١٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى, حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِى بِشْرٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ,
===
قال ابن العربي (١): كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد.
قال الحافظ (٢): واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيَّبت رسول الله ﷺ بيديها عند إحرامه، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ من الآخر فالآخر من الأمر.
واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا أو جاهلًا، ثم علم فبادر إلى إزالته، فلا كفارة عليه، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: يجب مطلقًا.
١٨٢٠ - (حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو عوانة، عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن عطاء، عن يعلي بن أمية) وقد أخرج الترمذي والبيهقي عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، لم يذكرا فيه بين عطاء ويعلى "صفوانَ"، قال الترمذي: وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء عن يعلي بن أمية، والصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وقال البيهقي بعد تخريج حديث عبد الملك بن سليمان، عن عطاء، عن يعلي بن أمية القرشي: قصر عبد الملك بإسناده، فلم يذكر صفوان فيه، انتهى.
стр. 4132
وَهُشَيْمٌ, عَنِ الْحَجَّاجِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى, عَنْ أَبِيهِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ (١): فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : «اخْلَعْ جُبَّتَكَ» , فَخَلَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ, وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [ن ٨٣٥، حم ٤/ ٢٢٤، خزيمة ٢٦٧٢، ق ٥/ ٥٦]
١٨٢١ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ الرَّمْلِىُّ, حَدَّثَنا اللَّيْثُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ, عَنِ ابْنِ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ, عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ فِيهِ (٢):
===
قلت: قال الترمذي: هكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء، عن يعلي بن أمية، فأما حديث قتادة فأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) من طريق شعبة عن قتادة، عن عطاء، عن يعلي بن أمية: أن النبي ﷺ رأى رجلًا عليه جبة، الحديث.
وأما حديث الحجاج بن أرطاة فخالف أبو داود فيه الترمذي، وأخرجه عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، وذكر فيه صفوان، وحكى عن أبي داود البيهقيُّ كذلك في "سننه"، فلعل ذكر الحجاج فيمن روى عن عطاء عن يعلى وهم، أو غلط من النساخ.
(وهشيم) مرفوع معطوف على: أبو عوانة (عن الحجاج) بن أرطاة، (عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه بهذه القصة) المتقدمة (قال) محمد بن عيسى في حديثه: (فقال له النبي ﷺ : اخلع جبتك، فخلعها من رأسه، وساق) محمد بن عيسى (الحديث).
١٨٢١ - (حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني الرملي، حدثنا الليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن يعلي بن منية) وهو يعلى بن أمية، فمنية اسم أمه، وأمية أبوه، (عن أبيه بهذا الخبر) المتقدم (قال فيه:
стр. 4133
"فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِعَهَا نَزْعًا, وَيَغْتَسِلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا" وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [خ ١٥٣٦، م ١١٨٠، السنن الكبرى للنسائي ٤٢٣٧]
١٨٢٢ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ, حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَه" وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. [م ١١٨٠]
===
فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها) أي الجبة (نزعًا، ويغتسل) هكذا في النسخ الموجودة من باب الافتعال، وأخرجها البيهقي عن أبي داود بهذا السند، وفيه: "ويغسل مرتين أو ثلاثًا"، وهو الأوفق، وما في نسخ أبي داود من باب الافتعال إن كان محفوظًا من تصحيف النساخ، فهو إما بمعنى: يغسل، أي يغسل أثر الطيب عن ثوبه أو بدنه، ويحتمل أن يكون بمعناه، فعلى هذا تكون إزالة الطيب عن بدنه فقط. (مرتين أو ثلاثًا) يحتمل الشك من الراوي، ويحتمل التنويع، وهذا الحكم ليس للنجاسة بل لإزالة أثر الخلوق، (وساق) يزيد بن خالد (الحديثَ).
١٨٢٢ - (حدثنا عقبة بن مكرم، نا وهب بن جرير، نا أبي) جرير بن حازم، (قال: سمعت قيس بن سعد يحدث، عن عطاء، عن صفوان بن يعلي بن أمية، عن أبيه) أي يعلي بن أمية (أن رجلًا أتى النبي ﷺ بالجعرانة وقد أحرم بعمرة، وعليه جبة، وهو مصفر لحيتَه ورأسَه. وساق الحديث) أي عقبة بن مكرم.
وهذا الحديث يدل على أن الرجل إذا أحرم وعليه جبة ينزعها ولا يشُقُّها، وقد أخرج البيهقي من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن يعلي بن أمية هذا الحديث، وفي آخره: قال قتادة: فقلت لعطاء: كنا نسمع أنه قال: شَقَّها، قال: هذا فساد، والله لا يحب الفساد.
وقد أخرج الطحاوي (١) بسنده عن جابر بن عبد الله قال: "كنت عند النبي ﷺ
стр. 4134
(٣٠) بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ
١٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِىِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَأَلَ رَجُلٌ
===
جالسًا في المسجد، فَقَدَّ (١) قميصَه من جيبه حتى أخرجه من رجليه" الحديث. قال: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا ينبغي للمحرم أن يخلعه كما يخلع الحلال قميصه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك عليه حرام، فأمره بشقه لذلك.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينزعه نزعًا (٢)، واحتجوا في ذلك بحديث يعلي بن أمية الذي أحرم وعليه جبة، فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها نزعًا.
وقال الطحاوي: ليس الممنوع تغطية الرأس فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئًا ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأسًا، ولكن المنهي عنه إلباس الرأس، ونزع الجبة عن جانب الرأس ليس بإلباس، فلا يكون منهيًّا عنه.
وقد اختلف المتقدمون في ذلك، فعن إبراهيم والشعبي أنهم قالوا: إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه حتى يخرج منه، وعن سعيد بن جبير مثلَه.
وأما عطاء وعكرمة فخالفا إبراهيمَ والشعبيَّ وسعيدَ بنَ جبير، وذهبا إلى ما ذهبنا إليه من حديث يعلى، انتهى ملخصًا.
(٣٠) (بَابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ)
أي ما يجوز للمحرم أن يلبسه من الثياب
١٨٢٣ - (حدثنا مسدد وأحمد بن حنبل قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل) قال الحافظ (٣): لم أقف على اسمه في
стр. 4135
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ, وَلَا الْبُرْنُسَ, وَلَا السَّرَاوِيلَ, وَلَا الْعِمَامَةَ, وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ
===
شيء من الطرق. (رسول الله ﷺ : ما يترك المحرم من الثياب؟ ) وفي رواية البخاري: "ما يلبس من الثياب" (فقال) رسول الله ﷺ : (لا يلبس) المحرم (القميصَ).
قال الحافظ (١): قال النووي: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصر، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه.
وهذا كله بناء على سياق هذه الرواية التي في البخاري وهي المشهورة، وأما على رواية أبي داود: "ما يترك المحرم"، وهي شاذة؛ فلا مساغ لهذا التوجيه فيه، بل الجواب فيه مطابق للسؤال.
وقد أجمعوا على أن المراد بالمحرم ها هنا الرجل، ولا تلتحق به المرأة في ذلك؛ لأن للمرأة يجوز أن تلبس جميع ذلك، وفي ذكر القميص والسراويل نهي عن كل مخيط، وبالعمائم والبرانس نهي عن كل ما يُغَطى الرأسُ به مخيطًا أو غيره.
(ولا البرنس) وهو الثوب الذي رأسه منه، (ولا السراويلَ) والنهي عن هذه الثلاثة لأنها من المخيط إلَّا البرنس؛ فإن في النهي عنه وجهين: الأول: كونه مخيطًا كالقميص والقباء. والثاني: كونه ساترًا للرأس، والمراد من المخيط هو الذي صنع على البدن، فلو نسج ثوب على البدن ولم يكن فيه خياطة أصلًا فهو في حكم المخيط لا يجوز لبسه للمحرم، نعم لو لبسها على غير وجهه بأن ارتدى بالقميص أو اتَّزر بالسراويل جاز.
(ولا العمامةَ) وكذا القلنسوةَ والعرقيةَ والتاجَ والطربوشَ، (ولا ثوبًا مسه
стр. 4136
وَرْسٌ, وَلَا زَعْفَرَانٌ, وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا لِمَنْ (١) لَا يَجِدِ النَّعْلَيْنِ, فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ». [خ ١٣٤، م ١١٧٧، ن ٢٦٧٣، ت ٨٣٣، حم ٢/ ٨]
===
ورس) وكذا كل ثوب صبغ بما له طيب كورس، وهو نبت يكون باليمن يتَّخذ منها الغمرة للوجه، وفي "النهاية" عن "القانون": الورس شيء أحمر قانٍ يشبه سحيق الزعفران، وهو مجلوب من اليمن، كذا في "رد المحتار" (٢).
(ولا زعفران) لأنهما من الطيب، ولا يختص بهما الرجل المحرم، بل يشمل الرجل والمرأة (٣)، (ولا الخفين) أي للرجال؛ فإن المرأة تلبس المخيط والخفين (إلَّا لمن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين (٤) وليقطعهما (٥) حتى يكونا أسفل من الكعبين).
والمراد بالكعب عندنا معشر الحنفية معقدُ الشراك وهو المفصل الذي في وسط القدم بخلافه في الوضوء، فإن المراد في الوضوء العظمان الناتيان اللذان في جانبي القدم. قال الحافظ (٦): والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم، وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من
стр. 4137
١٨٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. [انظر سابقه وأيضًا: جه ٢٩٢٩، ٢٩٣٢]
===
الحنفية: الكتب ها هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وقيل: هذا لا يُعرَف عند أهل اللغة.
قال العيني (١): قلت: الذي قال: لا يعرف عند أهل اللغة، هو ابن بطال، والذي قاله هو لا يعرف، وكيف والإمام محمد بن الحسن إمام في اللغة والعربية؟ فمن أراد تحقيق صدق هذا فلينظر في مصنفه الذي وضعه على أوضاع يعجز عنه الفحول من العلماء والأساطين من المحققين، وهو الذي سماه "الجامع الكبير"، والذي قاله هو الذي اختاره الأصمعي، قاله الإِمام فخر الدين، انتهى.
قال الحافظ: وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين، وعن الحنفية تجب، واستدل به على اشتراط القطع خلافًا للمشهور عن أحمد؛ فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس بلفظ: "ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين"، وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها هنا، انتهى.
وكذا لا يلبس الجوربين؛ لأنهما في معنى الخفين، قال في "البدائع" (٢): ورخص بعض مشايخنا المتأخرون لبس الصندلة قياسًا على الخف المقطوع؛ لأنه في معناه، وكذا لبس الميثم لما قلنا.
١٨٢٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه).
وكتب ها هنا في بعض النسخ: "باب في المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"، ولا حاجة إلى ذلك الباب.
стр. 4138
١٨٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ زَادَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ (١) , وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ». [خ ١٨٣٨، ت ٨٣٣، ن ٢٦٧٣، حم ٢/ ١١٩]
===
١٨٢٥ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه) أي بمعنى حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه.
(زاد) نافع على حديث سالم: (ولا تنتقب (٢) المرأةُ الحرامُ)؛ لأن المرأة المحرمة لا يجوز لها أن تغطي وجهها لما روي عنه ﷺ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها" (٣). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا رفعنا" (٤)، فدل الحديث على أن ليس للمرأة أن تغطي وجهها، وأنها لو أسدلت على وجهها شيئًا وجافته عنه لا بأس بذلك؛ لأنها إذا جافته عن وجهها صار كما لو جلست في قبة أو أسترت بفسطاط.
(ولا تلبس القفازين) هو بالضم والتشديد: شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابعَ والكفَّ والساعدَ من البرد، وفيه قطن محشو، وقيل: هو ضرب من العلي تتخذه المرأة ليديها، "مجمع".
وفي "القاموس": وكَرُمَّانٍ: شيء يُعمَل لليدين يُحْشَى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، وضرب من العلي لليدين والرجلين.
أما لبس القفازين فلا يكره عندنا، وهو قول علي وعائشة - رضي الله
стр. 4139
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ (١) , عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ, وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ
===
عنهما-، وقال الشافعي: لا يجوز، واحتج بحديث ابن عمر ﵁ هذا, ولأن العادة في بدنها الستر، فيجب مخالفتها بالكشف كوجهها.
ولنا ما روي: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين، ولأن لبس القفازين ليس إلَّا تغطية يديها بالمخيط، وأنها غير ممنوعة عن ذلك؛ فإن لها أن تغطيهما عن قميصها، وإن كان مخيطًا، فكذا بمخيط آخر بخلاف وجهها، وقوله: "ولا تلبس القفازين" نهي ندب حملناه عليه جمعًا بين الدلائل بقدر الإمكان، "بدائع" (٢).
وأما الرجل المحرم فلا يلبس القفازين لما نقل عز الدين بن جماعة من أنه يحرم عليه لبس القفازين في يديه عند الأئمة الأربعة؛ لأنهما في حكم المخيط.
(قال أبو داود: وقد روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة (٣)، عن نافع، على ما قال الليث) أي مرفوعًا، ولم أجد روايتهما فيما عندي من الكتب.
(ورواه موسى بن طارق) اليماني أبو قرة، بضم القاف، الزبيدي بفتح الزاي، قال أبو حاتم: محله الصدق، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جَمَعَ وصنف وتفقه وذاكر، يغرب. وعن الحاكم: ثفة مأمون.
стр. 4140
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ مَوْقُوفًا, وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِىُّ (١) , عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ».
===
وقال الخليل: ثقة قديم. (عن موسى بن عقبة موقوفًا على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر (٢) ومالك (٣) وأيوب موقوفًا؛ وإبراهيمُ بن سعيد المديني) (٤) أي وروى إبراهيم بن سعيد المديني (عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ) مرفوعًا: (المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين).
غرض المصنف بهذا الكلام إشارة إلى أن النهي عن النقابِ ولبسِ القفازين مختلف في رفعه ووقفه، فرواه الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وتابعه موسى بن عقبة برواية حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب؛ فإنهما روياه عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا على ما قال الليث.
وأما موسى بن طارق فرواه عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا على ابن عمر ﵁، وكذلك - أي كما رواه موسى بن عقبة برواية موسى بن طارق - رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب موقوفًا على ابن عمر.
وأما إبراهيم بن سعيد المديني فرواه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وإلى ذلك أشار البخاري في "صحيحه" بعد ما أخرج حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر فقال بعد تمام الحديث: تابعه موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين، أي في ذكرهما في الحديث مرفوعًا، وقال عبيد الله بن عمر العمري: ولا ورس، وكان - أي
стр. 4141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابن عمر- يقول: "لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين"، فجعله قولَ عبد الله ولم يرفعه، وقال مالك: عن نافع، عن ابن عمر: "لا تتنقب المحرمة"، فأوقفه مالك أيضًا، وتابعه ليث بن أبي سلم (١) أي في وقفه.
قلت: وكذلك ذكر البيهقي هذا الاختلاف في "سننه الكبرى" (٢)، فأخرج أولًا، حديث الليث، عن نافع، عن عبد الله بن عمر الذي أخرجه البخاري في "صحيحه"، ثم حكى قول البخاري: وتابعه موسى بن عقبة ... إلخ.
ثم أخرج حديث موسى بن عقبة من طريق حفص بن ميسرة، عن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، ثم قال: ورواه أيضًا عبد الله بن المبارك وجماعة عن موسى بن عقبة.
ثم أخرج حديثه من طريق فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن نافع فرفعه.
ثم أخرج حديث جويرية بن أسماء من حديث عبد الله بن محمد بن أسماء: حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: قام رجل فنادى رسول الله ﷺ , الحديث، نحو حديث الليث.
ثم ذكر من حديث أبي سلمة: ثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ .
ثم أخرج حديث محمد بن إسحاق من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، فذكر الحديث مرفوعًا.
ثم قال: ورواه أيضًا إبراهيم بن سعيد المديني، عن نافع مرفوعًا، ثم قال: قال أبو داود: ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفًا
стр. 4142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على ابن عمر: "المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين"، قال الشيخ: وعبيد الله ابن عمر ساق الحديث إلى قوله: "ولا ورس"، ثم قال: وكان يقول: "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين".
ثم قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: "لا تنتقب المرأة" من قول ابن عمر، وقد أُدْرج في الحديث، انتهى.
قال الحافظ (١): وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكمَ بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب والقفاز مفردًا مرفوعًا، وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المقدم ذكرها.
وقال في "الاقتراح": دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة، وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قُدِّمت، ولا سيما إن كان حافظًا ولا سيما إن كان أحفظ، والأمر ها هنا كذلك، فإن (٢) عبيدَ الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شَذَّ بذلك وهو ضعيف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدَّم وأخَّر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في "شرح الترمذي".
قلت: والذي ذكره من ترجيح الوقف؛ فمحل بحث، فإن الذين رفعوه ثقات متقنون، وعندهم زيادة علم فوجب قبوله، وكيف لا؟ وقد أمكن أن يقال: إن ابن عمر- ﵁ رفعه مرة ووقفه مرة أخرى بأنه أفتى بذلك، فروى عنه نافع كذلك، فلا حاجة حينئذ إلى التكلفات التي ارتكبها، فالحكم بإدراج هذه الجملة سخيف جدًا، والله أعلم.
стр. 4143
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ (١) شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ (٢) حَدِيثٍ.
١٨٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِىُّ (٣) , عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ». [ق ٥/ ٤٧، وانظر الحديث السابق]
١٨٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, حَدَّثَنَا أَبِى, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: فَإِنَّ (٤) نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَنِى, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فِى إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ
===
(قال أبو داود: إبراهيم بن سعيد المديني شيخ من أهل المدينة ليس له كبير حديث)، قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قلت: له عنده حديث واحد في "الحج".
١٨٢٦ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا إبراهيم بن سعيد المديني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: المحرمة لا تنتقب) أي لا تغطي الوجه بالنقاب (ولا تلبس القفازين).
١٨٢٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا يعقوب، نا أبي) إبراهيم بن سعد، (عن ابن إسحاق قال: فإن نافعًا مولى عبد الله بن عمر حدثني، عن عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من
стр. 4144
الثِّيَابِ, وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا (١) أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا أَوْ خُفًّا (٢) ". [حم ٢/ ٢٢، ك ١/ ٤٨٦]
===
الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرًا) ما صبغ بالعصفر وهو زهر القرطم (أو خزًّا) وهو نوع من الإبريسم (أو حليًّا، أو سراويل، أو قميصًا، أوخفًّا).
وفي الحديث جواز المعصفر وهو مختلف فيه، قال في "البدائع" (٣): ولا يلبس المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر عندنا، وقال الشافعي (٤): يجوز، واحتج بما روي أن عائشة ﵂ لبست الثياب المعصفرة، وهي محرمة، وروي أن عثمان ﵁ أنكر على عبد الله بن جعفر لبس المعصفر في الإحرام، فقال علي ﵁: ما أرى أن أحدًا يعلمنا السنَّة.
ولنا ما روي أن عمر ﵁ أنكر على طلحة لبسَ المعصفر في الإحرام، فقال طلحة ﵁: إنما هو ممشق بِمَغْرَة، فقال عمر ﵁: إنكم أئمة يقتدى بكم، فدل إنكار عمر واعتذار طلحة ﵄ على أن المحرم ممنوع من ذلك. وفيه إشارة إلى أن الممشق مكروه أيضًا؛ لأنه قال: إنكم أئمة يقتدى بكم، أي: أن من شاهد ذلك ربما يظن أنه مصبوغ بغير المغرة فيعتقد الجواز، فكان سببًا للوقوع في الحرام عسى (٥) فيكره، ولأن المعصفر طيب, لأن له رائحة طيبة، فكان كالورس والزعفران.
стр. 4145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما حديث عائشة ﵂ فقد روي عنها: أنها كرهت المعصفر في الإحرام، أو يحمل على المصبوغ بمثل العصفر كالمغرة ونحوها، وهو الجواب عن قول علي (١) وعمر ﵄ على أن قوله معارض بقول عثمان ﵁، وهو إنكاره، فسقط الاحتجاج به للتعارض، هذا إذا لم يكن مغسولًا، فأما إذا كان قد غسل حتى صار لا ينفض فلا بأس به، انتهى. وقال في "الهداية" (٢): ولا يلبس ثوبًا مصبوغًا بورس ولا زعفران ولا عصفر؛ لقوله ﵊: "لا يلبس المحرم ثوبًا مسَّه زعفران ولا ورس، إلَّا أن يكون غسيلًا لا ينفض"؛ لأن المنع للطيب لا للون (٣)، وقال الشافعي: لا بأس بلبس المعصفر, لأنه لون لا طيب له، ولنا أن له رائحة طيبة.
قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٤): فمبنى الخلاف على أنه طيِّب الرائحة أو لا؟ فقلنا: نعم، فلا يجوز، وعن هذا قلنا: لا يتحنى المحرم لأن الحناء طيب، ومذهبنا مذهب عائشة ﵂ في هذا، ثم النص ورد بمنع المورس على ما قدمنا، وهو دون المعصفر في الرائحة، فيمنع المعصفر بطريق أولى، ولكن تقدم في حديث أبي داود قوله ﵊: "ولتلبس بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر".
فالجواب أولًا: أن عمر ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله
стр. 4146
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا (١) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ (٢): عَبْدَةُ (٣) وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عن محمد بن إسحاق إِلَى قَوْلِهِ: "وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ", وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.
===
ثوبًا مصبوغًا وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب يا طلحة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر، فقال عمر: أيها الرهط إنكم أئمة يُقتَدى بكم، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. فإن صح كونه بمحضر من الصحابة أفاد منع المتنازع فيه وغيره، ثم يخرج الأزرق ونحوه بالإجماع، ويبقى المتنازع فيه داخلًا في المنع.
والجواب المحقق إن شاء الله سبحانه أن نقول: "ولتلبس بعد ذلك ... إلخ" مدرج، كأن المرفوع صريحًا هو قوله: "سمعته ينهى عن كذا" وقوله: "ولتلبس بعد ذلك"، ليس من متعلقاته، ولا يصح جعله عطفًا على "ينهى" لكمال الانفصال بين الخبر والإنشاء، فكان الظاهر أنه مستأنف من كلام ابن عمر ﵁، فتخلو تلك الدلالة عن المعارض الصريح، أعني منطوق المورس ومفهومه الموافق، فيجب العمل به، انتهى.
قلت: ويؤيد ذلك ما رواه عبدة ومحمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق بأنهما لم يذكرا هذا الكلام، فدل اقتصارُهما على قوله: "من الثياب" وعدمُ ذكرهما ما بعده من الكلام على كونه مدرجًا، والله أعلم.
(قال أبو داود: روى هذا) الحديث (عن ابن إسحاق: عبدةُ ومحمدُ بن سلمة، عن محمد بن إسحاق إلى قوله: وما مس الورس والزعفران من الثياب، لم يذكرا) أي عبدة ومحمد بن سلمة (ما بعده).
стр. 4147
١٨٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ وَجَدَ الْقُرَّ, فَقَالَ: أَلْقِ عَلَىَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ, فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا, فَقَالَ: تُلْقِى عَلَىَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ". [حم ٢/ ٣١]
١٨٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الإِزَارَ, وَالْخُفُّ (١) لِمَنْ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ». [خ ١٨٤٣، م ١١٧٨، خزيمة ٢٦٨١، ن ٢٦٧١]
===
١٨٢٨ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه وجد القر) قال في "القاموس": القُرَّ بالضم: البرد، أو يخص بالشتاء (فقال) لنافع: (أَلْقِ عَليَّ ثوبًا يا نافع، فألقيت عليه برنسًا، فقال) ابن عمر: (تلقي عليَّ هذا) أي البرنس (وقد) الواو للحال (نهى رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم) وهذا الذي قاله ابن عمر ﵁ لنافع في البرنس كان على سبيل التورع (٢)، وإلَّا فإلقاء البرنس على الرجل لدفع البرد ليس بلبس وليس بمنهي عنه، فإنما المنهي عنه لبس المخيط لا الإلقاء عليه، ولأجل ذلك لم يدفعه عن نفسه.
١٨٢٩ - (حدثنا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد) أبي الشعثاء، (عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: السراويل لمن لا يجد الإزار، والخف لمن لا يجد النعلين) قال الحافظ
стр. 4148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في "الفتح" (١): قال القرطبي: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد، فأجاز لبس الخفِّ والسراويلِ للمحرم الذي لا يجد النعلين والإزار على حالهما.
واشترط الجمهور قطعَ الخف وفتقَ السراويل، فلو لبس شيئًا منهما على حاله لزمته الفديةُ. والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر ﵁: "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين"، فيُحمَل المطلق على المقيد، ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم.
(قال أبو داود: هذا حديث أهل مكة)؛ لأن سليمان بن حرب مكي كان قاضيًا بمكة، وحماد بن زيد بصري، ثم عمرو بن دينار مكي يروي عن جابر بن زيد وهو بصري، ولذا قال: (ومرجعه إلى البصرة إلى جابر بن زيد، والذي تفرد به) أي الكلام الذي تفرد به جابر بن زيد (منه) أي من الحديث (ذكرُ السراويل) فإنه لم يذكر السراويلَ عن ابن عباس غير جابر بن زيد، وقد أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي شيبة (٢) في "مصنفه" (٣) بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فإن كان فيه ذكر السراويل فلا يصح دعوى تفرُّدِ جابرِ بنِ زيدٍ فيه.
(ولم يذكر القطعَ في الخف) قد ترددتُ في مرجع الضمير في "لم يذكر" فرأيت صاحب "العون" (٤) أرجع الضمير إلى جابر بن زيد، ويُتَعَقَّبُ بحديث أخرجه النسائي (٥) من طريق يزيد بن زريع قال: أخبرنا أيوب، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وفيه: "وليقطعهما أسفل من الكعبين".
стр. 4149
١٨٣٠ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جُنَيْدٍ الدَّامَغَانِىُّ, حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِىُّ, قَالَ: حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: "كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ (١) جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ
===
وكذا لا يجوز أن يكون المرجع حمادًا؛ لأن حديث أيوب عند النسائي من طريق إسماعيل عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ليس فيه ذكر القطع، وكذلك أخرج مسلم حديث سفيان بن عيينة وهشيم والثوري وابن جريج وإسماعيل عن أيوب كل هؤلاء عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد، وليس فيه ذكر القطع.
وكذا إرجاع الضمير إلى سليمان بن حرب غير صحيح؛ لأنه قد أخرج مسلم من حديث يحيى بن يحيى وأبي الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد جميعًا عن حماد، ولم يذكروا فيه القطع.
والذي تقرر عندي أن المصنف ﵀ كتب أولًا هذه العبارة، ثم لما عُرِضَ عليه ثانيًا ورأى فيه هذا الخطل أخرجها من الكتاب، فكتبها بعض النساخ في حاشية بعض النسخ، والصواب حذفُها، والله أعلم، انتهى.
١٨٣٠ - (حدثنا الحسين بن جنيد الدامغاني) نسبة إلى دامغان: مدينة من بلاد قومس. قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من أهل سمنان، مستقيم الأمر فيما يرويه. قلت: وقال مسلمة بن قاسم: ثقة.
(نا أبو أسامة، أخبرني عمر بن سويد الثقفي، حدثتني عائشة بنت طلحة، أن عائشة أم المومنين حدثتها قالت) عائشة أم المؤمنين: كنا نخرج مع النبي ﷺ من المدينة (إلى مكة فَنُضَمِّدُ) من التفعيل، أي نلطخ (جباهنا) جمع جبهة (بالسُّك) وهو نوع من الطيب، معروف، ويضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، وقال في "القاموس": وهو طيب يُتَّخَذ من الرامَك مدقوقًا منخولًا
стр. 4150
الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ, فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِىُّ ﷺ فَلَا يَنْهَاهَا" (١). [حم ٦/ ٧٩]
١٨٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ذَكَرْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ, فَقَالَ: حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَرَ - كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ؛ يَعْنِى يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ,
===
معجونًا بالماء، ويُعْرَك شديدًا، ويمسح بدهن الخيري لئلا يلصق بالإناء، ويُتْرَكُ ليلة، ثم يُسْحَقُ المِسكُ ويُلْقَمُه، ويُعْرَكُ شديدًا، ويُقَرَّص، ويُتْرَكُ يومين، ثم يُثْقَبُ بمسَلَّةٍ، ويُنْظَمُ في خيط قِنَّبٍ، ويُترَكُ سنةً، وكلما عَتُقَ طابت رائحتُه. (المُطَيَّبِ عند الإحرام) أي عند إرادته، (فإذا عَرِقَتْ (٢) إحدانا سال) هذا السُّك المطيب مع العرق (على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها).
وهذا الحديث يدل على أن بقاءَ الطيب واستدامتَه (٣) بعد استعماله عند الإحرام لا يضر، فإن سكوته ﷺ على ذلك يدل على الجواز، وهو قول الجمهور، وذهب ابن عمر ومالك ومحمد بن الحسن والزهري وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز التطيب عند الإحرام بحيث يبقى أثره بعد الإحرام.
١٨٣١ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق قال: ذكرت لابن شهاب) أي قطعَ الخفين للمرأة المحرمة (فقال) ابن شهاب: (حدثني سالم بن عبد الله: أن عبد الله - يعني ابنَ عمر- كان يصنع ذلك، يعني يقطع الخفين) أي يحكم بقطع الخفين (للمرأة المحرمة) بناء على إطلاق النهي للرجال والنساء عن لبس الخفين إلَّا بقطعهما.
стр. 4151
ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِى عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِى الْخُفَّيْنِ فَتَرَكَ ذَلِكَ". (١). [حم ٢/ ٢٩، خزيمة ٢٦٨٦]
(٣١) بَابُ الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ السِّلَاح
١٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: "لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا إلَّا بِجُلْبَّانِ السِّلَاحِ,
===
(ثم حدثته) زوجتُه (صفيةُ بنت أبي عبيد أن عائشة ﵂ حدثتها: أن رسول الله ﷺ قد كان رخص للنساء في الخفين)، أي في لبسهما من غير قطع، (فترك) عبد الله بن عمر (ذلك) أي الحكم بقطع الخفين للمرأة المحرمة.
(٣١) (بَابُ الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ (٢) السِّلَاحَ)، أي يجوز له أن يحمل السلاح
١٨٣٢ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: لما صالح رسول الله ﷺ أهل) مكة في (الحديبة صالحهم على) شرط (أن لا يَدْخلوها) أي مكة (إلَّا بجلبان السلاح) بضم جيم وسكون لام، شبه الجراب من الأدم يُوضَع فيه السيف مغمودًا، ويُطرَحُ فيه السوط والأداة، ويعلَّق في آخرة الكور، وروي بضم جيم ولام وشدة باء، وسمي به لخفائه كأنهم شرطوا أن لا يجردوا السلاح.
стр. 4152
فَسَأَلْتُهُ: مَا جُلْبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ". [خ ٢٦٩٨، م ١٧٨٣، السنن الكبرى للنسائي ٨٥٧٧، حم ٤/ ٢٩١]
(٣٢) بابٌ: في الْمُحْرِمَةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا
١٨٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى زِيَادٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ (١) محرمات مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا
===
(فسألته) لم أر أحدًا ذَكَرَ السائلَ والمسؤول منهما، والذي أظن أن السائل شعبة، أي: فسألت أبا إسحاق (ما) معنى قوله: (جلبان السلاح؟ قال) أبو إسحاق: (القراب بما فيه) أي مع ما فيه.
(٣٢) (بابٌ: في الْمُحْرِمَةِ (٢) تُغطِّي وَجْهَهَا)
هل يجوز لها ذلك؟
١٨٣٣ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا هشيم، نا يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ قالت: كان الركبان) جمع راكب (يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا)، هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا بالحاء المهملة، والذال المعجمة بعد الألف، وبالباء الجارة الداخلة على ضمير الجمع المتكلم.
وقال الشوكاني في "النيل" (٣): قوله: "فإذا حاذوا بنا": في نُسَخ المصنف
стр. 4153
سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا إِلَى وَجْهِهَا, فَإِذَا جَاوَزُونَا (١) كَشَفْنَاهُ". [جه ٢٩٣٥، حم ٦/ ٣٠، خزيمة ٢٦٩١]
===
هكذا: "فإذا حاذوا بنا"، ولفظ أبي داود: "فإذا جازوا بنا" بالزاي مكان الذال، وفي "التلخيص" وغيره: "فإذا حاذونا"، انتهى.
قلت: لعل النسخة التي عند الشوكاني فيها كما قاله، وما رأيناه في شيء من النسخ، معناه فإذا جاؤوا في محاذاتنا بحيث يحتمل أن يقع نظرهم علينا (سدلت إحدانا) أي علَّقت وأرسلت (جلبابَها) أي ملحفتها (من رأسها على وجهها) لئلا يقع نظرهم علينا (فإذا جاوزونا) وفي نسخة على الحاشية: جازونا (كشفناه) أي أزلنا الجلباب عن وجوهنا.
قال الشوكاني: تمسك به أحمد، فقال: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق رأسها، واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا إحتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها, لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة، لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم، وظاهر الحديث خلافهم؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبيَّنه ﷺ ، انتهى.
قال في "اللباب" و"شرحه" (٢): وتغطي رأسها أي لا وجهها، إلَّا [أنها] إن غطت وجهها بشيء متجافٍ جاز، وفي "النهاية": إن سدل الشيء على وجهها واجب عليها، وفي "الفتح" قالوا: والمستحب أن تسدل على وجهها شيئًا وتجافيه، انتهى.
قلت: قول الشوكاني: فلو كان التجافي شرطًا لبيَّنه ﷺ ، وقع منه من غير
стр. 4154
(٣٣) بَابٌ: في الْمُحْرِمِ يُظَلَّلُ
١٨٣٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحِيمِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ, عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ
===
رؤية وتدبر؛ فإنه ﷺ نهى المرأة عن الانتقاب، وقال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة"، فلما تعارضت الروايتان جمعنا بينهما بأنها لا تنتقب متصلًا بوجهها، وتسدل متجافيًا عنها، فتكون كالرجل المستظل بالبيت وبالشمسية.
وأما قوله: لأن الثوب المذكور لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، كلام سخيف؛ فإنه ليس بمحال ولا مشكل خصوصًا في قليل من الزمان عند مرور الرجال، وروى البيهقي (١) والدارقطني في حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: "أن إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها"، فلو جاز لها أن تغطي وجهها لَلَغَى حديثُ النهي عن الانتقاب وهذا الحديثُ، فجمعنا بينهما وعملنا بهما.
(٣٣) (بَابٌ: في الْمُحْرِمِ يُظَلَّلُ)، هل يجوز له ذلك؟
١٨٣٤ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد بن سماك بن رستم الحراني، خال محمد بن سلمة، (عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن حصين) الأحمسي البجلي، قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". قلت: وقال العجلي: كوفي ثقة.
(عن) جدته (أم الحصين) بنت إسحاق الأحمسية، وحكى الحافظ في "الإصابة" (٢) عن أبي عمر: أنه سمَّى أباها إسحاق، وقال: لم أره لغيره،
стр. 4155
حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: "حَجَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ (١) ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا, وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِىِّ (٢) ﷺ , وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْترُهُ مِنَ الْحَرِّ, حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ". [م ١٢٩٨، حم ٦/ ٤٠٢]
===
شهدتْ خطبةَ حجة الوداع، وروتها عن النبي ﷺ وغير ذلك، وعنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والعيزار بن حريث.
(حدثته قالت: حججنا مع النبي ﷺ حجة الوداع) وإنما سمي حجه حجة الوداع؛ لأنه ﷺ ودَّع الناس فيها، وأوصاهم، وعلَّمهم أمرَ دينهم، ولم يحج بعد الهجرة غيرَها، وعلم أنه لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى، ولا اجتماع له آخر مثله.
(فرأيت أسامة) بن زيد (وبلالًا، وأحدهما آخذ بخطام) أي زمام (ناقة النبي ﷺ , والآخر رافع ثوبه) على رأسه، ووقع في رواية النسائي (٣) من حديث عمرو بن هشام قال: ثنا محمد بن سلمة بهذا السند: قالت: حججت في حجة النبي ﷺ فرأيت بلالًا يقول بخطام راحلته، وأسامةَ بن زيد رافع عليه ثوبه.
(يستره من الحر) أي الشمس كما في مسلم (حتى رمى جمرة العقبة) أي الجمرة التي عند العقبة، وهي الجمرة الأولى من جانب مكة والكبرى, قال الشوكاني (٤): فيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب محمل وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، والحديث يرد عليهما، وأجاب عنه بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم، فهو كما أجاز مالك للمحرم بأن يستظل بيده، فإن فعل لزمته الفدية عند مالك وأحمد (٥)، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقفٍ جاز.
стр. 4156
(٣٤) بَابُ الْمُحْرِمِ يَحْتَجِمُ ؟
١٨٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ". [خ ١٨٣٥، م ١٢٠٢، ن ٢٨٤٥، ت ٨٣٩، حم ١/ ٢٢١]
===
وقد احتج مالك وأحمد على منع التظلل بما رواه البيهقي (١) بإسناد صحيح عن ابن عمر: "أنه أبصر رجلًا على بعيره وهو محرم، قد استظل بينه وبين الشمس، فقال: أَضِحْ لمن أحرمتَ له".
وبما أخرجه البيهقي أيضًا بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعًا: "ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلَّا غربت بذنوبه، حتى يعود كما ولدته أمه".
ويجاب بأن قول ابن عمر ﵁ لا حجة فيه، وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفًا لا يدل على المطلوب، وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف؛ لأن غاية ما فيه أنه أفضل، على أنه يبعد منه ﷺ أن يفعل المفضولَ ويدع الأفضل مقام التبليغ.
قلت: هذا ليس ببعيد؛ لأنه ﷺ فعل بعض الأفعال المفضولة لبيان الجواز وتيسيرًا على الأمة، وقد أخرج هذا الحديث مسلم من طريق معقل عن زيد بن أبي أنيسة بهذا السند: قال: سمعتُها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف، وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة، أحدهما يقول براحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس، قالت: فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا، الحديث.
(٣٤) (بَابُ الْمُحْرِمِ) هل (يَحْتَجمُ؟ )
١٨٣٥ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وطاوس، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم (٢) وهو محرم).
стр. 4157
١٨٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, أَخْبَرَنَا هِشَامٌ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِى رَأْسِهِ مِنْ دَاءٍ كَانَ بِهِ". [خ ٥٧٠٠، م ١٢٠٢]
===
قال العيني (١): دل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقًا، وبه قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والشعبي والثوري وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وأخذوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: ما لم يقطع الشعر.
وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، وروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك، وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول: "إن النبي ﷺ احتجم لضرر كان به"، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه (٢) حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله ﷺ على كعب بن عجرة، فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه، أو الدمل يبطه، أو القرحة ينكأها، ولا يضره ذلك، ولا شيء عليه عند جماعة العلماء. وعند الحسن البصري: عليه الفدية.
قال عبد الملك في "المبسوط": شعر الرأس والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أهل الظاهر: لا فدية عليه إلا أن يحلق رأسه، انتهى.
١٨٣٦ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، أنا هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم في رأسه) متعلق باحتجم (من) أجلية، أي بسببِ (داءٍ كان به) ﷺ ، أو بالرأس.
стр. 4158
١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ" (١). [ن ٢٨٤٩، حم ٣/ ١٦٤]
(٣٥) بَابٌ (٢): يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ؟
١٨٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: "اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ عَيْنَيْهِ
===
١٨٣٧ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به) ولعل (٣) هذه قصة أخرى غير الواقعة التي في رواية ابن عباس وعبد الله بن بحينة.
(٣٥) (بَابٌ): هل (يَكْتَحِلُ المحْرِمُ؟ )
١٨٣٨ - (حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن نبيه) بالتصغير (ابن وهب) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، المدني، قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: ليس به بأس، وكان ثقة قليل الحديث، أحاديثه حِسان. وذكره ابن حبان في "الثقات". وحكى ابن عبد البر عن ابن معين: ثقة.
(قال: اشتكى عمر بن عبيد الله (٤) بن معمر عَيْنَيه) أي رمدَ عينيه،
стр. 4159
فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ - قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ -, مَا يَصْنَعُ بِهِمَا؟ قَالَ: أضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ, فَإِنِّى سَمِعْتُ عُثْمَانَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". [م ١٢٠٤، ت ٩٥٢، ن ٢٧١١، حم ١/ ٦٨، خزيمة ٢٦٥٤، ق ٥/ ٦٢]
١٨٣٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ, حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ (١). [حم ١/ ٥٩ - ٦٠ وانظر سابقه]
===
(فأرسل) أي عمر بن عبيد الله (إلى أبان بن عثمان) بن عفان الأموي، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله. قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أعلم بحديث ولا فقه منه، وعدَّه يحيى القطان في فقهاء المدينة. وقال العجلي: ثقة، من كبار التابعين. وقال ابن سعد: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال سفيان: وهو) أي أبان بن عثمان (أمير الموسم) أي الحج يسأله (ما يصنع بهما) أي بعينيه؟ (قال) أبان: (أضمِدْهما) ولو (بالصبر) قال في "القاموس": والصَّبِر ككَتِف ولا يسكن إلَّا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مُرٍّ؛ (فإني سمعت عثمان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ ).
١٨٣٩ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن نُبيه بن وهب بهذا الحديث) المتقدم، أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث بهذا السند في "مسنده" (٢)، ولكن لم أَدْرِ أن أيوب المذكور في هذا السند هل هو أيوب السختياني أو أيوب بن موسى المذكور في السند المتقدم؟ (٣) روى عن نبيه بن وهب في السند المقدم بلا واسطة، وهنا بالواسطة، وكذا نافع هل هو مولى ابن عمر أو ابن عاصم؟ .
стр. 4160
(٣٦) بَابُ الْمُحْرِمِ يَغْتَسِلُ ؟
١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ,
===
ومذهب الحنفية في الاكتحال أنه لا بأس به إن لم يكن في الكحل طيب، ولا شيء عليه من الدم والصدقة، ولو من غير عذر، لكن الأولى تركه لما فيه من الزينة إلَّا إذا كان عن ضرورة.
وأما إذا كان الكحل مطيبًا، فإن اكحتل به فإن كان ثلاث مرات فعليه دم، وإن كان مرة أو مرتين فعليه صدقة.
وأما عند الشافعية فقال في شرح الخطيب المسمى "بالإقناع" (١) و"حاشيته": ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي ونحوه كسدر، من غير نتف شعر؛ لأن ذلك لإزالة الوسخ لا للتزيين والتنمية، لكن الأولى تركه، وترك الاكتحال الذي لا طيب فيه، قال المحشي: أما ما فيه طيب فحرام، انتهى.
(٣٦) (بَابُ الْمُحْرِمِ) هل (يَغْتَسِلُ؟ ) (٢)
١٨٤٠ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم، المدني، أبو إسحاق، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال النسائي: ثقة. قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات". كذا في جميع الموطآت عن زيد بن أسلم عن إبراهيم،
стр. 4161
عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ, وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ
===
وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسي، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابن عبد البر (١): وذلك معدود من خطئه.
(عن أبيه) وهو عبد الله بن حنين الهاشمي مولى العباس، ويقال: مولى علي، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، والمشهور أن حنينًا كان مولى للعباس، وهبه له النبي ﷺ فأولاده موالٍ له (أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا) (٢) في الغسل للمحرم رأسه (بالأبواء) بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة، سميت بها لتبوأ السيول بها، وقيل: لأنهم تبوأوا بها منزلًا، وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، وقيل: الأبواء جبل على يمين آرة ويمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة، وقد جاء ذكره في حديث الصعب بن جثامة وغيره.
وبالأبواء قبر آمنة بنت وهب أمِّ النبي ﷺ . وكان السبب في دفنها هناك أن عبد الله والد رسول الله ﷺ كان قد خرج إلى المدينة يمتار تمرًا، فمات بالمدينة، فكانت زوجته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة تخرج في كل عام إلى المدينة تزور قبره، فلما أتى على رسول الله ﷺ ست سنين خرجت زائرة لقبره، ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ . فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها، ويقال: إن أبا طالب زار أخواله بني النجار بالمدينة، وحمل معه آمنة أم رسول الله ﷺ ، فلما رجع منصرفًا إلى مكة ماتت آمنة بالأبواء.
(فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم
стр. 4162
رَأْسَهُ, فَأَرْسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ, أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ (١) حَتَّى بَدَا لِى رَأْسُهُ, ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اُصْبُبْ, قَالَ: فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ, ثُمَّ حَرَّكَ أَبُو أَيُّوبَ رَأْسَهُ
===
رأسه، فأرسله) أي عبد الله بنَ حنين (عبدُ الله بنُ عباس إلى أبي أيوب الأنصاري) يسأله عن غسل المحرم رأسه، ولعله عنده علم من رسول الله ﷺ أو لعله سمعه منه قبل ذلك.
(فوجده) أي وجد عبد الله بن حنين أبا أيوب (يغتسل بين القرنين) أي بين قرني البئر، وهما العودان، أي العمودان المنتصبان لأجل عود البكرة (وهو يستر بثوب قال: فسلمت (٢) عليه، فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبدُ الله بن عباس أسألك) أي: لأسألك كيف (٣) كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ قال) عبد الله بن حنين: (فوضع أبو أيوب يده على الثوب) الذي يستره (فطأطأه) أي خفضه وأزاله عن رأسه (حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان) لم أقف على تسميته (يصب (٤) عليه) الماء: (اصبب، قال) عبد الله بن حنين: (فصب) الماء (على رأسه، ثم حرك أبو أيوب رأسَه) أي شعر
стр. 4163
بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ (١) ". [خ ١٨٤٠، م ١٢٠٥، ن ٢٦٦٥، ط ١/ ٣٢٣، ق ٥/ ٦٣]
(٣٧) بَابُ الْمُحْرِمِ يَتَزَوَّج ؟
١٨٤١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ أَخِى بَنِى عَبْدِ الدَّارِ: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ
===
رأسه (بيديه، فأقبل بهما وأدبر) وفيه جواز تحريك شعر المحرم بيده إذا أمن تناثره (ثم قال) أبو أيوب: (هكذا رأيته) ﷺ (يفعل) وزاد ابن عيينة: فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا.
قال العيني (٢): وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه، فذهب أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك. وردت الرخصة بذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر وعليه الجمهور، وحجتهم حديث الباب، وكان مالك يكره ذلك للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من احتلام.
ومطابقة الحديث بالباب بأنه لما جاز غسل الرأس وهو موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه، فغسل بقية البدن أولى بالجواز.
(٣٧) (بَابُ الْمُحْرِمِ) هل (يَتَزَوَّجُ؟ )
١٨٤١ - (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب أخي بني عبد الدار: أن عمر بن عبيد الله أرسل) إنسانًا (٣) (إلى أبان بن
стр. 4164
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يَسْأَلُهُ وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَهُمَا مُحْرِمَانِ: إِنِّى أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ, فَأَرَدْتُ (١) أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ, فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ, وَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ أَبِى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ». [م ١٤٠٩،
ت ٨٤٠، جه ١٩٦٦، حم ١/ ٥٧، خزيمة ٢٦٤٩، قط ٣/ ٢٦٠، ق ٥/ ٦٥]
===
عثمان بن عفان يسأله) عن تزويج المحرم، (وأبان يومئذ أمير الحاج وهما) أي: عمر بن عبيد الله وأبان بن عثمان (محرمان: إني أردت أن أُنْكِحَ طلحةَ بن عمر ابنةَ شيبة بن جبير (٢)، فأردت أن تحضر ذلك) فهل يجوز لنا ذلك؟ (فأنكر ذلك) أي التزويجَ في حالة الإحرام (عليه) أي على عمر بن عبيد الله (أبان، وقال) أبان: (إني سمعت أبي عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يَنْكِح المحرم) بفتح الياء وكسرِ الكاف وتحريكِ الحاء بالكسر على الأصح من النسخ، من: نَكَحَ، أي لا يَتزوج لنفسه امرأة (ولا ينكح) بضم الياء وكسر الكاف مجزومًا، أي لا يزوِّج الرجلُ امرأةً إما بالولاية أو بالوكالة، من: أنكح.
(ولا يخطب) بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء، أي لا يطلب امرأة لنكاح، وروى الكلمات الثلاث بالنفي والنهي، وذكر الخطابي (٣) أنها على صيغة النهي أصح على أن النفي بمعنى النهي أيضًا، بل أبلغ، والأولان للتحريم، والثالث للتنزيه عند الشافعي، فلا يصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده، والكل للتنزيه عند أبي حنيفة ﵀، قاله القاري (٤).
стр. 4165
١٨٤٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ, حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ مَطَرٍ وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ, عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ مِثْلَهُ. زَادَ: «وَلَا يَخْطُبُ». [م ١٤٠٩، ن ٣٢٧٥]
===
١٨٤٢ - (حدثنا قتيبة بن سعيد، أن محمد بن جعفر حدثهم، نا سعيد) بن أبي عروبة، (عن مطر ويعلي بن حكيم) الثقفي مولاهم، المكي، سكن البصرة، وكان صديقًا لأيوب، قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وقال ابن خراش: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان أن رسول الله ﷺ ذكر) قتيبة أو كل واحد من مطر ويعلى (مثله) أي مثل الحديث المتقدم.
(زاد) قتيبة أو كل واحد من مطر ويعلى: (ولا يخطب) (١)، وقد أخرج البيهقي (٢) هذا الحديث من طريق القعنبي فيما قرأ على مالك، عن نافع بهذا السند، ولفظه: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب".
وكذلك أخرج مسلم هذا الحديث في "صحيحه" من طريق يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع بهذه الزيادة، وفيه أيضًا: "ولا يخطب".
فسياق كلام أبي داود المؤلف يدل على أن رواية القعنبي، عن مالك، عن نافع ليس فيه لفظ: "ولا يخطب"، وسياق البيهقي يدل على أن في رواية القعنبي، عن مالك، عن نافع: "ولا يخطب"، ويؤيد البيهقي رواية مسلم؛ فإن في رواية يحيى بن يحيى عن مالك "ولا يخطب"، فليتأمل.
стр. 4166
١٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ, حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ, عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ ابْنِ أَخِى مَيْمُونَةَ, عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: "تَزَوَّجَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ". [م ١٤١١، ت ٨٤٥، دي ١٨٢٤، جه ١٩٦٤، حم ٦/ ٣٣٢]
===
١٨٤٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن حبيب بن الشهيد) الجزري، أبو أيوب الرقي، الفقيه، نشأ بالكوفة، ثم نزل الرقة، كان على خراج الجزيرة وقضائها لعمر بن عبد العزيز، ثقة فقيه وكان يرسل، (عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم ابنِ أخي ميمونة) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، والصواب: ابن أخت ميمونة (عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف).
واختلف العلماء في نكاح المُحْرِم، هل يجوز أو لا يجوز؟ فقال سعيد بن المسيب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز للمحرم أن يَنْكِحَ ولا يُنْكِحَ غيره، فإن فعل ذلك فالنكاح باطل، وهو قول عمر وعلي ﵄.
وقال إبراهيم النخعي والثوري وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد قالوا: لا بأس بالمحرم أن ينكح ولكنه لا يدخل بها حتى يحل، وهو قول ابن عباس وابن مسعود ﵄، وتحقيق هذه المسألة موقوف على نكاح ميمونة ﵂ نكحها رسول الله ﷺ وهو حلال أو نكحها وهو محرم؟ فرجح الفريقان ما يوافقهما.
واستدل الأولون بحديث أبي رافع (١): "تزوجها حلالًا، وكنت الرسولَ بينهما"، وقالوا: قول أبي رافع أرجح على قول ابن عباس: "تزوجها محرمًا" لعدة أوجه:
стр. 4167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحدها: أن أبا رافع إذ ذاك كان رجلًا بالغًا، وابن عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ الحلم، بل كان له نحو العشرة سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه.
الثاني: أنه كان الرسولَ بين رسول الله ﷺ وبينها، وعلى يده دار الحديث، فهو أعلم منه بلا شك.
الثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة، فإنها كانت عمرة القضية، وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين أعذرهم الله من الولدان، وإنما سمع القصة من غير حضور لها.
الرابع: أنه ﷺ حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت، ثم سعى بين الصفا والمروة وحلق ثم حل، ومن المعلوم أنه لم يتزوج بها, ولا بدأ بالتزوج قبل الطواف بالبيت، ولا تزوج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنه لم يقع، فصحَّ قول أبي رافع.
الخامس: أن الصحابة ﵃ غلَّطوا ابنَ عباس، ولم يغلِّطوا أبا رافع.
السادس: أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي ﷺ عن نكاح المحرم، وقول ابن عباس يخالفه، وهو مستلزم لأحد أمرين إما نسخه، وإما تخصيص النبي ﷺ بجواز النكاح محرمًا، وكلا الأمرين مخالف للأصل، ليس عليه دليل فلا يُقبَل.
السابع: أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، ذكرها ابن القيم في "الهدي" (١).
قلت: وكل واحد من وجوه الترجيح مردود.
стр. 4168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما الأول: فلأن هذا القول في ترجيح حفظ أبي رافع على حفظ ابن عباس لم يقل به أحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ولا يساعده رواية ولا دارية؛ فإن الحفظ أمر فطري لا دخل فيه لكبر العمر ولا لصغره، ألا ترى أن مرتبة البخاري في حفظه في الصغر، هل يدانيه أحد غيره في كبره؟ فما لابن عباس من العلم والفقه والحفظ والإتقان مع صغره لا يُدانيه أبو رافع، وإن كان في الصحة سواء.
ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف لما اعترض على عمر بن الخطاب بأنه كان يدنيه في مجلسه مع الأشياخ، وقال: وكيف تدنيه ولنا أبناء مثله؟ فأجاب: إنكم تعلمون ما مرتبته في العلم والفقه، ثم سألهم عن معنى قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فسكتوا، وأجاب ابن عباس بأن المراد أجل رسول الله ﷺ ، وقد حدث بهذا الحديث في حال كبره، ولم يعتريه شك وشبهة. فروى عنه أصحابه المتقنون إلى أن أخرجه الستة (١) في كتبهم، فكيف يرجح قول أبي رافع على قول ابن عباس؟ !
وأما الثاني: سلَّمنا أن أبا رافع كان الرسولَ بين رسول الله ﷺ وبينها، وعلى يده دار حديث الخطبة والرسالة، ولكن لا نسلِّم أنه أعلم من ابن عباس؛ فإن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع إلى مكة ليخطبها له، ففوَّضتْ أمرَها إلى أختها أم الفضل زوجةِ عباس بن عبد المطلب، وفَوَّضَتْ أمُّ الفضل أمرَها إلى زوجها عباس بن عبد المطلب، فلم يكن أبا رافع إلا أنه بلَّغ رسالة الخطبة، ولم يكن له دخل في النكاح، ولا نعلم في رواية أنه باشر النكاح، أو كان حاضرًا في مجلس النكاح، بل باشر النكاحَ عباسُ بن عبد المطلب ﵁، ولهذا نستدل بأن ابن عباس أعلم بحال النكاح؛ فإنه ابنه.
стр. 4169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الثالث: فلا نسلم أن ابن عباس ﵁ لم يكن معه ﷺ في تلك العمرة، ولا رأيناه في رواية أنه لم يكن معه ﷺ في عمرة القضاء، ولو سُلِّم فإنه إنما سمع القصة مع غير حضور منه لها من العارفين بالقصة حتى تيقين به، وبلَّغها أصحابه المتقنين.
وأما الرابع: فإنه حقيق بأن يضحك عليه الصبيان، وقد ثبت في الروايات: أن رسول الله ﷺ تزوجها في طريق مكة، حتى إنه وقع في حديث يزيد بن الأصم: أنه تزوجها بسرف. وقد أخرج النسائي في "مجتباه" (١) بسنده عن ابن عباس قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث وهو محرم، وفي حديث يعلى: بسرف.
قلت: ويعلى ثقة، فاتفق الفريقان على أن التزوج وقع في سرف فكيف يقال: صح قول أبي رافع يقينًا؟
وأما الخامس: فجوابه أنه غلط محض، لم يغلِّط أحد من الصحابة فيما بلغنا من روايات، ابنَ عباس إلَّا ما روي عن سعيد بن المسيب عند أبي داود وغيره، قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو (٢) محرم. ولو سلِّم فتغليط أحد من الصحابة حديثَ ابن عباس لا يساوي شيئًا، فكيف بتغليط سعيد بن المسيب؟ !
وأما السادس: فحديث النهي عن نكاح المحرم يحتمل أحد الأمرين: إما أن يكون النهي على التحريم، أو على التنزيه، فعلى الأولى نسلم أنه يوافقه، ولكن لا دليل عليه، وعلى الثاني فلا يوافقه، والدليل عليه قوله: "ولا يخطب" فإن الخطبة غير منهي عنه نهي التحريم على الاتفاق، وعلى الاحتمال لا يجوز الاحتجاج به.
وأما السابع: فسلَّمنا أن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة روى: أن
стр. 4170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ تزوجها حلالًا، وكانت ميمونة خالته، ولكن قوله لا يساوي قولَ ابن عباس ﵁، وقد ردَّه عمرو بن دينار على ابن شهاب الزهري وجرَّحه، أخرج البيهقي في "سننه" (١) من طريق الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار قال: قلت: لابن شهاب: أخبرني أبو الشعثاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نكح وهو محرم، فقال ابن شهاب: أخبرني يزيد بن الأصم: أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو حلال، وهي خالته، قال: فقلت لابن شهاب: أتجعل أعرابيًا بوالًا على عقبيه إلى ابن عباس ﵁ وهي خالة (٢) ابن عباس أيضًا.
قال الزيلعي: ورجَّح بعضهم بدليل غير الذي قدمنا، وقال: وهو أقواها، هو أنه قد روت ميمونة وهي صاحبة القصة أنها تزوجها رسول الله ﷺ وهو حلال، وفي رواية: تزوجني ونحن حلالان بسرف.
فالجواب عنه أولًا: أن ميمونة ﵂ لم تقل لنا بنفسها الشريفة، بل رواها عنها يزيد بن الأصم، وقد تقدم الجواب عنه.
وثانيًا: أن ميمونة ﵂ لم تعقد نكاحها بنفسها، بل فوَّضت أمرَها إلى العباس بن عبد المطلب فأنكحها, ولم تحضرها ميمونة، فكيف يقال بأنها صاحبة القصة، وهي أعلم من الجميع بها؟ فلا تكون روايتها مرجحة، بل معنى قولها: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف، أي: بنى بي.
وأما وجوه ترجيح حديث ابن عباس على حديث أبي رافع ويزيد بن الأصم فكثيرة، منها: أن ابن عباس في مرتبة من العلم والفقه والإتقان والحفظ