قصدته، ورجل محجوج أي: مقصود، وقد حج بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلافَ إليه، قال المخبل السعدي:
وأشهد من عوف حلولًا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا
أي: يقصدونه ويزورونه، قال ابن السكيت: يقول: يكثرون الاختلاف إليه، هذا الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك والحج إلى البيت خاصة، انتهى.
стр. 3960
١٧٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ أَبِى سِنَانٍ,
===
وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، نقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه، ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلَّا لعارض كالنذر، واختلف هل هو على الفور أو التراخي، انتهى ما قاله الحافظ في "الفتح" (١).
قال القاري (٢): ثم اختلف في أن الحج كان واجبًا على الأمم قبلنا أم وجوبه مختص بنا لكمالنا؟ والأظهر الثاني، واختار ابن حجر الأولَ، واستدل بقوله: "ما من نبي إلَّا وحج البيت"، فهو من الشرائع القديمة.
وجاء أن آدم ﵊ حج أربعين سنة من الهند ماشيًا، وأن جبرئيل قال له: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بالكعبة سبعة آلاف سنة، وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه، وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يلزم من كونه مشروعًا أن يكون واجبا، مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا، ولا يبعد أن يكون واجبًا على الأنبياء دون أممهم، فيكون هذا من خصوصيات الأنبياء وأتباع سيد الأصفياء، كما حقق في "باب الوضوء"، انتهى.
١٧٢١ - (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين) ثقة في غير الزهري باتفاقهم، (عن الزهري، عن أبي سنان) بكسر سين مهملة، وخفة نون: يزيد بن أمية الدؤلي، المدني، والد سنان، ويقال: اسمه ربيعة، قال أبو زرعة: