قَالَ: "فَهُنَّ لَهُمْ وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ (١)، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ
===
(قال) رسول الله ﷺ ، وفي رواية النسائي: "وقال"، عطف على "وقّت"، (فهن) أي المواقيت المذكورة (لهم) أي للمذكورين، وفي رواية النسائي: "لهن"، أي المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلهن على حذف المضاف (٢) (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) أي من غير أهل تلك المواقيت.
قال الحافظ (٣): ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف، كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور.
وأطلق النووي الاتفاق [ونفى الخلاف] في "شرحيه" لـ "مسلم" و"المهذب" في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلَّا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي -وهو الجحفة- جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قالت الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، انتهى.
وأما مذهب الحنفية في ذلك ما في "البدائع" (٤): من جاوز ميقاتًا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز، إلَّا أن المستحب أن يُحْرِمَ من الميقات الأول، كذا روي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحب إليَّ
стр. 3992
مِمَّنَ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ،
===
أن يحرموا من ذي الحليفة؛ لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها، انتهى.
(ممن كان يريد الحج والعمرة) قال الشوكاني (١): وقد اختُلِفَ في جواز المجاوزة لغير عذر، فمنعه الجمهور، وقالوا: لا يجوز إلَّا بإحرام، من غير فرق بين من دخل لأحد النسكين أو لغيرهما، ومن فعل أثم، ولزمه دَمٌ. وروي عن ابن عمر ﵁، والناصرِ- وهو الأخير من قولي الشافعي، واحد قولي ابن عباس (٢) -: أنه لا يجب الإحرام إلَّا على من دخل لأحد النسكين، لا على من أراد مجرد الدخول، انتهى.
استدل الأولون بحديث رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣)، والطبراني في "معجمه"، واللفظ لابن أبي شيبة: عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تجاوز الوقت إلَّا بإحرام".
وروى الشافعي في "مسنده": أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في "المعرفة" (٤).
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، فذكره، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر، نحوه، وكان جابر هذا أبو الشعثاء.
стр. 3993
وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ". قَالَ ابْنُ طَاوسٍ: مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا". [خ ١٥٢٦، م ١١٨١، ن ٢٦٥٤]
===
وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا فضيل بن عياض، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا جاوز الوقت فلم يحرم حتى دخل مكة رجع إلى الوقت فأحرم، فإن خشي إن رجع إلى الوقت فإنه يحرم ويهريق لذلك دمًا.
فهذه المنطوقات أولى من المفهوم المخالف في قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" إن ثبت أنه من كلامه ﵇ دون كلام الراوي.
وما في مسلم والنسائي (١) "أنه ﵊ دخل يوم الفتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" كان مختصًا بتلك الساعة، بدليل قوله (٢) ﵇ في ذلك اليوم: "مكة حرام لم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرامًا"، يعني الدخول بغير إحرام.
(ومن كان دون ذلك) أي داخل المواقيت (قال ابن طاوس) فيه إشارة إلى أن لفظ سياق عمرو بن دينار يغاير لفظ ابن طاوس (من حيث أنشأ) (٣) أي ميل من حيث أنشأ وابتدأ سفره.
(قال) ابن طاوس: (وكذلك) أي كل من كان داخل الميقات وداخل الحرم يفعل ذلك (حتى أهل مكة يهلون منها).
стр. 3994
١٧٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائنِيُّ،
===
وقد فصل البخاري في "صحيحه" سياق حديث عمرو بن دينار وسياق حديث عبد الله بن طاوس، فأما لفظ حديث عمرو بن دينار: "فمن كان دونهن فمن أهله، حتى إن أهل مكة يهلون منها". وسياق لفظ عبد الله بن طاوس: "فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (١)، وفي الدارقطني (٢): "فمن كان دونهن"، وقال عمرو: "من أهله"، وقال ابن طاوس: "من حيث أنشأ"، انتهى.
فالاختلاف الواقع في لفظ عمرو وابن طاوس في لفظ: "من أهله"، و"من حيث أنشأ" فقط.
قال الحافظ (٣): أي لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة، فإنه يحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج، وأما المعتمر (٤) فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما سيأتي بيانه في "أبواب العمرة".
١٧٣٩ - (حدثنا هشام بن بهرام المدائني) أبو محمد، قال ابن وارة:
стр. 3995
نَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عن أَفْلَحَ- يَعْنِي ابْنَ حُمَيْدٍ -، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذاتَ عِرْق". [ن ٢٦٥٣، قط ٢/ ٢٣٦، ق ٥/ ٢٨]
===
حدثنا هشام بن بهرام، وكان ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". (نا المعافى بن عمران) الأزدي الفهمي، أبو مسعود الموصلي، الفقيه الزاهد، قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، وابن خراش، وابن سعد: ثقة.
(عن أفلح -يعني ابنَ حميدٍ -) بن نافع الأنصاري، النجاري مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن صاعد: كان أحمد ينكر على أفلح قولَه: "ولأهل العراق ذات عرق". قال ابن عدي: ولم ينكر أحمد يعني سوى هذا اللفظ، قد تفرد بها عن أفلح معافى، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، قال: وروى أفلح حديثين منكرين: "أن النبي ﷺ أشعر"، وحديث: "وقَّت لأهل العراق ذات عرق".
(عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق) (١)، وقد أخرج مسلم (٢) من حديث جابر مرفوعًا، وفيه: "ومهل أهل العراق ذات عرق"، قال ياقوت في "معجم البلدان" (٣): وذات عرق: مهل أهل العراق، وهو الحدّ بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة، ومنه ذات عرق، وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرّمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق، وعرق: هو الجبل المشرف على ذات عرق، انتهى.
стр. 3996
١٧٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا سُفْيَانُ، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عن مُحَمَّدِ بْنٍ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ". [ت ٨٣٢، حم ١/ ٣٤٤، ق ٥/ ٢٨]
===
قال الشوكاني في "النيل" (١): حديث عائشة، سكت عنه أبو داود والمنذري، وقال في "التلخيص" (٢): هو من رواية القاسم عنها، تفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عنه، والمعافى ثقة. وحديث جابر أخرجه مسلم على الشك في رفعه، وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" كذلك، وجزم برفعه أحمدُ، وابنُ ماجه، ولكن في إسناد أحمدَ ابنُ لهيعة وهو ضعيف، وفي إسناد ابن ماجه إبراهيمُ بنُ يزيد الخوزي وهو غير محتج به.
وفي الباب: عن الحارث بن عمرو السهمي عند أبى داود، وعن أنس عند الطحاوي، وعن ابن عباس عند ابن عبد البر، وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهذه الطرق يقوِّي بعضها بعضًا، وبها يردّ على ابن خزيمة حيث قال: في "ذات عرق" أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديث، وعَلَى ابن المنذر حيث يقول: لم نجد في "ذات عرق" حديثًا يثبت.
وقد أعَلَّه بعضهم بأن العراق لم تكن فتحت حينئذ، قال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي ﷺ وَقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكونه علم أنها ستفتح، فلا فرق فيها بين العراق والشام.
١٧٤٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، نا وكيع، نا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس) عبد الله (قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق) أي لإحرامهم (العقيقَ) قال في
стр. 3997
١٧٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يُحَنَّسَ،
===
"معجم البلدان" (١): بفتح أوله، وكسر ثانيه، وقافين بينهما ياء مثناة من تحت، قال أبو منصور: والعرب تقول لكل مسيل ماءٍ شقّه السيلُ في الأرض فأنهره ووسعه: عقيق، قال: وفي بلاد العرب أربعة أَعِقَّة، وهي أودية عادية شقّتها السيول، انتهى.
قال الحافظ (٢): العقيق المذكور ها هنا واد يتدفق ماؤه في غوري تهامة، وهو غير العقيق المذكور بعد بابين كما سيأتي بيانه، ثم قال الحافظ في شرح قوله ﷺ في الحديث: "صل في هذا الوادي"، يعني: وادي العقيق، وهو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميال.
وهذا الحديث يخالف ما قبله من الحديث، فأجاب عنه بعضهم بتفرد يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
قال الحافظ: وقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة، منها: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق. ومنها أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة. ومنها أن ذات عرق كانت أولًا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد، ويتعين الإحرام من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا، انتهى ملخصًا.
١٧٤١ - (حدثنا أحمد بن صالح، نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل (عن عبد الله (٣) بن عبد الرحمن بن يُحَنَّس) بمضمومة وفتح حاء مهملة وشد
стр. 3998
عن يَحْيَى بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الأَخْنَسِيِّ، عن جَدَّتِهِ حُكَيْمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْج النَّبِي ﷺ ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" أَوْ "وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"، شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيَّتَهُمَا قَالَ (١). [جه ٣٠٠٢، حم ٦/ ٢٩٩، قط ٢/ ٢٨٣، ق ٥/ ٣٠]
===
نون مفتوحة وسين مهملة، حجازي، ذكره ابن حبان في "الثقات". روى له مسلم حديثًا واحدًا في "فضل المدينة" وأبو داود آخر في "فضل الإحرام من بيت المقدس".
(عن يحيى بن أبي سفيان) الأخنس (الأخنسي) بخاء معجمة ونون، المدني، روى عن جدته، وقيل: أمه، وقيل: خالته أم حكيم حكيمة بنت أمية بن الأخنس عن أم سلمة في "الإحرام من بيت المقدس"، قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: شيخ من شيوخ المدينة ليس بالمشهور، قلت: لقي أبا هريرة؟ قال: لا. وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن جدته حكيمة) بنت أمية بن الأخنس بن عبيد أم حكيم، ذكرها ابن حبان في "الثقات"، (عن أم سلمةَ زوجِ النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أهل) أي أحرم (بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو) للشك من الراوي (وجبت له الجنة، شك عبد الله أيتهما) أي الكلمتين (قال) أي يحيى بن أبي سفيان.
ذكر الحافظ (٢) في شرح قول البخاري "باب فرض مواقيت الحج والعمرة": أن البخاري لا يجيز الإحرامَ بالحج والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل، قال: ميقات أهل المدينة ولا يهلون
стр. 3999
١٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ السَّهْمِىُّ, حَدَّثَنِى زُرَارَةُ بْنُ كُرَيْمٍ, أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو السَّهْمِىَّ
===
قبل ذي الحليفة، وقد نقل (١) ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نُقِلَ عن إسحاق وداود وغيرهما عدمُ الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني، فلم يجيزوا المتقدم على الزماني، وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره، انتهى.
١٧٤٢ - (حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج) ميسرة التميمي، المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، مولاهم، المقعد البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، (نا عبد الوارث، نا عتبة بن عبد الملك السهمي) البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثني زرارة بن كريم) بن الحارث بن عمرو السهمي الباهلي، ويقال: زرارة بن عبد الكريم، وفي "الخلاصة": زرارة بن كريم مصغر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من زعم أن له صحبة فقدوهم، وقال أبو نعيم في "الصحابة": أنه رأى النبي ﷺ في حجة الوداع، وقال عبد الحق في "الأحكام": لا يُحْتَجّ بحديثه، قال ابن القطان: يعني أنه لا يُعْرَفُ.
(إن) جدَّه (الحارث بن عمرو) بن الحارث (السهمي) الباهلي، أبو سفينة، نزل البصرة، روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا في مواقيت الحج، والفرع
стр. 4000
حَدَّثَهُ قَالَ: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمِنًى أَوْ بِعَرَفَاتٍ, وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ. قَالَ: فَتَجِئُ الأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ. قَالَ: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لأَهْلِ الْعِرَاقِ".
(٩) بَابُ الْحَائِضِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ
١٧٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا (١) عَبْدَةُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "نُفِسَتْ
===
والعتيرة وغير ذلك. قلت: الصواب أن كنيته: أبو سقبة، وفي "الخلاصة": أبو مسقبة، كذاك هو عند الحاكم في "المستدرك"، وكان الحارث رجلًا جسيماً، فمسح النبي ﷺ ، فما زالت نضرة على وجه الحارث حكى هلك.
(حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بمنى أو) للشك من الراوي (بعرفات، وقد أطاف) أي أحاط (به الناس، قال: فتجيء الأعراب فإذا رأوا وجهه) أي رسول الله ﷺ (قالوا: هذا وجه مبارك، قال) أي حارث بن عمرو: (ووقّت) أي رسول الله ﷺ (ذات عرق لأهل العراق) أي مهلهم.
(٩) (بَابُ الْحَائِضِ تُهِلُّ) أي تحرم (بِالْحَجِّ) والعمرة
١٧٤٣ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا عبدة، عن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) أي القاسم بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة قالت: نفست) قال في "النهاية" (٢): يقال: نُفِسَت المرأة وَنَفِسَت، فهي منفوسة ونفساء: إذا ولدت، فأما الحيض فلا يقال فيه إلَّا "نَفِسَت" بالفتح. وقال في "المجمع" (٣): بالضم والفتح في الحيض والنفاس، لكن الضمَّ في الولادة، والفتحَ في الحيض أكثر.
стр. 4001
أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ (١) وتُهِلَّ". [م ١٢٠٩، جه ٢٩١١، دي ١٨٠٤]
١٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ,
===
قال النووي (٢): قولها: نفِست أي ولدت، وهي بكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان: المشهورة: ضمها، والثانية: فتحها، سمي نفاسًا لخروج النفس وهي المولود والدم أيضًا، وقال القاضي: وتجري اللغتان في الحيض أيضًا. يقال: نفست، أي حاضت بفتح النون وضمها، قال: ذكرهما صاحب "الأفعال"، قال: وأنكر جماعة الضمَّ في الحيض.
(أسماءُ بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة) وهي بذي الحليفة على ستة أميال من المدينة، وكانت سمرة، كان النبي ﷺ ينزلها ويحرم منها، قال النووي: وفي رواية: بذي الحليفة، وفي رواية: بالبيداء، هذه المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرفِ ذي الحليفة.
(فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر) أن تأمرها (أن تغتسل (٣) وَتُهِلَّ) أي تحرم، ولما كان للحائض والنفساء حكم واحد شرعًا استدل المصنف بالنفساء، أي بجواز إحرامها على جواز إحرام الحائض.
١٧٤٤ - (حدثنا محمد بن عيسى واسماعيل بن إبراهيم أبو معمر قالا: نا مروان بن شجاع) الجزري الحراني، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله الأموي،
стр. 4002
عَنْ خُصَيْفٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَتَا (١) عَلَى الْوَقْتِ تَغْتَسِلَانِ وَتُحْرِمَانِ وَتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ». [ت ٩٤٥، حم ١/ ٣٦٤]
===
مولى محمد بن مروان بن الحكم، نزل بغداد، وهو عم الحضير بن شجاع، ويقال له: الخصيفي لكثرة روايته عن خصيف. عن أحمد: شيخ صدوق، وعنه أيضًا: لا بأس به. وكذا قال أبو داود. وقال ابن معين، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، ليس بذاك القوي، في بعض ما يرويه مناكير، يُكتَب حديثُه. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وذكره ابن حبان أيضًا في "الضعفاء"، فقال: يروي المقلوبات عن الثقات.
(عن خُصيف، عن عكرمة ومجاهد وعطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت) أي ميقات الحج والعمرة (تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسكَ كلها) أي أفعال الحج (غير الطواف بالبيت) فإن الطواف بالبيت يكون في المسجد، وهما ممنوعتان عن دخوله.
قال الشوكاني في "النيل" (٢): وفيه دليل على أن الحائض تسعى، ويؤيد قولُه في حديث عائشة: "افعلي ما يفعل الحاج ... إلخ"، ولكنه قد زاد ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر ﵄ الذي أشرنا إليه بعد قوله: "إلَّا الطواف"، ولفظه: "وبين الصفا والمروة"، وكذلك زاد هذه الزيادة الطبراني من حديثه، وقد قال الحافظ: إن إسناد ابن أبي شيبة صحيح، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهارة غير واجبة، ولا شرط في السعي، ولم يَحْكِ ابْن المنذر القول بالوجوب إلَّا عن الحسن البصري. قال في "الفتح": وقد حكى المجد بن تيمية من الحنابلة- يعني: المصنف- رواية عندهم مثله، انتهى.
стр. 4003
قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ فِى حَدِيثِهِ: "حَتَّى تَطْهُرَ", وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عِيسَى عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدًا.
قَالَ: عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ عِيسَى: «كُلَّهَا» قَالَ: «الْمَنَاسِكَ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ».
===
قلت: السعي بين الصفا والمروة ليس مشروطًا بالطهارة، بل شرطه أن يكون بعد طواف على الطهارة عن الجنابة والحيض والنفاس، فإن لم تكن طاهرًا عنها وقت الطواف لم يجز السعي أصلًا، فإذا حاضت المرأة قبل الطواف، فهي ممنوعة عن الطواف وعن السعي بعدها؛ لأن تقدم الطواف الكاملي شرط له، وأما إذا حاضت بعد الطواف قبل السعي فلها أن تسعى بين الصفا والمروة، فالزيادة التي صححها الحافظ (١) وهو استثناء السعي أيضًا باستثناء الطواف لا يخالف الجمهور.
(قال أبو معمر في حديثه: حتى تطهر) أي زاد أبو معمر في حديثه بعد قوله: "غير الطواف بالبيت" لفظ: "حتى تطهير" (ولم يذكر ابن عيسى عكرمةً ومجاهدًا، قال: عن عطاء، عن ابن عباس) أي ذكر عطاء فقط (ولم يقل ابن عيسى) لفظ: (كلها، قال: ) وتقضيان (المناسكَ إلَّا الطواف بالبيت).
قال النووي (٢): وفيه صحةُ إحرام النفساء والحائض، واستحبابُ اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور: أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلَّا الطواف وركعتيه.
стр. 4004
(١٠) بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ
١٧٤٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ, وَلإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ". [خ ١٥٣٩، م ١١٨٩، ت ٩١٧، ن ٢٦٨٤، جه ٢٩٢٦، حم ٦/ ٣٩، دي ١٧٩٨]
١٧٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ, حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ,
===
(١٠) (بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإحْرَامِ)
١٧٤٥ - (حدثنا القعنبي وأحمد بن يونس قالا: نا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أُطَيِّب (١) رسولَ الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرمَ، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت) أي طواف الزيارة.
١٧٤٦ - (حدثنا محمد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي، أبو عروة الكوفي، قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا أو أكثر. وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال الساجي: صدوق. وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة. وقال البخاري:
стр. 4005
عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ (١) فِى مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ". [خ ٢٧١، م ١١٩٠، جه ٢٩٢٧، حم ٦/ ٣٨]
===
لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله؛ لأن عامة حديثه مضطرب. وضعَّفه الدارقطني بالنسبة إلى الأعمش.
(عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: كأني أنظر إلى وَبِيْصِ المسك) الوبيص بالموحدة المكسورة وآخره صاد مهملة: هو البريق، وقال الإسماعيلي: إن الوبيص زيادة على البريق، وإن المراد به التلألؤ، وإنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط (في مفرق) وهو المكان الذي يُفْتَرَقُ فيه الشعر في وسط الرأس، وفي رواية البخاري (٢) بصيغة الجمع تعميمًا لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر (رسولِ الله ﷺ وهو محرم).
قال الحافظ (٣): واستدل به على استحبابِ التطيب عند إرادة الإحرام، وجوازِ استدامته بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاء لونِهِ ورائحتِهِ، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهو قول الجمهور، وعن مالك: يحرم ولكن لا فدية، وفي رواية عنه: تجب، وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى عينُه بعده، انتهى.
وقال في "البدائع" (٤): ويتطيب بأي طيب شاء، سواء كان طيبًا تبقى عينه بعد الإحرام أو لا تبقى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول محمد أولًا، ثم رجع، وقال: يكره له أن يتطيب بطيب تبقى عينه بعد الإحرام، وحكي عن محمد في سبب رجوعه أنه قال: كنت لا أرى به بأسًا حتى رأيت قومًا أحضروا طيبًا كثيرًا، ورأيت أمرًا شنيعًا فكرهته.
стр. 4006
(١١) بَابُ التَّلْبِيدِ
١٧٤٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ, حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ -, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا". [خ ١٥٤٠، م ١١٨٤، ن ٢٦٨٣، جه ٣٠٤٧، حم ٢/ ١٢٠]
١٧٤٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
===
(١١) (بَابُ التَّلْبِيْدِ) (١)
قال في المجمع (٢): التلبيد أن يجعل في الشعر شيء من صمغ عند الإحرام لئلا يشعث ويقمل، إبقاءً على الشعر من طول مكثه في الإحرام.
١٧٤٧ - (حدثنا سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم - يعني ابن عبد الله-، عن أبيه) أي عبد الله بن عمر (قال: سمعت النبي ﷺ يُهِلُّ) أي يرفع صوته بالتلبية (ملبدًا) اسم فاعل من التلبيد، أي حالَ كونه ملبِّدًا شعرَ رأسه.
١٧٤٨ - (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة، (نا عبد الأعلى، نا محمد بن
стр. 4007
إِسْحَاقَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْعَسَلِ" (١). [ق ٥/ ٣٦]
===
إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لبَّد (٢) رأسه بالعسل).
قال الحافظ في "الفتح" (٣): ولأبي داود والحاكم من طريق نافع عن ابن عمر: "أنه ﵊ لبَّد رأسه بالعسل". قال ابن عبد السلام: يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره، قلت: ضبطناه في روايتنا في "سنن أبي داود" بالمهملتين. انتهى.
قال العيني في "شرح البخاري" (٤): روى أبو داود من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ لبَّد رأسَه بالعسل"، ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال ابن الصلاح: يحتمل أن لفظ العسل بالمهملتين، ويحتمل من حيث المعنى: أن الغسل بكسر المعجمة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. وقال بعضهم: ضبطناه في روايتنا من "سنن أبي داود" بالمهملتين، قلت: ليت شعري ممن ضبطه؟ وقد قال ابن الصلاح: الرواية بالعين المهملة لم تضبط، والعقل يشهد بلا إهمال، فافهم.
وقال في "درجات مرقاة الصعود" (٥): قال ابن الصلاح: يحتمل بعين كسبب، وبنقطة كسدر، إنما ضبطناه بروايتنا في أبي داود بمهملتين، قلت: فإن قيل بمهملتين يجتمع عليه الذباب فلا يفعله ﷺ ، قلت: قد ورد بشمائله أنه لا ينزل عليه، فهو مأمون من أذاه، انتهى.
стр. 4008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأنا أقول: إن استعمال العسل وهو لعاب الذباب بعيد من العقل، وإن كان رسول الله ﷺ محفوظًا من نزول الذباب عليه؛ لأن لُزوجته تنتشر في الثياب والبدن ولا ييبس فيؤذي، فالأولى أن يقال: إن كانت الرواية بالمهملتين صحيحة محفوظة: أن معناه صمغ العرفط (١) كما صرح به صاحب "القاموس" و"لسان العرب" في كتبهم، ولفظ صاحب "لسان العرب" هكذا: والعرب تسمي صَمْغَ العُرْفُط عسلًا لحلاوته.
قال في "رد المحتار" (٢): التلبيد أن يأخذ شيئًا من الخطمي والآس والصمغ، فيجعله في أصول الشعر ليتلبّد. "بحر". قال في "الفتح": فإن كان ثخينًا فلَبَّدَ الرأس ففيه دَمَان للطيب والتغطية إن دام يومًا وليلة على جميع رأسه أو ربعه، انتهى.
أما لو غطاه أقل من يوم فصدقة، وهذا في الرجل، أما المرأة فلا تُمنَع من تغطية رأسها.
واستشكل في "الشرنبلالية" إلزام الدم بالتغطية بالحناء بقولهم: إن التغطية بما ليس بمعتاد لا توجب شيئًا.
قلت: وقد يجاب (٣) بأن التغطية بالتلبيد معتادة لأهل البوادي لدفع الشعث والوسخ عن الشعر، وقد فعله ﷺ .
لكن أجاب المقدسي بأن التلبيد الذي فعله ﵊ يجب حمله على ما هو سائغ، وهو اليسير الذي لا تحصل به تغطية، قلت: وعليه يحمل ما في "الفتح" عن رشيد الدين في "مناسكه": وحسن أن يلبد رأسه قبل إحرامه، انتهى.
стр. 4009
(١٢) بَابٌ: في الْهَدْي
١٧٤٩ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, الْمَعْنَى, قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى نَجِيحٍ -: حَدَّثَنِى مُجَاهِدٌ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَلًا
===
فإن قلت: في هذا التلبيد بظاهره مخالفة لما روي عنه ﷺ سأل رجل فقال: ما الحاج؟ قال رسول الله ﷺ : "الشعث التفل"، والشعث انتشار الشعر وتفرقها. قلت: ليس فيهما مخالفة أصلًا؛ لأن المراد من الشعث ترك الزينة، والتلبيد ليس بزينة، بل هو دفع أذى انتشار الشعر.
(١٢) (بَابٌ: في الْهَدْى)
بفتح، فسكون، وبفتح فكسر مشددة، وهو ما يُهدَى إلى الحرم من النعم، شاة كانت أو بقرة أو بعيرًا، الواحدة هدية
١٧٤٩ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق، وثنا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، عن) محمد (بن إسحاق، المعنى) أي معنى حديث محمد بن سلمة ويزيد بن زريع واحد (قال: قال عبد الله -يعني ابنَ أبي نجيح-: حدثني مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ ) فيه وضع المظهر موضع المضمر (جملًا) (٢) مفعول لأهدى، أي أهدى رسول الله ﷺ جملًا
стр. 4010
كَانَ لأَبِي جَهْلٍ في رَأسِهِ بُرَةُ فِضَّةٍ. قَالَ ابْنُ مِنْهَالِ: بُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، زَادَ النُّفَيْلِيُّ: يَغِيظُ بِذلِكَ الْمُشْرِكِينَ". [حم ١/ ٢٦١، خزيمة ٢٨٩٧، ك ١/ ٤٦٧]
===
(كان لأبي جهل) (١) في هداياه (في رأسه) أي أنفه (بُرَة) البرة بضم الموحدة وفتح الراء المخففة، قال أبو علي: أصله بروة لأنها تجمع على برات وبرون كثبات وثبون (فضة) بالإضافة.
قال القاري (٢): قال الشارح: أي في أنفه حلقة فضة، فإن البرة حلقة من صفر ونحوه تجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي: في أحد جانبي المنخرين، لكن لما كان الأنف من الرأس قال في رأسه على الاتساع، والأظهر أنه مجاز المجاورة من حيث قربه من الرأس لا من إطلاق الكل على البعض.
(قال ابن منهال: برة من ذهب) قال القاري: ويمكن التعدد باعتبار المنخرين. (زاد النفيلي: يَغيظ بذلك المشركين) بفتح حرف المضارعة أي يوصل الغيظ إلى قلوبهم في نحر ذلك الجمل.
قلت: خاتمة: جمله أجمل منه، فإنه نحو (٣) في سبيل الله، وأكل منه رسوله وأولياؤه.
стр. 4011
(١٣) بابٌ: في هَدْيِ الْبَقَرِ
١٧٥٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، نَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَاب، عن عَمْرَةَ بنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنّ رَسُولَ اللَّهِ (٢) ﷺ نَحَرَ عن آلِ مُحمدٍ ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً". [جه ٣١٣٥، حم ٦/ ٢٤٨]
١٧٥١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَهْرَانَ الرَّازِيُّ قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يَحْيَى، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ". [جه ٣١٣٣، خزيمة ٢٩٠٣]
===
(١٣) (بابٌ: في هَدْى الْبَقَرِ)
١٧٥٠ - (حدثنا ابن السرح، نا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشةَ زوجِ النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد ﷺ ) أي عن أهله وأزواجه (في حجة الوداع بقرةً واحدةً)، ولفظ حديث مسلم (٣) عن جابر قال: "ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر"، وفي رواية عنده عنه: "نحو رسول الله ﷺ عن نسائه"، وقال: في حديث ابن بكر: عن عائشة (٤) بقرة في حجته.
١٧٥١ - (حدثنا عمرو بن عثمان ومحمد بن مهران الرازي قالا: نا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر) قبل الحج (من نسائه بقرة بينهن) (٥).
стр. 4012
(١٤) بَابٌ: في الإِشْعَارِ
===
قد ثبت في الأحاديث (١): أن أزواج النبي ﷺ كن متمتعات إلَّا عائشة ﵂، فإنها كانت أحرمت بالعمرة فأصابتها الحيض بسرف، فأمرها رسول الله ﷺ برفضِ العمرةِ والإحرامِ بالحج المفرد، فصارت مفردة ثم حجت، فلما فرغت منها سألت رسول الله ﷺ أن تعتمر، فأمر عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، فصارت هذه العمرة التي اعتمرها من التنعيم قضاء للعمرة التي رفضتها لأجل الحيض، فكان الذي ذبح عنها رسول الله ﷺ دم جناية لرفض العمرة.
وأما الأزواج الآخر غير عائشة ﵂ فلما كانت متمتعات وجب عليهن دم التمتع وهو دم شكر، هذا على قول الحنفية.
وأما على قول الشافعية وغيرهم فإن عائشة ﵂ لما حاضت ما رفضت العمرة، ودخلت أفعال العمرة في أفعال الحج وصارت قارنة، ولهذا قال لها رسول الله ﷺ لما فرغت من الحج: "يسعكِ طوافكِ لحجكِ وعمرتكِ"، وعلى هذا كان الدم الذي ذبح عنها رسول الله ﷺ دم شكر (٢).
(١٤) (بابٌ: في الإشْعَارِ) (٣)
وهو أن يشق أحد جنبي سنام البعير حتى يسيل دمها لِيُعرَف أنها هدي
стр. 4013
١٧٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ (١) , الْمَعْنَى, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ
===
١٧٥٢ - (حدثنا أبو الوليد الطيالسي وحفص بن عمر، المعنى) أي معنى حديثيهما واحد، (قالا: نا شعبة، عن قتادة، قال أبو الوليد) في حديثه: (قال) قتادة: (سمعت أبا حسان)، وأما حديث حفص بن عمر فلم يذكر لفظه؛ لأنه كان معنعنًا، وصرح بتحديث أبي الوليد بلفظ السماع؛ لأن قتادة مدلس، وأبو حسان الأعرج، ويقال: الأجرد أيضًا، بصري، اسمه مسلم بن عبد الله، قال أبو حاتم: زعموا أن ابن سيرين كان يروي عنه. وعن أحمد: مستقيم الحديث، أو مقارب الحديث. وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الآجري عن أبي داود: سمي الأجرد لأنه كان يمشي على عقبه. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.
(عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة) قد ثبت في الروايات (٢): أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة نهارًا لخمس بقين
стр. 4014
ثُمَّ دَعَا ببَدَنَهٍ (١) فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا (٢) الدَّمَ
===
من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر أربعًا بالمدينة بالمسجد، وخرج بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، فصلى بها خمس صلوات، فالمراد بما وقع في الحديث أنه صلى الظهر بذي الحليفة أي ظهر اليوم الثاني.
(ثم دعا ببدنة فأشعرها) أي شق (من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت) (٣) أي مسح وأماط (عنها الدم)، واختلفوا في الإشعار، فقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-: أشعر البدنة، وقال أبو حنيفة: لا يشعر ويكره.
قال في "الهداية" (٤): وأشعر البدنة عند أبي يوسف ومحمد، ولا يشعر عند أبي حنيفة ﵀ ويكره، وهذا الصنع مكروه عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما [حسن]، وعند الشافعي سنة, لأنه مروي عن النبي ﷺ وعن الخلفاء الراشدين ﵃. ولأبي حنيفة أنه مثلة، وأنه منهي عنه، ولو وقع التعارض بين كونه سنة وبين كونه مثلة فالترجيح للمحرم.
واعترض عليه أولًا بأنه ليس كل جرح مثلة، بل هو ما يكون تشويهًا كقطع الأنف والأذنين وسمل العيون، فلا يقال لكل من جرح مثل به.
وثانيًا أن النهي عن المثلة كان بأثر قصة العرنيين عقب غزوة أحد، والإشعار عام حجة الوداع، فأين التعارض؟
وأجاب صاحب "العناية" بأن عمران بن الحصين روى: "أن النبي ﷺ ما قام خطيبًا إلا نهانا عن المثلة"، فكان الإشعار منسوخًا، فلا أقل من التعارض.
стр. 4015
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال ابن الهمام في "فتح القدير" (١) بعد بيان الإشكال: والأولى ما حمل عليه الطحاوي من أن أبا حنيفة إنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنهم لا يهتدون إلى إحسانه، وهو شق مجرد الجلد ليدمي، بل يبالغون في اللحم حتى يكثر الألم، ويخاف منه السراية، انتهى.
وقال في "البحر الرائق" (٢): وقال الطحاوي: إنما كره أبو حنيفة الإشعار المحدث الذي يُفْعَل على وجه المبالغة، ويخاف منه السراية إلى الموت لا مطلق الإشعار، واختاره في "غاية البيان" وصححه، وفي "فتح القدير": أنه الأولى، انتهى.
قلت: وقد وقع في هذا الحديث أن إشعاره ﷺ بدنته كان في صفحة سنامها الأيمن.
وقال في "الهداية" (٣): وصفته أن يشق سنامها بأن يطعن في أسفل السنام من الجانب الأيمن أو الأيسر، قالوا: والأشبه هو الأيسر؛ لأن النبي ﷺ طعن في جانب اليسار مقصودًا، وفي جانب الأيمن اتفاقًا.
ووقع في مسلم (٤) عن أبي حسان عن ابن عباس ﵄: "أنه ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن". وروى البخاري (٥). الإشعارَ فلم يذكر فيه الأيمنَ ولا الأيسرَ، لكن قد أسند أبو يعلى إلى أبي حسان عن ابن عباس بطريق آخر: "أنه ﵊ أشعر بدنه في شقها الأيسر، ثم سلت الدم بإصبعه" الحديث،
стр. 4016
وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا قَعَدَ عَلَيْهَا وَاسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ". [م ١٢٤٣، ن ٢٧٧٤]
١٧٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ بِهذا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَبِي الْوَليدِ. قَالَ: "ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ بِيَدِهِ". [انظر الحديث السابق]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هَمَّامٌ قَالَ: سَلَتَ عَنْهَا الدَّمَ بِإِصْبَعِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الَّذِي تَفَرَّدُوا بِهِ.
===
وفي "موطأ مالك" (١) عن نافع: أن ابن عمر ﵁ كان إذا أهدى هديًا من المدينة يقلده بنعلين، ويشعره في الشق الأيسر (٢)، فهذا يعارض ما في مسلم من حديث ابن عباس إذ لم يكن أحد أشد اقتفاءً لظواهر فعل رسول الله ﷺ من ابن عمر.
ثم سلت عنها الدم، أي بإصبعه (وقلّدها) أي البدنة (بنعلين، ثم أتي براحلته) أي ناقته، (فلما قعد عليها واستوت) أي علت الناقة (به) أي برسول الله ﷺ (على البيداء) قال في "المجمع": البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وهنا اسم موضع بين مكة والمدينة وهو أكثر ما يراد بها (أهلَّ) أي لبى (بالحج).
١٧٥٣ - (حدثنا مسدد، نا يحيى، عن شعبة بهذا الحديث) المتقدم (بمعنى) حديث (أبي الوليد، قال) أي يحيى: (ثم سلت الدم بيده) فزاد لفظ: بيده. (قال أبو داود: رواه همام قال: سلت عنها الدم بإصبعه، قال أبو داود: هذا) الحديث (٣) (من سنن أهل البصرة الذي تفردوا به).
стр. 4017
١٧٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّهُمَا قَالَا: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ, فَلَمَّا كَانَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْىَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ". [خ ١٦٩٤ - ١٦٩٥، ن ٢٧٧١، خزيمة ٢٩٠٧]
١٧٥٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى غَنَمًا مُقَلَّدَةً". [حم ٦/ ٢٠٨]
===
١٧٥٤ - (حدثنا عبد الأعلي بن حماد، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة) وحديثه مرسل صحابي؛ لأنه لم يحضر القصة (ومروان) وحديثه مرسل أيضًا (أنهما قالا: خرج رسول الله ﷺ ) من المدينة للعمرة (عامَ الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قلَّد الهدي) أي عَلَّق في عنقه قلادة، (وأشعره وأحرم) أي دخل في الإحرام.
١٧٥٥ - (حدثنا هناد، نا وكيع، عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أهدى غنمًا مقلدة). قال في "الهداية" (١): وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة أيضًا.
قال الحافظ في "الفتح" (٢) في "باب تقليد الغنم": قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأي تقليدَها، زاد غيره: وكأنهم لم يبلغهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلَّا قول بعضهم: إنها تضعف عن التقليد، وهي حجة ضعيفة.
وقال العيني في "شرح البخاري" (٣): واحتج الشافعي بهذا الحديث
стр. 4018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على أن الغنم تُقَلَّد، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن حبيب. وقال مالك وأبو حنيفة (١): لا تُقَلَّد؛ لأنها تضعف عن التقليد، وقال أبو عمر: احتج من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يُهْدِ فيها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود الذي في البخاري في تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل ييت عائشة، وقال بعضهم: ما أدري ما وجه الحجة منه؛ لأن حديث الباب دل على أنه أرسلها وأقام، فكان ذلك قبل حجته قطعًا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم من الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى يسوخ الاحتجاج بذلك؟ انتهى.
قلت: الهدي الذي أرسل به رسول الله ﷺ من الغنم ليس هدي الإحرام، ولهذا أقام حلالًا، بعد إرساله، ولم ينقل أنه أهدى غنمًا في إحرامه، وقوله: فلا تعارض بين الترك والفعل، كلام واهٍ, لأن من ادعى التعارض بينهما، والتعارض تقابل الحجتين، وهاهنا الفعل لم يوجد، فكيف يتصور التعارض؟ وقوله: "ثم من الذي صرح من الصحابة"؟ إلى آخره يرد بأن يقال من الذي صرح منهم بأنه كان في هداياه في حجته غنم.
وقال هذا القائل أيضًا: والحنفية في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم.
قلت: هذا افتراء على الحنفية، ففي أي موضع قالت الحنفية: إن الغنم ليست من الهدي! بل كتبهم مشحونة بأن الهدي اسم لما يُهدَى من النعم إلى الحرم ليتقرب به. قالوا: وأدناه شاة لقول ابن عباس: "ما استيسر من الهدي
стр. 4019
(١٥) بَابُ تَبْدِيلِ الْهَدْيِ
١٧٥٦ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيمِ. - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدُ بْنُ أَبِى يَزِيدَ خَالُ مُحَمَّدٍ يعني ابْنِ سَلَمَةَ رَوَى عَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ جَهْمِ بْنِ الْجَارُودِ,
===
شاة"، وعن هذا قالوا: الهدي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حتى قالوا: هذا بالإجماع، وإنما مذهبهم أن التقليد في البدنة، والغنم ليست من البدنة، فلا تُقَلَّد لعدم التعارف بتقليدها، إذ لو كان تقليدها سنة لما تركوها، وقالوا في الحديث المذكور: تفرد به الأسود ولم يذكره غيره على ما ذكرنا، وادّعى صاحب "المبسوط" (١) أنه أثر شاذ.
(١٥) (بَابُ تَبْدِيلِ الْهَدْي)، يجوز أم لا؟
١٧٥٦ - (حدثنا النفيلي، نا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال أبو داود: أبو عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، خالُ محمد يعني ابنَ سلمة، روى عنه حجاج بن محمد). قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد، وهو المشهور، ابن سماك بن رستم، قاله ابن عروبة، وقال الدارقطني: ابن سَمَّال بفتح السين وتشديد الميم وباللام، الأموي مولاهم، أبو عبد الرحيم الحراني، قال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وعن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حسن الحديث متقن فيه، قلت: وقال أبو القاسم البغوي: كان ثقة.
(عن جهم بن الجارود) قال البخاري: لا يُعْرَفُ له سماع من سالم،
стр. 4020
عن سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن أَبِيهِ قَالَ: "أَهْدَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب بُخْتِيًّا (١) فَأُعْطِيَ بهَا ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَهْدَيْتُ بُخْتِيًّا، فَأُعْطِيتُ بِهَا ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا؟ قَالَ (٢): "لَا، انْحَرْهَا إِيَّاهَا". [حم ٢/ ١٤٥، ق ٥/ ٢٤١، خزيمة ٢٩١١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هذَا لأنَّهُ كَانَ أَشْعَرَهَا.
===
روى له أبو داود حديثًا واحدًا، قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه"، وتوقف في الاحتجاج به، وقال: اختلف في اسمه على محمد بن سلمة فقيل: جهم، وقيل: نهم، هكذا في "تهذيب التهذيب" بالنون، وفي "التقريب": وقيل: شهم بشين معجمة.
(عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: أهدى عمر بن الخطاب بختيًا) قال في "المجمع": فيه: سرق بختية، أي: الأنثى من الجمال طوال الأعناق، والذكر بختي، والجمع بخت وبخاتي.
وقال في "العناية في شرح الهداية": البخت جمع بختي، وهو المتولد بين العربي والعجمي، منسوب إلى بخت نَصَّر. وفي "القاموس": هي الإبل الخراسانية. وفي نسخة: نجيبًا، وهو الفاضل من كل حيوان، من نَجُبَ نجابة إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه. وقال في "المجمع" أيضًا: النجيب من الإبل: القويُّ السريعُ.
(فأعطي) أي عمر (بها) أي بالبختي، وتأنيث الضمير باعتبار البدنة (ثلاث مائة دينار، فأتى) عمر ﵁ (النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أهديت بختيًّا، فأُعطِيْتُ بها ثلاث مائة دينار، فأبيعها) بتقدير حرف الاستفهام (وأشتري بثمنها بدنًا) كثيرة؟ (قال) رسول الله ﷺ : (لا) أي: لا تبعها، (انحرها إياها) أي البختي خاصًّا، ولا تبدلها.
(قال أبو داود: هذا) الحكم (لأنه كان أشعرها)، وفي الحديث دلالة
стр. 4021
(١٦) بَابُ (١) مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ وَأَقَامَ
١٧٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ،
===
على أنه لا يجوز تبديل الهدي (٢) بغيره. قلت: إن كان الهدي الذي أهداها عمر ﵁ تطوعًا فتبديله لا يجوز؛ لأنه لما اشتراها بنية الهدي تَعَيَّنَتْ فلا يجوز تبديلها، وإن كان واجبًا عليه فالحديث محمول على الأولى والأفضل.
قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٣): فإن اشترى بدنة لمتعته مثلًا ثم اشترك فيها ستة بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يَسَعه ذلك؛ لأنه لما أوجبها صار الكل واجبًا عليه، وقدر ما يجزئ في هدي المتعة كان واجبًا عليه، وما زاد على ذلك وجب بإيجابه، وليس له أن يبيع شيئًا مما أوجبه هديًا، فإن فعل فعليه أن يتصدق بالثمن، انتهى.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه قدس سره: "قال: لا، انحرها إياها"، وهو إن كان جائزًا له لكنه أحب أن يكون له فضل في ذلك، فإنه لو باعها واشترى بثمنها عدة نوق لكان له فضل في الكم وزيادة في العدد، لكنها واحدة زادت عليها في الكيف، وظاهر كلام المؤلف أنه لم يجز له التبديل لكونه عيَّنه للهدي بالإشعار، وفيه أن الإشعار ليس بتعيين مع أن الهدي الواجب يجوز تبديله لكونه واجبًا على الذمة، فيقع الكفاية بكل ما ذبح، وهذا كله مبني على أن يكون البختي من الهدي الواجب، وثبوته عسير، فالوجه للنهي حينئذ تعيينه بنفس الشراء للهدي.
(١٦) (بَابُ مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ) إلى الحرم، (وَأَقَامَ) ببلده حلالًا
١٧٥٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا أفلح بن حميد،
стр. 4022
عن الْقَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأًقَامَ بِالْمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا" (١) [خ ١٦٩٩، م ١٣٢١، ت ٩٠٨، ن ٢٧٧، جه ٣٠٩٥، حم ٦/ ٨٥]
===
عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر، (عن عائشة قالت: فتلت) أي لويت (قلائد) جمع قلادة، وهي ما يعلَّق في العنق (بدن) جمع بدنة (رسول الله ﷺ بيدي (٢)، ثم أشعرها وقلَّدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة) أي وما ذهب إلى البيت للحج والعمرة، (فما حرم عليه شيء) لأجل بعث الهدي (كان له حلًّا) قبل البعث.
حاصله أنه لم يحرم، وقد أخرج البخاري في "صحيحه" (٣) قصة ذلك مفصلًا، وهي: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂: "أن عبد الله بن عباس ﵁ قال: من أهدى هديًا حَرُم عليه ما يَحرُم على الحاج حتى يُنْحَرَ هديُه، قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس ﵄، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلَّدها رسولُ الله ﷺ بيديه، ثم بعث بها مع أَبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نُحِرَ الهدي" (٤)، انتهى.
стр. 4023
١٧٥٨ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِىُّ الْهَمْدَانِىُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُمْ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهْدِى مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ, ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ". [خ ١٦٩٨، م ١٣٢١، ن ٢٧٧٥]
===
وأما مذهب الحنفية في ذلك، ففي "الهداية" (١) قال: ومن قلد بدنة تطوعًا أو نذرًا أو جزاء صيد أو شيئًا من الأشياء، وتوجه معها يريد الحج، فقد أحرم لقوله ﵇: "من قلد بدنة فقد أحرم"، ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإجابة, لأنه لا يفعله إلَّا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول، فيصير به محرمًا لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام.
قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٢): قوله: وتوجه معها، أفاد أنه لا بد من ثلاث أمور: التقليدُ، والتوجهُ معها، ونيةُ النسك.
١٧٥٨ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي الهمداني وقتيبة بن سعيد، أن الليث بن سعد حدثهم، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة) ﵂ (قالت: كان رسول الله ﷺ يهدي) أي يبعث الهدي إلى مكة (من المدينة، فأفتل) أي ألوي (قلائدَ هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنب المحرم).
стр. 4024
١٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا (١) بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ - زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ يَحْفَظْ حَدِيثَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ هَذَا, وَلَا حَدِيثَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ هَذَا - قَالَا: قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَدْىِ فَأَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا بِيَدِىَّ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا, ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا حَلَالًا يَأْتِى مَا يَأْتِى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ". [خ ١٦٩٦، م ١٣٢١]
(١٧) بَابٌ: في رُكُوبِ الْبُدْنِ
١٧٦٠ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَن مَالِكٍ (٢)، عن أَبِي الزِّنَادَ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا
===
١٧٥٩ - (حدثنا مسدد، نا بشر بن المفضل، نا ابن عون، عن القاسم بن محمد، وعن إبراهيم، زعم) قال ابن عون (أنه) أي ابن عون (سمعه) أي هذا الحديث (منهما) أي من قاسم بن محمد وإبراهيم (جميعًا، ولم يحفظ حديث هذا من حديث هذا، ولا حديث هذا من حديث هذا، قالا) أي القاسم وإبراهيم، فحديث قاسم موصول، وأما حديث إبراهيم النخعي فمنقطع؛ لأنه لم يثبت لقاؤه منها.
(قالت أم المؤمنين: بعث رسول الله ﷺ بالهدي، فأنا فتلت قلائدها بيدي من عِهْنٍ) وهو الصوف المصبوغ ألوانًا (كان عندنا، ثم أصبح فينا حلالًا يأتي ما يأتي الرجل من أهله) من القبلة والملامسة والجماع.
(١٧) (بابٌ: في رُكُوبِ الْبُدْنِ)
١٧٦٠ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا)، وفي رواية عند أحمد والنسائي:
стр. 4025
يَسُوقُ بَدَنَةً, فَقَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: "إِنَّهَا بَدَنَةٌ, قَالَ: ارْكَبْهَا, وَيْلَكَ» فِى الثَّانِيَةِ أَوْ فِى الثَّالِثَةِ". [خ ١٦٨٩، م ١٣٢٢، ن ٢٧٩٩، جه ٣١٠٣، حم ٢/ ٢٥٤]
١٧٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قال: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ قال: "سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْىِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا». [م ١٣٢٤، ن ٢٨٠٢، حم ٣/ ٣١٧ - ٣٢٤]
===
"قد أجهده المشي" (يسوق بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة) أي هدي، (قال: اركبها، ويلك في الثانية أو في الثالثة) أي المرة الثانية أو الثالثة، قال في "المجمع": ويلك اركبها، خاطب به لأنه كان محتاجًا قد وقع في تعب، وقيل: هي كلمة تجري من غير قصد، ومعناه الحزن والهلاك والمشقة من العذاب.
١٧٦١ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اركبها بالمعروف) أي بالإحسان إليها، والمنكر ضده، والمراد ها هنا من الركوب المعروف ما لا يلحق الضرر بها (إذا أُلْجِئْتَ) أي اضطررتَ (إليها حتى تجد ظهرًا).
قال الشوكاني (١): وأحاديث الباب تدل على جواز ركوب الهدي، من غير فرقٍ بين ما كان منه واجبًا أو تطوعًا؛ لتركه ﷺ للاستفصال، وبه قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق، وبه قال أهل الظاهر، وجزم
стр. 4026
(١٨)(١) بَابٌ: في الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغ
===
به النووي وجماعة من أصحاب الشافعي كالقفّال والماوردي.
وحكى ابن عبد البر عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء: كراهةَ ركوبِه لغير حاجة، وحكاه الترمذي (٢) أيضًا عن أحمد وإسحاق والشافعي، وقيَّد الجوازَ بعض الحنفية بالاضطرار، ونقله ابن أبي شيبة عن الشعبي، وحكى ابن المنذر عن الشافعي: أنه يركب إذا اضطُرَّ ركوبًا غيرَ قادح. وحكى ابن العربي عن مالك: أنه يركب للضرورة، فإذا استراح نزل، يعني: إذا انتهت الضرورة.
وقد وافق أبا حنيفةَ الشافعيُّ على ضمان النقص في الهدي الواجب، ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر (٣): وجوبَ الركوب تمسكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، انتهى ملخصًا.
(١٨) (بَابٌ (٤): في الْهَدْي إِذَا عَطِبَ) (٥) أي هلك في الطريق (قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ) محله، وهو الحرم
стр. 4027
١٧٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِىِّ
===
١٧٦٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان (١)، عن هشام، عن أبيه، عن ناجية الأسلمي) الظاهر أنه ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر الأسلمي، قال الحافظ في "الإصابة" (٢): قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم، أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب الأسلمي، صاحب بدن رسول الله ﷺ ، وقال سعيد بن عفير: كان اسمه ذكوان، فسماه النبي ﷺ ناجية حين نجا من قريش، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن ناجية صاحب بدن رسول الله ﷺ مات بالمدينة في خلافة معاوية.
ولناجية بن جندب حديث آخر أخرجه ابن منده من طريق مجزأة بن زاهر، عن أبيه، عن ناجية بن جندب قال: "أتيت النبيَّ ﷺ حين صد الهدي، فقلت: يا رسول الله! ابعث معي بالهدي حتى أنحره في الحرم، قال: وكيف تصنع؟ قال: قلت: آخذ في أودية لايقدرون علي، قال: فدفعه إلى فنحرته في الحرم"، انتهى.
قلت: وقد جمع صاحب "التهذيب" (٣) بين الأسلمي والخزاعي، فقال: ناجية بن كعب بن جندب الأسلمي الخزاعي، كان صاحب بدنة فيما يصنع بما عطب من البدن.
قال الحافظ: قلت: قوله: الأسلمي الخزاعي؛ عجيب، وقد بيَّنتُ في "معرفة الصحابة" أن ناجية بن جندب الأسلمي غير ناجية بن جندب بن كعب الخزاعي، وأن كلًّا منهما وقع له استصحاب البدن، وأن الذي روى عنه عروة هو الخزاعي، وقيل فيه: الأسلمي، وأن الذي روى عنه مجزأة
стр. 4028
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْىٍ فَقَالَ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَىْءٌ فَانْحَرْهُ, ثُمَّ اصْبَغْ نَعْلَهُ فِى دَمِهِ, ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». [ت ٩١٠، جه ٣١٠٦، حم ٤/ ٣٣٤، دي ١٩٠٩، خزيمة ٢٥٧٧، ق ٥/ ٢٤٣، ك ١/ ٤٤٧]
١٧٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ - وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ -
===
هو الأسلمي بلا خلاف، والأسلمي قد ذكر ابن سعد أنه شهد الحديبية، وزعم الأزدي وأبو صالح المؤذن أن عروة تفرد بالرواية عن الخزاعي، وأما الأسلمي فروى عنه مجزأة بن زاهر وعبد الله بن عمرو الأسلمي أيضًا، انتهى.
(أن رسول الله ﷺ بعث معه بهدي) (١) قال القاري (٢): وقد أسند الواقدي في أول غزوة الحديبية القصةَ بطولها، وفيها: أنه ﵊ استعمل على هديه ناجيةَ بنَ جندب الأسلميَّ، وأمره أن يتقدمه بها، وقال: وكان سبعين بدنة، فذكره إلى أن قال: وقال ناجية بن جندب: عطب معي بعير من الهدي، فجئت رسول الله ﷺ بالأبواء، فأخبرته، فقال: "انحرها واصبغ قلائدَها في دمها، ولا تأكل أنت ولا أحد من رفقتك منها شيئًا، وخَلِّ بينها وبين الناس"، انتهى.
(فقال: إن عطب) أي إن عجز وأعيا عن المشي (منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله) أي الذي قلّدت به (في دمه)؛ ليعلم مَنْ مَرَّ به أنه هدي، (ثم خَلِّ بينه وبين الناس) ما عدا الأغنياء.
١٧٦٣ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، ح: ونا مسدد، نا عبد الوارث، وهذا) لفظ (حديث مسدد) كلاهما أي حماد وعبد الوارث،
стр. 4029
عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ, عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فُلَانًا الأَسْلَمِىَّ وَبَعَثَ مَعَهُ بِثَمَانَ (١) عَشْرَةَ بَدَنَةً, فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أُزْحِفَ عَلَىَّ مِنْهَا شَىْءٌ؟ قَالَ: «تَنْحَرُهَا ثُمَّ تَصْبُغُ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا, ثُمَّ اضْرِبْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا, وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ». أَوْ قَالَ: «مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». [م ١٣٢٥، حم ١/ ٢١٧]
===
(عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة) بن المحبق بمهملة وموحدة وزن محمد، الهذلي البصري، قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
(عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ فلانًا الأسلميَّ) وهو ناحية (٢) الأسلمي كما تقدم في الحديث المتقدم، (وبعث معه بثمان عشرة بدنة، فقال) الأسلمي: (أرأيت) أخبرني (إن أُزحِفَ) أي أعيا ووقف عن المشي (عليَّ منها شيء؟ قال: تنحرها ثم تصبغ نعلَها) التي في عنقها (في دمها، ثم اضربها) أي النعل مصبوغًا بدمها (على صفحتها) أي صفحة سنامها، (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك، أو قال: من أهل رفقتك).
قال الشوكاني (٣): وقال النووي (٤): وفي المراد بالرُّفْقة وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم الذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة، والثاني - وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وجمهور أصحابه -: أن المراد بالرفقة جميعم القافلة؛ لأن السبب الذي منعت به الرفقة
стр. 4030
وَقَالَ في حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: "اجْعَلْهُ (١) عَلَى صَفْحَتِهَا" مَكَانَ "اضْرِبْهَا".
===
هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة (٢).
قال الخطابي (٣): ويشبه أن يكون ذلك ليحسم عنهم باب التهمة، فلا يعتلوا بأن بعضها قد زحف فينحروه إذا قرموا إلى اللحم فيأكلوه، والله أعلم.
وقال القاري (٤): وإنما نهى ناجية ومن ذُكِرَ عن الأكل لأنهم كانوا أغنياء، قال شارح "الكنز": ولا دلالة لحديث ناجية على المدعى؛ لأنه ﵇ قال ذلك فيما عطب منها في الطريق، والكلام فيما إذا بلغ الحرم هل يجوز له الأكل أو لا؟ ، انتهى، وقد أوجبنا في هدي التطوع إذا ذبح في الطريق امتناع أكله منه وجوازه، بل استحبابه إذا بلغ محله، انتهى.
وقال الشُّمُنِّي: وما عطب أي: هلك من الهدي، أو تَعَيَّبَ بفاحش وهو ما يمنع إجزاء الأضحية، كذهاب ثلث الأذن أو العين، ففي الواجب أبدله لأنه في الذمة، ولا يتأدى بالمعيب والمعيب له, لأنه لم يخرج بتعيينه لتلك الجهة عن ملكه، وقد امتنع صرفه فيها فله صرفه في غيرها، وفي التطوع نحره، وصبغ نعله، وضرب صفحته لحديث ناجية. والمراد بالنعل القلادة، وفائدة ذلك إعلام التاس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء.
(وقال في حديث عبد الوارث: اجعله) أي النعل (على صفحتها، مكان: اضربها) وكتب على حاشية النسخة المكتوبة: قال أبو داود: والذي تفرد به من هذا الحديث قوله: "ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك".