في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: "وَقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ".
١٨٠١ - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ, ثنَا (١) عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عمر بن عبد العزيز, حَدَّثَنِى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا (٢) بِعُسْفَانَ
===
في هذا الحديث قال: "وقيل: عمرة في حجة") غرض المصنف بهذين الكلامين إشارة إلى ما وقع من الاختلاف بأن في رواية مسكين، عن الأوزاعي: "قال: عمرة في حجة"، بلفظ: قال، بصيغة الماضي، وفي حديث الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي: "وقيل: عمرة في حجة" بصيغة الأمر، وكذا في رواية علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: "وقيل: عمرة في حجة".
وأشار البخاري إلى اختلاف آخر في هذا اللفظ في رواية علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، وفيه: "وقيل عمرة وحجة"، بواو العطف في حديث سعيد بن الربيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، وقال هارون بن إسماعيل: حدثنا علي: "عمرة في حجة"، فخالف هارون سعيدَ بنَ الربيع في قوله: "وقيل: عمرة وحجة" بواو العطف، وقال هارون: "عمرة في حجة"، بحرف "في"، قال الحافظ (٣): وأبعد من قال: معناه: عمرة مدرجة في حجة أي أن عملَ العمرة يدخل في عمل الحج، فيجزئ لهما طواف واحد، وقال: من معناه: أنه يعتمر في تلك السَّنة بعد فراغ حجه، وهذا أبعد من الذي قبله؛ لأنه ﷺ لم يفعل ذلك.
١٨٠١ - (حدثنا هناد بن السري، نا ابن أبي زائدة، ثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حدثني الربيع بن سبرة، عن أبيه) سبرة بن معبد (قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ) من المدينة (حتى إذا كنا بعُسْفانَ) كعثمان: موضح
стр. 4097
قَالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِىُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ, فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِى حَجِّكُمْ هَذَا عُمْرَةً, فَإِذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ». [حم ٣/ ٤٠٤، دي ١٨٥٧]
١٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ, حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَاّدٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى, الْمَعْنَى, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: "قَصَّرْتُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ, أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصِّرُ عَنْهُ عَلَى الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ". [خ ١٧٣٠، م ١٢٤٦، ن ٢٩٨٨]
===
على مرحلتين من مكة (قال له سراقة بن مالك) بن جعشم بضم الجيمِ والمعجمةِ، بينهما عين مهملة، الكناني، ثم (المدلجي)، أبو سفيان، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، كان ينزل قديدًا، وهو الذي لحق النبي ﷺ وأبا بكر حين خرجا مهاجرين إلى المدينة، وقصته مشهورة، (يا رسول الله! اقضِ لنا) أي بَيِّنْ لنا (قضاء) أي بيان (قوم كأنما وُلدُوا اليوم) أي بيانًا وافيًا في غاية الوضوح كالبيان لمن لا يعلم شيئًا قبل اليوم. (فقال) رسول الله ﷺ : (إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة) كما تقدَّم في الحديث المتقدِّم: "وقل: عمرة في حجة"، (فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ) أي من إحرام العمرة (إلَّا من كان معه هدي)؛ فإنه لا يحل حتى ينحر هديه.
١٨٠٢ - (حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، نا شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج، وحدثنا أبو بكر بن خلاد، نا يحيى، المعنى) أي معنى حديث شعيب بن إسحاق ومعنى حديث جحيم واحد، كلاهما (عن ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قَصَّرْتُ عن النبي ﷺ ) أي شعره (بمشقصٍ) أي نصل السهم (على المروة أو) للشك (رأيته) أي رسول الله ﷺ (يقصِّر عنه على المروة بمشقصٍ).
стр. 4098
١٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (١) وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى, الْمَعْنَى, قَالا (٢): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنِّى قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصِ أَعْرَابِىٍّ عَلَى الْمَرْوَةِ,
===
وفي بعض النسخ على الحاشية: قال ابن خلاد: إن معاوية لم يذكر: أخبره. معنى هذا الكلام أن شيخي لم يذكر بعد قوله: "إن معاوية" لفظ: أخبره، بل قال: إن معاوية بن أبي سفيان قال: قصرت، الحديث، أو يقال: قال ابن خلاد لفظ: "إن معاوية" ولم يذكر - أي ابن خلاد - لفظ: "أخبره".
١٨٠٣ - (حدثنا الحسن بن علي) ومخلد بن خالد (ومحمد بن يحيى، المعنى) أي معنى حديثهم واحد (قالا) وفي نسخة: قالوا: (نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أن معاوية قال له: أما علمت أني قَصَّرتُ عن رسول الله ﷺ بمشقصِ أعرابي على المروة).
قال ابن حزم: وهو مشكل يتعلق به من يقول: إنه ﵇ كان متمتعًا، والصحيح الذي لا شكَّ فيه والذي نقله الكواف: أنه ﷺ لم يقصِّر من شعره شيئًا، ولا أحل من شيء من إحرامه إلى أن حلق بمنى يوم النحر، ولعلَّ معاوية عني بالحج عمرةَ الجعرانةِ؛ لأنه قد أسلم حينئذٍ، ولا يسوغ هذا التأويل في رواية من روى: أنه كان في ذي الحجة، أو لعله قصَّر عنه ﵊ بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق بعده، فقصره معاوية على المروة يوم النحر.
وقد قيل: إن الحسن بن علي أخطأ في إسناد هذا الحديث فجعله عن معمر، وإنما المحفوظ أنه من هشام؛ وهشام ضعيف.
قلت: كلام المصنف يدفع هذا الجواب، حيث بيَّن أن الحسن بن علي
стр. 4099
بِحَجَّتِه". [ن ٢٩٨٨]
١٨٠٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ, أَخْبَرَنَا أَبِى, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُسْلِمٍ الْقُرِّىِّ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "أَهَلَّ النَّبِىُّ (١) ﷺ بِعُمْرَةٍ, وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ". [م ١٢٣٩، ن ٢٨١٤]
===
ليس بمنفرد في هذا الحديث، بل معه محمد بن يحيى أيضًا، قاله في "فتح الودود".
(بحجته) وفي نسخة: زاد الحسن: بحجته. فالظاهر المراد بالحج العمرة وإلَّا لا يصح هذا القول؛ فإن رسول الله ﷺ لم يحل في حجته بعد العمرة، بل حل بعد الحج يوم النحر، وعلى هذا لا مطابقة بين الحديث والباب؛ لأن الحديث لا يدل على القرآن، فالمناسبة بين الحديث والباب باعتبار ظاهر لفظ: "بحجته"؛ فإنه يدل باعتبار ظاهر لفظه على التمتع، وهو داخل في القرآن.
١٨٠٤ - (حدثنا ابن معاذ) عبيد الله، (أنا أبي) معاذ بن معاذ، (نا شعبة، عن مسلم) بن مخراق العبدي (القُرِّي) بضم القاف وتشديد الراء، مولى بني قرة، ويقال: المازني، الفريابي، أبو الأسود البصري العطَّار، ويقال: إنهما اثنان. عن أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قلت: لكنه فَرَّق بين مولى بني قرة، وبين المكني أبي الأسود، وبذلك جزم أبو علي الجياني في "تقييد المهمل"، وقال العجلي: تابعي ثقة.
(سمع ابنَ عباس يقول: أهلَّ النبي ﷺ بعمرة، وأهل أصحابه بحج) وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أهلَّ بعمرة وحج، فذكرُ أحدِهما لا ينفي الآخر، وقد ثبت أنه ﷺ حجَّ فصار قارنًا، وأما أصحابه فبعضهم أحرم بعمرة، وبعضهم أحرم بحج فقط، وبعضهم أحرم بحج وعمرة، فذكر في الحديث ما فعله بعضهم.
стр. 4100
١٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ, حَدَّثَنِى أَبِى, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أن عبد الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ, فَأَهْدَى وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْىَ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ, وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ, ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ, فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فسَاقَ (١) الْهَدْىَ, وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ, فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ (٢) مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ (٣) ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ, فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ
===
١٨٠٥ - (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي) شعيب بن الليث، (عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج) أي قبل الطواف، وهذا هو القرآن، (وتمتَّع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهدِ، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس) أي لأصحابه: (من كان منكم أهدى فإنه لا يحل له من شيء حَرُمَ منه) لأجل الهدي (حتى يقضي حَجَّه) أي بعد الوقوفِ بعرفة، والرمي، والذبح، والحلقِ.
(ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة) أي للعمرة، (وليقصر وليحلل) من العمرة، (ثم ليُهِلَّ بالحج وَلْيُهدِ) وهو دم التمتع. (فمن لم يجد هديًا) أي لم يقدر عليه (فليصم ثلاثة أيام في الحج).
стр. 4101
وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلى أَهْلِهِ"
===
ومذهب الشافعية في ذلك ما قال النووي في "شرح مسلم" (١): ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر، ويجوز صوم عرفة منها، لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله، والأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة، فإن صامها بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزه على الصحيح، فإن لم يصمها قبل يوم النحر وأراد صومها في أيام التشريق ففي صحته قولان مشهوران للشافعي، أشهرهما في المذهب: أنه لا يجوز، وأصحهما من حيث الدليل: جوازه، هذا تفصيل مذهبنا، ووافقنا أصحاب مالك في أنه لا يجوز صوم الثلاثة قبل الفراغ من العمرة، وجَوَّزه الثوري وأبو حنيفة، ولو ترك صيامها حتى مضى العيد والتشريق لزمه قضاؤها عندنا، وقال أبو حنيفة: يفوت صيامها، ويلزمه الهدي إذ أطاعه، انتهى.
قلت: وعندنا معشر الحنفية: شرائط صحة صيام الثلاثة أن يصوم الثلاثة بعد الإحرام بهما في القارن بخلاف المتمتع، فإن فيه خلافًا، وبعد إحرام العمرة في المتمتع، وأن يكون صيام الثلاثة في أشهر الحج، واتفق أصحابنا على أن من الاستحباب أن يصوم ثلاثة أيام متوالية بعد الإحرام بالحج آخرها يوم عرفة، والحاصل أن كل ما أخَّر صيام هذه الثلاثة إلى آخر وقتها فهو أفضل، ولا يجوز له أن يصوم الثلاثة في أيام النحر والتشريق وبعدها لفوات الوقت.
(وسبعةً إذا رجع إلى أهله) قال النووي (٢): وأما صوم السبعة فيجب إذا رجع، وفي المراد بالرجوع خلاف، والصحيح في مذهبنا: أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح. والثاني: إذا فرغ من الحج، ورجع إلى مكة من مني، وهذان القولان للشافعي ومالك، وبالثاني قال أبو حنيفة، انتهى.
стр. 4102
وَطَافَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَىْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ, ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ
===
وقال في "لباب المناسك" (٢): وأما صوم السبعة فشرط صحتها تبييتُ النية وتقدُّمُ الثلاثة، وأن يصوم السبعة بعد أيام التشريق، ويجوز صيام السبعة بعد الفراغ من الحج بمكة، والأفضل أن يصومها بعد الرجوع إلى أهله، خروجًا عن خلاف الشافعية.
(وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة فاستلم الركن) أي الحجر الأسود (أولَ شيء) أي أول شيء بدأ به، (ثم خَبَّ) أي رمل وأسرع (ثلاثة أطواف) أي أشواط (من السبع) أي الأشواط (ومشى أربعة أطواف، ثم ركع) أي صلَّى ركعتي الطواف (حين قضى طوافه بالبيت عند المقام) أي مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي بني الكعبة قائمًا عليه (ركعتين، ثم سلم) ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ولم يذكر في هذه الرواية الاستلام في الأشواط ولا بعد الفراغ من الطواف، وقد وقع في "مسند أحمد" و"البخاري" وغيره (٣): "أن النبي ﷺ كلما أتى على الركن أشار بشيء في يده، وكبر". الحديث.
وأما الاستلام بعد الفراغ من ركعتي الطواف فقد وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم (٤) بلفظ: "كان يقرأ في الركعتين: قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا". الحديث.
стр. 4103
فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا, فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ, ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, حَتَّى قَضَى حَجَّهُ (١) وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ, وَأَفَاضَ (٢) فَطَافَ بِالْبَيْتِ, ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ, وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْىَ مِنَ النَّاسِ". [خ ١٦٩١، م ١٢٢٧، السنن الكبرى للنسائي ٣٧١٢، حم ٢/ ١٣٩]
١٨٠٦ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣)
===
(فانصرف) عن البيت (فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف) يسعى بين الميلين في كل شوط منه، وهذا الطواف عندنا للعمرة، وعند الشافعية للقدوم. (ثم لم يحلل من شيء حرم منه)؛ لأنه ﵇ كان ساق الهدي (حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر)، فحل له ما حرم منه غير النساء (وأفاض فطاف) طواف الإفاضة (٤) (بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه) أي حل له النساء فلم يبق شيء حرَّم عليه إذ ذاك.
(وفعل) الناس (مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس) بأنهم لم يحلوا إلا بعد الفراغ من الهدي، وأما من لم يكن معهم هدي فقد حلوا بعد أفعال العمرة، ثم أحرموا بالحج، وحلوا منه بعد قضاء الحج.
١٨٠٦ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) ﵁ (عن) أخته (حفصةَ زوجِ النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله!
стр. 4104
مَا شَأْنُ النَّاسِ قَدْ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: «إِنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِى, وَقَلَّدْتُ هَدْيِى فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ (١)». [خ ١٧٢٥، م ١٢٢٩، جه ٣٠٤٦، ن ٢٦٨٢، حم ٦/ ٢٨٤]
.... (٢)
١٨٠٧ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ السَّرِىِّ - عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ, أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ سَلِيمِ (٣) بْنِ الأَسْوَدِ: "أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
===
ما شأن الناس قد حلُّوا) من عمرتهم (ولم تحلل أنت من عمرتك؟ ) وهذا يدل على أن طوافه ﷺ حين قدم مكة كان طواف العمرة حسبما قالت الحنفية؛ فإن الإحلال من العمرة لا يمكن إلا أن تكون أفعال العمرة غير داخلة في الحج، فقد ثبت بتقريره ﷺ وعدمِ إنكارِه أن الذي طاف وسعى كان من أفعال العمرة غير داخلة في الحج (فقالَ: إني لبدت رأسي، وقلَّدت هديي فلا أحل حتى أنحر) أي هديي.
١٨٠٧ - (حدثنا هناد -يعني ابن السري-، عن ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا، (أنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود) النخعي، (عن سليم بن الأسود (٤): أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها) أي الحجة (بعمرة: لم يكن ذلك) أي فسخ الحج بالعمرة (إلَّا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ) فكان خاصة بهم لا يجوز لغيرهم، وهكذا عند الجمهور خلافًا لأحمد وطائفة من أهل الظاهر، فإنهم جَوَّزوا فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد.
стр. 4105
١٨٠٨ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِىُّ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ -, أَخْبَرَنا (١) رَبِيعَةُ بْنُ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ قَالَ: «بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً». [ن ٢٨٠٨، جه ٢٩٨٤، حم ٣/ ٤٦٩، دي ١٨٥٥]
===
١٨٠٨ - (حدثنا النفيلي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمد-، أنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث) المزني المدني، روى عن أبيه، وعنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أخرجوا له حديثًا واحدًا في فسخ الحج. قلت: وقال الإِمام أحمد: ليس إسناده بالمعروف، قال الشوكاني (٢): قال المنذري: إن الحارث يشبه المجهول، وقال الحافظ: الحارث بن هلال من ثقات التابعين.
(عن أبيه) بلال بن الحارث المزني، أبو عبد الرحمن المدني، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين، وقال أحمد بن عبد الله بن البرقي: إن بلال بن الحارث كان أول من قدم من مزينة على النبي ﷺ في رجال من مزينة سنة ٥ من الهجرة (قال: قلت: يا رسول الله! فسخُ الحَجِّ لنا خاصة) بتقدير حرف الاستفهام (أو لمن بعدنا؟ ) أيضًا يجوز (قال) رسول الله ﷺ : (بل لكم خاصة).
اختلفوا في فسخ الحج إلى العمرة، هل هو مختص بزمان رسول الله ﷺ في تلك السنَّة أم يجوز بعده لكل أحد؟ فقال أحمد (٣) وطائفة من أهل الظاهر: ليس هو مختصًا بهم بل هو يجوز لكل أحد بعدهم، وقال مالك وأبو حنيفة
стр. 4106
(٢٤) بَابُ الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ
١٨٠٩ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ, فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ, فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ,
===
والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف: إن فسخ الحج إلى العمرة هو مختصٌّ بالصحابة في تلك السَّنة لا يجوز بعدها، قالوا: وإنما أُمِرُوا به في تلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدل المدَّعون الخصوصَ بهذا الحديث، وأجاب المانعون عنه أن الإِمام أحمد قال: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يعرف هذا الرجل يعني الحارثَ بنَ بلال، قلت: وقد عرفت أن الشوكاني حكى عن الحافظ أن الحارث من ثقات التابعين، فكيف يقال: إن حديثه لم يثبت؟ !
(٢٤) (باب الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ) (١)
هل يجب عليه أن يحج أولًا عن نفسه أو لا؟
١٨٠٩ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديفَ رسول الله ﷺ فجاءته) أي رسول الله ﷺ (امرأة من خثعم) اسم قبيلة (تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر) المرأة الخثعمية (إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ) أي الجانب (الآخر) للكف عن النظر إليها، وإنما لم يمنعها ولم يأمرها بصرف النظر عنه, لأن صرف وجه أحدهما يغني عن الآخر (٢).
стр. 4107
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِى الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ
===
ويحتمل أن يكون ﷺ لم يَخَفْ منها الشهوة (١).
(فقالت: يا رسول الله! ) هذا بيان الاستفتاء (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (قال الحافظ (٢): والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة، وفي رواية: "وإن شددته خشيت أن يموت"، وعند ابن خزيمة بلفظ: "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله"، وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه، كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة، انتهى.
قلت: ولكن يشكل هذا بأن ظاهره إدراك الفريضة في حالة العجز، وهي تنافي الفرضية، فلا يجب عليه الحج، فلا يجب أن يحج عنه؛ فإن شرط الفرضية استطاعة السبيل، والذي لا يقدر على الركوب ولا يثبت على الراحلة غير مستطيع.
فإن قيل في الجواب عنه: إن الخثعمية لما رأت أباها ذا مال وقد أسلم، ففهمت منه أنه وجب عليه الحج، قلت: محل الإشكال ليس فهمها، ولكن محل الإشكال تقريره ﷺ على ذلك، فالجواب عنه: أن إدراك الفريضة في هذه الحالة لا يستلزم الوجوب عليه، فإن معنى الإدراك هو المصادفة والموافقة في
стр. 4108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذه الحالة، أي فريضة الله على عباده في الحج صادفت ووافقته في حالة العجز، وهو لا يستلزم فرض الحج عليه.
وأما قوله ﷺ في جواب قولها: "أفأحج عنه؟ قال: نعم"، فما كان على سبيل الفرضية والوجوب، بل على التنفل، وإلى هذا الجواب أشار الحافظ، وحكى عن القاضي عياض بقوله: وقال عياض: لا حجة للمخالف في حديث الباب (١)؛ لأن قوله: "إن فريضة الله على عباده ... إلخ" معناه أن إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع؛ فهل أحج عنه؛ أي: هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم. ثم اعترض عليه الحافظ: وتُعُقِّبَ بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء فيتم الاستدلال، وتقدم في بعض طرق مسلم "إن أبي عليه فريضة الله في الحج"، ولأحمد في رواية: "والحج مكتوب عليه".
قلت: فالأولى في الجواب أن يقال: معنى قوله: "إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا" معناه: أدركت أبي في حالة الاستطاعة حتى صار شيخًا كبيرًا، ودخل في غير حالة الاستطاعة، ففوت القدرة بعد تحققها لا يكون مانعًا عن الوجوب السابق، فيجب عليه حينئذ أن يحج بنفسه أو يحج [عنه] غيره، أو يوصي به.
والتحقيق: أن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع [الحج] على الراحلةِ ولا يقدر على الاستمساكِ والثبوتِ عليها إذا حصل له مال في هذا الوقت، اختلفوا فيه؛
стр. 4109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هل يجب عليه الحج أم لا؟ فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج ولا الإحجاج، ولا الإيصاء به، وقال بعضهم: يجب عليه الحج فيحج بنفسه، أو يحج عنه غيره، أو يوصي به، وهذا القول هو الذي صححه القاضي؛ فإنه في "شرح الجامع" (١)، واختاره كثير من المشايخ، ومنهم ابن الهمام (٢)، وأما القول الأول فهو الذي قاله في "النهاية"، قال في "البحر" (٣): هو المذهب الصحيح. فعلى هذا القول الثاني لا إشكال في الحديث.
وأما على القول الأول ففيه الإشكال، ويجاب عنه بما ذكر من الجواب.
ثم اعلم أنه اختلفت الروايات في أن السائل رجل أو امرأة، والمسؤول عنه أب أو أم؟ فوجه الجمع بين هذه الروايات عند الحافظ ما قال في "الفتح" (٤): والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أب الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس قال: "كنت ردف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة"، فعلى هذا فقول الشابة: "إن أبي" لعلها أرادت به جَدَّها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أمه، وتحصل من مجموع هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي.
стр. 4110
أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ". [خ ١٥١٣، م ١٣٣٤، جه ٢٩٠٩، ن ٢٦٤١، حم ١/ ٢٥١]
١٨١٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَعْنَاهُ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ, عَنْ أَبِى رَزِينٍ.- قَالَ حَفْصٌ فِى حَدِيثِهِ: رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَامِرٍ - أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِى شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ
===
(أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك) أي السؤال والجواب كان (في حجة الوداع).
١٨١٠ - (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم بمعناه) أي: حدث مسلمُ بنُ إبراهيم بمعنى حديث حفص بن عمر (قالا: نا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين) لقيط بن صبرة العقيلي.
(قال حفص في حديثه) لأبي رزين: إنه (رجل من بني عامر) فزاد حفص هذا اللفظ في صفة أبي رزين، ولم يذكره مسلم بن إبراهيم (أنه قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن) بفتح ظاء وسكون عين وحركتها: الراحلة. أي لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن "مجمع".
قال الحافظ (١) في شرح حديث ابن عباس: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رزين - بفتح الراء وكسرِ الزاي - العقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، ففي "السنن" و"صحيح ابن خزيمة" وغيرهما من حديثه: أنه قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: "حج عن أبيك واعتمر"، وهذه قصة أخرى، ومن وحَّد بينها وبين حديث الخثعمي فقد أبعد وتَكَلَّفَ.
стр. 4111
قَالَ: "احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ". [ت ٩٣٠، ن ٢٦٣٧، جه ٢٩٠٦، حم ٤/ ١٠، خزيمة ٣٠٤٠، ق ٤/ ٣٢٩، ك ١/ ٤٨١]
١٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (١) وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ, الْمَعْنَى وَاحِدٌ, قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عَزْرَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ, قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةَ؟ » قَالَ: أَخٌ لِى, أَوْ قَرِيبٌ (٢) لِى, قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ » قَالَ: لَا, قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». [جه ٢٩٠٣، خزيمة ٣٠٣٩]
===
(قال: احجج عن أبيك (٣) واعتمر).
١٨١١ - (حدثنا إسحاق بن إسماعيل وهناد بن السري، المعنى واحد، قال إسحاق: نا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة) سعيدٍ، (عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ سمع رجلًا) قيل: اسمه نبيشة (يقول: لبيك عن شبرمة، قال) رسول الله ﷺ : (مَن شبرمةُ؟ ) (قال) الرجل: هو (أخ لي أو) للشك من الراوي (قريب لي، قال) رسول الله ﷺ : (حججتَ عن نفسك؟ ) بتقدير حرف الاستفهام (قال) الرجل: (لا) أي ما حججت عن نفسي، (قال) رسول الله ﷺ : (حُجَّ عن نفسك) أولًا، (ثم حج عن شبرمة) (٤).
واختلف في أن من لم يحج عن نفسه، هل يجوز له أن يحج عن غيره؟
стр. 4112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فذهب الشافعي ﵁ (١) لا يجوز له ذلك، وقال الثوري: يجزئه حج من نفسه أو لم يحج ما لم يتضيق عليه، وعند الحنفية: يكره له ما لم يحج عن نفسه.
واستدل المانعون بحديث ابن عباس هذا، وقالوا: هذا الحديث يدل على أنه يجب عليه أن يحج عن نفسه ثم يحج عن غيره.
واختلفوا في رفع هذا الحديث ووقفِه، فرجَّح عبد الحق وابن القطان رفعه، وصححه البيهقي، وقال: إسناده صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه. ورجح الطحاوي أنه موقوف (٢)، وقال أحمد: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، كذا قال الشوكاني (٣).
وأجاب ابن الهمام في "شرح الهداية" (٤) ما ملخصه: أن هذا الحديث مضطرب في وقفه ورفعه، وليس هذا مثل ما ذكرناه غير مرة في تعارض الرفع والوقف من تقديم الرفع؛ لأنه زيادة تقبل من الثقة، فإن ذلك في حكم مجرد عن قصة واقعة في الوجود رواه واحد عن الصحابي يرفعه وآخر عن نفسه فقط، فإن هذا يتقدم فيه الرفع؛ لأن الموقوف حاصله أنه قد ذكره ابتداء على وجه إعطاء حكم شرعي، أو جوابًا لسؤال، ولا ينافي هذا كون ما ذكره مأثورًا عنده عن النبي ﷺ .
أما في مثل هذه وهي حكاية قصة: هي أن النبي ﷺ سمع من يلبي عن شبرمة، فقال له ما قال، أو أن ابن عباس ﵁ سمع من يلبي
стр. 4113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن شبرمة، فقال له ذلك، فهو حقيقة التعارض في شيء وقع في الوجود أنه وقع في ذلك الزمن أو في زمن آخر بحضرة النبي ﷺ أو غيره، وتجويز أن يكون وقع في زمنه ﵇، ثم وقع بحضرة ابن عباس سماعه رجلًا آخر يلبي عن شبرمة، فهو وإن لم يمتنع عقلًا لكنه بعيد جدًا في العادة، فلا يندفع به حكم التعارض الثابت ظاهرًا طالبًا لحكمه فيتهاتران.
أو يرجح وقوعه في زمن ابن عباس ... ، ولأن ابن المفلس ذكر في كتابه أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث بأن سعيد بن أبي عروبة كان يحدث به بالبصرة فيجعل هذا الكلام من قول ابن عباس، ثم كان بالكوفة يسنده إلى النبي ﷺ ، وهذا يفيد اشتباه الحال على سعيد، وقد عنعنه قتادة، ونسب إليه تدليسه، فلا تقبل عنعنته.
ولو سُلِّمَ فحاصله: أمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه، وهو يحتمل الندب فيحمل عليه بدليل، وهو إطلاقه ﵇ قوله للخثعمية: "حجي عن أبيك"، من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم الخطاب فيفيد جوازه عن الغير مطلقًا.
وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة نفسه، وبذلك يحصل الجمع، ويثبت أولوية تقديم الفرض على النفل مع جوازه.
والذي يقتضيه النظر أن حج الصرورة عن غيره إن كان بعد تحقيق الوجوب عليه بملك الزاد والراحلة والصحة؛ فهو مكروه كراهة تحريم؛ لأنه يتضيق عليه، والحالة هذه في أول سني الإمكان، فيأثم بتركه، وكذا لو تنفل لنفسه ومع ذلك يصح؛ لأن النهي ليس لعين الحج المفعول بل لغيره، وهو خشية أن لا يدرك الفرض إذ الموت في سنة غير نادر، فعلى هذا يحمل قوله ﵊: "حج عن نفسك، ثم عن شبرمة"، على الوجوب، ومع ذلك (١) ينفي
стр. 4114
(٢٥) بَابٌ: كَيْفَ التَّلْبِيَةُ ؟
١٨١٢ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ
===
الصحة، ويحمل ترك الاستفصال في حديث الخثعمية على علمه بأنها حجت عن نفسها أولًا، وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك جمعًا بين الأدلة كلها، أعني دليل التضييق عند الإمكان، وحديث شبرمة والخثعمية، والله سبحانه أعلم. انتهى ملخصًا.
تنبيه: العبادات على ثلاثة أقسام: عبادة بدنية محضة كالصلاة، ومالية خالصة كالزكاة، ومركبة من البدنية والمالية كالحج، فالأولى لا تجري فيه النيابة مطلقًا عندنا، والثانية تجري فيه النيابة مطلقًا، والثالثة لا تجري فيها النيابة في غير عذر، ولكن تجري فيها إذا كان معذورًا لا يرجى زوال عذره، والدلائل مبسوطة في كتب المذهب.
(٢٥) (بَابٌ: كَيْفَ التَّلْبِيَةُ؟ ) (١)
التلبية مصدر لَبَّى معناه التكلم بلبَّيك اللهم لبيك ... إلخ، كالتحميد والتهليل والتكبير
١٨١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ, لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) قال الحافظ (٢): هو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وقال يونس: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلَدَيَّ وَعَلَيَّ، ورد بأنها قلبت ياء مع
стр. 4115
إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ،
===
المظهر. وعن الفراء: هو منصوب على المصدر، وأصله: لبًا لك، فثني على التأكيد، أي إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية بل هي للتكثير أو المبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة، أو إجابة لازمة.
قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج. عن ابن عباس قال: "لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب، وما يبلغ صوتي، قال: أَذِّنْ وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس! كتب عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون"، وفي رواية: "فأجابوا بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلَّا من كان أجاب إبراهيم يومئذ"، انتهى ملخصًا.
(إن الحمد) روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها على التعليل، والكسر أجود عند الجمهور، ونقل الزمخشري أن الشافعي اختار الفتح، وأن أبا حنيفة اختار الكسر (١).
(والنعمةَ لك) المشهور فيه النصب. قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، والتقدير: إن الحمد لك، والنعمة مستقرة لك، قال ابن المنير: قرن الحمدَ والنعمةَ وأفرد (٢) الملك؛ لأن الحمد متعلق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فجمع بينهما كأنه قال: لا حمد إلَّا لك؛ لأنه لا نعمة إلَّا لك، وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه، ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك.
стр. 4116
وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِى تَلْبِيَتِهِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ, لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ, وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ, وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ». [خ ١٥٤٩، م ١١٨٤، ت ٨٢٦، ن ٢٧٥٠، جه ٢٩١٨، حم ٢/ ٣]
===
(والملك) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع وتقديره: والملك كذلك (لا شريك لك، قال) نافع: (وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل) ووقع عند مسلم من حديث ابن عمر: كان عمر يهل بهذا، ويزيد: "لبيك اللَّهُمَّ لبيك، وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل"، وهذا القدر في رواية مالك (١) أيضًا عنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها، فذكر نحوه، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق مسور بن مخرمة قال: "كان تلبية عمر ﵁"، فذكر مثل المرفوع، وزاد: "لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك ذا النعماء والفضل الحسن".
واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك، قال الطحاوي: أجمع المسلمون جميعًا على هذه التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد والثوري والأوزاعي، واحتجوا بزيادة ابن عمر المذكورة.
وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علَّمه رسول الله ﷺ الناسَ، كما في حديث عمرو بن معدي كرب، ثم فعله هو ولم يقل: لَبُّوا بما شئتم بما هو من جنس هذا، بل علَّمهم كما علَّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما علمه.
ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: أنه سمع رجلًا
стр. 4117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ . قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ، انتهى (١).
ويدل على الجواز ما وقع عند النسائي عن ابن مسعود قال: "كان من تلبية النبي ﷺ " فذكره، ففيه دلالة على أنه قد كان يلبي بغير ذلك، وما تقدم عن عمر، وابن عمر، وفي حديث جابر الطويل في صفة الحج: "فأهل بالتوحيد، لبيك اللهُمَّ لبيك ... إلخ"، قال: "وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته"، وأخرجه أبو داود، "قال: والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا".
وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته ﷺ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردَّها عليهم وأقرَّهم عليها، وهو قول الجمهور، وحكى ابن عبد البر عن مالك الكراهة، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعي في القديم أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره ولا يستحب، وحكى الترمذي عن الشافعي قال: فإن زاد على التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا بأس به، وأحبّ إليَّ أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ .
ونسب البيهقي الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبُّ، ولا ضيق أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، انتهى ملخصًا ما قاله الحافظ في "الفتح".
قال في "لباب المناسك" وشرحه (٢): فإن زاد عليها بعد فراغها لا في خلالها فحسن، بل مستحب بأن يقول: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك،
стр. 4118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والرغباء إليك، لبيك إله الخلق، لبيك بحجة حقًّا تعبدًا ورقًّا، لبيك إن العيش عيش الآخرة، ونحو ذلك. فما وقع مأثورًا فيستحب زيادته، وما ليس مرويًّا فجائز أو حسن، انتهى.
تنبيه: في التلبية أربعة مذاهب:
الأول: أنها سنَّة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.
وثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم، حكاه المارودي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وحكاه ابن قدامة عن بعض الماليكة، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة، وأغرب النووي فحكى عن مالك: أنها سنَّة، ويجب بتركها دم.
وثالثها: واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا صدر ابن شاش من المالكية كلامه في "الجواهر" له، وحكى صاحب "الهداية" من الحنفية مثلَه؛ لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين.
ورابعها: أنها ركن، والإحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية. وأهل الظاهر قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، قاله الحافظ في "الفتح" (١).
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قاله القاري في "شرح لباب المناسك" (٢): (والتلبية (٣) مرة فرض) وهو عند الشروع لا غيرها (وتكرارها سنَّة) أي في المجلس الأول، وكذا في سائر المجالس إذا ذكرها (وعند تغير
стр. 4119
١٨١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ «ذَا الْمَعَارِجِ» وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ, وَالنَّبِىُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا". [جه ٢٩١٩، خزيمة ٢٦٢٦]
===
الحالات) كالإصباح، والإمساء، والإسحار، والخروج، والدخول، والقيام، والقعود، والمشي، والوقوف، وملاقاة الناس، ومفارقتهم، والمزاحمة والتوسعة، وأمثال ذلك (مستحب مؤكد) أي زائد تأكيده على سائر المستحبات، (والإكثار مطلقًا) أي من غير تقييد بتغير الحال (مندوب) أي مطلوب شرعًا ومثاب عليه أجرًا، ولكن مرتبة الندب دون مرتبة الاستحباب.
وقال: (وكل ذكر يُقصَد به تعظيم الله سبحانه) أي ولو مشوبًا بالدعاء على الصحيح (يقوم مقام التلبية، كالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك) أي من أنواع الثناء والتمجيد، (ولو قال: اللَّهُمَّ) بمعنى: يا الله (يجزئه) وهو الأصح في الصلاة أيضًا، كما في "المحيط"، (وقيل: لا) أي قياسًا على الصلاة حيث لا يجوز فيها بدلًا من تكبير الافتتاح عند بعضهم، والفرق ظاهر.
(ويجوز الذكر) وكذا التلبية (بالعربية والفارسية وغيرهما) كالتركية والهندية، ونحوهما (بأيِّ لسان) أي بأيَّ لغة (كان) والجمهور على أن يستوي فيه من يحسن العربية ومن لا يحسنها، وهو الصحيح، بخلاف افتتاح الصلاة عندهما، فالفرق أن باب الحج أوسع.
١٨١٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يحيى بن سعيد، نا جعفر) بن محمد الصادق، (نا أبي) محمد الباقر، (عن جابر بن عبد الله قال: أهل رسول الله ﷺ ، فذكر) جابر (التلبية مثل حديث ابن عمر، قال) جابر: (والناس يزيدون) بعد تلبيتهم: (ذا المعارج ونحوه من الكلام) على تلبية رسول الله ﷺ , (والنبي ﷺ يسمع) زيادتَهم (فلا يقول لهم شيئًا) بل يسكت، وهذا دليل الجواز.
стр. 4120
(١)
١٨١٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ خَلَاّدِ بْنِ السَّائِبِ الأَنْصَارِىِّ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِى جِبْرِيلُ ﵇ فَأَمَرَنِى
===
١٨١٤ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي المدني، روى عن أبيه، قال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان سريًّا سخيًّا، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجلي.
(عن خلاد بن السائب) بن خلاد بن سويد (الأنصاري) الخزرجي، قد ذكره جماعة في الصحابة، منهم ابن حبان، ولم يرفع نسبه، وقال: له صحبة، ثم أعاده في التابعين. وذكره ابن منده وأبو نعيم وغيرهما، وشبهتهم في ذلك الحديث الذي روى عنه عبد الملك بن أبي بكر، فقال: عن خلاد، عن أبيه رفعه، وقيل: عن خلاد بن السائب، عن النبي ﷺ .
وقال الترمذي: والسائب بن خلاد أصح. وقال ابن عبد البر: مختلف في صحبته. وقال ابن أبي حاتم: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد، له صحبة. وقال بعضهم: السائب بن خلاد. وقال العجلي: خلاد بن السائب مدني، ما نعرفه، كذا قال الحافظ في "تهذيب التهذيب". وفي "التقريب": ثقة، من الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي.
(عن أبيه) السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي (أن رسول الله ﷺ قال: أتاني جبرئيل ﵇ فأمرني) أي أمرَ إيجابٍ؛
стр. 4121
أَنْ آمُرَ أَصْحَابِى وَمَنْ مَعِى أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ, أَوْ قَالَ: بِالتَّلْبِيَةِ» , يُرِيدُ أَحَدَهُمَا". [ت ٨٢٩، ن ٢٧٥٣، جه ٢٩٢٢، ط ١/ ٣٣٤، دي ١٨٠٩، خزيمة ٢٦٢٥، حم ٤/ ٥٦]
===
إذ تبليغ الشرائع واجب عليه ﷺ (أن آمر أصحابي) أي أمرَ ندبٍ عند الجمهور، وأمر وجوبٍ عند الظاهرية (١) (ومن معي) وفي "موطأ مالك": "أو من معي". بالشك (٢) في رواية يحيى والشافعي وغيرهما من الراوي، إشارة إلى أن المصطفى قال أحد اللفظين، وكل منهما يسدُّ مسدَّ الآخر.
وتجويز ابن الأثير أن الشك من النبي ﷺ ؛ لأنه نوع سهو ولا يعصم عنه؛ ركيك متعسف، وفي رواية القعنبي: "ومن معي" بالواو، قال العراقي: يحتمل أنه زيادة إيضاح فإن الذين معه أصحابه، ويحتمل أن يريد بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلده، وهم المهاجرون والأنصار، وبمن معه غيرهم ممن قدم ليحج معه ولم يره إلَّا في تلك الحجة.
(إن يرفعوا (٣) أصواتهم بالإهلال، أو قال: بالتلبية، يريد أحدهما) يعني أنه ﷺ إنما قال أحد هذين اللفظين، لكن الراوي شك فيما قاله من ذلك، فأتى بأو التي لأحد الشيئين، ثم زاد ذلك بيانًا بقوله: يريد أحدهما، قاله الزرقاني.
قلت: واستثنى منه النساء، فإن المرأة لا تجهر بها بل تقتصر على إسماع
стр. 4122
(٢٦) بابٌ: مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ ؟
١٨١٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ". [خ ١٦٨٥، م ١٢٨١، ن ٣٠٥٦، حم ١/ ٢١٣]
===
نفسها، وقد قال مالك في "موطئه" (٢): إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، لتسمع المرأة نفسها، قال الزرقاني (٣): لأنه يخشى من صوتها الفتنة، فيستثنى ذلك من قوله: "ومن معي"، فليس لهن ذلك.
(٢٦) (بَابٌ: مَتَى يَقْطَعُ) أي الحاج (التَّلْبِيَةَ؟ )
١٨١٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا وكيع، نا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أن رسول الله ﷺ لبَّى حتى رمى (٤) جمرة العقبة) أي فلما رماها قطع، قال القاري في "شرح لباب المناسك" (٥): يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة في الحج الصحيح والفاسد، سواء كان مفردًا بالحج أو متمتعًا أو قارنًا، وهذا هو الصحيح من الرواية على ما ذكره قاضي خان والطرابلسي، وقيل: لا يقطع التلبية إلا بعد الزوال كما في "المحيط".
قال الشوكاني (٦): قوله: "حتى رمى جمرة العقبة"، فيه دليل على أن التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور. وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبيةَ إذا خرج
стр. 4123
١٨١٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ
===
من مكة إلى عرفة. وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة، عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وبه قال مالك، وقَيَّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث. وعن الحسن البصري مثله، لكن قال: إذا صلَّى الغداة يوم عرفة.
واختلف الأولون: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟ فذهب جمهورهم إلى الأول، وإلى الثاني أحمد (١) وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن الفضل قال: "أفضت مع النبي ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرةَ العقبة، ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة". قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد [بقوله]: "حتى رمى جمرة العقبة" أي: أتمَّ رميَها، انتهى.
قلت: وهذا الذي قاله الفضل من أنه قطع التلبية مع آخر حصاة رأى منه؛ فإنه فهم منه أن قطع التلبية كان مع آخر حصاة، ولم يثبت عن أحد من أصحابه ﷺ أنه ﷺ لبى في أثناء الرمي، فلو كان ثبت أنه ﷺ لبى في أثناء الرمي لكان فهم فضل هذا حجة.
١٨١٦ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن نمير، نا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون، (عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله بن عمر (قال: غدونا مع رسول الله ﷺ من مني إلى عرفات،
стр. 4124
مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ". [م ١٢٨٤، ن ٢٩٩٩، حم ٢/ ٢٢، دي ١٨٧٦، خزيمة ٢٨٠٥]
(٢٧) بَابٌ: مَتَى يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَة ؟
١٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّى الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ». [ت ٩١٩، خزيمة ٢٦٩٧]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ وَهَمَّامٌ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.
===
منا الملبي، ومنا المكبر) (١) أي فلم تقطع التلبية إلى عرفات، وفيه رد على من قال: يقطع التلبية من فجر يوم عرفة.
(٢٧) (بَابٌ: مَتَى يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ؟ )
١٨١٧ - (حدثنا مسدد، نا هشيم، عن ابن أبي ليلى) محمد، (عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: يلبي المعتمرُ حتى يستلم الحجر) الأسودَ، أي يقطع التلبية عند شروع استلام الحجر لطواف العمرة.
(قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا) وأخرج الترمذي هذا الحديث بهذا السند عن ابن عباس قال: يرفع الحديث، أنه كان يُمسِكُ عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر.
ثم قال الترمذي: قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم
стр. 4125
(٢٨) بَابُ الْمُحْرِمِ يُؤَدِّبُ غُلَامَه
١٨١٨ - حَدَّثَنَا (١) ابْنُ حَنْبَلٍ قَالَ، (ح): وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
===
الحجر. وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية، والعمل على حديث النبي ﷺ ، انتهى.
وفي إسناد هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد تكلم فيه جماعة من أهل العلم.
وقد أخرج البيهقي (٢) حديث عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سئل عطاء، متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: إذا دخل الحرم، وقال ابن عباس: حتى يمسح الحجر، قلت: يا أبا محمد! أيهما أحب إليك؟ قال: قول ابن عباس.
ثم ذكر حديث همام (٣) من طريق الربيع، عن الشافعي، عن مسلم بن خالد وسعيد بن سالم، عن ابن جريج وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا، ثم قال: وكذلك رواه ابن جريج وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفًا، ثم قال: قال الشيخ: رفعه خطأ (٤)، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرًا، ضعَّفه أهل النقل مع كبر محله في الفقه.
(٢٨) (بَابُ المُحْرِمِ يُوَدِّبُ غُلَامَهُ)، هل يجوز أم لا؟
١٨١٨ - (حدثنا ابن حنبل قال) ابن حنبل، (ح: وحدثنا محمد بن
стр. 4126
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى رِزْمَةَ قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ, أَخْبَرَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَنَزَلْنَا, فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى (١) , وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِى بَكْرٍ ﵁ وَزِمَالَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدَةً
===
عبد العزيز بن أبي رزمة قال) محمد بن عبد العزيز، أو كل واحد من عبد العزيز وابن حنبل: (أنا عبد الله بن إدريس، أنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه) عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الزبير بن بكار: كان عظيم القدر عند أبيه، وكان على قضائه بمكة، وكان يستخلفه إذا حج، وكان أصدق الناس لهجة، قلت: وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وأما راويته عن عمر بن الخطاب فمرسلة بلا تردد.
(عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ) في حجة الوداع (حُجَّاجًا حتى إذا كنا بالعَرْج) قال في "القاموس": منزل بطريق مكة، منه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي الشاعر. وقال في "المجمع": والعرج بفتح، فسكون: قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة.
(نزل رسول الله ﷺ ، ونزلنا، فجلستْ عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ ، وجلستُ إلى جنب أبي) أي أبي بكر، (وكانت زِمالةُ أبي بكر ﵁ وزمالة (٢) رسول الله ﷺ واحدة) أي مركوبهما وأداتهما وما كان معهما من
стр. 4127
مَعَ غُلَامٍ لأَبِى بَكْرٍ, فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ, فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ. قَالَ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ, قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ؟ قَالَ فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ» , قَالَ ابْنُ أَبِى رِزْمَةَ: فَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَقُولَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ! » وَيَتَبَسَّمُ. [جه ٢٩٣٣، حم ٦/ ٣٤٤، ق ٥/ ٦٨، ك ١/ ٤٥٣، خزيمة ٢٦٧٩]
===
أداة السفر، والزاملة بعير يُحمَل عليه الطعام والمتاع (مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه) غلامه مع الزاملة (فطلع وليس معه بعيره) الواو للحال.
(قال) أبو بكر: (أين بعيرك) الذي كان في حفظك ورعايتك؟ (قال) الغلام: (أضللته البارحةَ، قال) هكذا في النسخ الموجودة، وفي رواية البيهقي: قالت: فقام أبو بكر يضربه. (فقال أبو بكر: بعير واحد تضلُّه؟ ) بحذف الاستفهام. (قال: ) هكذا في النسخ الموجودة، وكذا في رواية ابن ماجه، والضمير يعود إلى ابن حنبل أو إلى محمد بن عبد العزيز (فطفق يضربه) أي الغلامَ (ورسول الله ﷺ يتبسم ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! قال ابن أبي رزمة: فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! ويتبسم) رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث يدل على أن تأديب غلامه ليس بداخل في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في اَلحِجّ﴾ (١) وإلَّا فلم يجترئ عليه أبو بكر الصديق ﵁، ونهاه عنه ﷺ ، لكن قوله ﷺ : "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! "، يومئ إلى أنه لا ينبغي للمحرم ذلك أيضًا.
стр. 4128
(٢٩) بَابُ الرَّجُلِ يُحْرِمُ في ثِيَابِهِ
١٨١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً, أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا
===
(٢٩) (بَابُ الرَّجُلِ يُحْرِمُ في ثِيَابِهِ)
المخيطة التي لا تباح في الإحرام
١٨١٩ - (حدثنا محمد بن كثير، أنا همام قال: سمعت عطاء، أنا صفوان بن يعلي بن أمية، عن أبيه) يعلي بن أمية، وفي رواية البخاري (١) من طريق ابن جريج: أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى أخبره، أن يعلى قال لعمر ﵁، الحديث.
قال الحافظ (٢): وليست رواية صفوان عنه لهذا الحديث بواضحة؛ لأنه قال فيها: "إن يعلى قال لعمر"، ولم يقل: إن يعلى أخبره أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجَعَتَهما وإلَّا فهو منقطع، لكن سيأتي في "أبواب العمرة" من وجه آخر "صفوان بن يعلى، عن أبيه"، انتهى.
قلت: وقد أخرج أبو داود هذا الحديث من طرق كثيرة، ففيه: أخبرنا صفوان، عن أبيه، فهذا يدل على أن ما وقع في البخاري منقطع؛ فإن صفوان يروي عن أبيه، لا أنه حضر القصة.
(أن رجلًا) وفي رواية للبخاري (٣): جاء أعرابي، قال الحافظ (٤): ولم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في "الذيل" عن "تفسير الطرطوشي" أن اسمه عطاء بن منية، ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقن ما نصه: هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد، وروى الطحاوي أن يعلي بن أمية
стр. 4129
أَتَى النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ, أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ, وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ
===
صاحب القصة، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرحمن، هو ابن زياد الوضاحي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا يقال له: يعلي بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره النبي ﷺ أن ينزعها.
(أتى النبي ﷺ وهو) أي رسول الله ﷺ (بالجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء، ومنهم من يخفف الراء ويسكن العين، وقال في "القاموس": وقد تكسر العين وتشدد الراء، وقال الشافعي: التشديد خطأ، موضع بين مكة والطائف.
(وعليه) الظاهر أن مرجع الضمير الرجلُ نفسه، لا ثوبه، كما يدل عليه قوله في الحديث الاتي: "وهو مُصَفِّرٌ لحيته ورأسه"، ولو كان الخلوق على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام، ولكن يخالفه ما وقع في بعض طرق الحديث عند البخاري (١) بلفظ: "عليه قميص فيه أثر صفرة"، وفي رواية أبي داود الطيالسي في "مسنده" (٢) عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء بلفظ: "رأى رجلًا عليه جبة عليها أثر خلوق"، ولمسلم من طريق رباح بن أبي معروف عن عطاء مثله. وقال سعيد بن منصور بسنده عن عطاء عن يعلي بن أمية: "أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني أحرمت وعليَّ جبتي هذه، وعلى جبته رَدغ من خلوق ... الحديث"، قلت: ولا مضايقة في أن يكون على بدنه وعلى ثوبه أثر خلوق، فأمر بما على بدنه من الخلوق بالغسل، وكفى بما على ثوبه النزع.
(أثر خلوق، أو) للشك من الراوي؛ فإن الخلوق طيب مركب من الزعفران (قال: صفرة، وعليه جبة) فالجبة باعتبار أنها مخيطة تنافي الإحرام، والخلوق باعتبار أنه طيب كان لا يباح استخدامه للمحرم، كما هو عند مالك
стр. 4130
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَأْمُرُنِى أَنْ أَصْنَعَ فِى عُمْرَتِى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ الْوَحْىَ, فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ»؟ قَالَ: «اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ", أَوْ قَالَ: "أَثَرَ الصُّفْرَةِ, وَاخْلَعِ الْجُبَّةَ عَنْكَ, وَاصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ مَا صَنَعْتَ فِى حَجَّتِكَ» (١). [خ ١٧٨٩، م ١١٨٠، حم ٤/ ٢٢٢]
===
ومحمد بن الحسن، والجمهور (٢) على أنه منسوخ بحديث عائشة ﵂، ويحتمل أن النهي عنه باعتبار أن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا وغير محرم منهي عنه.
(فقال: يا رسول الله! كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ ) فلم يجبه رسول الله ﷺ انتظارًا للوحي (فأنزل الله ﵎ على النبي ﷺ الوحيَ، فلما سُرِّي) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي: كشف (عنه) ما يغشاه (٣) عند نزول الوحي شيئًا بعد شيء بالتدريج.
(قال) رسول الله ﷺ : (أين السائل عن العمرة؟ ) فأتي به (قال) رسول الله ﷺ : (اغسل عنك) أي عن بدنك أو ثوبك (أثر الخلوق، أو قال: أثر الصفرة، واخلع الجبةَ عنك، واصنع في عمرتك ما صنعتَ في حجتك) ولفظ البخاري: "واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك"، ولفظ مسلم: "وما كنت صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك"، وهو دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك.
стр. 4131
١٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِى بِشْرٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ,
===
قال ابن العربي (١): كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد.
قال الحافظ (٢): واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيَّبت رسول الله ﷺ بيديها عند إحرامه، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ من الآخر فالآخر من الأمر.
واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا أو جاهلًا، ثم علم فبادر إلى إزالته، فلا كفارة عليه، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: يجب مطلقًا.
١٨٢٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو عوانة، عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن عطاء، عن يعلي بن أمية) وقد أخرج الترمذي والبيهقي عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، لم يذكرا فيه بين عطاء ويعلى "صفوانَ"، قال الترمذي: وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء عن يعلي بن أمية، والصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وقال البيهقي بعد تخريج حديث عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، عن يعلي بن أمية القرشي: قصر عبد الملك بإسناده، فلم يذكر صفوان فيه، انتهى.
стр. 4132
وَهُشَيْمٌ, عَنِ الْحَجَّاجِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ (١): فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : «اخْلَعْ جُبَّتَكَ» , فَخَلَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ, وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ٨٣٥، حم ٤/ ٢٢٤، خزيمة ٢٦٧٢، ق ٥/ ٥٦]
١٨٢١ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ الرَّمْلِىُّ, حَدَّثَنا اللَّيْثُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ, عَنِ ابْنِ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ, عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ فِيهِ (٢):
===
قلت: قال الترمذي: هكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، فأما حديث قتادة فأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) من طريق شعبة عن قتادة، عن عطاء، عن يعلي بن أمية: أن النبي ﷺ رأى رجلًا عليه جبة، الحديث.
وأما حديث الحجاج بن أرطاة فخالف أبو داود فيه الترمذي، وأخرجه عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، وذكر فيه صفوان، وحكى عن أبي داود البيهقيُّ كذلك في "سننه"، فلعل ذكر الحجاج فيمن روى عن عطاء عن يعلى وهم، أو غلط من النساخ.
(وهشيم) مرفوع معطوف على: أبو عوانة (عن الحجاج) بن أرطاة، (عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه بهذه القصة) المتقدمة (قال) محمد بن عيسى في حديثه: (فقال له النبي ﷺ : اخلع جبتك، فخلعها من رأسه، وساق) محمد بن عيسى (الحديث).
١٨٢١ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني الرملي، حدثنا الليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن يعلي بن منية) وهو يعلى بن أمية، فمنية اسم أمه، وأمية أبوه، (عن أبيه بهذا الخبر) المتقدم (قال فيه:
стр. 4133
"فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِعَهَا نَزْعًا, وَيَغْتَسِلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ١٥٣٦، م ١١٨٠، السنن الكبرى للنسائي ٤٢٣٧]
١٨٢٢ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ, حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَه" وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. [م ١١٨٠]
===
فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها) أي الجبة (نزعًا، ويغتسل) هكذا في النسخ الموجودة من باب الافتعال، وأخرجها البيهقي عن أبي داود بهذا السند، وفيه: "ويغسل مرتين أو ثلاثًا"، وهو الأوفق، وما في نسخ أبي داود من باب الافتعال إن كان محفوظًا من تصحيف النساخ، فهو إما بمعنى: يغسل، أي يغسل أثر الطيب عن ثوبه أو بدنه، ويحتمل أن يكون بمعناه، فعلى هذا تكون إزالة الطيب عن بدنه فقط. (مرتين أو ثلاثًا) يحتمل الشك من الراوي، ويحتمل التنويع، وهذا الحكم ليس للنجاسة بل لإزالة أثر الخلوق، (وساق) يزيد بن خالد (الحديثَ).
١٨٢٢ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا وهب بن جرير، نا أبي) جرير بن حازم، (قال: سمعت قيس بن سعد يحدث، عن عطاء، عن صفوان بن يعلي بن أمية، عن أبيه) أي يعلي بن أمية (أن رجلًا أتى النبي ﷺ بالجعرانة وقد أحرم بعمرة، وعليه جبة، وهو مصفر لحيتَه ورأسَه. وساق الحديث) أي عقبة بن مكرم.
وهذا الحديث يدل على أن الرجل إذا أحرم وعليه جبة ينزعها ولا يشُقُّها، وقد أخرج البيهقي من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن يعلي بن أمية هذا الحديث، وفي آخره: قال قتادة: فقلت لعطاء: كنا نسمع أنه قال: شَقَّها، قال: هذا فساد، والله لا يحب الفساد.
وقد أخرج الطحاوي (١) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: "كنت عند النبي ﷺ
стр. 4134
(٣٠) بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ
١٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَأَلَ رَجُلٌ
===
جالسًا في المسجد، فَقَدَّ (١) قميصَه من جيبه حتى أخرجه من رجليه" الحديث. قال: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا ينبغي للمحرم أن يخلعه كما يخلع الحلال قميصه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك عليه حرام، فأمره بشقه لذلك.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينزعه نزعًا (٢)، واحتجوا في ذلك بحديث يعلي بن أمية الذي أحرم وعليه جبة، فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها نزعًا.
وقال الطحاوي: ليس الممنوع تغطية الرأس فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئًا ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأسًا، ولكن المنهي عنه إلباس الرأس، ونزع الجبة عن جانب الرأس ليس بإلباس، فلا يكون منهيًّا عنه.
وقد اختلف المتقدمون في ذلك، فعن إبراهيم والشعبي أنهم قالوا: إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه حتى يخرج منه، وعن سعيد بن جبير مثلَه.
وأما عطاء وعكرمة فخالفا إبراهيمَ والشعبيَّ وسعيدَ بنَ جبير، وذهبا إلى ما ذهبنا إليه من حديث يعلى، انتهى ملخصًا.
(٣٠) (بَابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ)
أي ما يجوز للمحرم أن يلبسه من الثياب
١٨٢٣ - (حدثنا مسدد وأحمد بن حنبل قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل) قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه في
стр. 4135
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ, وَلَا الْبُرْنُسَ, وَلَا السَّرَاوِيلَ, وَلَا الْعِمَامَةَ, وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ
===
شيء من الطرق. (رسول الله ﷺ : ما يترك المحرم من الثياب؟ ) وفي رواية البخاري: "ما يلبس من الثياب" (فقال) رسول الله ﷺ : (لا يلبس) المحرم (القميصَ).
قال الحافظ (١): قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصر، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه.
وهذا كله بناء على سياق هذه الرواية التي في البخاري وهي المشهورة، وأما على رواية أبي داود: "ما يترك المحرم"، وهي شاذة؛ فلا مساغ لهذا التوجيه فيه، بل الجواب فيه مطابق للسؤال.
وقد أجمعوا على أن المراد بالمحرم ها هنا الرجل، ولا تلتحق به المرأة في ذلك؛ لأن للمرأة يجوز أن تلبس جميع ذلك، وفي ذكر القميص والسراويل نهي عن كل مخيط، وبالعمائم والبرانس نهي عن كل ما يُغَطى الرأسُ به مخيطًا أو غيره.
(ولا البرنس) وهو الثوب الذي رأسه منه، (ولا السراويلَ) والنهي عن هذه الثلاثة لأنها من المخيط إلَّا البرنس؛ فإن في النهي عنه وجهين: الأول: كونه مخيطًا كالقميص والقباء. والثاني: كونه ساترًا للرأس، والمراد من المخيط هو الذي صنع على البدن، فلو نسج ثوب على البدن ولم يكن فيه خياطة أصلًا فهو في حكم المخيط لا يجوز لبسه للمحرم، نعم لو لبسها على غير وجهه بأن ارتدى بالقميص أو اتَّزر بالسراويل جاز.
(ولا العمامةَ) وكذا القلنسوةَ والعرقيةَ والتاجَ والطربوشَ، (ولا ثوبًا مسه