← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

بَذْلُ المَجهُودِ فِي حَلِّ سُنَنِ أبي دَاوُد (٧)

стр. 3957

الطَّبعَة الأولى مُحقّقَة وَمُنَقّحَة ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمحَقّق مَرْكَز الشَّيْخ أبي الْحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية مظفر فَور، أعظم جراه، يوبي - الْهِنْد SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER For Research & Islamic Studies MOZAFFARPUR, AZAMGARH, U.P - INDIA الْهَاتِف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤/ ٠٠٩١ - ٥٤٦٢٢٧٠٦٣٨/ ٠٠٩١ الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦/ ٠٠٩١ متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥/ ٠٠٩١ الْبَرِيد الإلكتروني: nadvi@emirates.net.ae

стр. 3958

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (٥) أَوَّلُ كتَابِ الْمَنَاسِكِ (١) باب فرض الحجِّ === بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (٥) (أوَّلُ كِتابِ المناسكِ) جمع المنسك بفتح السين وكسرها، وقرئ بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (١)، وهو مصدر ميمي من: نسك ينسك: إذا تعبد، ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك، وقال الطيبي (٢): النسك العبادة، االناسك العابد، اختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها، والنسيكة مخصوصة بالذبيحة. (١) (بابُ فَرْضِ الْحَجِّ) (٣) اختلفوا في فرضية الحج. قيل: وجب قبل الهجرة، وقيل: بعدها، حتى يحصل أحد عشر قولًا، قال ابن الأثير: كان النبي ﷺ يحج كل سنة قبل

стр. 3959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أن يهاجر. وقال ابن الجوزي: حج حججًا لا يعلم عددها، وأخرج الحاكم بسند صحيح عن الثوري: أنه ﵊ حج قبل أن يهاجر حججًا، وأما ما روى الترمذي عن جابر: "أن النبي ﷺ حج قبل أن يهاجر حجتين". وفي رواية لابن ماجه والحاكم: "ثلاثًا"، فمبني على علمه، ولا ينافي إثبات زيادة غيره، ثم حج رسول الله ﷺ بعد الهجرة سنة عشر، وهي حجة الوداع، وقد حج بالناس سنة ثمان - وهي عام الفتح - عتّاب بن أسيد، وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة. وقال ابن الهمام: فرضية الحج كانت سنة تسع، أو سنة خمس، أو سنة ست، وتأخيره ﵊ ليس يتحقق فيه تعريض الفوات؛ لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويُعَلِّم الناس مناسكهم تكميلًا للتبليغ، والأظهر أنه ﵇ أخّره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة، وأما تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء، وأما تأخيره عن سنة تسع فلما ذكرنا في رسالة مسماة بـ "التحقيق في موقف الصديق"، هذا ملخص ما في شرح علي القاري (١) مع التقديم والتأخير. وأصل الحج في اللغة: القصد، قال في "لسان العرب": الحج: القصد، حج إلينا فلان أي قَدِمَ، وحجه يحجه حجًّا: قصده، وحججت فلانًا واعتمدته أي: قصدته، ورجل محجوج أي: مقصود، وقد حج بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلافَ إليه، قال المخبل السعدي: وأشهد من عوف حلولًا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا أي: يقصدونه ويزورونه، قال ابن السكيت: يقول: يكثرون الاختلاف إليه، هذا الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك والحج إلى البيت خاصة، انتهى.

стр. 3960

١٧٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ أَبِى سِنَانٍ, === وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، نقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه، ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلَّا لعارض كالنذر، واختلف هل هو على الفور أو التراخي، انتهى ما قاله الحافظ في "الفتح" (١). قال القاري (٢): ثم اختلف في أن الحج كان واجبًا على الأمم قبلنا أم وجوبه مختص بنا لكمالنا؟ والأظهر الثاني، واختار ابن حجر الأولَ، واستدل بقوله: "ما من نبي إلَّا وحج البيت"، فهو من الشرائع القديمة. وجاء أن آدم ﵊ حج أربعين سنة من الهند ماشيًا، وأن جبرئيل قال له: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بالكعبة سبعة آلاف سنة، وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه، وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يلزم من كونه مشروعًا أن يكون واجبا، مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا، ولا يبعد أن يكون واجبًا على الأنبياء دون أممهم، فيكون هذا من خصوصيات الأنبياء وأتباع سيد الأصفياء، كما حقق في "باب الوضوء"، انتهى. ١٧٢١ - (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، المعنى) أي معنى حديثهما واحد، (قالا: نا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين) ثقة في غير الزهري باتفاقهم، (عن الزهري، عن أبي سنان) بكسر سين مهملة، وخفة نون: يزيد بن أمية الدؤلي، المدني، والد سنان، ويقال: اسمه ربيعة، قال أبو زرعة:

стр. 3961

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, الْحَجُّ فِى كُلِّ سَنَةٍ (١) أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: «بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً, فَمَنْ (٢) زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (٣). [ن ٢٦٢٠، جه ٢٨٨٦، حم ١/ ٢٥٥، دي ١٧٨٨] === ثقة، وقال أبو حاتم: وُلدَ زمنَ أحدٍ، له في السنن حديثه عن ابن عباس في الحج. (عن ابن عباس: أن الأقرع بن حابس) التميمي، المجاشعي، الدارمي، وقد على النبي ﷺ ، وشهد فتحَ مكة، وحنينًا، والطائف، وهو من المؤلَّفة قلوبهم، وكان حكمًا في الجاهلية، وإنما قيل له: الأقرع لقرع كان برأسه، وكان اسمه فراس، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سَيَّره على خراسان، فأصيب بالجوزجان هو والجيش، وقيل: قتل باليرموك في عشرة من بنيه. (سأل النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أيجب الحج في كل سنة (أو مرة واحدة؟ ) أي: أَو يجب مرة واحدة في العمر؟ (قال) رسول الله ﷺ : (بل مرة (٤) واحدة) في العمر (٥)، (فمن زاد فهو) أي الزائد (٦) (تطوع).

стр. 3962

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ أَبُو سِنَانٍ الدُّؤَلِىُّ, كَذَا قَالَ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ, وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ, وَقَالَ عُقَيْلٌ: سِنَانٍ. ١٧٢٢ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنِ ابْنٍ لأَبِى (١) وَاقِدٍ اللَّيْثِىِّ, === (قال أبو داود: هو أبو سنان الدؤلي، كذا قال عبد الجليل بن حميد) (٢) اليحصبي، أبو مالك المصري، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد بن رشدين عن أحمد بن صالح: ثقة. (وسليمانُ بن كثير (٣) جميعًا عن الزهري) كما قال سفيان بن حسين عنه بلفظ: أبي سنان. (وقال عقيل: سنان) أي خالفهم، وقال بترك لفظ: أبي. ١٧٢٢ - (حدثنا النفيلي، نا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن ابنٍ لأبي واقد الليثي) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي مبهمًا. وفي حاشية النسخة المجتبائية: ابن أبي واقد الليثي، بإضافة "ابن" إلى "أبي واقد" معينًا لأنه كنيته، [وهو] واقد بن أبي واقد، كما ذكره الحافظ في "التقريب"، و"تهذيب التهذيب"، ويوافقه ما في "مسند الإِمام أحمد" (٤) من طريق سعيد بن منصور: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه، وفي أخرى له من طريق محمد بن النوشجان، وهو أبو جعفر السويدي، ثنا الدراوردي، حدثني زيد بن أسلم، عن ابن أبي واقد الليثي، عن أبيه أن النبي ﷺ مع قال لأزواجه، الحديث. قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": واقد بن أبي واقد الليثي أن النبي ﷺ قال لنسائه في حجته: "هذه ثم ظهور الحصر"، وعنه زيد بن أَسلم.

стр. 3963

عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ يَقُولُ لأَزْوَاجِهِ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «هَذِهِ, ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ». [حم ٥/ ٢١٨، ق ٤/ ٣٢٧] === قلت: لم يسم في رواية أبي داود، وسمي في رواية سعيد بن منصور للحديث الذي أخرجه أبو داود بعينه، وكذا سماه البخاري في "تاريخه"، وقال ابن القطان: لا يُعْرَفُ حاله، كذا قال، وذكره ابن منده في "الصحابة"، وكناه أبا مراوح، وقال: قال أبو داود: له صحبة. (عن أبيه) هو أبو واقد الليثي مختلف في اسمه، قيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، كان حليف بني أسيد، قال البخاري، وابن حبان، والباوردي، وأبو أحمد الحاكم: شهد بدرًا، وقال أبو عمر: قيل: شهد بدرًا ولا يثبت. (قال: سمعت (٢) رسول الله ﷺ يقول لأزواجه في حجة الوداع: هذه) أي الحجة التي حججتن معي (ثم ظهور) جمع ظهر (الحصر) جمع حصير، أي: تقعدن على ظهور الحصر، وهذا يحتمل معنيين: أولهما: أنه لا يجب عليكن الحج بعد ذلك؛ لأن ما وجب عليكن فقد أديتن، وثانيهما: أنه يجب عليكن أن لا تخرجن من بيوتكن للحج بعد هذه الحجة. وقد اختلفت أزواج النبي ﷺ في ذلك، فكن يحججن إلَّا سودة وزينب فقالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ ، وقد حملت الحديث عائشة ومعها أحباتها على المعنى الأول بأن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها بقوله ﷺ : "لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة"، وقد أخرج البخاري (٣) من حديث حبيب بن أبي عمرة، قال: حدثتنا عائشة بنت أبي طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قلت:

стр. 3964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === يا رسول الله! ألا نغزو أو نجاهد معكم؟ فقال: "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور"، قالت عائشة ﵂: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ . ففهمت عائشة ﵂ ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وَخَصَّ به عموم قوله ﷺ : "هذه ثم ظهور الحصر". قال ابن بطال (١): زعم بعض من ينقص عائشة ﵂ في قصة الجمل: أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢) يقتضي تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث أي قوله ﷺ : "لكن أفضل الجهاد الحج" يردّ عليهم؛ لأنه يدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه. وكأن عمر ﵁ متوقفًا في ذلك، ثم ظهر له قوة دليلها، فأذن لهن في آخر خلافته، وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضًا. وقد أخرج البخاري في "صحيحه" (٣) عن إبراهيم، عن أبيه، عن جده: "أَذِنَ عمر ﵁ لأزواج النبي ﷺ في آخر حجةٍ حجَّها، فبعث معهن عثمان بن عفان ﵁". قال الحافظ (٤): وكان عثمان ينادي: ألَّا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن وهن في الهوادج، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب. وقال البيهقي (٥) بعد تخريج حديث إذن عمر في حجِّهن، وحديث أبي واقد هذا: قال الشيخ: في حج عائشة ﵂ وغيرها من أمهات المؤمنين

стр. 3965

(٢) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ١٧٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا». [خ ١٠٨٨، م ١٣٣٩، ت ١١٧٠، جه ٢٨٩٩، حم ٢/ ٣٤٠، ق ٣/ ١٣٩] === ﵅ بعد رسول الله ﷺ دلالة على أن المراد بهذا الخبر وجوب الحج عليهن مرة واحدة كما بين وجوبه على الرجال مرة لا المنع من الزيادة عليه، والله أعلم، انتهى. قال الحافظ (١): وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب. (٢) (بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغيرِ مَحْرَمٍ) ١٧٢٣ - (حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه) أبى سعيد (أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل لامرأةٍ مسلمةٍ تسافر (٢) مسيرةَ ليلة إلَّا ومعها رجل ذو حرمة منها)، والمراد بذي الحرمة منها محرمها، وهو الذي حرم نكاحها عليه بالتأبيد. قال الحافظ (٣): وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أختُ الزوجة وعمتها، وبالمباح أمُّ الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها الملاعنةُ، واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال: لا يكون محرمًا لها, لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها.

стр. 3966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والأحاديث التي وردت في النهي عن سفر المرأة للحج وغيره إلَّا بمحرم أو زوج اختلفت في مسافة السفر، ففي بعضها: مسيرة ليلة (١)، وفي بعضها: مسيره يوم (٢)، ودي بعصها: مسيره يوم وليلة (٣)، وفي رواية: مسيره يومين أو ليلتين (٤)، وفي رواية: مسيرة ثلاثة أيام (٥). وفي رواية لأبي داود (٦): بريدًا. وقال الشوكاني (٧): قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني (٨) ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذي محرم"، انتهى. قال الشوكاني (٩): اختلفوا: هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا، كالنسوة الثقات؟ فقيل: يجوز لضعف التهمة، وقيل: لا يجوز، بل لا بد من المحرم، انتهى. قال في "البدائع" (١٠) في شرائط فرضية الحج: فأما الذي يخص النساء فشرطان: أحدهما: أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج، وهذا عندنا.

стр. 3967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وعند الشافعي (١) ﵀: هذا ليس بشرط ويلزمها الحج، والخروج من غير زوج ولا محرم إذا كان معها نساء في الرفقة ثقات، واحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، وخطاب الناس يتناول الذكور والإناث بلا خلاف، فإذا كان لها زاد وراحلة كانت مستطيعة، وإذا كان معها نساء ثقات يؤمن الفساد عليها فيلزمها فرض الحج. ولنا ما روي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا لا تَحُجَّنَّ امرأة إلَّا ومعها محرم". وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم أو زوج". ولأنها إذا لم يكن معها زوج ولا محرم لا يؤمن عليها، إذ النساء لَحْمٌ على وَضَمٍ إلَّا ما ذب عنه. ولهذا لا يجوز لها الخروج وحدها، والخوف عند اجتماعهن أكثر، ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية وإن كان معها امرأة أخرى. والآية لا تتناول النساء حال عدم الزوج والمحرم معها؛ لأن المرأة لا تقدر على الركوب والنزول بنفسها، فتحتاج إلى من يركبها وينزلها، ولا يجوز ذلك لغير الزوج والمحرم فلم تكن مستطيعة في هذه الحالة فلا يتناولها النص، انتهى.

стр. 3968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الشوكاني (١): قال في "الفتح" (٢): وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات. قال النووي (٣): ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن التين (٤): وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين. وقال المنذري: يحتمل أن يقال: إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، فمن أطلق "يوما" أراد بليلته، أو "ليلة" أراد بيومها، قال: ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلًا لأوائل الأعداد، فاليوم: أول العدد، والاثنان: أول التكثير، والثلاث: أول الجمع، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد من ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد. وقد ورد من حديث ابن عباس عند الطبراني ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلَّا مع زوج أو ذي محرم"، وهذا هو الظاهر، عن (٥) الأخذ بأقل ما ورد, لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث، واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه؛ لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر، وغاية الأمران النهي عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهي عنه، والنهي عن الأقل منطوق، وهو أرجح من المفهوم. وقالت الحنفية: إن المنع مقيد بالثلاث؛ لأنه متحقق، وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر، فينبغي

стр. 3969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأخذُ بها وطرحُ ما سواها؛ فإنه مشكوك فيه، والأولى أن يقال: إن الرواية المطلقة مقيدة بأقل ما ورد، وهي رواية ثلاثة الأميال إن صحت، وإلَّا فرواية البريد. وقال سفيان: يعتبر المحرم في المسافهّ البعيدة لا القريبة. وقال أحمد: لا يجب الحج على المرأة إذا لم تجد محرمًا، وإلى كون المحرم شرطًا في الحج ذهب العترة، وأبو حنيفة، والنخعي، وإسحاق، والشافعي- في أحد قوليه - على خلاف بينهم، هل هو شرط أداء أو شرط وجوب؟ وقال مالك -وهو مروي عن أحمد-: إنه لا يعتبر المحوم في سفر الفريضة، انتهى. قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١): اتفقت هذه الآثار كلها عن النبي ﷺ في تحريم السفر ثلاثة أيام على المرأة بغير ذي محرم، واختلفت فيما دون الثلاث، فنظرنا في ذلك، فوجدنا النهيَ عن السفر بلا محرم مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا ثابتًا بهذه الآثار كلها، وكان توقيته ثلاثة أيام في ذلك إباحة السفر دون الثلاث لها بغير محرم، ولولا ذلك لما كان لذكره الثلاثَ معنى، ونهى نهيًا مطلقًا ولم يتكلم بكلام يكون فصلًا، ولكنه ذكر الثلاث ليعلم أن ما دونها بخلافها، وهكذا الحكيم يتكلم بما يدل على غيره، ليغنيه عن ذكر ما يدل كلامه ذلك عليه، ولا يتكلم بالكلام الذي لا يدل على غيره، وهو يقدر أن يتكلم بكلام يدل على غيره، وهذا تفضل من الله تعالى لنبيه ﷺ بذلك، إذ آتاه جوامع الكلم الذي ليس في طبع غيره القوة عليه. ثم رجحنا إلى ما كنا فيه، فلما ذكر الثلاث وثبت بذكره إياها إباحة ما هو دونها، ثم ما روي عنه ما في معها (٢) من السفر دون الثلاث من اليوم واليومين، والبريد، فكل واحد من تلك الآثار ومن الأثر المروي في الثلاث

стр. 3970

١٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالنُّفَيْلِىُّ, عَنْ مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنِى مَالِكٌ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ === متى كان بعد الذي خالفه نسخه، إن كان النهي عن سفر اليوم بلا محرم بعد النهي عن سفر الثلاث بلا محرم فهو ناسخ له، وإن كان خبر الثلاث هو المتأخر عنه فهو ناسخ له. فقد ثبت أن أحد المعاني التي دون الثلاث ناسخة للثلاث، أو الثلاث ناسخة لها، فلم يخل خبر الثلاث من أحد وجهين: إما أن يكون هو المتقدم، أو يكون هو المتأخر. فإن كان هو المتقدم فقد أباح السفر أقل من ثلاث بلا محرم، ثم جاء بعده النهي عن سفر ما هو دون الثلاث بغير محرم، فحرم ما حرم الحديث الأول، وزاد عليه حرمة أخرى، وهو ما بينه وبين الثلاث، فوجب استعمال الثلاث على ما أوجبه الأثر المذكور فيه. وإن كان هو المتأخر، وغيره المتقدم فهو ناسخ لما تقدمه، والذي تقدمه غير واجب العمل به، فحديث الثلاث واجب استعماله على الأحوال [كلها]، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا يجب إن كان هو المتقدم. فالذي قد وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما قد يجب استعمالُه في حال وتركُه في حال. وفي ثبوت ما ذكرنا دليل على أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين الحج مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فإذا عدمت المحرم وكان بينها وبين مكة المسافة التي ذكرنا، فهي غير واجدة للسبيل الذي يجب عليها الحج بوجوده، انتهى. ١٧٢٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة والنفيلي، عن مالك، ح: وحدثنا الحسن بن علي، نا بشر بن عمر، حدثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد،

стр. 3971

- قَالَ الْحَسَنُ فِى حَدِيثِهِ: عَنْ أَبِيهِ, ثُمَّ اتَّفَقُوا: - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْما وَلَيْلَةً». فَذَكَرَ (١) مَعْنَاهُ. [حم ٢/ ٢٣٦، خزيمة ٢٥٢٣، وانظر سابقه] قال النفيلي: حدثنا مالكٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرِ النُّفَيْلِىُّ وَالْقَعْنَبِىُّ: عَنْ أَبِيهِ, رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, عَنْ مَالِكٍ كَمَا قَالَ الْقَعْنَبِىُّ. === قال الحسن) بن علي شيخ المصنف (في حديثه: عن أبيه)، ولم يذكره عبد الله بن مسلمة والنفيلي (ثم اتفقوا) أي الثلاثة فقالوا: (عن أبي هريرة). فرواية عبد الله بن مسلمة والنفيلي عن مالك، عن سعيد، عن أبي هريرة من غير واسطة "أبيه"، ورواية بشر عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة بزيادة واسطة "أبيه" بين سعيد وأبي هريرة، وكلا الطريقين صحيحان؛ لأن لسعيد ولأبيه رواية عن أبي هريرة، فلعل سعيدًا روى هذا الحديث أولًا عن أبيه، عن أبي هريرة، ثم حصل له الرواية بعد ذلك عن أبي هريرة من غير واسطة. (عن النبي ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة، فذكر) مالك (معناه) أي معنى الحديث المتقدم حديث الليث. (قال النفيلي: حدثنا مالك)، وأما عبد الله بن مسلمة فقال: عن مالك. (قال أبو داود: لم يذكر النفيلي والفعنبي: عن أبيه) أي لفظ "عن أبيه" في السند، (رواه ابن وهب) (٢) وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد المصري، الفقيه (وعثمان بن عمر) بن فارس بن لقيط العبدي (عن مالك كما قال القعنبي) بترك لفظ: عن أبيه.

стр. 3972

١٧٢٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ سُهَيْلٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ (١) نَحْوَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «بَرِيدا». [خزيمة ٢٥٢٦, ك ١/ ٤٤٢] ١٧٢٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ, أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعًا حَدَّثَاهُمْ (٢) عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ, عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدا, إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا». [م ١٣٤٠, ت ١١٦٩, جه ٢٨٩٨, حم ٣/ ٥٤, دي ٢٦٧٨] ١٧٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ === ١٧٢٥ - حدثنا يوسف بن موسى، عن جرير، عن سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، وذكر) سهيل (نحوه) أي نحو حديث الليث ومالك (إلَّا أنه) أي سهيلًا (قال: بريدًا) والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فالبريد اثنا عشر ميلًا. ١٧٢٦ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهناد، أن أبا معاوية ووكيعًا حدثاهم عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام فصاعدًا، إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرم منها). ١٧٢٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ

стр. 3973

قَالَ: «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ (١) ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ». [خ ١٠٨٧، م ١٣٣٨، حم ٣/ ١٣] ١٧٢٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ, حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُرْدِفُ مَوْلَاةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: صَفِيَّةُ, تُسَافِرُ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ". (٣) بَابٌ: "لَا صَرُورَةَ " (٢) ١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ -, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ (٣)، === قال: لا تسافر المرأة ثلاثًا) أي ثلاثة أيام (إلَّا ومعها ذو محرم). ١٧٢٨ - (حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، نا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر كان يُرْدف مولاةً له) أي يركب خلفه على راحلته (يقال لها: صفيَّةُ، تسافر معه إلى مكة) أورد المصنف هذا الحديث ليدل على أن ما وقع في الأحاديث المتقدمة من ذكر المحرم والزوج فليس على سبيل التحديد، بل المراد: المحرم، أو الزوج ومن في معناهما، والمولى لمولاته كالزوج لزوجته، فيجوز سفرها معه كما يجوز سفر الزوجهْ مع الزوج. (٣) (بَابٌ: "لا صَرُوْرَةَ") في الإِسلام ١٧٢٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو خالد - يعني سليمان بن حيان الأحمر-، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء (٤)،

стр. 3974

عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَرُورَةَ فِى الإِسْلَامِ». [حم ١/ ٣١٢، ك ١/ ٤٤٨، ق ٥/ ١٦٤] === عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لا صرورة في الإِسلام) قال في "المجمع" (١): أبو عبيد: هو التبتل، وترك النكاح، أي: لا ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من خُلق المؤمنين، وهو فعل الرهبان، وهو أيضًا من لم يحج قط، من الصر: وهو الحبس والمنع، وقيل: أراد من قَتل في الحرم قُتل، ولا يقبل قوله: إني صرورة، ما حججت [ولا عرفت] حرمة الحرم، كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حديثًا فلجأ إلى الكعبة لم يُهجْ، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم قيل له: هو صرورة فلا تَهِجْه. ثم قال: أي: لا ينبغي أن يكون أحد لم يحج في الإِسلام وهو تشديد (٢)، انتهي. وقال في "لسان العرب": وفي الحديث: "لا صرورة في الإِسلام"، وقال اللحياني: رجل صرورة لا يقال إلَّا بالهاء، قال ابن جني: رجل صرورة وامرأة صرورة ليست الهاء لتأنيث الموصوف بما هي فيه، وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة.

стр. 3975

(٤) بَابُ التِّجَارَةِ (١) في الْحَجِّ ١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ - يَعْنِى أَبَا مَسْعُودٍ الرَّازِىَّ - وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِىُّ, وَهَذَا لَفْظُهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ, عَنْ (٢) === (٤) (بَابُ التِّجَارَةِ في الْحَجِّ) هل يجوز أم لا (٣)؟ في النسخة المكتوبة الأحمدية في متنها: باب التجارة، ثم زاد في حاشيتها: باب التزوُّد والتجارة، وهو الأوضح. وفي نسخة "العون" (٤) في هذا المحل: باب التزود في الحج، ثم عقد قبل الحديث الثاني: باب التجارة في الحج، ولم أره في نسخة. ومطابقة الحديث بباب التجارة في الحج ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀ قال: والأمر بالتزود لإطلاقه يجوز التزوّد كيفما كان، ومن أفراده أن يتزوّد قليلًا ويتّجر فيه فيبارك له فيه، وتبقى تجارته في ذهابه وإيابه وأيام إقامته بمكة وغيرها، وبهذا يظهر المطابقة بين الترجمة والرواية. ١٧٣٠ - (حدثنا أحمد بن الفرات - يعني: أبا مسعود الرازيَّ - ومحمدُ بن عبد الله المخرمي، وهذا لفظه) أي لفظ محمد بن عبد الله (قالا: نا شبابة، عن

стр. 3976

وَرْقَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانُوا يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ - أَوْ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) [خ ١٥٢٣] ١٧٣١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى, حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ, === ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال) ابن عباس: (كانوا يحجون) أي يخرجون للحج (ولا يتزوّدون) أي لا يأخذون الزاد معهم, (قال أبو مسعود) شيخ المصنف بسنده عن ابن عباس: (كان أهل اليمن أو) للشك من الراوي (ناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون) ولا يتوكلون إلَّا على الناس فيسألونهم (فأنزل الله : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٢). قال ابن جرير (٣) في تفسير هذه الآية: ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يحجون بغير زاد. وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد، واستأنف غيره من الأزودة، فأمر الله جل ثناؤه من لم يكن يتزوّد منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يتحفّظ بزاده فلا يرمي به. ثم ذكر الأخبار التي رويت في ذلك، ثم ذكر معنى الآية، قال: وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم؛ فإنه لا بر لله جل ثناؤه في ترككم التزودَ لأنفسكم، ومسأَلَتِكم الناسَ، ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم وحجكم، وفعلِ ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا. ١٧٣١ - (حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير، عن يزيد بن أبي زياد،

стр. 3977

عن مُجَاهِدٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "قَرَأَ هَذ الآيَةَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قَالَ: كَانُوا لَا يَتَّجِرُونَ بِمِنًى، فَأُمِرُوا بِالتِّجَارَةِ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ". (٥) بَابٌ ١٧٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ مِهْرَانَ أَبِى صَفْوَانَ, === عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال) مجاهد: (قرأ) أي ابن عباس: (هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، قال) ابن عباس: (كانوا) أي المؤمنون (لا يتجرون) قال في "لسان العرب": تجر يتجر تجرأ وتجارة: باع وشرى، وكذلك اتّجر وهو افتعل، وقد غلب على الخَمّار. (بمنى، فَأُمِرُوا بالتجارة إذا أفاضوا) أي إذا رجعوا (من عرفات). قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: إنها نزلت في قوم كانوا لا يرون أن يتجروا إذا أحرموا، يلتمسون البر بذلك، فأعلمهم جل ثناؤه أن لا بر في ذلك، وأن لهم التماس فضله بالبيع والشراء، أي في أيام الحج وفي مواسمه، قلت: وقد قرأ ابن عباس لفظ "مواسم الحج" في التنزيل. (٥) (بَابٌ)، خال عن الترجمة ١٧٣٢ - (حدثنا مسدد، نا أبو معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن الحسن بن عمرو) الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف، نسبهّ إلى فقيمٍ بطن من تميم، التميمي الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي. وقال ابن المديني: ثقة صدوق. وقال العجلي: كوفي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكمُ عن الدارقطني وأبو حاتم: لا بأس به. (عن مهران أبي صفوان) قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": حديثه

стр. 3978

عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ". [حم ١/ ٢٢٥، دي ١٧٨٤، ك ١/ ٤٤٨، ق ٤/ ٣٤٠] === في الكوفيين، وروى عن ابن عباس: "من أراد الحج فليتعجل"، وعنه الحسن بن عمرو الفقيمي، قال أبو زرعة: لا أعرفه إلَّا في هذا الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال الحاكم لما أخرج حديثه هذا في "المستدرك": لا يُعرَف بجرح. وقال في "الميزان" (١): لا يُدْرى من هو. (عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : من أراد) الحج (فليتعجل)؛ لأنه قد يعوقه عائق ويعرض له مانع فيفوته بذلك الحج، وهذا يدل على وجوبه على الفور، وقد أخرج الإِمام أحمد (٢) عن ابن عباس مرفوعًا قال: "تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له". وأخرى أيضًا عن ابن عباس عن الفضل أو عن أحدِهما عن الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة". رواه أحمد وابن ماجه (٣). وهذه الأحاديث تدل على أن وجوب الحج على الفور. قال الشوكاني (٤): وإلى القول بالفور، ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي، ومن أهل البيت: زيد بن علي، والهادي، والمؤيد بالله، والناصر. وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف (٥)، ومحمد، ومن أهل البيت: القاسم بن إبراهيم، وأبو طالب: إنه على التراخي، واحتجوا بأنه ﷺ حج سنة عشر، وفرض الحج كان سنة ست أو خمس.

стр. 3979

(٦) بَابُ الْكَرِيِّ ١٧٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، نَا الْعَلَاءُ بْنُ === وأجيب بأنه اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج، ومن جملة الأقوال: أنه فرض في سنة عشر فلا تأخير، ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة فتراخيه ﷺ إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك؛ لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهر الله البيتَ الحرامَ منهم حج ﷺ ؛ فتراخيه لعذر، ومحل النزاع: التراخي مع عدمه، انتهى. وقال في "البدائع" (١): واختلف في وجوبه على الفور والتراخي، ذكر الكرخي أنه على الفور حتى يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، وهي السنة الأولى، وذكر أبو سهل الزجاجي الخلافَ في المسألة بين أبي يوسف ومحمد، فقال في قول أبي يوسف يجب على الفور، وفي قول محمد على التراخي وهو قول الشافعي، وروي عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، وروي عنه مثل قول محمد. قلت: ولا مناسبة لهذا الباب بالباب السابق إلَّا أن حديثه له مناسبة بكتاب الحج فهو باب من أبوابه. (٦) (بَابُ الْكَرِيِّ) قال في "القاموس": وكَغَنِيّ: المُكَارِي، والكِرْوَة والكِراء بكسرهما: أجرة المستأْجَرِ، كاراه مكاراة وكِراء، واكتراه، وأكراني دابتَه، والاسم الكَرْوَة والكَرْو، ويضم، وجمع المُكاري: أكرياء ومكارون، انتهى. وفي "المجمع": الكريّ بوزن الصبيّ: من يكري دابته، وقد يقع على المكتري فعيل بمعنى مفعول (٢). ١٧٣٣ - (حدثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، نا العلاء بن

стр. 3980

الْمُسَيَّبِ, حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ التَّيْمِىُّ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلًا أُكْرِى فِى هَذَا الْوَجْهِ, وَكَانَ (١) نَاسٌ يَقُولُونَ (٢): إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ, فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى رَجُلٌ أُكْرِى فِى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ (٣): إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ, فَقَالَ (٤) ابْنُ عُمَرَ: أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّى, وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ, وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ, وَتَرْمِى الْجِمَارَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى, === المسيب) بن رافع، وما نقل صاحب "العون" (٥) عن المنذري: روى عنه العلاء بن المسيب بن عمر، والفقيمي، غير صحيح، والصواب: روى عنه العلاء بن المسيب، والحسن بن عمرو الفقيمي. (نا أبو أمامة) ويقال: أبو أميمة (التيمي) الكوفي، روى عن ابن عمر في التجارة، والكري في الحج"، وعنه العلاء بن المسيب، والحسن بن عمرو الفقيمي، وشعبة، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، لا يُعْرَفُ اسمه. وقال أبو زرعة: لا بأس به. (قال: كنت رجلًا أكري) أي دابتي، من الإفعال (في هذا الوجه) أي سفر الحج، (وكان ناس) لم أقف على تسميتهم (يقولون: إنه ليس لك حج)؛ لأنك لا تسير لأجل الحج بل لأجل الدابة. (فلقيت ابنَ عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! ) كنية عبد الله بن عمر ﵁ (إني رجل أكري في هذا الوجه وإن ناسًا يقولون: إنه ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تُحرِمُ)، أي تلبس ثياب الإحرام (وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى،

стр. 3981

قَالَ: فَإِنَّ لَكَ حَجًّا، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأَرْسَلَ إِليهِ رَسُولُ ﷺ وَقَرَأَ (١) عَلَيْهِ هذه الآيَةَ وَقَالَ: "لَكَ حَجٌّ". [حم ٢/ ١٥٥، خزيمة ٣٠٥١] ك ١/ ٤٤٩] ١٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ (٢)، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، === قال) ابن عمر: (فإن لك حجًّا) فأفتاه بأداء حجه، استدل الحديث فقال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه) لانتظار الوحي (حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣)، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ) فدعاه (وقرأ عليه هذه الآية، وقال) رسول الله ﷺ : (لك حج) والاستدلال بهذه الآية على أداء حج من جاء لإكراء دابته ظاهر، فإن الآية لَمّا أُذن فيها للتجارة وتحصيل المال بالبيع والشراء فبالكراء أولى؛ فكما لا يمنع ابثغاء فضل الرب عن الحج فكذلك لا يمنع إكراء الدابة عن الحج، وهذا مجمع عليه. ١٧٣٤ - (حدثنا محمد بن بشار، نا حماد بن مسعدة) بمفتوحة وسكون سين مهملة، التميمي، ويقال: التيمي، وبقال: مولى باهله، أبو سعيد البصري، وثقه أبو حاتم وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وقال ابن شاهين: ثقة ثقة، لا بأس به، (نا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، (عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير) الظاهر أَنه مولى

стр. 3982

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَ النَّاسَ في أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يَتَبَايعُونَ بِمِنًى، وَعَرَفَةَ (١)، وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَمَواسِم الْحَجِّ، فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ، فَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ (٢) عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الْحَجِّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا في الْمُصْحَفِ". [ق ٤/ ٣٣٤، ك ١/ ٤٤٩] === ابن عباس، لا الليثي, كما يدل عيه سياقُ المصنف وكلامُ الحافظ في "التهذيب" وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وصححه على شرط الشيخين، فهو يدل على أنه الليثي لا مولى ابن عباس. (عن عبد الله بن عباس: أن الناس في أول الحج) أي في زمان الجاهلية (كانوا يتبايعون بمنًى وعرفةَ وسوقِ ذي المجاز) قال في "القاموس": وذو المجاز سوق كانت لهم على فرسخ من عرفة بناحية كبكب (ومواسم الحج) جمع موسم، وهو مفعل اسم للزمان، وهو وقت يجمع فيه الحاج كل سنة؛ لأنه معلم لهم، وسمه يسمه وسمًا: أثر فيه بكيٍّ، فلما جاء الإِسلام (فخافوا البيعَ وهم حرم، فأنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج) فأباح الله لهم التجارة فيها. (قال) ابن أبي ذئب: (فحدثني عبيد بن عمير أنه) أي ابن عباس (كان يقرؤها) أي كلمة "في مواسم الحج" (في المصحف) يعني أن هذه الكلمة منه ليس بطريق التفسير، بل هي في قراءة ابن عباس داخلة في القرآن.

стр. 3983

١٧٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ, أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّاسَ فِى أَوَّلِ مَا كَانَ الْحَجُّ كَانُوا يَبِيعُونَ (١) , فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِهِ مَوَاسِمِ الْحَجِّ". === قلت: وليس هذا اللفظ في القراءة المشهورة فهو من القراءات الشاذَّة، والحاصل أن ابن أبي ذئب روى هذا الحديث بواسطة عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير، ولم يكن فيه: أنه كان يقرأها في المصحف، ثم قال ابن أبي ذئب: ثم حدثني عبيد بن عمير بنفسه أن ابن عباس كان يقرأ هذه الكلمة في المصحف. ١٧٣٥ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك، أخبرني ابن أبي ذئب، عن عبيد بن عمير) يعني من غير واسطة عطاء بن أبي رباح (قال أحمد بن صالح) والقائل أبو داود (كلامًا) لا أحفظ لفظه (معناه أنه) عبيد بن عمير (مولى ابن عباس). قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": عبيد بن عمير مولى ابن عباس، ويقال: مولى أم الفضل، روى عن ابن عباس، وعنه ابن أبي ذئب، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الحج، قال ابن أبي داود: عبيد هذا غير الليثي، ويدل عليه قول ابن أبي ذئب: حدثني عبيد، فإن ابن أبي ذئب لم يدرك الليثي، والله أعلم. (عن عبد الله بن عباس: أن الناس في أول ما كان الحج) أي في زمان الجاهلية (كلانوا يبيعون، فذكر) أحمد بن صالح أو ابن أبي فديك (معناه) أي معنى الحديث المتقدم (إلى قوله: مواسم الحج).

стр. 3984

(٧) بَابٌ: في الصَّبِيِّ يَحُجّ (١) ١٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (٢) ﷺ بِالرَّوْحَاءِ فَلَقِىَ رَكْبًا === (٧) (بَابٌ: في الصَّبِيِّ يَحُجُّ) ١٧٣٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة) ابن أبي عياش الأسدي، المدني، مولى آل الزبير، أخو موسى. قال ابن المديني: له عشرة أحاديث. وقال أحمد، ويحيى، والنسائي: ثقة. وقال الدارقطني: ثقة، ليس فيه شيء. وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث. وقال أبو داود: إبراهيم وموسى ومحمد بنو عقبة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح، لا بأس به، قلت: يُحتَجُّ بحديثه؟ قال: يُكتَبُ حديثه. (عن كريب، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ بالرَّوْحاءِ) وهي من أعمال الفرع على نحو من أربعين ميلًا، وفي كتاب مسلم بن الحجاج (٣): على ستة وثلاثين، وفي كتاب ابن أبي شيبة (٤): على ثلاثين ميلًا. (فلقي راكبًا) أي جماعة من الركبان، والظاهر أن هذه القصة حين صدر رسول الله ﷺ راجعًا من مكة إلى المدينة بعد الفراغ من الحج، كما يظهر من الحديث الذي أخرجه النسائي (٥) بهذا السند عن ابن عباس، قال: "صدر

стр. 3985

فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ (١): «مَنِ الْقَوْمُ؟ » فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ, فَقَالُوا: فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَفَزِعَتِ امْرَأَةٌ فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِىٍّ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ مِحَفَّتِهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَلْ لِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ, وَلَكِ أَجْرٌ». [م ١٣٣٦، ن ٢٦٤٦، حم ٢/ ٢١٩، ط ١/ ٤٢٢] === رسول الله ﷺ ، فلما كان بالروحاء"، الحديث، وقد صرح الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (٢)، فقال: ثم ارتحل رسول الله ﷺ راجعًا إلى المدينة، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا إلى آخره. (فسلم) رسول الله ﷺ (عليهم فقال) رسول الله ﷺ : (من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: فمن أنتم؟ قالوا: رسول الله ﷺ ) وأصحابه، (ففزعت امرأة) أي خافت فوتَ الجواب وبادرت (فأخذت بعضدِ صبيٍّ فأخرجته من مِحَفَّتِها) بالكسر: مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب. "قاموس". (فقالت: يا رسول الله، هل لهذا) أي الصبي (حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر (٣)). قال الشوكاني في "النيل" (٤): قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلَّا أنه إذا حج كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذًا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإِسلام لظاهر قوله ﷺ : "نعم" في جواب قولها: ألهذا حج؟ وقال الطحاوي (٥): لا حجة في قوله ﷺ : "نعم" على أنه يجزئه عن حجة

стр. 3986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الإِسلام، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، قال: لأن ابنَ عباس- راوي الحديث- قال: "أيما غلام حج به أهلُه ثم بلغ، فعليه حجة أخرى"، ثم ساقه بإسناد صحيح. ويؤيد صحةَ رفعِه ما رواه ابن أبي شيبة (١)، عن ابن عباس قال: "احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس"، وهو ظاهر في الرفع، فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبي، ولا يجزئه عن حجة الإِسلام إذ بلغ، وهذا هو الحق فيتعين المصير إليه جمعًا بين الأدلة، انتهى. وأما مذهب الحنفية في إحرام الصبي فهو ما قال الشيخ السندي في "لباب المناسك" وعلي القاري في "شرحه" (٢): ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل لا للفرض، إذ لا ينعقد إحرامه من (٣) حجة الإِسلام إجماعًا، ويصح أداؤه بنفسه أي دون غيره بأمره، أو بغير أمره لعدم جواز النيابة عند عدم الضرورة، ولا يصح من غيره في (٤) الأداء ولا الإحرام بل يصحان من وليه له، فيحرم عنه من كان أقرب إليه، وهذا كله مبني على انعقاده نفلًا، لكن في "شرح المجمع": وعندنا إذا أهل الصبي أو وليه لم ينعقد فرضًا ولا نفلًا، وفي "الهداية" ما يدل على انعقاده نفلًا. ثم قال صاحب "الهداية": واختلف المتأخرون فمنع بعضهم انعقادَه أصلًا، وقيل: ينعقد فيكون حج تمرين واعتياد، انتهى. ويمكن الجمع بأنه لا ينعقد انعقادًا ملزمًا، وينعقد نفلًا غير ملزم, لأنه غير مكلف، ففائدته التعود بعمل الخير، ويتفرع عليه أنه لو لم يفعل شيئًا

стр. 3987

(٨) بابٌ: في الْمَوَاقِيتِ ١٧٣٧ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ (١)، عن مَالِكٍ. (ح): وَحَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا مَالِكٌ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "وَقَّتَ === من المأمورات أو ارتكب شيئًا من المحظورات لا يجب عليه شيء من القضاء والكفارات، ويقوي ما ذكرناه في اختلاف المسائل. واختلفوا في حج الصبي، قال أبو حنيفة: لا يصح منه، قال يحيى بن محمد: معنى قول أبي حنيفة: "لا يصح منه" على ما ذكره أصحابه: أنه لا يصح صحة يعلق بها وجوب الكفارات عليه إذا فعل محظورات الإحرام زيادة في الرفق، لا أنه يخرجه من ثواب الحج، انتهى. (٨) (بابٌ: في الْمَوَاقِيتِ) (٢) قال الحافظ: وأصل التوقيت أن يُجْعَلَ للشيء وقت يختص به - وهو بيان مقدار المدة - ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضًا. قال ابن الأثير: التأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة يقال: وَقَّت الشيءَ - بالتشديد- يوقته، وَوَقَتَه- بالتخفيف- يَقِته: إذا بَيَّن مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع: ميقات. وقال ابن دقيق العيد: إن التأقيت في اللغة تعليق الحكم بالوقت، ثم استعمل للتحديد والتعيين، قاله الشوكاني في "النيل" (٣)، فالمراد بالمواقيت المواضع التي عَيَّنَها رسول الله ﷺ للحاج والمعتمر الآفاقيين. ١٧٣٧ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، ح: وحدثنا أحمد بن يونس، نا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: وَقّت) أي جعل

стр. 3988

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، === ميقاتًا (١) للإحرام (رسولُ الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة) (٢) بالتصغير والفاء: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وبهذا المكان آبار تسميها العوام آبار علي، قيل: لأنه ﵁ قاتل الجن في بعض تلك الآبار، وهو كذب من قائله، وذو الحليفة أيضًا موضع آخر، وهو الذي وقع في حديث (٣) رافع بن خديج قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة، فأصبنا نهب غنم" فهو موضع بين حاذة وذات عرق من أرض تهامة، وليس بالذي قرب المدينة. (ولأهل الشام الجحفة) بالضم، ثم السكون، والفاء: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام، وكان اسمها مَهْيَعَة، وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها، وحمل أهلها في بعض الأعوام، وهي الآن خراب، وبينها وبين ساحل الجار نحو ثلاث مراحل، وبينها وبين أقرن- موضع من البحر- ستة أميال، وبينها وبين المدينة ست مراحل، وبينها وبين غدير خم ميلان، كذا في "معجم البلدان" (٤). وقال في "لباب المناسك" و"شرحه" (٥): الجُحفة بضم الجيم وسكون الحاء، وهي بالقرب من رباغ، وهو الموضع الذي يحرم الناس منه على يسار الذاهب إلى مكة، فمن أحرم من رباغ فقد أحرم قبلها أي قبل الجحفة؛ لأنها متأخرة عنه، وقيل: الأحوط أن يحرم من رباغ أو قبله لعدم التيقن بمكان

стр. 3989

وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا (١)، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَّتَ لأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ". [خ ١٥٢٥، م ١١٨٢، ت ٨٣١، ن ٢٦٥١، جه ٢٩١٤، حم ٢/ ٣، دي ١٧٩٠] ١٧٣٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادٌ، عن عمَرٍو، عن طَاوُس، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وعن ابْنِ طَاوسٍ === الجحفة؛ ذلك لأنها كانت على اثنين وثلاثين ميلًا من مكة، وكانت تسمى مهيعة، فنزل بنو عبيد (٢) وهم إخوة عاد، وكان أخرجهم العماليق من يثرب، فجاءهم سيل فاجتحفهم الجحاف، فسميت الجحفة. (ولأهل نجد قرنًا) قال في "اللباب" و"شرحه": ولأهل نجدِ اليمن، ونجدِ الحجاز، ونجدِ تهامة: قرن، بفتح، فسكون، وهي قرية عند الطائف واسم الوادي كله، وغلط الجوهري في تحريكه وفي نسبة أويس القرني إليه؛ لأنه منسوب إلى قرن بن رومان بن ناجية بن مراد أحد أجداده. (وبلغني) أي ما سمعت منه ﷺ بغير واسطة، بل سمعت بالواسطة (أنه) أي رسول الله ﷺ (وقت لأهل اليمن يلملم) ويقال: أَلَمْلَم موضع على ليلتين من مكة، وفيه مسجد معاذ بن جبل، كذا في "معجم البلدان" (٣). ١٧٣٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عمرو) بن دينار، وفي رواية البخاري (٤) مصرح أنه عمرو بن دينار، قال البخاري: حدثنا مسدد، ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة" الحديث، وكذا في النسخة المصرية: عن عمرو بن دينار، فما كتب في حاشية المكتوبة والمجتبائية والقادرية: عمرو بن يسار؛ تصحيف. (عن طاوس، عن ابن عباس، وعن ابن طاوس) عطف على قوله:

стр. 3990

عن أَبِيهِ، قَالَا: "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمَعْنَاهُ؛ وَقَالَ أَحَدُهُمَا: وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَلَمْلَمَ، === "عمرو"، يعني: حدث حماد عن عمرو بن دينار، وعن عبد الله بن طاوس، فروى عمرو بن دينار عن طاوس، عن ابن عباس، وكذلك روى عبد الله بن طاوس (عن أبيه) طاوسٍ مرسلًا، لم يذكر ابنَ عباس. وقد أخرج الدارقطني هذا الحديث بسنديه في "سننه" (١): حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا خلف بن هشام، نا حماد بن زيد، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس، وعبد الله بن طاوس، عن أبيه، رفعاه إلى النبي ﷺ : "أنه وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة"، الحديث، ثم قال: تابعه سليمان بن حرب وغير واحد، وخالفهم يحيى بن حسان، فأسنده عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس. حاصله: أن حديث حماد هذا له طريقان، أحدهما: عن عمرو بن دينار، وهو مسند، وثانيهما: عن عبد الله بن طاوس، وهو مرسل، أرسله خلف بن هشام، عن حماد بن زيد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، ولم يذكر ابن عباس، وتابعه على إرساله سليمانُ بن حرب (٢) كما هو عند أبي داود، وغيرُ واحدٍ، وخالفهم يحيى بن حسان فأسنده. (قالا) أي عمرو وعبد الله بسندهما إلى رسول الله ﷺ : (وقت رسول الله ﷺ بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، (وقال أحدهما: ولأهل اليمن يلملم، وقال أحدهما: أَلَمْلَم) والظاهر أنه من قول حماد، ولم يحفظ حماد قول أحدهما من الآخر بأن أيهما قال: يلملم، وأيهما قال: ألملم.

стр. 3991

قَالَ: "فَهُنَّ لَهُمْ وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ (١)، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ === (قال) رسول الله ﷺ ، وفي رواية النسائي: "وقال"، عطف على "وقّت"، (فهن) أي المواقيت المذكورة (لهم) أي للمذكورين، وفي رواية النسائي: "لهن"، أي المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلهن على حذف المضاف (٢) (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) أي من غير أهل تلك المواقيت. قال الحافظ (٣): ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف، كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور. وأطلق النووي الاتفاق [ونفى الخلاف] في "شرحيه" لـ "مسلم" و"المهذب" في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلَّا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي -وهو الجحفة- جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قالت الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، انتهى. وأما مذهب الحنفية في ذلك ما في "البدائع" (٤): من جاوز ميقاتًا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز، إلَّا أن المستحب أن يُحْرِمَ من الميقات الأول، كذا روي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحب إليَّ

стр. 3992

مِمَّنَ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، === أن يحرموا من ذي الحليفة؛ لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها، انتهى. (ممن كان يريد الحج والعمرة) قال الشوكاني (١): وقد اختُلِفَ في جواز المجاوزة لغير عذر، فمنعه الجمهور، وقالوا: لا يجوز إلَّا بإحرام، من غير فرق بين من دخل لأحد النسكين أو لغيرهما، ومن فعل أثم، ولزمه دَمٌ. وروي عن ابن عمر ﵁، والناصرِ- وهو الأخير من قولي الشافعي، واحد قولي ابن عباس (٢) -: أنه لا يجب الإحرام إلَّا على من دخل لأحد النسكين، لا على من أراد مجرد الدخول، انتهى. استدل الأولون بحديث رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣)، والطبراني في "معجمه"، واللفظ لابن أبي شيبة: عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تجاوز الوقت إلَّا بإحرام". وروى الشافعي في "مسنده": أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في "المعرفة" (٤). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، فذكره، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر، نحوه، وكان جابر هذا أبو الشعثاء.

стр. 3993

وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ". قَالَ ابْنُ طَاوسٍ: مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا". [خ ١٥٢٦، م ١١٨١، ن ٢٦٥٤] === وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا فضيل بن عياض، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا جاوز الوقت فلم يحرم حتى دخل مكة رجع إلى الوقت فأحرم، فإن خشي إن رجع إلى الوقت فإنه يحرم ويهريق لذلك دمًا. فهذه المنطوقات أولى من المفهوم المخالف في قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" إن ثبت أنه من كلامه ﵇ دون كلام الراوي. وما في مسلم والنسائي (١) "أنه ﵊ دخل يوم الفتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" كان مختصًا بتلك الساعة، بدليل قوله (٢) ﵇ في ذلك اليوم: "مكة حرام لم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرامًا"، يعني الدخول بغير إحرام. (ومن كان دون ذلك) أي داخل المواقيت (قال ابن طاوس) فيه إشارة إلى أن لفظ سياق عمرو بن دينار يغاير لفظ ابن طاوس (من حيث أنشأ) (٣) أي ميل من حيث أنشأ وابتدأ سفره. (قال) ابن طاوس: (وكذلك) أي كل من كان داخل الميقات وداخل الحرم يفعل ذلك (حتى أهل مكة يهلون منها).

стр. 3994

١٧٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائنِيُّ، === وقد فصل البخاري في "صحيحه" سياق حديث عمرو بن دينار وسياق حديث عبد الله بن طاوس، فأما لفظ حديث عمرو بن دينار: "فمن كان دونهن فمن أهله، حتى إن أهل مكة يهلون منها". وسياق لفظ عبد الله بن طاوس: "فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (١)، وفي الدارقطني (٢): "فمن كان دونهن"، وقال عمرو: "من أهله"، وقال ابن طاوس: "من حيث أنشأ"، انتهى. فالاختلاف الواقع في لفظ عمرو وابن طاوس في لفظ: "من أهله"، و"من حيث أنشأ" فقط. قال الحافظ (٣): أي لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة، فإنه يحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج، وأما المعتمر (٤) فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما سيأتي بيانه في "أبواب العمرة". ١٧٣٩ - (حدثنا هشام بن بهرام المدائني) أبو محمد، قال ابن وارة:

стр. 3995

نَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عن أَفْلَحَ- يَعْنِي ابْنَ حُمَيْدٍ -، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذاتَ عِرْق". [ن ٢٦٥٣، قط ٢/ ٢٣٦، ق ٥/ ٢٨] === حدثنا هشام بن بهرام، وكان ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". (نا المعافى بن عمران) الأزدي الفهمي، أبو مسعود الموصلي، الفقيه الزاهد، قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، وابن خراش، وابن سعد: ثقة. (عن أفلح -يعني ابنَ حميدٍ -) بن نافع الأنصاري، النجاري مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن صاعد: كان أحمد ينكر على أفلح قولَه: "ولأهل العراق ذات عرق". قال ابن عدي: ولم ينكر أحمد يعني سوى هذا اللفظ، قد تفرد بها عن أفلح معافى، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، قال: وروى أفلح حديثين منكرين: "أن النبي ﷺ أشعر"، وحديث: "وقَّت لأهل العراق ذات عرق". (عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق) (١)، وقد أخرج مسلم (٢) من حديث جابر مرفوعًا، وفيه: "ومهل أهل العراق ذات عرق"، قال ياقوت في "معجم البلدان" (٣): وذات عرق: مهل أهل العراق، وهو الحدّ بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة، ومنه ذات عرق، وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرّمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق، وعرق: هو الجبل المشرف على ذات عرق، انتهى.
следующие страницы →