← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14601

بذل المجهود في حل سنن أبي داود

خليل أحمد السهارنفوري

Полный текст (8 721 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

(١٨) (١) بَابٌ: في الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغ === به النووي وجماعة من أصحاب الشافعي كالقفّال والماوردي. وحكى ابن عبد البر عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء: كراهةَ ركوبِه لغير حاجة، وحكاه الترمذي (٢) أيضًا عن أحمد وإسحاق والشافعي، وقيَّد الجوازَ بعض الحنفية بالاضطرار، ونقله ابن أبي شيبة عن الشعبي، وحكى ابن المنذر عن الشافعي: أنه يركب إذا اضطُرَّ ركوبًا غيرَ قادح. وحكى ابن العربي عن مالك: أنه يركب للضرورة، فإذا استراح نزل، يعني: إذا انتهت الضرورة. وقد وافق أبا حنيفةَ الشافعيُّ على ضمان النقص في الهدي الواجب، ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر (٣): وجوبَ الركوب تمسكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، انتهى ملخصًا. (١٨) (بَابٌ (٤): في الْهَدْي إِذَا عَطِبَ) (٥) أي هلك في الطريق (قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ) محله، وهو الحرم

стр. 4027

١٧٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِىِّ === ١٧٦٢ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا سفيان (١)، عن هشام، عن أبيه، عن ناجية الأسلمي) الظاهر أنه ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر الأسلمي، قال الحافظ في "الإصابة" (٢): قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم، أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب الأسلمي، صاحب بدن رسول الله ﷺ ، وقال سعيد بن عفير: كان اسمه ذكوان، فسماه النبي ﷺ ناجية حين نجا من قريش، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن ناجية صاحب بدن رسول الله ﷺ مات بالمدينة في خلافة معاوية. ولناجية بن جندب حديث آخر أخرجه ابن منده من طريق مجزأة بن زاهر، عن أبيه، عن ناجية بن جندب قال: "أتيت النبيَّ ﷺ حين صد الهدي، فقلت: يا رسول الله! ابعث معي بالهدي حتى أنحره في الحرم، قال: وكيف تصنع؟ قال: قلت: آخذ في أودية لايقدرون علي، قال: فدفعه إلى فنحرته في الحرم"، انتهى. قلت: وقد جمع صاحب "التهذيب" (٣) بين الأسلمي والخزاعي، فقال: ناجية بن كعب بن جندب الأسلمي الخزاعي، كان صاحب بدنة فيما يصنع بما عطب من البدن. قال الحافظ: قلت: قوله: الأسلمي الخزاعي؛ عجيب، وقد بيَّنتُ في "معرفة الصحابة" أن ناجية بن جندب الأسلمي غير ناجية بن جندب بن كعب الخزاعي، وأن كلًّا منهما وقع له استصحاب البدن، وأن الذي روى عنه عروة هو الخزاعي، وقيل فيه: الأسلمي، وأن الذي روى عنه مجزأة

стр. 4028

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْىٍ فَقَالَ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَىْءٌ فَانْحَرْهُ, ثُمَّ اصْبَغْ نَعْلَهُ فِى دَمِهِ, ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». [ت ٩١٠، جه ٣١٠٦، حم ٤/ ٣٣٤، دي ١٩٠٩، خزيمة ٢٥٧٧، ق ٥/ ٢٤٣، ك ١/ ٤٤٧] ١٧٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ - وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ - === هو الأسلمي بلا خلاف، والأسلمي قد ذكر ابن سعد أنه شهد الحديبية، وزعم الأزدي وأبو صالح المؤذن أن عروة تفرد بالرواية عن الخزاعي، وأما الأسلمي فروى عنه مجزأة بن زاهر وعبد الله بن عمرو الأسلمي أيضًا، انتهى. (أن رسول الله ﷺ بعث معه بهدي) (١) قال القاري (٢): وقد أسند الواقدي في أول غزوة الحديبية القصةَ بطولها، وفيها: أنه ﵊ استعمل على هديه ناجيةَ بنَ جندب الأسلميَّ، وأمره أن يتقدمه بها، وقال: وكان سبعين بدنة، فذكره إلى أن قال: وقال ناجية بن جندب: عطب معي بعير من الهدي، فجئت رسول الله ﷺ بالأبواء، فأخبرته، فقال: "انحرها واصبغ قلائدَها في دمها، ولا تأكل أنت ولا أحد من رفقتك منها شيئًا، وخَلِّ بينها وبين الناس"، انتهى. (فقال: إن عطب) أي إن عجز وأعيا عن المشي (منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله) أي الذي قلّدت به (في دمه)؛ ليعلم مَنْ مَرَّ به أنه هدي، (ثم خَلِّ بينه وبين الناس) ما عدا الأغنياء. ١٧٦٣ - (حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: نا حماد، ح: ونا مسدد، نا عبد الوارث، وهذا) لفظ (حديث مسدد) كلاهما أي حماد وعبد الوارث،

стр. 4029

عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ, عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فُلَانًا الأَسْلَمِىَّ وَبَعَثَ مَعَهُ بِثَمَانَ (١) عَشْرَةَ بَدَنَةً, فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أُزْحِفَ عَلَىَّ مِنْهَا شَىْءٌ؟ قَالَ: «تَنْحَرُهَا ثُمَّ تَصْبُغُ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا, ثُمَّ اضْرِبْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا, وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ». أَوْ قَالَ: «مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». [م ١٣٢٥، حم ١/ ٢١٧] === (عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة) بن المحبق بمهملة وموحدة وزن محمد، الهذلي البصري، قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. (عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ فلانًا الأسلميَّ) وهو ناحية (٢) الأسلمي كما تقدم في الحديث المتقدم، (وبعث معه بثمان عشرة بدنة، فقال) الأسلمي: (أرأيت) أخبرني (إن أُزحِفَ) أي أعيا ووقف عن المشي (عليَّ منها شيء؟ قال: تنحرها ثم تصبغ نعلَها) التي في عنقها (في دمها، ثم اضربها) أي النعل مصبوغًا بدمها (على صفحتها) أي صفحة سنامها، (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك، أو قال: من أهل رفقتك). قال الشوكاني (٣): وقال النووي (٤): وفي المراد بالرُّفْقة وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنهم الذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة، والثاني - وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وجمهور أصحابه -: أن المراد بالرفقة جميعم القافلة؛ لأن السبب الذي منعت به الرفقة

стр. 4030

وَقَالَ في حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: "اجْعَلْهُ (١) عَلَى صَفْحَتِهَا" مَكَانَ "اضْرِبْهَا". === هو خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة (٢). قال الخطابي (٣): ويشبه أن يكون ذلك ليحسم عنهم باب التهمة، فلا يعتلوا بأن بعضها قد زحف فينحروه إذا قرموا إلى اللحم فيأكلوه، والله أعلم. وقال القاري (٤): وإنما نهى ناجية ومن ذُكِرَ عن الأكل لأنهم كانوا أغنياء، قال شارح "الكنز": ولا دلالة لحديث ناجية على المدعى؛ لأنه ﵇ قال ذلك فيما عطب منها في الطريق، والكلام فيما إذا بلغ الحرم هل يجوز له الأكل أو لا؟ ، انتهى، وقد أوجبنا في هدي التطوع إذا ذبح في الطريق امتناع أكله منه وجوازه، بل استحبابه إذا بلغ محله، انتهى. وقال الشُّمُنِّي: وما عطب أي: هلك من الهدي، أو تَعَيَّبَ بفاحش وهو ما يمنع إجزاء الأضحية، كذهاب ثلث الأذن أو العين، ففي الواجب أبدله لأنه في الذمة، ولا يتأدى بالمعيب والمعيب له, لأنه لم يخرج بتعيينه لتلك الجهة عن ملكه، وقد امتنع صرفه فيها فله صرفه في غيرها، وفي التطوع نحره، وصبغ نعله، وضرب صفحته لحديث ناجية. والمراد بالنعل القلادة، وفائدة ذلك إعلام التاس أنه هدي، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء. (وقال في حديث عبد الوارث: اجعله) أي النعل (على صفحتها، مكان: اضربها) وكتب على حاشية النسخة المكتوبة: قال أبو داود: والذي تفرد به من هذا الحديث قوله: "ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك".

стр. 4031

١٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَيَعْلَى ابْنَا عُبَيْدٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: "لَمَّا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدْنَهُ فَنَحَرَ ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ, وَأَمَرَنِى فَنَحَرْتُ سَائِرَهَا". [حم ١/ ١٥٩] === قلت: قد أخرج مسلم هذا الحديث بسند عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح، حدثني موسى بن سلمة الهذلي، فذكر قصة انطلاقه مع سنان بن سلمة للعمرة، وأزحف بدنة سنان، ثم سؤالَه ابن عباس، وحديثَ ابن عباس في جوابه، وفيه: "ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك"، وإخراج مسلم يقتضي أنه ليس فيه ضعف، ثم ذكر في حاشية المكتوبة نسخة أخرى: قال ابن داسة: سمعت أبا داود يقول: سمعت أبا سلمة يقول: "إذا استقام الإسناد والمعنى كفاك". حاصله أن الحديث بالمعنى جائز، لكن بشرطين: أولهما استقامة الإسناد، والثاني استقامة المعنى بأن لا يتغير، والظاهر أن مراد المصنف بهذا أن ما أشار إليه في النسخة الأولى من دعوى التفرد أنه ليس بموجب للضعف؛ لأن إسناده مستقيم، ومعناه صحيح ثابت. ١٧٦٤ - (حدثنا هارون بن عبد الله، نا محمد ويعلى ابنا عبيد) بن أبي أمية (قالا: نا محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار، (عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: لما نحر رسول الله ﷺ بدنه فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرَها) (١). وسيجيء في حديث جابر الطويل أن رسول الله ﷺ نحر بيده ثلاثًا وستين، فإن كان ما ذكر في حديث علي ﵁ من قوله: فنحر ثلاثين

стр. 4032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بيده، في غير قصة حجة الوداع فلا إشكال فيه، وإن كان ما في حديث علي من القصة متحدًا مع القصة التي في حديث جابر، ففيه إشكال. والجواب عنه إما أن يقال: إن حديث جابر هو الصحيح، وأما حديث علي هذا فمعلول؛ لأنه عنعن فيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، أو يقال: إن التنصيص بالعدد لا ينفي الزيادة. وأما الجملة الثانية وهي قوله: "فنحرت سائرها"، معناها: نحرت باقيها بعد نحر رسول الله ﷺ ، وليس المراد من سائرها بعد الثلاثين، أو يُؤَوَّل بما أول به في الحاشية: بأن رسول الله ﷺ نحر ثلاثين بدنة من غير استعانة بالغير، ونحر ثلاثًا وثلاثين باستعانة علي ﵁، ونحر عليٌّ بعدها ما بقي منها، والله تعالى أعلم. وأورد البخاري (١) هذا الحديث من طريق سفيان قال: أخبرني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁ قال: "بعثني النبي ﷺ فقمت على البدن، فأمرني ﵊ فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها". قال الحافظ (٢): ولم يقع في هذه الرواية عدد البدن، لكن وقع في الرواية الثالثة أنها مائة بدنة، ولأبي داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "نحر النبي ﷺ ثلاثين بدنة، وأمرني فنحرت سائرها"، وأصح منه ما وقع عند مسلم في حديث جابر الطويل فإن فيه: "ثم انصرف النبي ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غير، وأشركه في هديه"، فعرف بذلك أن البدن كانت مائة بدنة، وأن النبي ﷺ نحر منها ثلاثًا وستين، ونحر عليٌّ الباقي.

стр. 4033

١٧٦٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِىُّ, وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, أَخْبَرَنَا عِيسَى, وَهَذَا لَفْظُ إِبْرَاهِيمَ -, عَنْ ثَوْرٍ, عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُحَىٍّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (١). وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِى === والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنه ﵇ نحر ثلاثين، ثم أمر عليًّا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نحر النبي ﷺ ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع وإلَّا فما في الصحيح أصح. ١٧٦٥ - (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ونا مسدد، نا) أي كلاهما قالا: نا (عيسى، وهذا لفظ إبراهيم) أي لفظ حديثه، (عن ثور) بن يزيد، (عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن عامر بن لُحَيّ) بضم أوله وفتح المهملة، ويقال: عبد الله بن لحي، الحميري، أبو عامر الهوزني بفتح الهاء والزاي، بينهما واو ساكنة، الحمصي، قال العجلي: شامي، ثقة من كبار التابعين. وقال ابن عمار: ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وذكره ابن سميع فيمن أدرك الجاهلية. وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن عبد الله بن قرط) بضم القاف، الأزدي الثمالي، يقال: كان اسمه شيطان، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وكان أميرًا على حمص من قبل ابن عبيدة، قال ابن يونس: قُتِلَ بأرض الروم سنة ست وخمسين. (عن النبي ﷺ قال: إن أعظم الأيام) أي منزلةً (عند الله يومُ النحر) هو اليوم العاشر من ذي الحجة (ثم يوم القَرِّ)، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة الذي يلي يوم النحر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر، واستراحوا (وهو اليوم الثاني) من أيام النحر.

стр. 4034

قَالَ: وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ (١) , فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا, فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». [حم ٤/ ٣٥٠, خزيمة ٢٩١٧، ق ٥/ ٢٣٧ - ٢٤١] ١٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ, === (قال) عبد الله بن قرط: (وقُرِّبَ لرسول الله ﷺ بدنات خمسٌ أو ست) شَكٌّ من الراوي، (فَطَفِقْنَ) أي البدنات (يَزْدَلِفْنَ) (٢) أي يقتربن (إليه) أي إلى رسول الله ﷺ (بأيتهن يبدأ) للنحر، ولفظ أحمد: أيتهن يبدأ بها، (فلما وجبت جنوبها) أي سقطت. (قال) أي عبد الله بن قرط: (فتكلم) رسول الله ﷺ (بكلمة خفية لم أفهمها؛ فقلت: ما قال؟ ) وفي رواية أحمد: "فسألت بعضَ من يليني: ما قال؟ قالوا: ... " وفي لفظ أبي داود قالوا مقدر، وضمير الجمع يرجع إلى من يليه من الجماعة. (قال) رسول الله ﷺ : (من شاء اقتطع) أي من لحم البدن، وفي الحديث من المعجزة الباهرة والدلالةِ على محبة الحيوانات العجم رسول الله ﷺ ، والموت في سبيل الله تعالى، وابتغاءِ مرضاته بيده الشريفة. ١٧٦٦ - (حدثنا محمد بن حاتم، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران) بن قراد، بضمِ قافٍ وخفةِ راءٍ، آخره

стр. 4035

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الأَزْدِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ غَرَفَةَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِنْدِىَّ === دال مهملة، التُّجِيبي بضم المثناة وكسر الجيم، بعدها ياء ساكنة ثم موحدة، أبو حفص المصري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان يقال له: حرملة الحاجب، وقال ابن المبارك: حدثني حرملة وكان من أولي الألباب. (عن عبد الله بن الحارث) الكندي (الأزدي) المصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وَجَهَّله ابن القطان، وروى مسلم حديثَه عن الشيخ الذي رواه عنه أبو داود، ولكن خارج الصحيح. (قال: سمعت غرفة) كذا في المجتبائية بالغين المعجمة، وفي النسخة المصرية والقلمية والقادرية والكانفورية واللكهنوية بعين مهملة وراء مفتوحتين. واختلفوا في ضبطه، ففي "الخلاصة" (١): بضم المعجمة، وسكون الراء. وقال محمد طاهر في "المغني" (٢): بغين وراء وفاء مفتوحات. وفي "أسد الغابة" (٣): بفتح الغين والراء. قال الحافظ في "الإصابة" (٤) في آخر ترجمته: ذكر ابن فتحون أن أبا عمر ضبط بسكون الراء. قال: وضبط الدارقطني وغيره بالتحريك. وقال في "القاموس": والغُرْفة - بالضم-: العلية، وبالتحريك غَرَفَة بن الحارث الصحابيّ. (ابن الحارث الكندي)، أبو الحارث اليماني، نزيل مصر، شهد حجة الوداع، ونقل عن رسول الله ﷺ قصة نحر البدن، شهد فتح مصر، وكان شريفًا

стр. 4036

قَالَ: "شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُتِىَ بِالْبُدْنِ فَقَالَ: «ادْعُوا لِى أَبَا حَسَنٍ» فَدُعِىَ لَهُ عَلِىٌّ فَقَالَ لَهُ: «خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ» وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْلَاهَا, ثُمَّ طَعَنَا بِهَا (١) فِى الْبُدْنِ, فَلَمَّا فَرَغَ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَأَرْدَفَ عَلِيًّا رضى الله عنه". [ق ٥/ ٢٣٨] (١٩) بابٌ: كيْفَ تُنْحَرُ الْبُدْنُ ؟ ١٧٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, === في أيامه بمصر، وكان كاتب عمر بن الخطاب. قلت: ذكره ابن قانع في المهملة، وكذا ذكره ابن حبان، ثم أعاده في المعجمة، وهو الصواب. (قال: شهدت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأتي بالبدن) لتنحر، (فقال) رسول الله ﷺ : (ادعو لي أبا حسنٍ، فدعي له علي، فقال) رسول الله ﷺ (له) أي لعلي: (خذ بأسفل الحربة، وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها) وإنما أشرك عليًّا لأنه أشركه في الهدي فيشرك في نحرها، ويحصل له الفضل (ثم طَعَنَا بها البدنَ) أي في نحرها، (فلما فرغ) من نحر البدن (ركب بغلته، وأردف (٢) عليًّا ﵁). (١٩) (بابٌ: كَيْفَ تُنْحَرُ الْبُدْنُ (٣)؟ ) ١٧٦٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج،

стр. 4037

عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, وَأَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِىَ مِنْ قَوَائِمِهَا". === عن أبي الزبير، عن جابر، وأخبرني) عطف على قوله: عن أبي الزبير، فالحاصل أن ابن جريج يروي عن أبي الزبير عن جابر موصولًا، ويروي عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرج هذا الحديث الشيخ ابن تيمية في "منتقى الأخبار" (١) عن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي ﷺ وأصحابه، الحديث، وقال في آخره: رواه أبو داود وهو مرسل. قال الشوكاني في "النيل": حديث عبد الرحمن بن سابط هو في "سنن أبي داود" من حديث جابر بن عبد الله، فلا إرسال، وهكذا ذكره الحافظ في "الفتح" (٢) من حديث جابر، وعزاه إلى أبي داود، وقد سكت عنه هو والمنذري، ورجاله رجال الصحيح، انتهى. قلت: ظاهر قول الشوكاني يدل أن حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن سابط أيضًا غير مرسل، بل هو أيضًا موصول بأن معناه أن ابن جريج يروي عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر: أن النبي ﷺ ، الحديث. قلت: وليس دليل يدل على أن عبد الرحمن بن سابط يرويه عن جابر، وإن سُلِّم فهو أيضًا منقطع؛ لأن الحافظ قال في "تهذيب التهذيب": قيل ليحيى بن معين: سمع عبد الرحمن عن سعد بن أبي وقاص؟ قال: لا، قيل: من أبي أمامة؟ قال: لا، قيل: من جابر؟ قال: لا، هو مرسل، فقول الشوكاني في "النيل": فلا إرسال؛ غيرُ مسلَّم. (عبد الرحمن بن سابط: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى) أي يدها اليسرى (قائمة على ما بقي من قوائمها) الثلاث،

стр. 4038

١٧٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, أَخْبَرَنَا يُونُسُ, أَخْبَرَنِى زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ === وهي يدها اليمنى ورجلاها، قال الشوكاني في "النيل": وفي هذا الحديث والذي بعده استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة، وعن الحنفية: يستوي نحرُها قائمةً وباركةً في الفضيلة، انتهى. قلت: كلامه يشير إلى أن الحنفية خالفوا السنَّة في هذه المسألة، وهو غير صحيح؛ فإن أصل مذهبهم أن المستحب في الإبل النحر، قال في "الهداية" (١): المستحب في الإبل النحر، وفي البقر والغنم الذبحُ. وقال في "البدائع" (٢): أما الذي يرجع إلى نفس التضحية فما ذكرنا في كتاب الذبائح، وهو أن المستحب هو الذبح في الشاة والبقر، والنحر في الإبل، ويكره القلب من ذلك، انتهى. ومنشأ الغلط ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: نحرت بدنة قائمة فلم أشق عليها، فكدت أهلك ناسًا؛ لأنها نفوت، فاعتقدت أن لا أنحرها إلَّا باركة معقولة، وهذا الذي قاله الإِمام أبو حنيفة كان لأجل الضرورة، ولأنا لسنا مثل رسول الله ﷺ ؛ فإنه ﷺ لما أراد النحر طَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه، وعند إرادتنا النحرَ تنفرن، ويخاف هلاك الناس بنفارها، فعلم من القصة المذكورة أن الأفضل عند أبي حنيفة النحر قائمة، لكن اختار البروكَ لخوف النفار، فإذا أمن النفار كان الأفضل هو النحر قائمة، وإلَّا فالنحر باركة، والله أعلم. ١٧٦٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، أنا يونس، أخبرني زياد بن جبير) مصغرًا، ابن حية بتحتانية مشددة، ابن مسعود بن معتب بمضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوق مشددة فموحدة، الثقفي البصري، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وأحمد. وقال الدارقطني: لا بأس به. وروى

стр. 4039

قَالَ: "كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمِنًى فَمَرَّ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ وَهِيَ بَارِكَةٌ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). [خ ١٧١٣، م ١٣٢٠، السنن الكبرى للنسائي ٤١٣٤، حم ٢/ ٣، دي ١٩١٤، ق ٥/ ٢٧٣] ١٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ - يَعْنِى ابْنَ عُيَيْنَةَ -, عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِىِّ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: "أَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا, === ابن أبي شيبة (١) من طريق عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كان زياد بن جبير يقع في الحسن والحسين، فقلت له: يا أبا محمد! إن أبا سعيد حدثني عن النبي ﷺ قال: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". (قال: كنت مع ابن عمر بمنى فمر برجل وهو ينحر بدنته وهي باركة) أي جالسة، (فقال) ابن عمر: (ابعثها) أي أَقمها (قيامًا مقيَّدة) أي معقولة الرجل اليسرى، (سنةَ محمد ﷺ ) إما منصوب بنزع الخافض أي على سنَّة محمد ﷺ ، أو مرفوع بتقدير المبتدأ وهو الضمير، أي: هو سنَّة محمد ﷺ . ١٧٦٩ - (حدثنا عمرو بن عون، أنا سفيان - يعني ابن عيينة -، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه)، والمراد من القيام عليها إما خدمتها من الرعي، والسقي قبل النحر، والحضورِ عند نحرها، وتقسيم جلودها وجلالها، أو المراد بالقيام عليها خدمتها المختص بالنحر وما بعده. (وأَقسم جلودها وجلالها) (٢) أي يتصدق بها، وهو مذهب أصحابنا أن يتصدق بجلودها وجلالها، وهذا الأمر للاستحباب، فلو أن المهدي أخذ جلودها ودبغها وانتفع بها يجوز.

стр. 4040

وَأَمَرَنِي أَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا". [خ ١٧١٦، م ١٣١٧، السنن الْكبرى للنسائي ٤١٥٣، حم ١/ ٧٩، ق ٥/ ٢٤١] (٢٠) بَابٌ: في وَقْتِ الإِحْرَامِ ١٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, حَدَّثَنِى (١) خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِىُّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ عَجِبْتُ لاِخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (٢) ﷺ فِى إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ === (وأمرني أن لا أعطي الجزّار) في جزارتها (منها شيئًا)؛ لأن إعطاء اللحم في الجزارة بمعنى البيع وهو لا يجوز (٣)، فكذا الإعطاء في الجزارة (وقال: نحن نعطيه من عندنا) يحتمل أن يكون معناه: نحن نعطيه من لحم البدن من عندنا في غير الجزارة، ويحتمل أن يكون معناه: نحن نعطيه الجزارة بالدراهم من عندنا. (٢٠) (بابٌ: في وَقْتِ الإحْرَامِ) (٤)، أي من الميقات ١٧٧٠ - (حدثنا محمد بن منصور، نا يعقوب -يعني ابن إبراهيم-، نا أبي) أي إبراهيم، (عن ابن إسحاق، حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس! عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ ) أي في

стр. 4041

حِينَ أَوْجَبَ, فَقَالَ: إِنِّى لأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ, إِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ, فَمِنْ هُنَاكَ (١) اخْتَلَفُوا, خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا, فَلَمَّا صَلَّى فِى مَسْجِدِهِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ (٢) فِى مَجْلِسِهِ, فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ, فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظْتُهُ عَنْهُ, ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ, وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ, وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ, === إحرامه ورفع صوته بالتلبية (حين أوجب) أي ألزم وأثبتَ الإحرامَ. (فقال) ابن عباس: (إني لأعلم الناس بذلك، إنها) أي القصة (إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا) إشارة إلى ما سيجيء من وجه اختلاف الناس في إحرامه ﷺ . (خرج رسول الله ﷺ ) من المدينة (حاجًّا) فنزل بذي الحليفة، (فلما صلي في مسجده بذي الحليفة ركعتيه) أي للإحرام أو ركعتيه فريضة الظهر (أوجب) الإحرام (في مجلسه، فأهل) أي أحرم (بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك) أي إهلاله وتلبيته (منه أقوام فحفظته عنه) أي فحفظت الأقوام عنه أن رسول الله ﷺ أهل بالإحرام حين فرغ من ركعتيه في مسجده بذي الحليفة. (ثم ركب) رسول الله ﷺ ناقته (فلما استقلَّتْ به ناقتُه) أي رفعت الناقة به ﷺ (أهلّ) أي رفع صوته بالتلبية، (وأدرك ذلك) أي إهلالَه حين استقلت به راحلته (منه أقوام؛ وذلك) أي اختلافهم في ابتداء الإهلال (أن الناس إنما كانوا يأتون) رسول الله ﷺ (أرسالًا) جمع رسل بفتحتين أي أفواجًا وفرقًا متقطعة يتبع بعضهم بعضًا، (فسمعوه حين استقلت به ناقته يهلّ) أي يرفع صوته بالتلبية.

стр. 4042

فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَأَيْمُ الله لَقَدْ أَوْجَبَ في مُصَلَّاهُ، وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ". قَالَ سَعِيدٌ: فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ في مُصَلَّاهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ. [حم ١/ ٢٦٠، ك ١/ ٦٢٠، ق ٥/ ٣٧] === (فقالوا: إنما أهل) رسول الله ﷺ (حين استقلت به ناقته)، ولم يدروا أن رسول الله ﷺ أهل قبل ذلك، (ثم مضى رسول الله ﷺ فلما علا) أي صعد (على شرف) أي علو (البيداء أهل) أي رفع صوته بالتلبية أيضًا، (وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء) وغلطوا في ذلك. (وأيم الله) لفظ قسم، ذو لغات، وهمزتها وصل وقد تقطع تفتح وتكسر، وقال في "القاموس" (٢): وأيمُنُ الله وأيم الله، ويكسر أولُهما، وأَيمَن الله بفتح الميم والهمزة، وتُكسَر، وَإِيم الله بكسر الهمزة والميم. وقيل: أَلِفُه ألفُ الوصل، وهَيْمُ الله بفتح الهاء وضم الميم، وَأَمِ الله مثلَّثة الميم، وَإِم الله بكسر الهمزة وضم الميم وفتحِها، وَمُنِ الله بضمَّ الميم وكسرِ النون، وَمُنُ الله مثلَّثة الميمِ والنونِ، وَمُ الله مثلَّثةً، وَلَيْمُ الله، وَلَيْمَنُ الله: اسم وُضِعَ للقسم، والتقدير: أَيمنُ الله قَسَمِي. (لقد أوجب) أي أنشأ رسول الله ﷺ الإحرامَ (في مصلاه، وأهل) أي رفع الصوت بالتلبية أيضًا (حين استقلت به ناقته، وأهل) أيضًا (حين علا على شرف البيداء، قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل) أي أنشأ الإحرام (في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه) وعليه الحنفية.

стр. 4043

١٧٧١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِى (١) تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا, مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ, === قال في "لباب المناسك": إذا أراد أن يحرم يستحب أن يقص شاربه، إلى أن قال: ثم يتجرد عن الملبوس المحرم، ويلبس ثوبين جديدين أو غسيلين غير مخيطين، ثم يصلي ركعتين بعد اللبس، ولو أحرم بغير صلاة جاز، أي جاز إحرامه لا فعلُه لكونه تركَ السنَّةَ، وتجزئ المكتوبة عنها أي عن صلاة الإحرام، وفيه نظر؛ لأن صلاة الإحرام سنة مستقلة كصلاة الاستخارة وغيرها، مما لا تقوم الفريضة مقامها، وإذا سلم فالأفضل أن يحرم وهو جالس مستقبل القبلة في مكانه، انتهى ملخصًا. ١٧٧١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه) عبدِ اللهِ بنِ عمر (أنه) أي عبد الله (قال: بيداؤكم) أضاف البيداء إلى المخاطبين للملابسة بأَنهم كانوا يقولون: إن ابتداء إحرام رسول الله ﷺ كان منها، (هذه) إشارة إلى البيداء (التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها) أي في حقها وفي ابتداءِ الإحرام منها، وليس المراد بالكذب الكذب عمدًا، بل إطلاق الكذب عليه لعدم علمهم بابتداء إحرامه ﷺ من المسجد بعد الصلاة. (ما أهل) أي ما ابتدأ (رسول الله ﷺ إلَّا مِنْ عندِ المسجد) أي حين استقلَّت به راحلته، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري، ومسلم؛ فأخرج البخاري (٢) من طريق صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أهل النبي ﷺ حين استوت به راحلته". وأخرج مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة بلفظ:

стр. 4044

يَعْنِى مَسْجِدَ ذِى الْحُلَيْفَةِ". [خ ١٥٤١، ١١٨٦، ن ٢٧٥٧، حم ٢/ ٦٦] ١٧٧٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ, === كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرامُ من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها، إلخ إلَّا أنه قال: "من عند الشجرة حين قام به بعيره". (يعني مسجد ذي الحليفة)، وأراد بالمسجد مصلى رسول الله ﷺ ، وليس المراد أن هناك مسجدًا بني قبل ذلك. ١٧٧٢ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد) مصغرًا (ابن جريج) مصغرًا، التيمي مولاهم، المدني، قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد عن ابن عمر في لبس النعال السبتية وغير ذلك، قلت: وقال العجلي: مكي، تابعي، ثقة. (أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصنع أربعًا) أي أربع خصال (لم أرَ أحدًا من أصحابك) أي بعض الصحابة والتابعين (يصنعها، قال) ابن عمر: (ما هن) أي الخصال (يا ابن جريج؟ قال) عبيد: (رأيتك لا تَمَسّ من الأركان) أي أركان البيت الأربعة (إلَّا اليمانيين) أي الركن اليماني وركن الحجر. وظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد (١) صح ذلك عن معاوية وابن الزبير، وقد قالوا: ليس شيء من البيت مهجورًا.

стр. 4045

وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ, وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ, وَرَأَيْتُكَ إِذَا (١) كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ, وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ, === (ورأيتك تلبس النعالَ) جمع نعل، وهي مؤنثة، قال صاحب "المحكم": النعل والنعلة: ما وقي به القدم (السبتيةَ) بكسر المهملة، هي التي لا شعر فيها، مشتقة من السبت وهو الحلق، وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقيل: بالسبت بضم أوله، وهو نبت يُدبَغ به. (ورأيتك تصبغ) أي الثوب أو الشعر (بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس) أي رفعوا أصواتهم بالتلبية وأحرموا (إذا رأوا الهلال) أي من أول ذي الحجة (ولم تهل) أي لم تحرم (٢) (أنت حتى كان يوم التروية) أي الثامن من ذي الحجة، ومراده فتهل أنت حينئذ متأخرًا عن الناس. (فقال عبد الله بن عمر) في جوابه: (أما الأركان) أي استلامها (فإني لم أرَ رسول الله ﷺ يمس إلَّا اليمانيين) أي ركن الحجر والذي يسامته من مقابلة الصفا، وقيل للركن الأسود: يمان تغليبًا، وإنما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين الشاميين, لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، وقد ثبت (٣) عن عبد الله بن الزبير أنه كان يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجورًا.

стр. 4046

وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فِإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا, فَأَنَا (١) أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا, وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا, فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا, === وفي "الموطأ" (٢): عن هشام بن عروة: "أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها"، وفي البيت أربعة أركان: ركن الحجر الأسود، والركن اليماني، والركن الشامي، والركن العراقي، الأول له فضيلتان: كونُ الحجر الأسود فيه، وكونُه على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضًا. (وأما النعال السبتية) (٣) أي لبسها (فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها) (٤) أي يغسل الأرجل حال كونها فيها (فأنا أحب أن ألبسها) اقتفاء به ﷺ . (وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها) أي بالصفرة (٥).

стр. 4047

وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ". [خ ١٦٦، م ١١٧٧، ١٢٦٧، حم ٢/ ١١٠] ١٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا, وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ بَاتَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ, فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ === (وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل) أي يحرم (حتى تنبعث به راحلته)، فمن كان من أهل مكة لا تنبعث به راحلته إلَّا يوم التروية (١)، فلهذا أنا أهل يوم التروية (٢) إذا كنت بمكة. ١٧٧٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن بكر، نا ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن أنس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهرَ بالمدينة أربعًا)، ثم توجه إلى مكة مسافرًا، (وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين)، وفيه مشروعية قصر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد، وبات خارجًا عنها ولو لم يستمرّ سفره. (ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته) أي بعد أن صلى الظهر كما يدل عليه حديث ابن عباس من طريق أبي حسان عند مسلم: "أن النبي ﷺ

стр. 4048

وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ". [خ ١٥٤٦، م ٦٩٠، حم ٣/ ٣٧٨] ١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا رَوْحٌ, حَدَّثَنَا أَشْعَثُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ, فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ". [ن ٢٦٦٢، دي ١٨٠٧] ١٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنَا وَهْبٌ - يَعْنِى ابْنَ جَرِيرٍ -, حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ, عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَتْ: قَالَ سَعْدٌ (١): "كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفُرْعِ === صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج"، وللنسائي (٢) من طريق الحسن عن أنس: "أنه ﷺ صلى الظهر بالبيداء، ثم ركب". (واستوت به) ﷺ على البيداء (أهل) أي رفع صوته بالتلبية. ١٧٧٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا روح، ثنا أشعث، عن الحسن، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ صلى الظهر) بذي الحليفة (ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء) وفي حاشية المكتوبة وفي بعض النسخ "حبل" بالحاء المهملة، معناه: الرمل الضخم (أهلّ) أي رفع صوته بالتلبية. ١٧٧٥ - (حدثنا محمد بن بشار، نا وهب - يعني ابن جرير-، نا أبي) جرير بن حازم، (قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: قال سعد: كان نبي الله ﷺ إذا أخذ) (٣) أي اختار (طريقَ الفُرْع) وهي موضع بين مكة والمدينة، قال في

стр. 4049

أَهَلَّ إِذَا اسْتَقَلَّتْ (١) بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا (٢) أَخَذَ طَرِيقَ أُحُدٍ أَهَلَّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ". [ق ٥/ ٣٩] (٢١) بَابُ الاشْتِرَاطِ في الْحَجِّ ١٧٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ, عَنْ هِلَالِ بْنِ === "القاموس": وبالضم، موضع من أضخم أعراض المدينة. وقال في "معجم البلدان" (٣): الفُرْع: قرية من نواحي الربذة (٤) على يسار السقيا، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، وقيل: أربع ليال، بها منبر ونخل ومياه كثيرة، وقال السهيلي: هو بضمتين، قال: ويقال: وهي أول قرية مارتْ إسماعيلَ وأمَّه التمر بمكة، وهي من ناحية المدينة، وفيها عينان يقال لهما الرَّبَض والنَّجَف تسقيان عشرين ألف نخلة. (أهل) أي أحرم برفع الصوت بالتلبية (إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أُحُد) ولم أقف على هذا الطريق (٥)؛ فإن أُحُدًا جانب الشمال من المدينة، ومكةَ على جانب الجنوب (أهل) أي أحرم برفع الصوت بالتلبية (إذا أشرف) أي علا (على جبل البيداء). (٢١) (بَابُ الاشْتِرَاطِ في الْحَجِّ) (٦)، أي ما حكمه؟ ١٧٧٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عباد بن العوام، عن هلال بن

стр. 4050

خَبَّابٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, "أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أُرِيدُ الْحَجَّ أَشْتَرِطُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَتْ: فَكَيْفَ (١) أَقُولُ؟ قَالَ: «قُولِى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ, وَمَحِلِّى مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتَنِى». [م ١٢٠٨، حم ٦/ ٣٦٠، ت ٩٤١، ن ٢٧٦٥] === خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ضباعةَ بنتَ الزبير (٢) بن عبد المطلب)، بنت عم النبي ﷺ ، زوجَ المقداد بن الأسود، فولدت له عبد الله وكريمة (أتت رسولَ الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج أشترط؟ ) بتقدير حرف الاستفهام. (قال) رسول الله ﷺ : (نعم، قالت) ضباعة: (فكيف أقول؟ ) أي أشترط (قال) رسول الله ﷺ : (قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلِّي) أي موضع إحلالي (من الأرض حيث حَبَسْتَني). أخرج البخاري (٣) ومسلم قصة ضباعة بنت الزبير من حديث عائشة قالت: "دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلكِ أردتِ الحج، قالت: والله ما أجدني إلَّا وَجِعَة، فقال لها: حُجِّي واشترطي، وقُولي: اللهم مَحِلِّي حيث حبستني". قال القاري (٤): قال بعض علمائنا، وهذا تفسير الاشتراط، يعني: اشترطي أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحج، فمن لم ير الإحصار بالمرض يستدل بهذا الحديث بأن يقول: لو كان المرض يبيح التحلل لم يأمرها بالاشتراط لعدم الإفادة.

стр. 4051

(٢٢) بَابٌ: في إِفْرَادِ الْحَجّ ١٧٧٧ - حَدَّثَنَا (١) الْقَعْنَبِيُّ، نَا مَالِكٌ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ". [م ١٢١١، ت ٨٢٠، ن ٢٧١٥، جه ٢٩٦٤، حم ٦/ ٣٦] === ومن يرى الإحصار بالمرض - وهو مذهب أبي حنيفة - يستدل بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري الآتي، وبما صح عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ فعندنا اشتراط ذلك (٢) كعدمه، ولا يفيد شيئًا، هذا هو المذكور في كتب المذهب. وقال الطيبي: دلَّ على أنه لا يجوز التحلل بإحصار المرض بدون الشرط ومع الشرط. قيل أيضًا: لا يجوز التحلل، وجعل هذا الحكم مخصوصًا بضباعة، كما أذن النبي ﷺ لأصحابه في رفض الحج وليس يضرهم ذلك، انتهى. قلت: ما حكى الطيبي من أن حكم الاشتراط مخصوص بضباعة؛ موجَّه؛ فإنها واقعة خاصة لا عموم لها، ويدل عليه الروايات الأخر التي فيها حكم التحلل من غير الاشتراط، أو يقال: إن رسول الله ﷺ قال لضباعة بالاشتراط تطييبًا لقلبها وتسكينها، والله أعلم. (٢٢) (بابٌ: في إفْرَادِ الْحَجِّ) وهو أن يحرم بالحج في أشهره، ثم يأتي بأفعاله، ويفرغ منه ١٧٧٧ - (حدثنا القعنبي، نا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج)، قال النووي (٣): وأما حجة النبي ﷺ فاختلفوا فيها، هل كان مفردًا، أو متمتِّعًا، أو قارنًا؟ وهي ثلاثة

стр. 4052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت (١) نوعًا، وادعت أن حجة النبي ﷺ كانت كذلك، والصحيح أنه ﷺ كان أولًا مفردًا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار قارنًا. واختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل؟ فقال الشافعي (٢) ومالك (٣) وكثيرون: أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القرآن، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع (٤)، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القرآن، وهذان

стр. 4053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المذهبان قولان آخران للشافعي، والصحيح تفضيل (١) الإفراد، ثم التمتع، ثم القرآن، انتهى. قلت: وأفضلها عند الحنفية القران، ثم التمتع، ثم الإفراد (٢)، ثم قوله: أفرد الحج. المحققون قالوا في نسكه ﷺ : إنه القران، فقد صح ذلك من رواية اثني عشر من الصحابة بحيث لا يحتمل التأويل، وقد جمع ابن حزم الظاهري في "حجة الوداع" (٣) له، وذكرها حديثًا حديثًا، قالوا: وبه يحصل الجمع بين أحاديث الباب. أما أحاديث الإفراد فمبنية على أن الراوي سمعه يلبي بالحج فزعم أنه مفرد بالحج، فأخبر على حسب ذلك، ويحتمل أن المراد بإفراد الحج (٤) أنه لم يحج بعد الافتراض إلَّا حجة واحدة. وأما أحاديث التمتع فمبنية على أنه سمعه يلبي بالعمرة فزعم أنه متمتع، وهذا لا مانع منه من إفراد نسك بالذكر للقارن، على أنه قد يختفي الصوت بالثاني. ويحتمل أن المراد بالتمتع القرانُ؛ لأنه من الإطلاقات القديمة، وهم كانوا يسمون (٥) القران تمتعًا، انتهى.

стр. 4054

١٧٧٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ -. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى, حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ هِلَالَ ذِى الْحِجَّةِ, === قلت: قال الطحاوي (١): قيل له: قد يجوز أن يكون الإفراد الذي ذكره هذا على معنى لا يخالف معنى ما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة، وذلك أنه قد يجوز أن يكون الإفراد الذي ذكره القاسم، عن عائشة إنما أرادت به إفرادَ الحج في وقت ما أحرم به، وإن كان قد أحرم بعد خروجه منه بعمرة؛ فأرادت أنه لم يخلطه في وقت إحرامه به بإحرام بعمرة كما فعل غيره ممن كان معه. وأما حديث محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة؛ فإنها أخبرت أن منهم من أهلَّ بعمرة لا حجة معها، ومنهم من أهلَّ بحجة وعمرة يعني مقرونتين، ومنهم من أهلَّ بالحج، ولم يذكر في ذلك التمتع، فقد يجوز أن يكون الذين قد كانوا أحرموا بالعمرة أحرموا بعدها بحجة، ليس حديث هذا ينفي من ذلك شيئًا، وإنها قالت: "وأهل رسول الله ﷺ بالحج مفردًا"، فقد يجوز أن يكون ذلك الحج المفرد بعد عمرة قد كانت تقدمت منه مفردة، فيكون قد أحرم بعمرة مفردة على ما في حديث القاسم ومحمد بن عبد الرحمن عن عروة، ثم أحرم بعد ذلك بحجة على ما في حديث الزهري عن عروة، حتى تتفق هذه الآثار ولا تتضاد. ١٧٧٨ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، ح: ونا موسى بن إسماعيل، نا حماد - يعني ابن سلمة-، ح: ونا موسى، نا وهيب) كلهم (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين) بالِغين ومقاربين طلوعَ (هلال ذي الحجة)، فإنه ﷺ خرج لخمس بقين

стр. 4055

فَلَمَّا كَانَ بِذِى الْحُلَيْفَةِ قَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ, وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ». قَالَ مُوسَى فِى حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَإِنِّى لَوْلَا أَنِّى أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. وَقَالَ فِى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلُّ بِالْحَجِّ فَإِنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ, ثُمَّ اتَّفَقُوا (١) , فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ, فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ الطَّرِيقِ حِضْتُ, فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى, فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟ ». قُلْتُ: وَدِدْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ. === من ذي القعدة، (فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة) أي أذن رسول الله ﷺ لكل واحد منهم أن يحرم بما شاء من الحج أو العمرة. (قال موسى في حديث وهيب: فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة) أي بعمرة خالصة، ثم حللت بعد الفراغ من أفعالها، لكن الهدي (٢) يمنع الإحلال قبل الحج كالقران والإفراد، ولعل هذا القول صدر منه ﷺ حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة لا عند ذي الحليفة. (وقال) موسى (في حديث حماد بن سلمة: وأما أنا فأهل بالحج) مع العمرة (فإن معي الهدي، ثم اتفقوا، فكنت (٣) فيمن أهل بعمرة، فلما كان) رسول الله ﷺ (في بعض الطريق) أي بسرف (حِضْتُ، فدخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيكِ؟ قلت: وددتُ أني لم كن خرجت العامَ)، فلا يصيبني تلك المصيبة.

стр. 4056

قَالَ: "ارْفُضِى عُمْرَتَكِ وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى». قَالَ مُوسَى: «وَأَهِلِّى بِالْحَجِّ» , وَقَالَ سُلَيْمَانُ: «وَاصْنَعِى مَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ فِى حَجِّهِمْ» , فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الصَّدَرِ (١) أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَذَهَبَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ. [خ ١٥٥٦، م ١٢١١، ن ٢٧١٦، جه ٣٠٠٠] === (قال) رسول الله ﷺ : (أرفُضِي عمرتكِ، وانقضي) شعر (رأسكِ، وامتَشِطِي) أي أصلِحِي شعر رأسك بالمشط، وهذا الكلام يدل (٢) صريحًا على الأمر بترك إحرام العمرة؛ فإن الامتشاط يستلزم نتف الشعر وهو ممنوع في الإحرام، فلما أمرها بالامتشاط عُلِمَ أنه ﷺ أمرها برفض إحرام العمرة لا بترك أفعالها. (قال موسى: وأَهِلِّي) أي أَحرِمي (بالحج، وقال سليمان: واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم) من إحرام الحج، والوقوفِ بعرفات والمزدلفة ومنى، ورميِ الجمار. (فلما كان ليلة الصدر) أي ليلة الرجوع (أمر رسول الله ﷺ عبدَ الرحمن) أخا عائشة، (فذهب) عبد الرحمن (٣) (بها) أي بعائشة (إلى التنعيم) بالفتح، ثم السكونِ، وكسرِ العين المهملة، وياءٍ ساكنةٍ، وميمٍ: موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة، وقيل على أربعة، وسمي بذلك لأن جبلًا عن يمينه يقال له: نعيم، وآخر عن شماله يقال له: ناعم، والوادي نعمان، وبالتنعيم مساجد حول مسجد عائشة ﵂ وسقايا على طريق المدينة، منه يحرم المكيون بالعمرة، كذا في "المعجم" (٤).

стр. 4057

زَادَ مُوسَى: فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا وَطَافَتْ (١) بِالْبَيْتِ, فَقَضَى اللَّهُ عُمْرَتَهَا وَحَجَّهَا (٢). قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ مُوسَى فِى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: "فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ طَهُرَتْ عَائِشَةُ". === (زاد موسى: فأهلت بعمرة (٣) مكان عمرتها) التي رفضتها (وطافتْ بالبيت) المراد بالطواف إما طواف الإفاضة للحج، أو المراد طواف العمرة، والظاهر أن المراد بها طواف العمرة. وترك في الحديث طواف الزيارة. (فقضى الله عمرتها وحجَّها). (قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك هدي)؛ لأنها لما رفضت العمرة كانت مفردة بالحج فلا يلزم عليها الهدي، ولكن يلزمها دم رفض العمرة، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أدى عنها الدم في البقرة التي ذبحها. (قال أبو داود: زاد موسى في حديث حماد بن سلمة: فلما كانت ليلة البطحاء) أي الليلة التي أقام فيها رسول الله ﷺ في المحصب بعد عوده من مني (طهرت عائشة) في تلك الليلة، وهي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة. قال الحافظ ابن القيم في "الهدي" (٤): وموضع طُهرها قد اختلف فيه، فقيل: بعرفة، هكذا روى مجاهد عنها، وروى عروة عنها أنها أظلّها يوم عرفة

стр. 4058

١٧٧٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ, فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ, وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ, === وهي حائض، ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنيين، فطهر عرفة: هو الاغتسال للوقوف [بها] عنده. قال: لأنها قالت: تطهرتُ بعرفة، والتطهر غير الطهر، قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر، وحديثه في "صحيح مسلم" قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضًا، وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود حديثًا عنها، وفيه: "فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة"، وهذا إسناد صحيح، لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر، مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: "إنها طهرت ليلة البطحاء"، وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة أنها ليست من كلام عائشة، فسقط التعلق بها؛ لأنها هي مما دون عائشة، وهي أعلم بنفسها، انتهى بقدر الحاجة (١). ١٧٧٩ - (حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الأسود محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشةَ زوجِ النبي ﷺ قالت: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ عام حجة الوداع) من المدينة، فلما كنا بذي الحليفة أَذِنَ رسول الله ﷺ من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل. (فمنا من أهلَّ بعمرة) خالصة، (ومنا من أهلَّ بحج وعمرة) مجموعتين،

стр. 4059

وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ, وَأَمَّا (١) مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ". [خ ١٥٦٢، م ١٢١١، ن ٢٧١٥، جه ٢٩٦٥] ١٧٨٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ, أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِى مَالِكٌ, عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. زَادَ: "فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَحَلَّ" (٢). [انظر سابقه] ١٧٨١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, === (ومنا من أهلَّ بالحج، وأهلَّ (٣) رسول الله ﷺ بالحج) مفردًا أو مع العمرة. (وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) وهذا محمول (٤) في حق من أهل بالحج وأهدى، فلا يحل لهم التحلل إلا يوم النحر حين نحو الهدي، وإلا فمن كان منهم من أهل بالحج مفردًا أمره رسول الله ﷺ بفسخه إلى العمرة. ١٧٨٠ - (حدثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن أبي الأسود بإسناده) المتقدم (مثله) أي مثل الحديث المتقدم (زاد) ابن وهب: (فأما من أهل بعمرة فأحل) (٥). ١٧٨١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،

стр. 4060

عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ === عن عائشةَ) ﵂ (زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ) من المدينة (في حجة الوداع، فأهللنا) أي فأهلَّ بعضنا (بعمرة). (ثم قال رسول الله ﷺ : من كان) أهل بالعمرة و (معه هدي فليهل بالحج مع العمرة) أي فليدخل الحجَ على العمرة ليكون قارنًا، (ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا) أي لا يخرج من الإحرام، ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتم العمرةَ والحجَّ جميعًا. (فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت)؛ لأن الحائض ممنوعة عن دخولِ المسجد، والطوافُ بالبيت لا يكون إلَّا في المسجد فلم تطف لذلك. قال في "شرح الوقاية": وحيضها لا يمنع نسكًا إلَّا الطواف فإنه في المسجد، ولا يجوز للحائض دخوله، انتهى. واعترض عليه مولانا عبد الحي اللكهنوي وقال: قوله: إنه في المسجد، هذا قاصر؛ فإنها لو طافت من خارج المسجد أيضًا لم يجز، فإن الطهارة من الجنابة شرط لنفس الطواف، انتهى. قلت: فما قال شارح "الوقاية" ليس بقاصر؛ فإنه لو طاف خارج المسجد لا يجوز طوافه من حيث إنه يشترط لصحة الطواف كونه في المسجد. قال في "البدائع" (١): لو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد لم يجز؛ لأن حيطان المسجد حاجزة فلم يطف بالبيت لعدم الطواف

стр. 4061

وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ ، === حوله، بل طاف بالمسجد لوجود الطواف حوله لا حول البيت، ولأنه لو جاز الطواف حول المسجد مع حيلولة حيطان المسجد لجاز حول مكة والحرم، وذا لا يجوز، كذا هذا، انتهى. وقال القاري في "شرح المناسك" (١): ولو طاف خارج المسجد فمع وجود الجدران لا يصح إجماعًا، وأما إذا كان جدرانه منهدمة فكذا عند عامة العلماء، خلافًا لمن لم يعتد بخلافه، انتهى. نعم غاية ما في الباب أن لجواز الطواف شرطين (٢): الأول: مكان الطواف، والثاني: الطهارة، وكل واحد منهما له دخل في صحة الطواف، فإذا انعدم أحدهما لم يجز الطواف، فلا قصور في ذكر أحد العلتين. (ولا بين الصفا والمروة) , لأن صحة الطواف بين الصفا والمروة موقوفة على الطواف بالبيت طاهرًا عن الحدث الأكبر، فلا يجوز السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف ولا بعد الطواف، حائضًا أو جنبًا. قال في "المناسك" (٣): الشرط الثاني: أن يكون السعي بعد طواف كامل ولو نفلًا، أو بعد أكثره أي أكثر أشواطه، فلو سعى قبل الطواف أي أكثر جنسه، أو بعد أقله لم يصح لعدمِ تحققِ ركنه. ثم قال: الخامس: أن يكون السعي بعد طواف على طهارة عن الجنابة والحيض وكذا حكم النفاس، فإن لم يكن طاهرًا عنهما وقت الطواف لم يجز رأسًا. (فشكوت ذلك) أي تَرْكَ الطواف والسعي لعذر الحيض (إلى رسول الله ﷺ ،

стр. 4062

فَقَالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى وَأَهِلِّى بِالْحَجِّ وَدَعِى الْعُمْرَةَ». قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ (١): === فقال) رسول الله ﷺ : (انقُضِي) شعر (رأسكِ، وامتَشِطِي، وأَهِلي) أي أحرمي (بالحج وَدَعِي العمرةَ)، قد تقدم بيان الاختلاف بين الحنفية والشافعية في عمرة عائشة (٢) ﵂ أنها عندهم كانت عائشة ﵂ قارنة، فدخلت أفعال العمرة في أفعال الحج، فعندهم معنى قوله: "انقضي رأسك"، أي: حلِّي شعر رأسك، وامتشطي بحيث لا ينتف شعر الرأس، وأحرمي بالحج، ودعي العمرة أي: اتركي أفعال العمرة. وعند الحنفية لا تدخل أفعال العمرة في أفعال الحج، بل يجب أن يأتي بأفعال العمرة من الطواف والسعي أولًا، ثم يأتي بأفعال الحج، فعلى هذا في هذا الكلام دليل صريح لمذهب الحنفية؛ فإن قولها: لم أطف بين الصفا والمروة، وشكاية ذلك إلى رسول الله ﷺ لا يصح إلا أن يكون عندها علم بأن أفعال العمرة لا تدخل في أفعال الحج، وكذلك أمرُها بالامتشاطِ ورفضِ العمرة كالصريح في ذلك، فإنها إذا كانت قارنة لم تترك شيئًا من أعمال العمرة، وكذلك لا يصح قولها: أرجع بحجة، وكذلك قوله ﷺ : "هذه مكان عمرتك"، فثبت بهذا أنها كانت معتمرة، ثم لما أصابها الحيض رفضت العمرةَ، وأهلت بالحج، فصارت مفردة بالحج، ولم يجب عليها الهدي، بل وجب عليها دم لرفض العمرة. (قالت: ففعلت) أي رفضت العمرة، وأَهللت بالحج، (فلما قضينا الحجَ أرسلني رسول الله ﷺ مع) أخي (عبدِ الرحمنِ بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت) أي أحرمت منها للعمرة، وأديت أفعالها، فلما فرغت منها (فقال) رسول الله ﷺ :

стр. 4063

«هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا, ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ (١) رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ, وَأَمَّا (٢) الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [خ ١٥٥٦، م ١٢١١، ن ٢٧٦٣] === (هذه) أي العمرة التي اعتمرتِ من التنعيم (مكان عمرتكِ) التي رفضتها. (قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا) من العمرة، (ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مني لحجهم) وهذا هو طواف الإفاضة، فإنهم لما حلوا عن طواف العمرة صاروا متمتعين. (وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) (٣). قال العيني (٤): فيه حجة لمن قال: الطواف الواحد والسعي الواحد يكفيان للقارن، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم (٥)، وقال الأوزاعي والشعبي والنخعي ومجاهد وابن أبي ليلى وغيرهم وأبو حنيفة وأصحابه: لا بد للقارن من طوافين وسعيين، وحكي ذلك عن علي وعمر والحسن والحسين وابن مسعود. وعن علقمة وابن (٦) مسعود قال: طاف رسول الله ﷺ لعمرته وحجه طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر وعلي، انتهى.

стр. 4064

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ, لَمْ يَذْكُرُوا طَوَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ, وَطَوَافَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. === وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: قوله: طافوا طوافًا واحدًا، أوَّله بعضهم بأن معناه: طافوا لكل واحد منهما طوافًا واحدًا، ولا يصح تأويله بعد ما علم من مذهب عائشة أنها كانت ترى للقارن طوافًا واحدًا كالسعي، كما هو مذهب الشافعية. والسبب في اختلاف هؤلاء في هذه الأمور ما رأوا من أفعال النبي ﷺ ، فمن لم يرَ طوافيه وسعييه بل لحقه بعد ما طاف وسعى مرة جزم بأنه إنما فعلهما مرة واحدة، والآخرون لما رأوا طوافيه وسعييه اختاروا ذلك، وقد تقدم أن المثبت أولى من النافي. وأوله بعض الأذكياء من العلماء من أهل الدرس أن معناه: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا للإحلال طوافًا واحدًا، فإنهم لم يحلوا بعد طواف العمرة، وإنما حلوا بعد طواف الزيارة، فليس طوافهم للحل إلَّا طوافًا واحدًا (١). (قال أبو داود: رواه إبراهيم بن سعد (٢) ومعمر (٣)، عن ابن شهاب نحوه) أي نحو حديث مالك، عن ابن شهاب (لم يذكروا) أي إبراهيم ومعمر وغيرهما (طوافَ الذين أهلُّوا بعمرة، وطوافَ الذين جمعوا الحج والعمرة) حاصله أن حديث إبراهيم ومعمر تم على قوله: هذه مكان عمرتك، وأما مالك فزاد في حديثه: قالت: فطاف الذين أهلوا، الحديث.

стр. 4065

١٧٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ, فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى === ١٧٨٢ - (حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لبينا بالحج) كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵀: إنما أضافته إلى نفسها مجازًا (١)، كما أضافته في قولها بعد ذلك (٢): فلما قدمنا تطوفنا، ومن المعلوم أنها كانت حائضة عند ذلك، وإنما نسبت فعل الجماعة إليها أيضًا، ولا يضرنا لو سلَّمنا أنها كانت قارنة؛ فإنها وإن نوت النُّسكين جميعًا غير أنها برفض العمرة صارت مفردة بالحج. (حتى إذا كنا بسرف) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وآخره فاء: موضع على ستة أميال من مكة، وقيل سبعة، وتسعة، واثني عشرة، تزوج به رسول الله ﷺ ميمونةَ بنت الحارث، وهناك بني بها، وهناك تُوُفِّيَتْ ﵂. (حضتُ، فدخل عَليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي)، قال الحافظ (٣): تقدم أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكةَ، وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم: أن دخول النبي ﷺ عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد، عن عائشة: أن طهرها كان بعرفة، وفي رواية القاسم عنها: "وطهرت صبيحةَ ليلةِ عرفة حتى قدمنا مني"، وله من طريقه: "فخرجت في حجتي، حتى نزلنا [منى] فتطهرت ثم طفنا بالبيت" الحديث. واتفقت الروايات أنها طافت طواف الإفاضة من يوم النحر، واقتصر النووي في "شرح مسلم" على النقل عن أبي محمد بن حزم: أن عائشة حاضت
следующие страницы →